الأربعاء، مايو 02، 2012

الفقر عندنا والفقر عندهم

أقدم مدير مالي في كاليفورنيا بالولايات المتحدة على قتل زوجته وأولاده الثلاثة وحماته ثم الانتحار بعد أن فقد معظم مدخراته في انهيار البورصة وترك مذكرة للشرطة يقول فيها “أقدمت على الانتحار ومسح أسرتي بالكامل لأن هذا أشرف لنا بعد أن فقدنا كل شيئ”. وفي أوهايو قامت أرملة في التسعين من عمرها بإطلاق النار على صدرها عند وصول السلطات لإخلائها من بيتها المتواضع الذي تسكن فيه منذ 38 سنة.

وفي بوسطن قامت ربة بيت كانت قد أخفت عن أسرتها الأزمة المالية المتصاعدة التي تمر بهم، قامت هذه المرأة بإرسال تحذير لشركة الرهن العقاري قالت فيها “في اللحظة التي تصلون فيها لبيتي لإغلاقه، سأكون في عداد الموتى”. وبالفعل قامت بإطلاق النار على نفسها وتركت إلى جوارها بوليصة تأمين وورقة صغيرة كتبت عليها مذكرة انتحارها.

هذه الحوادث وغيرها نقلتها وكالة الأسوشيتد برس ونقلتها عنها شبكة السي إن إن في تحقيقها حول مؤشرات “الخوف والعنف واليأس” في المجتمع الأمريكي مع الأزمة المالية الحالية. وذكرت آراء لبعض علماء الاجتماع وعلماء النفس تفيد بأن آثار الأزمة على المجتمع الأمريكي ستكون بالغة، وأشاروا إلى أن خطوط الاتصال بمراكز الصحة النفسية مزدحمة جدا وأن مراكز الإيواء من العنف الأسري مملوءة عن آخرها.

وأن أعدادا متزايدة تلجأ للاتصال بخدمات “الوقاية من الانتحار” (suicide-prevention hot lines). كثير من الأفراد يصلون تحت وطأة الأزمة المالية إلى حد اليأس ويرون أن الموت أفضل لهم.

هذه الحوادث وهذه المشاعر المحبطة إلى درجة الانتحار مخافة الفقر، أمر ملفت خاصة وأننا هنا لسنا بصدد “الفقر” الذي نعرفه في بلادنا مثلا، إنما هي حالة من نقص الرفاهية ونقص الترف ونقص القدرة على الانفاق بالدين وهي الثقافة الشائعة في الغرب، بمعنى الإنفاق على الحساب، ينفقون ثم يكتسبون ليسددوا ديون هذه النفقات. الفقير عندهم في الغالب يمتلك سيارة ويتقاضى إعانات مالية للطعام والسكن.

إن هذا الشكل من “الفقر” ، يعكس فروقا هائلة بين حضارة الغرب والحضارة الإسلامية، ويعكس فروقا هائلة في المفاهيم. فالفقير – حقيقة - في بلادنا نادرا ما يصاب بهذا اليأس للدرجة التي يتخلص فيها من حياته، وإنما عادة ما يصبر ويتحمل، والشرع يوجهه مع الصبر إلى الاحتساب ، ويوجهه إلى تحجيم النظرة لهذه الدنيا المؤقتة القصيرة، فحتى لو ضاقت الأحوال فيها، فما هو إلا قليل وينتقل إلى دار أخرى لا نهاية لها.

تذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه لما رأى توافدهم عليه عندما سمعوا بأن مالا قد أتاه من البحرين، فقال لهم “أبشروا، وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم”. وهذه كلمة عجيبة على مسامعنا في هذا الزمان “فوالله ما الفقر أخشى عليكم” ، تصوروا أن حاكما الآن يقولها لشعبه!!.

.. ونبينا ما ينطق عن الهوى، فهو فعلا لا يرى خطورة في الفقر يخشى منه على أمته، بل خوفه الحقيقي من بسط الدنيا عليهم وتنافسهم عليها. في زماننا الآن، وفي الثقافة الغربية الوافدة علينا، نرى مهمة الحاكم الأولى “رفاهية الشعب” ولا تتنافس الأحزاب والمرشحون ولا تقوم الانتخابات إلا حول هذا الأمر. ونحن نرى الآن في هوجة الانتخابات الأمريكية كيف يتنافس المرشحان على الرئاسة حول قدرة كل منهم على تحقيق “الحلم الأمريكي”.

وهذا الحلم للمواطن هناك هو”بيت يملكه، ودخل يكفيه”.. ولا يعنيه بعد ذلك أي شيئ آخر، لا يهم أن تشيع فى المجتمع قيم الفساد والانحلال والشذوذ ولا يهم إن كان هؤلاء المرشحين يعيثون في العالم فسادا وظلما، ، … هذا هو الحلم التعيس الذي يحلمون به. فإذا حصل ما يفسده فإن حالة من التيه والضياع تصيبهم بما يشبه الجنون.

شرعنا الحكيم يرعانا في فقرنا وغنانا وفي عسرنا ويسرنا، شرع يخرجنا من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.

د. محمد هشام راغب

0 comments:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية