السبت، أغسطس 31، 2019

ليلة سقوط «الصقر» السوفياتي في بيروت

في الثامن من آذار (مارس) الجاري توفي الضابط اللبناني المتقاعد العميد غابي لحود في العاصمة الإسبانية مدريد حيث تم دفنه.
هذا الضابط كان له دور كبير في مرحلة من أهم المراحل اللبنانية التي جرى خلالها التحول من عهد كان محسوباً على الجيش بقيادة الجنرال فؤاد شهاب بين مطلع الإستقلال في العام 1943، ثم برئاسته للجمهورية من عام 1958 إلى عام 1964، وبعده في عهد الرئيس شارل حلو، حتى عام 1970 حين توقف «العهد الشهابي».
وبرحيل العميد لحود يعود الزمن اللبناني الى حقبة الستينات من القرن الماضي، وتعود محطات يمكن التوقف عندها:
منتصف الليل في العاصمة اللبنانية بيروت (30 أيلول/ سبتمبر 1969)، السكون يعم حي «الأونيسكو» في الشطر الغربي من المدينة، وحركة المرور والسكان بين المنازل شبه معدومة. فالطقس كان حاراً، ورطباً، ومنزلي كان في ذلك المحيط، على مسافة قصيرة من مبنى سفارة الإتحاد السوفياتي.
... وسُمع صوت إطلاق رصاص داخل إحدى البنايات. رصاصتان، أو ثلاث، لا أكثر. ثمّ خيّم الصمت، وبعد دقائق سُمع صدى مرور سيارات عسكرية... اثنتان «جيب» وثالثة «إسعاف».
توقفت السيارات الثلاث أمام مبنى من ثلاث طبقات يبعد نحو مئتي متر عن مقر السفارة السوفياتية، وضُرب طوق عسكري حول ذلك المبنى وشمل حرم السفارة، وبعد قليل إنطلقت سيارة الإسعاف باتجاه المستشفى العسكري قرب المتحف الوطني في الشطر الشرقي من بيروت، وساد الصمت.
كنت في ذلك الوقت مدير التحرير في جريدة «الأنوار» وموقعها في الشطر الشرقي من بيروت، وقد تلقيت اتصالاً من عائلتي التي كانت بالقرب من الحادث، ومن دون تفاصيل. وأجرينا اتصالات مع المراجع الأمنية، ولم نحصل على معلومات: «لا شيء». كان «الترانزستور» في صالة التحرير ينقل أخباراً عادية، وكانت معظم الصحف في ذلك الزمن تعتمد على محطات الإذاعات العربية، والأجنبية، وخصوصاً الـ «بي بي سي» من لندن... وفجأة قطعت الـ «بي.بي.سي» برنامجها لتعلن نبأ عاجلاً من مراسلها في بيروت يفيد أن «إشتباكاً بالرصاص جرى في داخل شقة يسكنها ديبلوماسيان من طاقم السفارة السوفياتية». وتوقف المذيع عند هذه الفقرة. ثم عاد مرة أخرى وأفاد بأن الاشتباك حصل بين الديبلوماسيين وجنود من الجيش اللبناني... ولا تفاصيل»!
قبل أن نحاول الاتصال بـ «المكتب الثاني»– جهاز المخابرات- في الجيش اللبناني للحصول على معلومات مسموح بنشرها، تبلّغنا: لا معلومات... لا تخالفوا القواعد، وإذا تبلّغنا شيئاً نبلغكم»!
وفي اليوم التالي نشر بعض الصحف اللبنانية، النبأ كما أذاعته محطة لندن، ولا تفاصيل... وقد تبيّن أن مراسلاً لوكالة «رويتر» في بيروت كان ساهراً في منزل صديق له في الحي القريب من السفارة السوفياتية، وهو كان مصدر النبأ، وقد أضاف إليه في إتصال آخر معلومات إضافية خلاصتها «أن الاشتباك دار بين الديبلوماسيين السوفيات وجنود من الجيش اللبناني،» ثم تبيّن أن الاشتباك أسفر عن تعادل بالإصابات: اثنان من جهاز السفارة، وضابطان من الجيش اللبناني. وعند هذا الحد توقفت التفاصيل الرسمية.
ولكن، ماذا حدث في «الجناح» غير المعلن للسفارة السوفياتية في ذلك الوقت؟ ومن كان في الجناح من طاقم السفارة؟ ولماذا جاء ضابطان في الجيش اللبناني الى هناك؟ ومن هما وماذا كانت مهمتهما؟ ومن هم المسؤولون السوفيات الذين كانوا في الشقة، ومن كان البادئ بإطلاق الرصاص، ولأي سبب؟
كل تلك الأسئلة بقيت بلا أجوبة ظلّت محصورة لدى الجانبين اللبناني والسوفياتي بضع ساعات قبل أن تبدأ وسائل الإعلام الأجنبية تكشف الأسباب والتفاصيل، وخلاصتها: المخابرات العسكرية السوفياتية الـ (KGB) كانت تعمل لخطف طائرة «ميراج» فرنسية من سلاح الجو اللبناني بواسطة ضابط طيار لبناني، وقد تجاوبت المخابرات العسكرية اللبنانية مع المؤامرة لاستدراج السوفيات الى الفخ، حتى إذا وقعوا فيه كان الثمن الذي يطلبه اللبنانيون في المقابل سياسياً، وهو: تأييد موسكو لإعادة انتخاب الجنرال فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية مرة ثانية بعد انتهاء ولاية الرئيس شارل حلو في أيلول 1970.
لكن تفاصيل ما حصل بعد ذلك كشفت كم هي خطرة لعبة الدول الصغيرة عندما تحاول اللعب على الدول الكبرى.
كان السوفيات يريدون الحصول على طائرة «الميراج-3» التي تُعتبر قمة ترسانة السلاح الجوي لفرنسا، كبرى الدول الأوروبية في حلف شمال الأطلسي. وفي الوقت ذاته كانت «الميراج» الطائرة الهجومية التي تملكها إسرائيل، وبأسراب منها أغارت على المطارات الحربية المصرية ودمرتها عام 1967، كما دمرت تحصينات الجبهة السورية في الجولان، وفي تلك الحرب ذهبت طائرات «الميغ 21» و «السوخوي» السوفياتية ضحية الضربة المباغتة التي شاركت فيها أجهزة الأسطول الأميركي في البحر المتوسط. وصارت «الميراج- 3» هدفاً سوفياتياً لكشف أسرارها ومواصفاتها التكنولوجية والهجومية.

«الميراج» للبنان
بين الدول العربية في ذلك الزمن لم يكن سوى لبنان الدولة العربية التـي تملك سرباً من «الميراج-3» يتألف من اثنتي عشرة طائرة، وقد حصل عليها عام 1964 بتسهيلات استثنائية من الرئيس شارل ديغول، أما الجهة الممولة فكانت «القيادة العربية الموحدة» التي شكلتها الجامعة العربية في مطلع الستينات من القرن الماضي لخوض معارك كانت تستعد لها مصر وسوريا ولبنان والأردن، حماية لتنفيذ مشروع تحويل روافد نهر الأردن. لكن المواجهة لم تتم. فقد توقفت أشغال التحويل في بداياتها بعدما كادت تؤدي إلى حرب شاملة في المنطقة مع إسرائيل.
اثنتا عشرة طائرة «ميراج -3» كانت رابضة على مدرج مطار «القليعات» العسكري في حضن منطقة الشمال المتصلة بالأراضي السورية، وهناك، بين الطيارين في سلاح الجو اللبناني، كان من يمكن أن يكون متعاطفاً مع التيار العربي الناصري المؤيد للاتحاد السوفياتي، زمن نصير العرب بالسلاح والعتاد في صراعهم مع إسرائيل. فأي هدف يمكن أن يكون أسهل من هذا الهدف أمام جهاز الـ (KGB) للحصول على واحدة من تلك الطائرات الفرنسية والفرار بها؟
وتعددت الروايات حول عملية «الميراج»، ومضى وقت طويل قبل أن يكشف رئيس «المكتب الثاني» يومها العقيد غابي لحود بعض الأسرار.
وكان للجهاز السوفياتي في بيروت «وسيط» لبناني سبق له أن خدم في سلاح الطيران. وقد اختار ذلك الوسيط زميله في زمن الخدمة الضابط اللبناني الطيار محمود مطر ليعرض عليه تنفيذ عملية الفرار بـ «الميراج» مقابل مبلغ كبير من المال.
في البدء بدا الضابط مطر متردداً وطلب إعطاءه مهلة للتفكير في الأمر، ثم أبلغ رئيسه ما سمع فنقل هذا بدوره المعلومات الى رئيس «المكتب الثاني» العقيد غابي لحود الذي كان همه أن يهيّئ الفرص والضمانات لتأمين عودة الجنرال شهاب الى الرئاسة. وبسرعة حبكت في ذهن العقيد اللعبة– المغامرة، فطلب من الضابط الطيار أن يقبل العرض مبدئياً للوصول مباشرة إلى رجال المخابرات السوفياتية، وأن يكتم السر ويبقى على إتصال دائم معه.
كان العميد لحود قد رسم تصوراً إفترض أنه «خطّة» السوفيات، وفي المقابل، رسم هو خطته المعاكسة على أساس أن السوفيات يريدون طائرة «الميراج-3» و»المكتب الثاني» يريد رئاسة الجمهورية لفؤاد شهاب الذي لم يكن يعلم ماذا يحصل.
وكانت خطة العقيد لحود أن يقبض على أحد رجال المخابرات السوفياتية بالجرم المشهود، مع دليل مادي، في عملية سرقة «الميراج» ثم يأخذه إلى السفير السوفياتي في بيروت ليقول له: نحن وأنتم أصدقاء. هذا هو رجلكم مع دليله. سوف نكتم السر. إنما نطلب فقط ترحيله، ثم نتفاهم.
وكان في حساب لحود أن السفير السوفياتي سوف يجد حكومته في ورطة تشكل فضيحة تكون لها أبعاد وأصداء دولية، فيرضخ للأمر الواقع، ويقدر لـ «المكتب الثاني» الشهابي صمته وتغطيته للفضيحة، ثم يعمل لإقناع عاصمة بلاده بتأييد انتخاب فؤاد شهاب، فيتغير موقف كمال جنبلاط وأصدقاء الاتحاد السوفياتي من النواب. وهكذا، كما تصور العقيد لحود، يتكامل الدعم المطلوب من الأكثرية النيابية اللبنانية، مع الدعم العربي والدعم السوفياتي، فلا يبقى لفؤاد شهاب سبب للإعتذار، أو التردد، في قبول إعلان ترشيحه للرئاسة.
كان في استطاعة العقيد لحود أن يتوجه الى السفير السوفياتي مباشرة، ويطلعه مسبقاً على المحاولة التي يقوم بها رجال الـ(KGB) ويطلب منه وقفها تجنباً للوقوع في الورطة، فيكسب الهدف الذي يسعى إليه، إلا أنه تخوّف من أن يتهمه السفير باختلاق خطة مؤامرة، ولذلك مضى في اللعبة للحصول على دليل مادي يضعه أمام السفير، وكان في ظنّه أن السفير سوف يتجاوب.
وكان الطيار اللبناني قد اطلع على الخطة السوفياتية التي وضعت للفرار بطائرة «الميراج-3» والوصول بها إلى أقرب مطار عسكري داخل إحدى الجمهوريات الآسيوية التابعة للاتحاد السوفياتي، وهو مطار يقع في جوار مدينة «باكو» عاصمة جمهورية آذربيجان القريبة من إيران.
وكان على الطيار، عندما يأتي دوره للقيام بطلعة تدريب من المطار العسكري في القليعات، أن يقلع بـ «الميراج-3»، ثم يقطع الاتصال مع قاعدته ويختفي، ثم يسلك المسار المحدد له إلى «باكو»، في حين يتكفل سلاح الطيران السوفياتي تأمين مروره ووصوله بسلامة.
كان التحضير للعملية قد إستمر نحو شهرين الى أن تم الاتفاق على تنفيذها في أوائل تشرين الأول (أكتوبر) 1969. لكن كان هناك شرط مسبق تمسّك به الطيار اللبناني بتوجيه من العميد غابي لحود. ويقضي الشرط بأن يتسلّم الضابط الطيار من رجل الـ (K.G.B) قبل بدء العملية، شيكاً موقعاً ومصدقاً ومسحوباً على بنك في سويسرا بمبلغ يساوي مليون دولار، بحيث يكون ذلك الشيك الدليل المادي الذي يريده رئيس «المكتب الثاني»، لكنه لم يكن يريد الشيك فقط، بل يريده مع رجل الـ(KGB) مقبوضاً عليه بالجرم المشهود.
وسارت العملية بسرعة وأمان حتى تلك الليلة التي انفجرت فيها الخطة، وتحولت كارثة على رأس «المكتب الثاني». فقد ذهب الضابط اللبناني في الموعد المحدد إلى شقة رجل الـ(KGB) لتسلّم الشيك مع الخطة النهائية لتنفيذ العملية. وكان الطيار الضابط مزوداً جهازاً صغيراً يمكنه في لحظة تسلّمه الشيك من إرسال إشارة إلى ضابط وبضعة جنود مرابطين قرب البناية.
في داخل الشقة كان رجلا المخابرات السوفياتيان ألكسندر خومياكوف وفلاديمير فاسيلياف، وكانت خطة العميد لحود مرسومة على أساس أن ينتظر الضابط في الخارج الإشارة من داخل الشقة ليقتحمها مع جنوده فيتمسك الطيار اللبناني بالشيك الذي تسلّمه وينقض على أحد رجلي الـ(KGB)، فيما يتولى الضابط وجنوده القبض على الرجل الآخر، وينتهي الأمر عند هذا الحد.
لكن الخطة التي رسمها «المكتب الثاني» انهارت مع إطلاق الرصاص وسقوط جرحى من الفريقين، ومعها انهارت خطة جهاز الـ(KGB) السوفياتي... فيما انشغلت وسائل الإعلام العالمية بمتابعة الحدث اللبناني الخطير.

نفوذ السفير
في بيروت كان للاتحاد السوفياتي في تلك المرحلة سفير ذو شخصية مميزة، له نفوذ قوي في قيادة الكرملين التي كانت تمنحه ثقة مطلقة، وتأخذ برأيه في أي موضوع لبناني. وكان ذلك السفير، سرفار عظيموف، نصيراً للقضية الفلسطينية وعلى علاقة متينة مع كمال جنبلاط، الذي وصف العملية بأنها مؤامرة سخيفة قام بها أغبياء لإلحاق الضرر بسمعة الإتحاد السوفياتي صديق العرب وحليفهم الأكبر
ولم تمض سنة إلا وخسرت كتلة «النهج الشهابي» معركة رئاسة الجمهورية في أواخر سنة 1970، وفاز خصمها اللدود سليمان فرنجية، فحاكم ضباط «المكتب الثاني»، وظهرت براءتهم من التهم الموجهة إليهم، لكن الرئيس فرنجية رتّب عملية إبعادهم من لبنان بتعيينهم ملحقين عسكريين في عواصم أفريقية وآسيوية، الى أن بلغوا سن التقاعد فخرجوا من الخدمة، وتوزعوا في لبنان ودول أخرى عربية وأجنبية، فيما استقر رئيسهم العميد غابي لحود في مدريد حيث تولى إدارة شركة للاستشارات والاستثمار كان يملكها صديق له من زمن الدراسة.
مضت أربع سنوات انطوت خلالها سيرة الضباط اللبنانيين، وفي الخامس عشر من كانون الأول (ديسمبر) 1973 وجدت نفسي في جنيف لتغطية «مؤتمر السلام» الذي إنعقد بعد تصفية حرب تشرين الأول في ذلك العام، وكانت مصر قد ربحت ثلاثة أرباع تلك الحرب، وربحت سورية نصفها، وقد شاركت مصر والأردن وإسرائيل، ورفضت سورية الحضور لأنها رفضت وقف النار حتى تمكنت من تحرير مدينة القنيطرة وقسماً كبيراً من الجولان.
انتهى مؤتمر جنيف بجلسة واحدة في حضور الأمين العام للأمم المتحدة كورت فالدهايم، ووزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية آنذاك هنري كيسنجر. واغتنمت فرصة وجودي في جنيف للاتصال بالعميد غابي لحود لعلي ألتقي به في مدريد فيكشف لي سر عملية خطف «الميراج» الفاشلة التي كان قد مضى عليها أربع سنوات. وإذ سألته إذا كان ممكناً أن يستقبلني في مدريد تمهل بالجواب، ثم رحّب بي، وعيّن لي الموعد والمكان في اليوم التالي.
وفي ردهة فندق «بلازا» في مدريد جلست أستمع إلى العميد لحود وأكتب، لنحو ثلاث ساعات. وقبيل منتصف الليل غادر العميد لحود على موعد لقاء قبيل ظهر اليوم التالي في الفندق عينه.
وفي الموعد المحدد وصل وراح يقرأ الصفحات، وأنا أراقب تعابير وجهه، كان يزم عينيه بين فقرة وأخرى... إلى أن إنتهى من القراءة، وقد ظلّ صامتاً، مطرقاً.. ثم نظر إلي بابتسامته، وكان يتهيأ ليقول لي وهو يضع كفه على الصفحات المكتوبة: هل تقبل دعوتي للبقاء في مدريد يوماً آخر لنراجع الموضوع معاً على مهل؟
وأدركت أنه بدأ يعيد التفكير في الموضوع من أساسه، وببساطة سحبت الأوراق، على مهل نحوي، وأنا أسأله عن النقاط التي يتحفظ عليها، وقلت له: عميد.. أنتم متهمون بفبركة عملية خطف طائرة «الميراج» الفرنسية لإلصاق تهمة القرصنة بالاتحاد السوفياتي، الصديق المخلص للدول العربية، خصوصاً الدول التي تحارب إسرائيل وتعتمد على الأسلحة والمعدات الحربية، وأهمها الطائرات الروسية المقاتلة وأطقمتها الفنية، فلماذا تحملتم عبء تلك التهمة للحليف السوفياتي للصديق المخلص للعرب ومقابل ماذا؟
وبمزيد من اللطف مع الصراحة كان جوابه:
هل تريد أن أصف لك باختصار ماذا كنا نريد، وماذا حصل؟
ثم تابع: كنّا نصوّب على عصفور فسقط بين أيدينا «صقر» جريح كاسر، ولم نعرف كيف نتصرف مع ذلك «الصقر» السوفياتي.
ثم... من نكون نحن أمام جهاز مخابرات الدولة السوفياتية العظمى؟
أضاف: نعم... أخطأنا في حساباتنا وأخطأنا في التصرّف. ولم نكن نقصد أبداً الإساءة إلى الاتحاد السوفياتي، وقد شرحت ذلك للسفير ولمعاونيه ولكمال بك، وكان من الممكن تدبير الأمر لو لم يعقد الملحق الصحافي السوفياتي مؤتمراً أعلن فيه أن المخابرات الإمبريالية دبرت العملية وأن المكتب الثاني اللبناني نفذها.
وقال العميد لحود: بعدما شعرنا بأن المصيبة وقعت على رؤوسنا وجدنا أنفسنا مرغمين على نشر صورة الشيك وبعض الأدلة الثبوتية التي توافرت لدينا، لا لكي نشهّر بالاتحاد السوفياتي، بل لكي نرفع عنا تهمة التعامل مع الإمبريالية.

الجمعة، أغسطس 30، 2019

خدع وألاعيب الحكومة الإيرانية…

تحاول حكومة إيران خداع شعبها وتظليله لتفسير سوء الحالة المعيشية وصرف ثروات البلد على منظمات إرهابية مزعزعين الامن بالمنطقة.
ادعت الحكومة الإيرانية انها استثمرت أموال الشعب وأربع سنوات لإنتاج طائرة محلية الأولى من نوعها
وفي الحقيقة ان الطائرة هي صناعة امريكية من نوع F-5A مصنوعة عام 1960 وكانت ايران قد اشترت 127 طائرة من نوع F-5A/B سنة 1972 و 181 طائرة من نوع F-5E/F سنة 1979 . وكل ما قام به المهندسين الايرانيين هو طلاء الطائرة


حزب الله طُرد من بلدة معلولا السورية بعد سرقة كنز أثري ونقله إلى الأراضي اللبنانية

تزامناً مع الانتشار الجديد لمليشيا “حزب الله” اللبنانية في بعض قرى القلمون الغربي، انسحبت مجموعاته من بلدة معلولا بشكل كامل، مع إخلاء كافة مقراتها ومستودعاتها من السلاح والعتاد العسكري، بحسب مراسل “المدن” سليم النحاس.

وكانت “المدن” قد أشارت إلى إخلاء الحزب لبعض مواقعه في البلدة المسيحية، إلا أنه عاد ونفذ انسحاباً كاملاً، فأخلى دير مار تقلا وحاجز مدخل معلولا، أكبر حواجز القلمون الغربي. وتمركزت مجموعات الحزب المُنسحبة في الجبال المحيطة بمعلولا، والتي عملت سابقاً فيها على حفر أنفاق وخنادق لتخزين السلاح والمبيت داخلها.

مصادر خاصة لـ”المدن”، كشفت تفاصيل خروج “حزب الله” بشكل مفاجئ، مؤكدة أن رأس النظام يقف وراء انسحابه من المنطقة بشكل مُباشر. وقالت مصادر “المدن” إن رُهباناً وقساوسة، فضلاً عن مسؤولين مسيحيين من البلدة، تقدموا بشكوى رسمية للرئيس بشار الأسد، خلال زيارته لبلدة صيدنايا المجاورة في تموز/يوليو.

الشكوى أكدت قيام “حزب الله” بسرقة كنز أثري، ونقله إلى الأراض حزب الله طُرد من بلدة معلولا السورية بعد سرقة كنز أثري ونقله إلى الأراضي اللبنانية ي اللبنانية، بعد العثور عليه مؤخراً في دير مار تقلا التاريخي. وأكدت الشكوى أن الحزب لم يتوقف عن التنقيب عن الآثار والذهب وسرقتها، وهي تعتبر كنوزاً للبلدة والكنائس التاريخية فيها. الحزب واصل التنقيب عن الآثار منذ سيطرته على البلدة في 2014. وكان رجال دين مسيحيون قد حرّضوا بعض قادة المليشيات المسيحية الموالية، لمضايقة عناصر “حزب الله”، بعدما تعهد بشار الأسد، بإخراجهم من معلولا بشكل سريع.

مصادر “المدن” قالت إن بشار طلب من قيادة “حزب الله” سحب مجموعاتها من معلولا، تجنباً لصدام مسيحي–شيعي في قرى القلمون، بعد تأكيد حوادث سرقة الذهب وآثار الكنائس والأديرة التي يعود عمرها لمئات السنين. ويتهم أهالي معلولا، ورجال الدين المسيحيين، مليشيا “حزب الله” واستخبارات النظام، بالوقوف خلف عمليات النهب الممنهجة التي طالت دير مار تقلا بُعيد خروج تنظيم “جبهة النصرة” منها.

إذ وثق الأهالي والمختصون، سرقة عناصر الحزب لعشرات اللوحات والأيقونات التي تعود لقرون ماضية، وكيلوغرامات من الذهب العتيق، وقطع أثرية كانت داخل الدير، رغم ادعاء الحزب ومخابرات النظام بأن “جبهة النصرة” من قامت بتلك السرقات، في فترة سيطرتها القصيرة على المدينة بين أيلول 2013 ونيسان 2014.

وليست معلولا وحدها من شهدت عمليات تنقيب من قبل “حزب الله” عن الذهب والآثار، بل أن ذلك يجرى بشكل متواصل في جميع مناطق سيطرة الحزب، كما يحدث الآن في البخعة ويبرود في القلمون الغربي.

كذبة تحرير جنوب لبنان…

نشرت صحيفة شبيجل الألمانية يوم 13 / 6 /2004 تفاصيل الاتفاق السري الذي جرى بين حزب الله واسرائيل والذي مهد للانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان، وبحسب الصحيفة فان الاتفاق الذي كان يعرف بـ “قواعد اللعبة” تم بين لجنة امنية من ميليشيا حزب الله والجيش الاسرائيلي وكان الهدف منه انسحاب الجيش الاسرائيلي من جنوب لبنان مقابل ضمانات امنية من حزب الله بحماية شمال اسرائيل
اتفاق “قواعد اللعبة” يثبت بما لا يقبل الشك بان حزب الله استبدال الاحتلال الاسرائيلي لجنوب لبنان باحتلال ايراني-سوري ما زلنا نعاني منه حتى يومنا هذا 
“قواعد اللعبة” او اتفاق التفاهم الذي تم قبل الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب عام 2000 ، والذي كان أبرز بنوده ما تم نشره بعد تسريبه في صحيفة شبيجل الألمانية يوم 13 / 6 /2004 ، وكانت بنود الاتفاق كما يلي :
المرحلة الأولى من الاتفاق : تشكيل لجنة أمنية من ميليشيا حزب الله وجيش الدفاع الإسرائيلي لوضع خطة ميدانية لترتيب عملية انسحاب جيش الدفاع الإسرائيلي بإشراك بعض الضباط الأمنيين في الجيش اللبناني الذين يختارهم حزب الله.
المرحلة الثانية بند ( أ ) يقوم الجيش الإسرائيلي بسحب قواته كافة من كامل الأراضي اللبنانية والحزام الأمني إلى الحدود الدولية في مدة لا تتعدى ثلاثة أشهر تحت إشراف ممثل الأمين العام للأمم المتحدة وفقا للقرارات الدولية المتعلقة بجنوب لبنان وإنهاء حالة الحرب هناك، كما يقوم جيش الدفاع الإسرائيلي بحل وتفكيك مليشيات جيش لبنان الجنوبي، ولا يشمل الانسحاب مزارع شبعا على أساس أنها أرض سورية، مرتبطة أمنيا بهضبة الجولان، وأمن دولة إسرائيل.
فقرة (ب) تقوم ميليشيات حزب الله بتسلم المواقع العسكرية والأمنية من جيش الدفاع الإسرائيلي، وجيش لبنان الجنوبي فورا بعد إخلائها؛ للحيلولة دون وقوعها بأيدي منظمات فلسطينية أو إرهابية معادية لإسرائيل.
فقرة (ج) يتعهد الجيش الإسرائيلي بعدم استهداف أعضاء أو مؤسسات تابعة لهذا الحزب، وأن يسمح للحزب بتحريك أسلحته الثقيلة في المنطقة الحمراء للحفاظ على الأمن والهدوء.
فقرة (د) أن تعمل ميليشيا حزب الله على الانتشار في المنطقة الحمراء كلها “الحزام الأمني” حتى الشريط الحدودي بين لبنان ودولة إسرائيل وإحلالها مكان ميليشيا جيش لبنان الجنوبي بعد حل الأخرى.
فقرة (و) أن يعمل الحزب على ضمان الأمن في هذه المناطق التي ستصبح تحت سيطرته، وذلك “بمنع المنظمات الإرهابية من إطلاق الصواريخ على شمالي إسرائيل”، ووقف التسلل، واعتقال العناصر التي تهدد أمن حدود إسرائيل الشمالية، وتسليمهم إلى السلطات اللبنانية لمحاكمتهم، كما يتعهد الحزب بمنع الأنشطة العسكرية وغير العسكرية لمنظمات إرهابية فلسطينية أو لبنانية معادية لإسرائيل في المنطقة الحمراء.
فقرة (هـ) تنسق الحكومة اللبنانية والسورية مع حزب الله على تنفيذ الاتفاق كما تتعهد إيران بكونها المرجع والمؤثر القوي لحزب الله بضمان الاتفاق والمساهمة الفعالة في تثبيت الأمن في هذه المنطقة.
وتتعهد الحكومة اللبنانية والسورية بعدم ملاحقة، أو محاكمة أعضاء جيش لبنان الجنوبي وأن تقدما المساعدة على دمجهم بالمجتمع وتوفير المساعدة والحماية اللازمة لمن يرغب منهم العودة إلى بيته، وبناء عليه ستقوم كل من إيران وأمريكا بالسعي لحل مشكلة الأموال الإيرانية المجمدة في الولايات المتحدة التي تطالب بها إيران .
كل ماسبق يشير بشكل واضح الى إن الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان كان سيناريو متفق عليه بين الجانبين الاسرائيلي وحزب الله ، وبالتالي فان مسرحية التحرير ليست سوى بطولات وهمية حتى يتمكن حزب الله من الاحتفاظ بسلاحه بهدف السيطرة على لبنان في اقرب فرصة ممكنة
تادي عواد

السبت، أغسطس 24، 2019

توافق أميركي ـ روسي على أمن إسرائيل يشمل سوريا والعراق

تأكد إقدام إسرائيل مرات عدة في الأسابيع الماضية على قصف مخازن سلاح وصواريخ إيرانية في العراق تنفيذاً لتوافق أميركي ـ روسي لـ«ضمان أمن إسرائيل في العراق وسوريا»، بحسب مصادر دبلوماسية غربية، قالت لـ«الشرق الأوسط» إن التفاهم قضى بألا تعلن تل أبيب رسمياً عن غاراتها.

وأعلن في بغداد أمس، عن اندلاع «تفجير غامض» طال مخازن أسلحة تابعة لـ«الحشد الشعبي» في محيط قاعدة بلد الجوية بمحافظة صلاح الدين.

ويعود أول قصف على مخازن سلاح إيرانية إلى 19 يوليو (تموز) الماضي، عندما تم استهداف «اللواء 52» من «الحشد الشعبي» في معسكر بلدة أمرلي في محافظة صلاح الدين. وفي 28 يوليو، جرى شنّ غارة استهدفت معسكر أشرف في محافظة ديالى وأسفرت عن تدمير صواريخ.

وبين غارتي 19 و28 يوليو على العراق، قصفت إسرائيل مجدداً تلة الحارة الاستراتيجية في ريف درعا، قرب الجولان السوري المحتل.

من جهته، لمح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أن بلاده كانت وراء الغارات في العراق. وقال «إن إيران ليست لديها حصانة في أي مكان. سنتصرف ضدهم (الإيرانيين)، أينما كان ذلك ضرورياً».

الجمعة، أغسطس 23، 2019

الصراع على الزعامة الشيعيّة في لبنان (3)

في لبنان، سعى الإمام موسى الصدر، بدأب وجدّيّة، إلى توحيد الطائفة على شتّى المستويات: من
وقف التقاتُل في برج حمّود بين شبّان مهاجرين من الجنوب وبعلبك، وبعضُ التقاتل كان دامياً، وبعضُه حرّكه سياسيّون ومُغرضون، إلى محاولات التقريب بين زعماء الشيعة وقادتهم، كما بينهم وبين التجّار والمدراء والمتعلّمين.
لكنّ المعارضة له ولمجلسه كانت جدّيّة ودؤوبة أيضاً. على رأس تلك المعارضة وقف كامل الأسعد، المشهور بصلَفه وتجاهُل كلّ جديد يتهدّد زعامته القديمة.
المقارنة لم تكن لصالح “الزعيم الوائليّ”: فقراء الشيعة الذين تعوّد الأسعد أن يخاطبهم من برج سامٍ، من دون أن يُخفي قرفه منهم وبرمه بهم، كسب الإمامُ قلوبَهم بأدبه وتواضعه. الأوّل، الذي يُفترض أنّه أرضيّ، كان يتصرّف على نحو سماويّ. الثاني، الذي يُفترض أنّه موصول بالسماء، كان أرضيّاً جدّاً. المثقّفون الذين انحازوا إلى “السيّد موسى” رأوا أنّه يردّ إلى الشيعة التمكين والقوّة اللذين حرمهم منهما “عطوفة الرئيس” وضمّهما إلى نفسه. غير المثقّفين رأوا فيه وريثاً شرعيّاً لبساطة الراحل أحمد الأسعد و”شعبيّته” اللتين تنكّرت لهما عجرفة نجله.
إنّه، في الأحوال كافّة، الغد مقابل الأمس. على هذا النحو ارتسمت المواجهة في أنظار الكثيرين.
تلك المقارنة بين رجل الدين الذي كانه الإمام، ورجل السياسة الذي كانه البك، أحدثت أثراً ضخماً في الوعي والتصوّر، أثراً سوف ينحرف بعد حين، وسوف تسجّل السنوات اللاحقة بعض أسوأ نتائجه. ففي وقت يرقى إلى 1959، سنة وصول الصدر إلى لبنان، طاف رجلُ دين محترم هو محمّد جواد مغنيّة بعض قرى الجنوب وسجّل مدى كراهية الجنوبيّين لرجال الدين ومدى عزوفهم عنهم. هذا ما شرع الصدر يغيّره، مضيفاً إلى كاريزماه التي استمدّها من الدين كاريزما استمدّها من الإنجاز والعمل.
مع ذلك، وُجد بين زملائه المشايخ مَن يعارضه ويعارض مجلسه لأسباب عدّة. رجال دين، بعضهم بعلبكيّ كحسين الخطيب وسليمان اليحفوفي، وقفوا هذا الموقف، لكنّ الإمام نجح، على نحو أو آخر، في تحييدهما. الأمر نفسه يقال عن الشيخ محمّد مهدي شمس الدين الذي آثر في البداية أن يتحفّظ، إلى أن سُمّي، بطلب مُلحّ من رئيس المجلس الجديد، نائباً له. المعارضة كانت أصلب عند رجال الدين الأسعديّين كأحمد شوقي الأمين، وبعض مشايخٍ شبّانٍ على صلة بأحزاب اليسار أو بالتنظيمات الفلسطينيّة الناشئة، كمحمّد حسن الأمين، فضلاً عن مشايخ آل صادق المعروفين بمحافظتهم.
محمّد حسين فضل الله، من جهة أخرى، مثّل حالة اعتراض مختلفة. فهذا السيّد والشيخ الذي شارك في تأسيس “حزب الدعوة” في العراق، إلى جانب محمّد باقر الصدر ومحمّد مهدي شمس الدين، عاد في 1966 من النجف ليستقرّ في منطقة النبعة، وسط المهاجرين الجنوبيّين إلى الضاحية الشرقيّة من بيروت. لقد تحفّظ فضل الله على “اعتدال” الصدر و”لبنانيّته غير الإسلاميّة”، وفي تحفّظه هذا، كان أكثر أدلجةً وجذريّةً من الباقين.
السياسيّون، باستثناء الأسعد، وقفوا بين بين. صبري حمادة ربطه احترام متبادل بالصدر، لكنّه خشي الانقلابَ على المألوف اللبنانيّ كما تمرّن عليه وأجاده قبل عشرات السنين. زعماء الصفّ الأوّل، بمن فيهم حمادة نفسه، اختاروا البرودة والترقّب: لقد تركوا للأسعد احتكار العداء، مؤثرين التودّد للصدر وانتظار ما سينجم عن حركته. حمادة، كرئيس للبرلمان في 1967، دعم بقوّة مشروع المجلس الشيعيّ الأعلى، وهو ما فعله نوّاب شيعة آخرون كان من المستحيل، أقلّه حيال جمهورهم، أن يعارضوه.
عهد فرنجيّة – الأسعد
الطامة الكبرى كانت انتخاب سليمان فرنجيّة رئيساً للجمهوريّة في 1970. كامل الأسعد كان حليفه وصديقه وشريك انتصاره بفعل انتساب الاثنين، ومعهما صائب سلام، إلى “تكتّل الوسط”. حرصُ فرنجيّة على إرضاء الأسعد، معطوفاً على وعيه المناهض لكلّ إصلاح، أحكم إغلاق الباب في وجه الإمام وفي وجه مشروع الليطاني لريّ الجنوب وحزمة مطالب إنمائيّة بسيطة، إن لم تكن بديهيّة.
حادثةٌ أخرى أضافت الغضب الشخصيّ إلى التنافر السياسيّ. ففي 1970، حين انتُخب كامل الأسعد، مرّة أخرى، رئيسا للمجلس النيابيّ، جاء الصدر لتهنئته. الأسعد استقبله ثمّ ودّعه وهو جالس وراء مكتبه لا يتزحزح. في اليوم التالي، نشرت الصحف صورة لرئيس المجلس، وهو متأهّب منتصب القامة، في استقبال واحد من المطارنة المهنّئين.
لا فرنجيّة ولا الأسعد كانا على بيّنة ممّا يحصل على الأرض أو يموج تحتها. فهجرة الجنوبيّين، ومنذ الخمسينات البعلبكيّين، إلى العاصمة، وفّرت جمهوراً للصدر، ولاحقاً لـ “حزب الله”. ذاك أنّ النزوح الريفيّ إلى بيروت، على عكسه في طرابلس، ذو لون مذهبيّ يغاير لون سكّان المدينة “الأصليّين”. لكنّ هذا التطوّر الكبير والمتعاظم رتّب مشكلات لم يكن من السهل تذليلها، لا سيّما بعد ظهور المقاومة الفلسطينيّة وفصائلها السخيّة في توزيع السلاح.
فمنذ 1969 شرعت تظهر تنظيمات شيعيّة صغرى كـ “فتيان عليّ”، وقبضاياتٌ سبق لبعضهم أن تبادلوا الخدمات مع “المكتب الثاني”. لم يكن واضحاً ما إذا كان الصدر مَن أوعز بظهور هؤلاء وأولئك في استعراض قوّةٍ أراده مضبوطاً ومحدوداً، أو إذا كان مصدرَ استلهامٍ لهم في أزمنة مضطربة تستدرج الزعماء الحُماة. في الحالات جميعاً، تململ نطاقٌ شيعيّ عريض شكّله الحِرَفيّون وأصحاب الدكاكين الصغيرة وبائعو الخضار المتجوّلون والثابتون، وتجّار الأدوات المنزليّة البسيطة، المهاجرون من قضائي صور وبنت جبيل. هؤلاء، ممّن أقاموا في النبعة وبرج حمود، ربطتهم بالتجمّعات الفلسطينيّة المقيمة في تل الزعتر علاقات جيرة متفاوتة المعاني، التعاطفُ والتضامن فيها يتاخمان التنافس والعداء واليقظة على التباين المذهبيّ. المؤكّد أنّ السلاح كان مادّة التبادل وجسر التأثّر والتأثير.
يومذاك شاع البحث عن هويّات تمكّن الجماعات المهاجرة والقلقة وتحميها في مواجهة جماعات قلقة أخرى، أو تطرد تفتّتها وجهل واحدتها بسواها عبر استنباط لحمة عقائديّة توحي بتوحيدها وتقيم التعارف بينها. وفي زمن كذاك، زمنٍ كان ينضح بترهّل الدولة وعقم السياسة وتفاهة السياسيّين، بات السلاح الشرط الشارط للهويّة الصاخبة. فإذا كان السلاح من دون هويّة يشبه العمى، فإنّ الهويّة من دون سلاح تشبه الشلل.
من ناحية أخرى، تأدّى عن الأزمة الاجتماعيّة، مصحوبةً بالتخلّي عن الخطط الشهابيّة في ما خصّ المناطق الحدوديّة والعشائر، توسُّعُ ظاهرة “الطفّار” في البقاع. التنظيمات الفلسطينيّة المسلّحة، خصوصاً منها تلك المدعومة من سوريّا، شرعت تسدّ بعض تلك الفراغات استقطاباً وتسليحاً. التقاطع الإيديولوجيّ بين التنظيمات الفلسطينيّة وأحزاب اليسار اللبنانيّ كان يدفع الأولى إلى استيراد الرواية السلبيّة عن الصدر كما صدّرتها الثانية.
الانطباع الخاطىء
انتخابات 1972 أعطت انطباعاً ما لبث أن تبيّن خطؤه في وقت لاحق: اليسار وحلفاء المسلّحين الفلسطينيّين يستولون على الأفق. يومها، وفي مواجهة كامل الأسعد الذي فاز بـ 15 ألف صوت، استطاع صديق الشيوعيّين حبيب صادق أن ينال أكثر من عشرة آلاف صوت. البعثيّ السابق علي الخليل انتُخب نائباً عن صور. لدى الطوائف والمناطق الأخرى، بدت الأمور مشابهة: ألبير منصور، صديق الشيوعيّين بعد ماضٍ بعثيّ، انتُخب في بعلبك. البعثيّ عبد المجيد الرافعي في طرابلس. الناصريّ نجاح واكيم في بيروت الثالثة. كذلك رُشّح عن طرابلس، ونال أرقاماً معقولة، الأمين العامّ للحزب الشيوعيّ نقولا الشاوي. خالد صاغيّة، صديق البعثيّين، شكّل في عكّار أوّل لائحة في تاريخها لم يتمثّل فيها البكوات المراعبة فيما ضمّت السوريّ القوميّ فؤاد عوض. صديق الشيوعيّين علي سعد والبعثيّ فايز قزّي اختيرا على لائحة كمال جنبلاط في الشوف. القوميّ العربيّ مصطفى صيداوي رُشّح في طرابلس، النقابيّ الشيوعيّ الياس بواري في كسروان، يساريّون وقوميّون على نحو أو آخر، كمعين حمّود وأسامة فاخوري ومحمّد زكريّا عيتاني، رُشّحوا في بيروت. كذلك فعل محمود طبّو في الضنّيّة. السوريّان القوميّان أسد الأشقر وعبد الله سعادة خاضا معركتي المتن الشماليّ والكورة. هؤلاء كلّهم أحرزوا أرقاماً جيّدة.
بطبيعة الحال كان ردّ هذه النتائج إلى إقبال إيديولوجيّ على العقائد القوميّة واليساريّة ضرباً من السذاجة، سيّما وأنّ معظم المرشّحين المذكورين تحالفوا انتخابيّاً مع “تقليديّين” و”رجعيّين”، أو أخفوا وجوههم العقائديّة حين خاضوا انتخاباتهم. لكنّ هذه السذاجة الاحتفاليّة في تأويل الحاضر ورسم طريق المستقبل قابلَها الغباء الاحتفاليّ لزعماء عالقين في ماضٍ لا يمضي. هؤلاء كان التاريخ يطويهم بطرقه العجيبة والكثيرة فيما هم غافلون تماماً، يستغرقهم استئناف ألعاب دمويّة وغير دمويّة لعبوها قبل عشرات السنين: في ذاك العام نفسه، 1972، اغتال شابّ من آل الزين عبد الله عسيران، نجل عادل الذي هزم عبد الكريم الزين في انتخابات دائرة الزهراني عامذاك. فـ “للناس عالمهم ولنا عالمنا”، هذه كانت حكمة العائلات السياسيّة الهرمة.


 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية