الأربعاء، مايو 23، 2012

مشكلة النظام السوري ليست مع لبنان...

مشكلة النظام السوري ليست مع لبنان ولا مع شمال لبنان ولا مع مدينة طرابلس ومنطقة عكّار الفقيرة بالذات. في اساس مشكلة طرابلس وعكّار مشكلة النظام السوري مع الشعب السوري اوّلا واخيرا. هذا ما ينساه النظام السوري يوميا رافضا الاعتراف بانّه يواجه ثورة شعبية حقيقية هي ام الثورات العربية في العصر الحديث.

ما لا يفهمه النظام السوري، انه لا يمكن تجاوز المشكلة القائمة مع شعبه عن طريق افتعال ازمات خارجية، بما في ذلك الهرب الى طرابلس المدينة التي ترمز الى الاعتدال والعروبة الحضارية المتمثلة في العيش المشترك بين اللبنانيين من كلّ الطوائف والمذاهب قبل اي شيء آخر. كذلك، لا خروج من المأزق السوري عن طريق الاعتداء على شخصيات معيّنة في عكاّر التي يشكّل ابناؤها العمود الفقري للجيش اللبناني.

يمثّل الهرب السوري الى طرابلس وعكّار، على غرار ارسال فلسطينيين في اتجاه الاراضي الاردنية، ذروة الافلاس لدى النظام السوري الذي يحاول تصوير طرابلس، ثاني اكبر مدينة في لبنان بانها وكر لـ"القاعدة" ولتنظيمات متطرّفة، هي في الواقع ادوات لدى هذا النظام. من يتذكّر شاكر العبسي، الفلسطيني الذي جيء به في العام 2007 من السجون السورية لافتعال احداث مخيّم نهر البارد الذي لا يبعد كثيرا عن طرابلس؟ من يتذكّر ان الجيش اللبناني قضى على المؤامرة التي كان يقف خلفها النظام السوري وانّ معظم شهداء الجيش اللبناني كانوا من ابناء عكّار؟

لم يعرف الطرابلسيون او ابناء عكّار يوما اي نوع من التطرف او التزمت الطائفي والمذهبي قبل الدخول السوري الى لبنان. كلّ المنظمات المتطرفة في شمال لبنان، اكانت سنّية او علوية، هي من صنع النظام السوري الذي يراهن على سياسة التفرقة بين اللبنانيين كي يفصل بينهم. انها عودة في السنة 2012 الى سياسات ومناورات عفا عنها الزمن كانت تصلح حتى نيسان- ابريل من العام 2005، الشهر الذي اضطر فيه الجيش السوري الى الانسحاب من الاراضي اللبنانية نتيجة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه.

لماذا الهرب الى طرابلس وعكّار؟ الجواب ان النظام السوري لا يستطيع مواجهة الحقيقة المتمثلة في ان انه انتهى في اليوم الذي اكتشف فيه ان لا خيار امامه سوى قتل شعبه. لم يتعلّم شيئا من تجربة لبنان. لم يستوعب انّ القتل لا يمكن ان يؤدي الى نتيجة وان التعاطي مع اسوأ انواع اللبنانيين والتخلص من احسن اللبنانيين سيقوده، لا محال، الى كارثة.

هناك تعبئة في طرابلس ومعظم شمال لبنان، بما في ذلك عكّار، ضد النظام السوري الذي ارتكب كلّ انواع المجازر في حقّ اهل المدينة والمنطقة. الذين يعرفون طرابلس يدركون ان النظام السوري مكروه من اهل المدينة الى حدّ كبير. فقبل الدخول السوري الى طرابلس لم يكن هناك اي نوع من التمييز بين العلوي والسنّي. وقبل الدخول السوري الى المدينة، كانت طرابلس مدينة سنّية- مسيحية لا وجود فيها لمواطن من الدرجة الاولى وآخر من الدرجة الثانية. بقدرة قادر هجّر عدد كبير من المسيحيين من طرابلس وصار العلويون فجأة طبقة مميّزة، علما انه كانت هناك علاقات طبيعية، بل اكثر من طبيعية بينهم وبين اهل السنّة الذين يشكّلون اكثرية في المدينة. ما ينطبق على طرابلس، ينطبق على عكّار ايضا التي تعرّضت القرى المسيحية فيها لمجازر كان النظام السوري وادواته خلفها.

شجّع النظام السوري كلّ انواع التطرف في لبنان. كان هدفه منذ البداية تمزيق النسيج الاجتماعي للبلد. لجأ في كل وقت السلاح غير الشرعي الذي اغرق به ارض الوطن الصغير منذ ما قبل اندلاع شراة الحرب الاهلية في الثالث عشر من نيسان- ابريل من العام 1975.

ما يمارسه النظام السوري، بالتنسيق مع ادواته اللبنانية، هو لعبة من الماضي. عاجلا ام آجلا، سيكتشف النظام انّ عليه الاهتمام بامور اخرى لا علاقة لها لا بطرابلس ولا بلبنان. عليه الاهتمام بالداخل السوري اوّلا واخيرا وايجاد طريقة لتسليم السلطة على الطريقة اليمنية، في احسن الاحوال.

الرهان على ان لبنان ورقة رهان على سراب. سيكتشف النظام السوري، ان كلّ الشكاوى التي يقدمها الى مجلس الامن لن تفيده في شيء. لو كانت الوقائع التي يسردها في الشكوى الاخيرة حقيقية، لماذا لم تصدر المعلومات الواردة فيها عن السلطات الامنية اللبنانية المختصة اوّلا؟ اليس لدى السلطات الامنية اللبنانية ما يكفي من الشجاعة لعرض هذه الوقائع على اللبنانيين اوّلا؟

الشكوى ليست من لبنان. الشكوى من الشعب السوري البطل اساسا ومن وجود مجموعة من الدول العربية والقوى الاقليمية باتت مقتنعة بان النظام السوري صار عبئا على السوريين وعلى المنطقة. لن يفيد الهرب الى لبنان النظام السوري في شيء. سبق له ان افتعل احداث مخيّم نهر البارد، في شمال لبنان، قبل خمس سنوات عن طريق ما يسمّى "فتح الاسلام" وهي جزء لا يتجزّأ من الاجهزة السورية. كذلك، سبق للنظام السوري ان ارسل عناصر من "القاعدة" الى العراق. هذا امر موثّق. هذا ما دفع الحكومة العراقية وقتذاك الى المطالبة باحالة رأس النظام على محكمة دولية...قبل ان تتراجع عن ذلك تحت ضغط ايراني واضح يتّسم بالوقاحة.

ما لم يدركه النظام السوري يوما ان هناك تمسّكا في طرابلس وبيروت وكل لبنان بثقافة الحياة. هذا التمسّك قائم حتى في المدن والمناطق عانت طويلا من الحرمان ومن اهمال الدولة لها. طرابلس المظلومة وعكّار المحروم يقاومان على غرار ما يفعل كل لبنان. يقاومان التخلّف ومحاولة اثارة الغرائز المذهبية وسياسة الغاء الآخر، اي الشيء الوحيد الذي مارسه النظام السوري على ارض لبنان منذ ما يزيد على اربعة عقود...

خيرالله خيرالله

0 comments:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية