إذاً، فمسألة العودة هي بالنسبة إلى حلفاء دمشق مسألة وقتٍ يحينُ وظروفٍ تنضج. لكنّهم لا يُنكرون، في أيّ حال، أنّهم يرغبون أو يخطّطون أو ينفّذون مخطّطاً قد يوصل إلى تحقيق هذا الهدف. وهُم تكراراً أبدوا رغبتهم في "تصحيح الخطأ" الذي ارتُكِب عام 2005، في لحظة محلّية ـ دولية، أي إنسحاب سوريا من لبنان. غير أنّ القوى الأساسية الحليفة لسوريا لم تجرؤ، منذ فترة طويلة، على المجاهرة بهذه الرغبة.
فالفريق الذي قال "شكراً سوريا" في 8 آذار 2005، بقي يطمح إلى إستعادة "الستاتيكو" الذي كان قائماً "ما قبل الشكر"! لكنّ هذا الفريق لم يكن واثقاً بقدرته على بلوغ ذلك، لأنّ الحصار الدولي والعربي على الرئيس بشّار الأسد وحلفائه كان قويّاً على مدى سنوات. كما تمكّن فريق 14 آذار من الإمساك بجانب كبير من السلطة ومفاصل المؤسّسات والأجهزة. وأصبح النظام وحلفاؤه في موقع الدفاع، خصوصاً في ضوء الخطوات المنجزة والمنتظرة من المحكمة الدولية.
إضافة إلى ذلك، لم يكن حلفاء دمشق يريدون معاكسة الاتّجاه الذي ينادي به الرأي العام الدولي والداخلي برفع الوصاية السوريّة عن لبنان. كما أنّ هؤلاء أرادوا أن يراعوا شعبية العماد ميشال عون، حليفهم المسيحيّ الآتي من 14 آذار. فهذه الشعبية نشأت على أساس شعارٍ رفَعَه عون، وهو إخراج "الإحتلال السوري".
في نظر النظام، إنّ الظروف التي بدأت تدخل فيها المنطقة ومعادلة النزاع في سوريا باتت أكثر ملاءمة له، أي أكثر نضوجاً. وهي تستدعي نهجاً من جانب النظام وحلفائه اللبنانيّين "أكثر جرأة". فالأسد استثمر جيّداً الملهاة المسمّاة "خطة كوفي أنان"، وقدّم نماذج عن استعداده للسير في العملية الديموقراطية، واستطاع الإفادة من اتّهام "القاعدة" و"الإرهاب السلفي" في أحداث سوريا والتفجيرات الانتحارية الأخيرة. وفوق كلّ ذلك، عَمِلَ ولا يزال على تسويق صورة طرابلس والشمال "مَرتَعاً" للإرهاب السلفي. ثمّ رتّب كلّ هذه "الخلطة" الأمنية بين لبنان وسوريا والعراق، ورماها في وجه الرأي العام العالمي، من خلال المذكّرة التي تقدّم بها مندوبه في الأمم المتّحدة بشّار الجعفري.
ولم يكن الأسد قادراً على الانتقال إلى هذه المرحلة من المواجهة، لو لم يكن قد أصبح في وضع أفضل في الداخل السوري. فهو يكاد يحسُم المواجهة الميدانية. والمعارضة تبدو في حال أكثر ضعفاً. ويحرص الأميركيّون وحلفاؤهم على أن لا تدخّل عسكريّاً في سوريا على الطريقة الليبية. وباتوا أخيراً، كما أنان وكثير من المسؤولين الغربيّين، يشاركون الأسد "شكواهم" من "القاعدة". وإزاء هذه المشاركة، يصبح محتملاً في نظر البعض انتقالهم لاحقاً إلى صفقة معه، تتضمّن الطلب إليه أن يساعدهم ميدانيّاً على مواجهة هذا التنظيم الإرهابي.
الأسد وسياسة "الخطوة خطوة"
ومن هنا يصبح مشروعاً السؤال الآتي: هل يستطيع الأسد، في زمن دولته في لبنان، أن يقنع الأميركيّين بتجديد الوكالة له لـ"ضرب الإرهاب"، ليس في سوريا فحسب، بل أيضاً في لبنان؟ وهل بدأت تلوح تباشير ذلك من خلال الصدمات الأمنية في طرابلس ثمّ حلبا... وربّما سواها لاحقاً؟ وهل هذا يعني أنّ "مزحة" التلويح بالعودة العسكرية، ليست "زلّة لسان"، بل هي إحدى العلامات التي بدأ تظهيرها تدريجاً ليتلقّاها الرأي العام في لبنان والعالم، ويبني على أساسها؟
بعض الأوساط يتوقّع أن يتمّ الترويج للمقولة في أشكال مختلفة لاحقاً، على أمل أن تكون العودة العسكرية إلى لبنان، بدءاً من المناطق الملتهبة في الشمال، جزءاً من الصفقة الكبرى التي يرغب النظام في أن يعقدها مع الولايات المتّحدة. وهذه الصفقة تتضمّن ترتيباً لأوضاع النظام الداخلية ومدى تداخله في ملفّات جيرانه وعلاقاته مع المجتمع الدولي. ويصبح ذلك مبرّراً إذا نجح تسويق عجز السلطة اللبنانية عن ضبط الوضع، أي تكرار مقولة "لبنان الذي لم يبلغ بعد سنّ الرشد".
وهنا تكمن الخشية في لبنان: صفقة يعقدها النظام مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي تعيد عقارب الساعة إلى الوراء. وعلى رغم الإنكار المتكرّر من جانب واشنطن لأيّ صفقة، خصوصاً حول لبنان، فإنّ أحداً لا يضمن ذلك. وثمّة مَن يعتقد أنّ مجرّد قيام المجتمع الدولي بالتطبيع مع نظام الأسد، والتراجع عن إسقاطه والتخلّي عن دعم المعارضة السوريّة، يسمحان بتوقّعات أخرى تتعلّق بلبنان. فدمشق تولّت الوصاية على هذا البلد عشرات السنين برعاية أميركيّة.
وهناك مَن يتوقع أن يتّخذ الملف السوري اتّجاهاته الواضحة بعد عام، أي بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية. فالأسد انتظر عام 2005 رحيل جورج بوش والرئيس الفرنسي جاك شيراك اللذين أخرجاه من لبنان. وهو ينتظر رحيل باراك أوباما بعد نيكولا ساركوزي اللذين حاولا إسقاطه، لكي تنضج الظروف للصفقة الجديدة.
هل هذه التوقّعات في محلّها أم لا؟
المسألة مرهونة أوّلاً بمدى سماح أركان السلطة في لبنان بانكشاف الأمن والسياسة أمام دمشق، على غرار ما جرى في المرحلة السابقة. ومرهونة أيضاً بالمقدار الذي سيقتنع به المجتمع الدولي بـ"الأطروحات" حول "القاعدة" وأخواتها، وبحقيقة ارتباطاتها ومصادر حركتها. ولكن، وفي أي حال، يحقّ للّبنانيّين أن يخافوا من الصفقات الدولية على حسابهم. وقد جاءت التدابير الخليجية الأخيرة في شأن الرعايا، والتي صوّرت لبنان بلداً خطراً، هو وأبناؤه، لتشكّل لهم صدمة تذكّرهم باليوم الذي أعلن فيه جورج شولتز، وزير الخارجية الأميركية عام 1983، أنّ لبنان بلد موبوء بالإرهاب. فاللبنانيّون ينفخون اللبن السوريّ بعدما كَواهُم الحليب لسنوات طويلة.
طوني عيسى

الاثنين, مايو 21, 2012

Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق