فعلى الصعيد الأمني، كشفت الإحصاءات والتحقيقات ازدياد عمليات القتل الفردية خلال الأشهر الماضية التي أدّت الى سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى بسبب مشاكل عائلية أو سياسية أو فردية، وأصبحت الاشتباكات هي السمة الأساسية للعديد من المناطق.
من جهة أخرى اصبحت ظاهرة «قطع الطرقات» و«حرق الدواليب» تحصل لأي سبب كان، ان كان احتجاجاً على توقيف مطلوب أو بسبب انقطاع الكهرباء والماء أو لأسباب سياسية وأمنية أو مطالب معيشية وحياتية. اما الاعتداء على الأملاك العامة فلم يعد امراً مستغرباً، سواء من قبل الأحزاب والقوى السياسية أو من قبل بعض التجار ورجال الاعمال وليس هناك من حسيب أو رقيب.
وانتشرت ظاهرة «فرض الخوات» في بعض المناطق، اضافة الى انتشار المخدرات والدعارة والفساد الاجتماعي. وتحظى هذه الأنشطة في بعض الأحيان برعاية رسمية أو حزبية أو بتواطؤ من قبل بعض الأجهزة الأمنية الحزبية.
كل تلك المؤشرات تذكِّرنا بالأجواء التي سادت في عام 1975 وما تلاه من سنوات خلال الحرب الأهلية، ما ينذر باتجاهات خطيرة، وخصوصاً أن هذه الأحداث تترافق مع تطورات سياسية وأمنية في الدول المحيطة، وخصوصاً في سوريا؟
فهل نحن نعيش مرحلة «سقوط الدولة وهيبتها»؟ ولماذا لا تُطَبَّق الشعارات والدعوات الى قيام الدولة القادرة القوية والعادلة، حسبما يدعو البعض؟
سقوط الدولة وهيبتها
بداية، هل نحن نعيش مرحلة «سقوط الدولة وهيبتها»؟ ومن يتحمل مسؤولية ما وصلنا إليه؟
المراقب للأوضاع والتطورات التي يشهدها لبنان، وخصوصاً خلال الأشهر الماضية، يخلص الى استنتاج مفاده «اننا نعيش اليوم مرحلة سقوط الدولة وهيبتها»، وهذا ما يشعر به كل مواطن في معظم المناطق اللبنانية، ويتجلى ذلك بازدياد نسبة السرقات وعمليات القتل وقطع الطرقات والاساءة الى الأملاك العامة، وعدم قدرة الأجهزة الأمنية على القيام بواجباتها إلا بعد تقديم التنازلات للقوى السياسية أو الحزبية.
ومع ان مؤسسات الدولة لا تزال قائمة وهي تمارس بعض مهامها، إلا ذلك لا يعني ان «هيبة الدولة موجودة»، وخصوصاً في بعض المناطق كالضاحية الجنوبية والبقاع وعكار وطرابلس والطريق الجديدة وبعض مناطق بيروت. ولعل آخر المظاهر السلبية ما شهدناه في الأيام القليلة الماضية من اعتداء على «تلفزيون الجديد» وقطع الطرقات في بعض المناطق احتجاجاً على اعتقال أحد الذين نفذوا الاعتداء.
إن جميع القوى السياسية والحزبية تتحمل مسؤولية ما وصلنا إليه لأنها كانت تشجع أو تسكت عن الممارسات التي تسيء الى الدولة ومؤسساتها، مع ان بعض هذه القوى تطرح شعارات «العبور الى الدولة» أو «اقامة الدولة القوية القادرة والعادلة» أو «حصر السلاح بيد الدولة»، فكل هذه الشعارات تتعارض مع الوقائع القائمة على الأرض حيث يعمل كل فريق لتحصيل حقوقه بيده من خلال ممارسات تسيء الى الدولة ووجودها، ويمكن احصاء قائمة طويلة من الأحداث والتطورات التي حصلت خلال الأشهر الستة الأخيرة والتي تؤكد مسؤولية جميع القوى في ضرب هيبة الدولة وسلطتها.
عدم تطبيق الشعارات
لكن السؤال الأكثر خطورة: لماذا لا تُطَبَّق الشعارات والدعوات للعبور الى الدولة او القيام الدولة القوية والقادرة والعادلة؟ وهل الأحزاب والقوى اللبنانية جميعها صادقة في دعوتها الى قيام الدولة وحمايتها؟
من يقرأ بيانات ووثائق القوى السياسية والحزبية اللبنانية يلحظ أن جميعها تدعو الى قيام الدولة وفرض نفوذها، كما ان التصريحات اليومية للمسؤولين السياسيين والدينيين تؤكد قيام الدولة بواجباتها. كذلك وعد وزير الداخلية مروان شربل بالقيام بحملات أمنية خلال الشهر الحالي لتطبيق القانون والعدالة، اضافة الى ان القرارات الصادرة عن جلسات مؤتمر الحوار الوطني أكدت احترام الدولة والدفاع عن مؤسساتها وتطبيق القانون.
أما على الأرض، فالأمور لا تتناسب مع هذه الدعوات والمواقف، وكل فريق يحاول القاء التهمة على غيره، فحزب الله و«قوى 8 آذار» يهاجمان الأطراف الأخرى ويتهمانها بأنها تسيء الى الدولة من خلال ممارساتها في بعض مناطق عكار والشمال والطريق الجديدة. اما «قوى 14 آذار» فتعتبر أن عدم قيام حزب الله بتسليم سلاحه والقبول بأحادية سيطرة الدولة على السلاح هو السبب الرئيسي لسقوط منطق الدولة وهيبتها.
اما بعض التيارات الاسلامية، وخصوصاً «التيارات السلفية» فهي تعتبر ان الظلم اللاحق بأبنائها واتباعها، وخصوصاً الموقوفين الاسلاميين في السجون، هو وراء تراجع دور الدولة، اضافة الى الممارسات الخاطئة للأجهزة الأمنية.
وقد دخل العامل الفلسطيني مجدداً على خط «ضرب الدولة وهيبتها» من خلال الأحداث التي حصلت بسبب الأوضاع في مخيم «نهر البارد»، حيث جرى الاعتداء على حواجز الجيش، بغض النظر عن القهر الممارس بحق الفلسطينيين في لبنان وخصوصاً في مخيم البارد.
ورغم ان حزب الله وحركة أمل حاولا أخيراً ضبط اداء الناس في المناطق التي يسيطران عليها، ولا سيما الاحتجاجات على انقطاع الكهرباء او قضية المخطوفين من سوريا، فإنهما يتحملان مسؤولية كبيرة في الحالة التي وصلنا اليها في بعض مناطق الضاحية الجنوبية والجنوب والبقاع.
نحن اذن امام وضع كارثي وخطر، والجميع يتحمل المسؤولية، والمسألة تتطلب اعادة نظر في كل الأداء السياسي والاعلامي والميداني. وقد يكون حزب الله في مقدمة الذين يتحملون المسؤولية، لكونه من الذين دعوا الى قيام الدولة القوية والقادرة والعادلة في حين انه لم يقدم خطة عمل تطبيقية لهذه الشعارات تنطلق من خلال اعادة ترتيب «ملف سلاح المقاومة» او الاستراتيجية الدفاعية، ما اعطى العذر لبقية القوى للقيام بممارسات خاطئة. وكما قال الشاعر:
«كل يدَّعي وصلاً بليلى وليلى لا تُقرُّ لهم بذاكا».
ان المرحلة الحالية تتطلب خطة جدية وعملية لحماية الدولة ومؤسساتها واستعادة هيبتها، لأن سقوط الدولة سيكون له نتائج خطيرة على الجميع من دون استثناء. فهل يمكن قيام حوار حقيقي في كيفية قيام الدولة أم سنكتفي «بحوار الطرشان» عبر هيئة الحوار الوطني التي لن تجتمع قبل 24 تموز 2012؟

السبت, يونيو 30, 2012

Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق