كانت ليلة السابع والعشرين من حزيران عام 1978، هادئة في بلدات القاع ورأس بعلبك وجديدة الفاكهة، لولا أصوات الشاحنات التي أقلّت نحو 200 مسلح بلباس مدني، انطلقوا يداهمون البيوت ويعتقلون الرجال، في ظل أجواء متوترة نجمت عن مجزرة اهدن، فعمدوا إلى خطف 26 شاباً جرت تصفيتهم بدمٍ بارد.
ماذا حصل؟
بالاستناد الى احد التقارير السرية الذي تلقّته الأجهزة الأمنية في تلك الفترة "انّه نحو السادسة من مساء الثلثاء 27 حزيران شوهدت عناصر الوحدات الخاصة السورية في بلدة القاع بقيادة ضابط برتبة رائد يدعى علي ديب، تنزع ثيابها العسكرية وترتدي ثياباً مدنية، وتدخل أحياء بلدة راس بعلبك، واقتادت مجموعة من ستة شبّان. في الوقت نفسه، دخلت مجموعة أخرى بلدة جديدة الفاكهة لتقتاد خمسة شبّان، فيما داهمت قوة من المجموعة نفسها القاع ومعها لائحة اسمية ببعض أبناء البلدة، واعتقلت 15 شاباً من منازلهم.
وادي الرعيان
ويكشف التقرير أنّ العديد من الأهالي تعرّفوا الى المسلحين وتحدثوا مع عدد منهم، وأنّ إحدى السيدات من قرية البزالية البعلبكية أخبرت أحد عناصر الأجهزة الأمنية اللبنانية أنها شاهدت سيارات عسكرية سورية تنقل أشخاصاً مدنيين شرقي البلدة في محلة وادي الرعيان، وسمعت لاحقاً دوي إطلاق رصاص بغزارة، ثم شاهدت السيارات تعود خالية من الأشخاص. وإثر هذه المعلومات، توجّه العنصر اللبناني إلى الموقع الذي أشارت إليه السيدة، فوجد جثث 26 شاباً مكبّلي الأيدي من الوراء ومرميين على الأرض وممزقة أجسادهم بالرصاص.
نفي سوري وتهديد
لكن ضبّاط الوحدات الخاصة السورية نفوا علمهم بما حصل، وحاولوا طمس الحقائق وتضليل التحقيق، ولجأوا إلى تهديد الأهالي ومنعهم من تقديم شكوى قانونية. وهذا ما اكده محضر قوى الأمن الداخلي، فصيلة رأس بعلبك عدد 1/302 بتاريخ 28/6/1978. وقد ذكر التقرير السرّي أسماء ورتب الضبّاط السوريين الذين قادوا المجموعات العسكرية داخل البلدات المذكورة، وأسماء العناصر الملثمة التي ينتمي أصحابها إلى حزب لبناني وهم من رأس بعلبك.
الأب بركات: الأمن السوري
وكان الأب ميشال بركات، خادم رعية الروم الكاثوليك في بلدة جديدة الفاكهة، تحدث عن هذه المجزرة في تلك الفترة، موضحاً أنّ قرابة الأولى من فجر 28 حزيران دخل رجال مسلحون يرتدون الثياب المدنية في الوقت نفسه إلى القرى المسيحية القاع ورأس بعلبك وجديدة الفاكهة، وعرّفوا عن أنفسهم أنهم من الأمن السوري، بعث بهم قائد القطاع ليأتوه بعدد من الأشخاص ليستجوبهم في بعض المسائل، وبعدها يعودون إلى بيوتهم. وهكذا أوقفوا الشبّان، واقتادوهم إلى مكان منعزل ومقفر.
ويقول بركات: "مساء 28 حزيران، استدعاني الرائد السوري علي ديب وكلّفني التوجّه إلى بلدة البزالية لنقل الجثث وتسليمها إلى أهاليها. فذهبت إلى مكان ارتكاب المجزرة في وادي الرعيان، وذعرتُ عندما شاهدت الجثث مصفوفة إلى جانب بعضها بعضا ووجوهها صوب الأرض، لأنّ رصاصاً غزيراً اخترقها من وراء العنق.
ثم تمالكت نفسي وبدأت أجمع الجثث بمساعدة بعض الجنود، فكَوّمناها في شاحنتين، ثم أخذناها كلّ جثة إلى قريتها، ولم نتمكن من نقل الجثث إلى الكنائس إلّا بصعوبة كبيرة. وصباح 29 حزيران دَفنّا ضحايانا".
ونفى الأب بركات أن يكون الهدف من المجزرة الانتقام لضحايا مجزرة إهدن، بل تهجير المسيحيين من منطقة البقاع الشمالي إلى بيروت.
مطر: المحكمة الدولية
واعتبر المحامي بشير حنا مطر، في حديث لـ"الجمهورية"، أنّ "هذه المجزرة لا تختلف عن المجازر التي يرتكبها النظام السوري في هذا الزمن، في عدد من المدن السورية، وهي استهدفت العزّل والمدنيين الآمنين، وتضاف إلى السجل الإجرامي لهذا النظام الذي أمعن في الاغتيالات في لبنان، وسنعمل ما بوسعنا لتحويل هذا الملف إلى القضاء العدلي والقضاء الدولي".
واعتبر مطر أنّ "ما نسمعه اليوم عن تدخّل سوري في منطقة مشاريع القاع، وعن اعتداءات على الأرض، يعود سببه إلى هذه المجزرة التي كانت أساس هجرة العديد من أبناء القاع لبلدتهم وأراضيهم التي استولى عليها عدد من اللبنانيين والمجنسين، وباتت أرضاً مشاعاً...".
''صبحي منذر ياغي ''

الاثنين, يوليو 02, 2012


Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق