
لفت لقب "الأفندي" المقترن باسم آل كرامي نظر الإعلامية ليلى رستم التي قابلت السياسيين اللبنانيين عبر شاشة تلفزيون لبنان في الستينيات. وعندما قابلت رشيد كرامي سألته عن اللقب وعن سر المودة التي ترافق لفظ الطرابلسيين لهذا اللقب. وكانت السيدة رستم من جيل الإعلاميات المقتدرات إذ لم يكن ستايل الإعلاميات الرادحات قد راج بعد. وكانت مقابلة تستحق المراجعة ومعاودة الرؤية. ومن مقاطعها قول رشيد كرامي ان زعامة طرابلس ليست سهلة فالطرابلسيون صعبو المراس ومتطلبون. ولم يكن ستايل المال السياسي قد شاع في حينه. إذ تمكن المال السياسي لاحقاً من ضبط صعوبة المراس الطرابلسي لغاية قبول بعضهم زعامة الهوامش دون إعتراض أو مطالبة. هذه المقابلة تستحق المراجعة لتذكر كبير من هذه المدينة ولإستذكار طابع تمردي طالما إتصفت به طرابلس قبل تحولها الى الخنوع الذي قارب الإستسلام يوم إطلاق سراح قاتل الشهيد رشيد كرامي.
يوم إطلاق القاتل وقف نائب صيدا الوطني أسامة سعد ليقول كلمته ويمشي في زمن عز فيه الكلام. قال أسامة يومها "عذراً رشيد كرامي". أما منوبو الشمال وطرابلس تحديداً فصوتوا على العفو عن القاتل واعطوا آراءهم الحكيمة في إتهام الحكيم جعجع!!. لقد أطلقوا سراح قاتل الزعيم وقبلها انتخبوا منوبين ينتمون لميليشيا القاتل. ومن يحضر مقابلة ليلى رستم لا بد له من الشك بما جرى للمدينة ولأهلها. إلا من رحم ربي من الطرابلسيين ممن يعلمون أن طارئي المال السياسي ما زالت أصواتهم ترتج عندما يتذكرون رشيد كرامي او عندما يقابلون شقيقه الرئيس عمر كرامي. فصحيح أن المال السياسي تخطى الشرف والكاريزما والعراقة والخبرة السياسية وإستبدلها بالإنقياد والردح لكنه لم يلغها فهذه الصفات لا تزال تتمتع بتاثيرها الإنساني والتواصلي وهي السمة المميزة لبيت "الأفندي".
رشيد عبد الحميد كرامي (1921-1987) إبن عائلة سياسية عريقة لها مواقفها الوطنية والعروبية المشهودة. وهو سياسي لبناني شغل منصب رئيس الوزراء في سن الشباب ليكون أصغر رئيس وزراء عربي. ثم تولى رئاسة الوزراء عشرة مرات ضارباً رقماً قياسياً في عدد الوزارات التي شكلها. وكانت اولى وزاراته بين أيلول 1955 وآذار 1956 وكان آخرها بين نيسان 1984 وحتى وفاته في يونيو 1987. واغتيل "الأفندي" على اثر تفجير طائرة عمودية عسكرية كان يستقلها. وادين سمير جعجع قائد القوات اللبنانية بتدبير الاغتيال بعد الحرب، وحكم عليه بالاعدام ثم بالسجن المؤبد قبل ان يطلق سراحه في 21 تموز/ يوليو 2005 حين صدر قرار العفو عن جعجع في الجريدة الرسمية إثر تصويت مجلس المنوبين، الأميركي التصنيع، على العفو وتحوله الى مرسوم بتوقيع رئيس الجمهورية.
الجدير بالذكر أن هذا المجلس الذي أطلق سراح جعجع أتى عقب فوضى برمجتها المخابرات الأميركية مستغلة فرصة إغتيال الحريري. فقد فرض الأميركيون موعد الإنتخابات والقانون الذي يتيح التلاعب فيها. وعلى عادتهم أتوا بشخوص من قعر المجتمع وأسلموهم قيادة البلد وبرلمانها مع إستبعادهم للنخب الفاعلة إجتماعياً وسياسياً. كما إقتضى هذا الإنقلاب الأميركي تشجيع التوتر الطائفي والمذهبي وتفجير الأحقاد قديمها وجديدها. فكانت النتيجة قهراً أميركياً يلامس الإذلال ويرافقه التهديد. ودخل لبنان في حالة من الفوضى الأميركية البناءة ولا نعلم اذا كان الأميركيون يتقبلون مثل هذه الفوضى في بلادهم؟. وجاءت نتائج هذه الفوضى ببرلمان من المنوبين وتدخلت السفارة الأمريكية في إنتقاء أكثر من نصفهم كي تؤمن أكثرية برلمانية هلامية يمكن التلاعب بها. وكان إطلاق سمير جعجع الإختبار الأول لطواعية هذا المجلس وخضوعه المشين والمذل للمشيئة الأميركية. وبذلك خطا لبنان الخطوة الأولى نحو تشكيل النموذج الفيديرالي الممهد لتقسيم دول المنطقة الى فيديراليات وتفتيتها. وهو مشروع أوقفته المقاومة العراقية لغاية الآن دون مشورة اللوبي اللبناني المتهود الذي يقف خلف هذا المشروع. والذي تعادل زيارة أحد قواده زيارة غازي كنعان في عنجر أيام عزه. وزيارة هذا اللوبي أو لقاء قواده تحول القطط الى التنمر دون ان تنجح في تحويلها الى نمور. فالمسألة مسألة أحجام!؟. وحجم القطط الراهنة لا يبلغ حجم النمور. فكان برلمان الهامشيين هذا الذي لا يعرف رشيد كرامي ولا يتذكر تراثه لإنهماكه بإتمام تنفيذ تعليمات واوامر الخارجية الأميركية واللوبي اللبناني المتهود.
من جهته رفع السيد سعد الحريري إصبعيه علامة النصر لنجاحه بإطلاق سراح جعجع، قاتل الزعيم السني الأعرق، مستنداً الى أكثرية أوهموه أنه مالكها. فرقص الشيخ سعد على دم الزعيم رشيد كرامي. وعليه أن يتوقع سيرورات العدالة الإلهية التي ستقيض له من يعفو عن قتلة أبيه وربما الرقص على دمه كما تجرأ سعد وفعلها!!!!... فلطالما حدثنا سعد عن الطائفة السنية وطالما حشدها لإنتخاباته فهل من أخلاق السنة الإبتهاج بالرقص على دم أحد أعرق وأكبر الزعامات السنية في لبنان إن لم نقل أكبرها على الإطلاق!!!....
الأنكى أن منوبي الحريري الهامشيين هاجموا الرئيس عمر كرامي لإعتراضه على حركات سعد الصبيانية!!!.. أنظروا الى قاماتهم القزمة لتفهموا أن السنة فقدوا كل شيء في لبنان حتى كرامتهم. فالإهانة كل الإهانة أن يتكلم هؤلاء الهامشيون وأن يكون لهم رأي...
لقد كان إطلاق سمير جعج وصلة فجور شارك فيها راقصون كثر وفي تنظيمها جهات مشبوهة عديدة. وكانت الحفلة تحت رعاية الدولة الأميركية التي تدعي نشر الديمقراطية ومحاربة الإرهاب وعداء المجرمين والقتلة والخارجون على القانون. كما تدعي اميركا تقديس القانون والدستور وحمايتهما.
لقد تخطت الأمور حدود العجرفة وجبروت الإتهام والمال والتنويب والتسييس الى نوع من تخطي لياقة احترام عقول الناس وكراماتها. وهو تخطي حاولنا فهمه في كلمة السيدة بهية الحريري في جلسة الثقة لكننا لم نعد قادرين على فهمه على ضوء المعلومات الجديدة. فهل سيتم السماح للجنة الدولية بإعلان الحقيقة أم أن رواج تجارتها سيحول دون إعلانها؟. فقد جنى المتاجرون بالحقيقة ربحاً حراماً ومخالفاً للطبيعة فلم يعودوا مهتمين بحقيقة الحقيقة التي تقضح كذب حقيقتهم وتهدد أرباحهم المحرمة. إلا اذا إرتبطت هذه الحقيقة بمحكمة دولية تمتد لسنوات طويلة جالبة معها انتداباً اجنبياً يؤمن حماية هؤلاء الهامشيين المنبوذين المتاجرين بدماء الحريري والمستفدين منها.
مهما يكن فإن الحلال يذهب وحده أما الحرام فيذهب هو وأهله. وهكذا ستهوي مكاسب هيستيريا الفولارات والتظاهرات المبرمجة مخابراتياً. ومعها الشائعات المفبركة إستناداً الى إستغلال عواطف الجمهور بعد غسيل دماغه عبر التلفزة والإعلام. والأهم الإستسلام لمشيئة السفير – المندوب السامي الأميركي وتعليماته. حتى نجح سعادته في نقل طموح الديمقراطية المتأمركة من العراق، حيث فشلت هناك، الى لبنان كي يرتبط نجاحها بإبعاد ما يمكن إبعاده من الزعامات الوطنية والعروبية اللبنانية وإبدالها بطاقم موظفين مطيعين تقودهم طموحات مرضية متضخمة وإنتهازية تتجاوز عتبة الإلتزام بأية قيمة غير رغبة الربح والتكسب. لكن توجيه عدوانية الربح هذه يبقى في يد السيد الأكبر الأمريكي الذي يضحي بأي موظف منهم إذا أصبح عبئاً عليه. وهذا ما نستشفه في تقنية التفجير الأكثر تطوراً في التفجيرات اللاحقة لإغتيال الحريري.
عودة الى زعامات الطائفة السنية التي إغتالتها معنوياً هيستيريا النموذج الأميركي تذكرنا بأن الرئيس عمر كرامي قد ساجل فيلتمان ومانعه ولم يأبه بثمن هذه المواجهة. وهو رفض التدخل الأجنبي في التحقيق الذي لم يفعل سوى تأكيد معلومات حكومة كرامي. كما أنه كان بعيداً عن قبول حضور المحققين الأميركان (أف.بي. آي). قبل الدرك اللبناني الى أماكن التفجيرات. وهو ورغم مرارة عميقة من السلوك السوري تجاهه لم يقبل إطلاق المؤامرة على سوريا من لبنان. فلم يكن مستغرباً تخليه عن جناح البعوضة المسمى مجازاً نيابة بعد تخليه عن رئاسة الحكومة في حركة لياقة أمام كلمة أخت الشهيد المكلومة. وهي كلمة تمكن مراجعتها على العنوان التالي:
http://www.daralhayat.com/arab_news/levant_news/03-2005/Item-20050228-5a63bad7-c0a8-10ed-001c-22ffa2abdc23/story.html
لقد تمكنت هذه الفوضى الأميركية من ارساء برلمان معظم أعضائه من المنوبين فلا هم مندوبين يعينهم الإستعمار ولا نواباً يستحقون نيابتهم. ومثل هذا المجلس لا يحكم وله سوابق شبيهة في مجالس الأعوام 1947 و1957 حيث على المنوبين غسل تنويبهم على غرار غسيل الأموال القذرة. وإلا وقعوا في عار إنفضاح الغش في تصنيعهم ليكونوا مجلساً يسلم لبنان الى المخابرات الأميركية لتحوله مسخاً رمزياً لنموذج الديمقراطية الأميركية. وهو تحول ممهد لإطلاق العدوانية الأميركية ضد دول المنطقة من لبنان. كما أنه يؤمن غسل عار الفشل الأميركي في العراق. لكننا نعلم جميعاً أن شراء أصوات التنويب هو غيره شراء الموافقة على أمركة البلد فمعوقات ذلك كثيرة بل أكثر من المتوقع. وأصعب منها غفران خطيئة إطلاق قاتل زعيم مثل رشيد كرامي.
واليوم نستذكر رشيد كرامي بصورة ملحة فهذا الرجل أنقذ لبنان من عدة صدامات وحروب اهلية. فهو أنجز إتفاق القاهرة الذي جاء مساعد رايس السيد وولش الى بيروت من أجل إسقاطه. وها هي حكومة السنيورة تتمطى لمحاولة نسفه باعطاء الجيش أوامر دخول المخيمات. كذلك نتذكر رشيد كرامي يوم مانع انزال الجيش لحسم صراعات الفتنة حفاظاً على الجيش من الإنقسام بعدوى الفتنة. في المقابل نجد أن أحداث مخيم نهر البارد كانت إستدراجاً للجيش وتوريطاً له في معركة لم يبدأها ولم يشارك في قرارها ولم يتقاسم معلوماتها. ومهما يكن فإن رشيد كرامي لم يكن ليقبل بتوريط الجيش في مثل هذا المأزق. في حين ورطته السلطة الحالية لمجرد دعم حالتها السياسية الميؤوسة وعجزها عن إدعاء الحكم. وهم إعتقدوا أن الورطة محدودة ولم يحسبوا إمتداداتها بسبب قصور فهمهم السياسي ومعرفتهم بخصائص الشارع خارج اطار المال السياسي الذي يشكل اللغة الوحيدة التي يتقنونها إضافة لشعارات الحشد الطائفي. حيث وحدتهم الوطنية تقف عند حدود قاتل رشيد كرامي وجماعته دون أن تصل الى الذين قاتلوا إسرائيل ودفعوا بقوادها الى المحاكمات بسبب فشلهم العسكري. انها وحدة وطنية مع جعجع وعداء طائفي لحزب الله!؟. عذراً رشيد كرامي. فلا بد لطائفتك السنية وللطوائف اللبنانية الأخرى من العودة لرشدها يوماً ما!.

الأحد, أبريل 01, 2012
Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق