الأربعاء، يونيو 20، 2012
باولو دالوليو: مسيحي إستثنائي يمثّل المسيحية المشرقية;"عاشق للإسلام ومؤمن بعيسى".
إنّه "المسيحي الاستثنائي" كما وصفه الفيلسوف الفرنسي المعاصر ريجيس دوبريه، وهو يشبه تماماً عنوان الكتاب الذي كتبه الأب الإيطالي عن نفسه وعنوانه "عاشق للإسلام ومؤمن بعيسى". لقد وضعته حوادث الثورة السورية في مكانه حيث يجب أن يكون، فتخطّى رموز الكنيسة، ولم يتردّد في دعم السلام في سوريا من خلال المناداة بحرّية التعبير والديموقراطية وحوار الأديان، فكان أن أبعد النظام السوري "جثته" (التعبير له) عن سوريا لتبقى روحه فيها، مرّة من خلال عظة الميلاد التي سبّبت قرار الإبعاد، ومرّات من خلال إصراره على عدم التراجع عن مواقفه، وقد ظهر في إحدى المرّات يتناول الطعام في محافظة حمص مع شبّان سوريّين ينتمون إلى الثورة. من هو هذا الرجل الإيطالي الذي أتى إلى سوريا راهباً صوفيّاً باسم الحوار بين الإسلام والمسيحية؟ أسّس الأب باولو عام 1991 جماعة الخليل الرهبانيّة التي ترمز إلى ابراهيم النبي، وتتّخذ من العربيّة لغةً ليتورجية لها، بما يتوافق مع طقس الروم الملكيّين الكاثوليك. تَعُدّ هذه الجماعة المختلطة والمسكونيّة، التي وافق الفاتيكان على قوانينها عام 2006، اليوم ستة عشر شخصاً بمن فيهم المرشّحون للرهبانيّة. وهي تستند القاعدة الديريّة القائمة على أربع دعامات أساسيّة: الصلاة والتأمّل، الضيافة، العمل، وحوار الأديان. وهي جماعة منخرطة جدّياً في الحوار الإسلاميّ - المسيحيّ. يقول الأب باولو: "يتغذّى الصراع من المخاوف المتبادلة، وحده الحوار المزوّد بوجهة نظر الآخر يقود إلى المصالحة في العدالة". عندما توجّه إلى دير ما موسى وبدأ عملية ترميمه، كان مشروعه الرئيس حوار الأديان والحضارات، وفتح الدير لعشرات آلاف الزوّار، خصوصاً المسلمين منهم الذين يزورونه بشكلٍ منتظم، يأتون من أجل النقاهة ومن دون أيّ خشية من التبشير، حيث يُسمح لهم بالصلاة داخل الكنيسة المفروشة بالسجّاد، والتي يخلو حائطها الجنوبي "القبلة" المتجهة نحو مكّة من أيّ رموز دينيّة. هذه الظاهرة شكّلت القدوة في المجتمع السوري المتعدّد الأديان، والحافز على تأكيد وجود قيم التسامح والاعتراف بالآخر. ومع تتابع حوادث الثورة السورية بات الأب دالوليو، واحداً من أبرز الرموز الدينية المسيحيّة الذين يقودون الخيار الآخر المختلف عن توجّه الكنيسة، التي ومن خلال ما عبر عنه مطارنة وبطاركة في لبنان وسوريا، وضعت المسيحيّين في مواجهة الربيع العربي، هذا إذا لم تضعهم بشكل كامل في صفّ الأنظمة المنهارة التي لا بدّ ستؤدّي هزيمتها إلى التأثير في الوجود المسيحي المشرقي الذي أصرّت قيادته الدينية على سلوك خيار مخالف لجوهر القيم المسيحية، مرتكبةً مخاطرة كبيرة، ومخالفة حسبما قال ميشال كيلو في مقالته الأخيرة، رسالة الناصري، ومطالباً باستعادة الكنيسة إلى الشعب، من خلال إحياء هويتها التاريخية، التي جعلت المسيحيّين شركاء للمسلمين في الثقافة والتاريخ والمطامح والمصير. لقد ساهم الأب باولو من خلال موقفه الأخلاقي الرافض الاستبداد والقتل، في إظهار أنّ الكنيسة ليست بأفضل أحوالها، ولا يمكن في هذا المجال تجاهل خطاب الكنيسة من الثورة السورية، هذا الخطاب الذي اقترب من النظام إلى درجة وصفه بأنّه الأقرب إلى الديموقراطية، وإلى درجة فتح منابر وسائل الإعلام الكنسية لترويج رواية النظام (الراهبة اغنيس مريم الصليب) عن أنّ لا وجود لمتظاهرين في سوريا بل مندسّين وإرهابيّين. سيكون على المسيحيّين بعد كلّ ما قيل باسمهم أو عنهم أن يختاروا بين هذين النموذجين وما يمثّلان: الأب باولو حامل رسالة المسيحية وما تمثّل، والراهبة أغنيس التي باسم خوفها المزعوم على المسيحيّين، تتجرّأ على نعت شعب ثائر بأنّه مجموعة من المندسّين والإرهابيّين. فهل سيستطيع دعاة التحالف باسم الخوف مع نظام يصنع الخوف، أن ينتصروا على ما حدّده الأب باولو للمسيحيّين في هذه المنطقة، من دور يفترض أن يؤدّوه في خدمة المصالحة والديموقراطية والسلام، "ولكنّ المصالحة بشروطها الأساسية، التي إن غابت أصبح اسمها خضوعاً واستسلاماً. وأهمّ هذه الشروط هو الاعتراف بالتعدّدية وبحرّية الرأي، ثمّ حرّية التعبير عنه، ثمّ حرّية النشر مع احترام الآراء الأخرى وتقديرها، والحفاظ على سلامة جميع المواطنين وكرامتهم"؟ بسبب هذه الكلمات ومواقف أخرى، أخرج النظام السوري "جثّة" هذا الراهب من سوريا، وهي الكلمات ذاتها التي ستعيد الجثة إلى الروح، بعد أن ينتصر الشعب السوري، وحينها تعود المسيحيّة المشرقية إلى هويتها، إلى كنيسة إبن الإنسان.

الأربعاء, يونيو 20, 2012

Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق