الأحد، أبريل 01، 2012

شهادات ومشاهدات... في العبور إلى "القبور"

مرلين وهبة
"الجمهورية"

لم ينقشع غبار معركة حمص على نتيجة سوى شلّال من الدماء الغزيرة؛ لا حسم عسكريّاً أو أمنيّاً للنظام، كما لا انتصار مفترضاً للمعارضة، بل مأساة تطال المدنيّين في حياتهم وأرزاقهم.

بعد انتهاء معركة بابا عمرو الشهيرة لم تستعد المدينة هدوءها المعهود بعد، بل تشوبها حالة من الحذر، وتبدو قلقة على المستقبل، تسود أهلها مشاعر الخوف على المصير طالما إنّ سفك الدماء لا يزال يطال الآمنين في مختلف الأزقّة والأحياء الفقيرة.

باختصار شديد، مدينة حمص تبدو خالية من كلّ شيء إلّا من الخوف.

للوصول إلى حمص بطريقة نظامية، أو تهريب، لا بدّ من المرور بالمدينة الأقرب في لبنان، طرابلس، وللمدينتين وجه شبه كبير، ربّما نتيجة التداخل الاجتماعي والعائلي، إذ يكاد لا يخلو منزل في كلتا المدينتين من صلة قربى وأكثر. كما تجمعهما معاناة عارمة من النظام السوري؛ فطرابلس كما حمص عانت ما عانته أيّام الحرب الأهلية من حملات أمنية دموية للنظام السوري أدّت إلى مجازر لن تمحى من الذاكرة. وهذا ما عبّر عنه أحد نوّاب طرابلس بالقول: "مشكلة نظام الأسد أنّه يحاول أن يفرض الخوف بدل أن يحاول نيل الاحترام". ليضيف أنّ التكوين المتشابه للمدينتين من خليط اجتماعيّ (سنّي – علويّ – مسيحيّ) جعلهما نموذجاً واحداً، وعليه فطرابلس لم تقطع صلة الرحم مع حمص.

يقول أحد المعارضين السوريّين أحمد موسى، إنّ العلاقة العفوية إنسانيّاً بين حمص وطرابلس جعلت الأخيرة ملجأً آمناً للّاجئين الخارجين من جحيم النظام وشبّيحته الذين لا يتوانون عن الاعتداء على الكرامات والأعراض والأرزاق في كلّ مكان. ويروي طرفةً مفادُها أنّ تعبير "شبّيحة النظام" مأخوذ بالأساس من السيّارات الفاخرة "المرسيدس الشبح" المستولى عليها أساساً من النافذين السياسيين في لبنان، وهذه السيارات كانت تجوب حمص ومناطق شمال سوريا ويركبها المرضيّ عنهم أمنيّاً أي الشبّيحة، ويسرد هنا قصصاً لا تنتهي عن ممارساتهم الخارجة عن كلّ سلطة وقانون.

هل انتهت في حمص لتنفجر في مكان آخر؟ يجيب أحمد موسى على السؤال قبل أن يستوي في مقعده في أحد مقاهي طرابلس وكأنّه يرتاح من عبء ثقيل: "سؤال بديهيّ، خصوصاً أنّ السلطة أحكمت قبضتها الآن على حي بابا عمرو بعد جولة ساخنة ودموية مع الثورة الشعبية، ونحن نعوّل على الإرادة الدوليّة والموقف الشعبي، ربّما الثورة السوريّة يتيمة الآن بكلّ المقاييس، وما يُشاع عن تمويل خارجيّ ليس سوى من نسج خيال النظام في سبيل تغطية وحشيته بحقّ مواطنيه ونزع الشرعية عن المعارضة، وعلى رغم كلّ ذلك، الانتقاضات الشعبية ستستمرّ في كلّ المدن السوريّة حتى إسقاط النظام، بالرغم من الانقسام في الموقف الدوليّ الذي يستفيد منه النظام لتغطية فظائع وجرائم بحقّ شعبه، هذا الضعف بالموقف الدولي والانحياز الروسي-الصيني قد يؤجّل النتيجة المرجوّة، ولكن لن يلغيها، والزمن تغيّر في سوريا، وعلى الأسد وشبّيحة النظام أن يفهموا الدرس".

لا يخفّف صديقه عمر من حدّة عباراته بحقّ النظام ويضيف أنّ الصراع في سوريا يتّخذ منحىً طائفيّاً، ويسرد تجربة شخصية مفادها أنّ ضابطاً علويّاً ساعد زوجته على عبور الإجراءات الأمنيّة مع طفليه قبل الخروج الأخير إلى طرابلس، وهذا ما كان لا يتوقّعه بتاتاً.

ويتابع عمر قصّة الحراك الشعبي والحملة الأمنية، إذ يقول إنّ انطلاقة التظاهرات كانت عفويّة للغاية بالبداية، ولكنّها حشدت شرائح متعدّدة، والسبب برأيه، "أنّ التهميش الاجتماعي الذي يعاني منه السوريّون كان الدافع الأوّل للاحتجاج. إذ من غير الممكن أن يبقى الشعب السوري ضحية التسلّط والشبّيحة وأن يلوذ بالسكوت. فشبّيحة النظام، وفق التعبير المعتاد، هم فوق كلّ سلطة وقانون، ولا يفعلون سوى بثّ الرعب في النفوس والسرقة والنهب".

يتابع عمر سارداً عذاباته خلال التحقيق الأمنيّ معه خارج منطق القانون، إذ تكفي عبارة "فرع الأمن" لتفعل فعلها عند أيّ شخص سوريّ، فكيف الحال بمتظاهر مطالب بالحرّية حيث تنسب إليه تُهم طريفة من نوع "إضعاف الشعور الوطني" أو"بثّ التفرقة بين شرائح الشعب" وغيرها.

حذر على الحدود

الأمور تبدو هادئة على طرفَي الحدود في منطقة وادي خالد، والحذر سيّد الموقف على رغم تزايد الأنباء عن الحملات الأمنية السوريّة لضبط الحدود. وممرّات التهريب غير ثابتة بالمطلق، بل تخضع لتبديل دائم خوفاً من قبضة النظام السوري. تستغرق مدّة الوصول إلى أقرب مدينة سوريّة بعد الحدود، تلكلخ، نحو نصف ساعة بطريقة عاديّة، أمّا عن طريق التهريب فتخضع لاعتبارات أخرى، منها تأمين ملجأ للمبيت أو الاختباء قبل المتابعة إلى قلب حمص. تبدو الهضاب الجبلية أشبه بالريف الإنكليزي لجمالها وكُسوّها باللون الأخضر، منازل متفرّقة في قرى متباعدة، تبرز فيها مساحات طبيعية جميلة قد لا تعكس بالضرورة واقع الحال في سوريا؛ إلّا أنّ رؤيتها قد تبعث على الأمل يوماً ما.

سِمة مدينة تلكلخ هي الاعتماد على التهريب في معيشة أهلها وما تنتجه الأرض من خيرات بلديّة. تبدو في هذه الأيّام مدينة أشباح خالية من كلّ شيء. تدخل طفلة صغيرة إلى دكّان لبيع الأجبان والألبان وبيدها دلو يحوي نحو 10 بيضات من دجاجات منزلها، تبلّغ صاحبة الدكّان أنّ أمّها ترغب ببيعها؛ الطفلة ترتجف من شدّة البرد كونها ترتدي ملابس نوم رقيقة، تختصر حالة هذه الطفلة الانطباع العام عن عيش المدنيّين في سوريا، فقر شديد، قلق على المصير وانتظار ثقيل لمسار الأمور؛ لا تجيب صاحبة الدكّان على الأسئلة سوى بالتضرّع إلى الله وبالتعليق "حالتنا صعبة"، يرافقها في عملها إبنها الصغير بقصد الحماية، ولعلّ المفارقة أنّ الطفل الصغير يحتاج هو نفسه لمن يمنحه إحساساً بالأمان، فكيف يمنحه هو للآخرين؟

يعتبر اللاجئون أنّ خلوَّ الطريق بين تلكلخ وحمص هو نذير شؤم، ربّما هو الحذر الذي يسبق عاصفة حمراء. ويعزون السبب لاحتمالين: فإمّا أنّ المجموعات المسلّحة تتحضّر لاستهداف قوّات النظام، وإمّا أنّ فرق النظام تتحضّر لأمر ما. فيما الملاحظ أنّ إرسال الهاتف الخلوي متوقّف عن العمل في حمص منذ نحو ثلاثة أسابيع وأكثر، والجميع يستعمل الشبكة الأرضية ولكن بصعوبة.

حمص مدينة شاسعة في سوريا، يقطنها نحو مليون نسمة، تتوزّع على نواحٍ ومناطق متعدّدة ويتداخل فيها أهل الأرياف مع روّاد الأسواق التجارية وعمّال المصانع على أطرافها، ويصحّ فيها القول: منزل بأبواب عديدة، من كثرة أحيائها: باب السباع – باب هود – باب دريب – باب تدمر – كرم الشامي – كرم الزيتون – الحميدية – البيّاضة – دير بعلبة – كرم اللوز - الخالدية وأخيراً بابا عمرو، مقصدنا الذي نال شهرة واسعة جرّاء معاركه الأخيرة.

بابا عمرو

بابا عمرو حيّ شعبيّ عند أطراف حمص، يتّخذ الطابع الشعبي حيث لا يتعدّى ارتفاع أبنيته ثلاثة طوابق بطريقة قانونية وطابق رابع مخالف. تسكنه إجمالاً طبقة فقيرة ويمتهن أغلب قاطنيه البناء، وعند أطرافه يقع ملعب الباسل الرياضي حيث مكان الترفيه المفترض والمتنفّس الطبيعي لفئة معدمة.

يبدو حي بابا عمرو بعد المعارك الأخيرة بحكم المحطّم كلّياً؛ تخلو أزقّته المتفرّقة من حركة سوى أجهزة النظام الأمنية وآليّات البلدية، حيث تنشط عمليّات إزالة الركام وتنظيف الشوارع من آثار المعارك، تحدّثت بعض المعلومات عن استقدام النظام لحشود من خارج الحيّ كي تقوم بحملة نظافة وإزالة الركام وتصوير الأمر أمام الإعلام على أنّ الحياة العاديّة عادت إلى طبيعتها، لكنّ الحقيقة تبدو غير ذلك؛ باباعمرو غابت عنه ضجّته المعروفة نظراً للاكتظاظ السكّاني، ومعظم أهله غادروا أو مختبئون في منازلهم؛ المشهد يُختصر بحركة خفيفة جدّاً، والأهمّ حذر وخوف من كلّ ما هو غريب، وتحديداً العنصر الصحافيّ، خصوصاً بعد أزمة الصحافيّين وقصف مقرّهم في وسط الحيّ، والذي تردّد بأنّ الأجهزة الأمنية السوريّة رصدت إشارات الهاتف الخلويّ "الثريّا" من إحدى المنازل فقصفته على الفور. السكّان تحت تأثير صدمة كبيرة، أرزاقهم ضاعت، وعدد كبير من أقاربهم لقوا حتفهم في معركة عسكرية ضارية دارت رحاها على مدى عشرة أيّام. تتسرّب بعض المعطيات عن أنّ مسلّحي الجيش الحر نفِدت ذخيرتهم ونضبت مصادر دعمهم من الحدود اللبنانية، فما كان منهم سوى الانسحاب صوب حماه، وعليه، دخلَها الجيش السوريّ فأضحت منطقة لها شهرتها ورمزيتها ليس في سوريا ولبنان فحسب، بل في كلّ أرجاء العالم العربي.

وتتحدّث رواية النظام عن نجاح مسلّحي الجيش الحر باستخدام أقنية الصرف الصحّي وفتح الأبنية على بعضها البعض في مشهد مستعاد لمعارك مخيّم نهر البارد في أيّار 2007 بين الجيش اللبناني وتنظيم "فتح الإسلام" ، وتتابع رواية النظام أنّ هدف الجيش الحر كان إطالة أمد المعركة أطول مدّة ممكنة، على أنّ الحسم تمّ ودخلت قوات الأسد الحيّ، فيما خلّفت العملية آلاف الضحايا والجرحى المدنيّين ومآسي وعذابات عند أهله لن تنتهي.

بالمحصّلة، تبدو يوميّات حمص الدامية راهناً أشبهَ بالمولود الذي لا يشعر بألم عند قطع حبل الصرّة لحظة ولادته، ولكنّه يبكي بشدّة إيذاناً بمجيئه إلى الدنيا مُتّكلاً على نفسه... وهكذا هي حمص التي تحوّلت مقبرة جماعية، قطعت حبل الصرّة لتسجّل ولادة أمل جديد بوطن يصبح المواطن فيه سيّداً يتمتّع بكرامة إنسان لا يعتدي عليه شبّيحٌ مفترض.

0 comments:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية