الأحد، يوليو 22، 2012

إيران... الجامعات تحت رحمة الحوزات

للسيطرة على التعليم العالي تم في إيران، خلال الثورة الثقافية الأولى، تأسيس "مكتب التعاون بين الجامعات والحوزات" لتمكين رجال الدين بصورة إضافية من بسط نفوذهم على المجتمع الأكاديمي؛ كما تم في وقت لاحق تأسيس مكاتب "ممثلي القائد" في الجامعات والكليات كافة للسيطرة على جميع الأنشطة الثقافية، الاجتماعية، والسياسية العائدة للطلاب وأعضاء الهيئة التدريسية. تم إغلاق حرم الجامعات، علاوة على ذلك، مدة سنتين.

لم تظهر، في العام 1982، أي مؤشرات إلى الاستقلالية في صنع القرار، التوظيف، القبول، الإدارة، بل وحتى المناهج الدراسية في الجامعات الإيرانية. أخضع الخميني وأتباعه المجتمع الأكاديمي الإيراني في خضم عملية الأسلمة في ثمانينيات القرن المنصرم. تم تأسيس منظمة "الجهاد الجامعي" لتنظيم بعض الأنشطة الطلابية -للسيطرة على الهيئات الطلابية بصورة غير مباشرة- وترويج القيم الإسلامية في الجامعات والكليات عبر ما هو إلزامي من الدورات، المناسبات الاحتفالية، وحملات الدعاية العامة.

تم إطلاق الجولة الثانية للثورة الثقافية الإسلامية - حين تولى أحمدي نجاد منصب الرئاسة في العام 2005 عبر انتخابات غير عادلة ومفبركة بوضوح - عبر اللجوء إلى القوة القسرية العائدة للحرس الثوري، وزارة الاستخبارات، والسلطة القضائية. تلقى الآلاف من الطلاب الجامعيين الناشطين إشارات على هيئة نجوم في استمارات تسجيلهم، استنادا إلى توجيهات خامنئي الذي يقود الجولة الثانية، بما يعني أنه لا يمكنهم التسجيل في الجامعة. عمدت الإدارة الجديدة إلى دفن بقايا جنود قتلوا منذ أكثر من عشرين عاما، أثناء الحرب العراقية- الإيرانية، في بعض الجامعات لإيجاد مواقع مقدسة للموالين للحكومة، وإضفاء طابع من القدسية الدينية على المؤسسة التعليمية لإظهارها بمظهر المعارض لمعظم الطلاب وأعضاء الهيئة التدريسية الذين يؤمنون بضرورة علمنة تلك المؤسسة.

تم طرد الأساتذة الجامعيين المعارضين وغير الممتثلين، ومورست الضغوط عليهم لكي يتقاعدوا. يُمنع بعض من أعضاء الهيئة التدريسية أولئك من التدريس في أي من مؤسسات التعليم العالي؛ وهم الذين يمثلون في الغالب علماء اجتماع وسياسة يعبرون عن آرائهم حول توجه البلاد. اشتدت عملية الطرد تلك عقب الانتخابات الرئاسية العاشرة. تم طرد العشرات من أعضاء الهيئة التدريسية لمجرد تأييدهم مرشحي المعارضة. بينما طُرد آخرون ببساطة نتيجة لأفكارهم ومعتقداتهم. تم استبدال 20، من بين 130 رئيس جامعة، بآخرين معينين حديثا، يتبعون توجهات الباسيج في الغالب، في مدة قصيرة من الزمن، ناهيك عن أن بعضهم لم يكونوا أعضاء في الهيئة التدريسية حتى عند تعيينهم.

تم حظر وإغلاق العشرات من الصحف الطلابية، وأغلقت معظم مكاتب الرابطات الطلابية التي انتخبت بطريقة ديموقراطية؛ خصصت المزيد من الحصص "للباسيجيين" في الجامعات، عُين "الباسيجيون" كأعضاء هيئة تدريسية؛ وتم ضخ المزيد من رجال الدين، الذين لا يحملون شهادات جامعية، في مواقع إدارية في الجامعات والكليات.

تم حل 43 رابطة طلابية، في السنتين الأوليين لإدارة أحمدي نجاد، ناهيك عن استدعاء أكثر من 700 طالب للمثول أمام لجان تأديبية نتيجة لآرائهم السياسية، واحتجاز المئات من الطلاب، ومقتل طالبين في السجن، وتعرض بعض من الطلاب الآخرين للإصابات والشلل تحت التعذيب، ورفض الاستمارات العائدة لبعض من الطالبات استنادا إلى جنسهن لا أكثر. عوقب طلاب الجامعات على وجه العموم -لمجرد مشاركتهم في التجمعات لانتقاد إدارات الجامعات والحكومة- بالحرمان المؤقت من الدراسة، بمعدل فصلين دراسيين لكل طالب.

تراقب إدارة أحمدي نجاد أعضاء الهيئة التدريسية الذين يسافرون للخارج؛ ويتعين عليهم إبلاغ المكاتب الأمنية في الجامعة برحلاتهم التي يقومون بها إلى بلدان أخرى للمشاركة في المؤتمرات، وحضور النقاشات والمنتديات. يشمل ذلك أيضا السفر لأسباب شخصية، أو للترفيه، أو الحج، الذي يتم تمويله من مؤسسات خارج إطار الجامعة. تعرض العديد من الأكاديميين الذين حضروا مؤتمرات في الخارج، أثناء الفترة الرئاسية الأولى لأحمدي نجاد، في العديد من الأحيان، إلى التوبيخ بشدة عند عودتهم إلى البلاد، واعتقل بعضهم بتهمة محاولة القيام "بثورة مخملية".

أعلنت إدارة أحمدي نجاد في تلك الفترة أنها ستلغي اختبار القبول الوطني الموحد (لتشجيع الالتزام على وجه الاحتمال، "الخلفية السياسية/ الأيديولوجية، على سبيل المثال، مقابل الدرجات")، ولتقليل عدد الطلاب الإيرانيين الذين يدرسون في الخارج (حوالي 70000 في العام 2007). تم شغل المواقع الإدارية كافة في الجامعات، على وجه التقريب، من قبل "الباسيجيين" ورجال الدين الموالين سياسيا للأجنحة العسكريتارية والسلطوية.

اشتدت حملة التطهير بعد الانتفاضة التي أعقبت الانتخابات الرئاسية في العام 2009. عقد النظام العزم، بعد أن شعر بالتهديد جراء الاحتجاجات الكبيرة في الجامعات عبر أنحاء البلاد كافة، على الإسراع بإطلاق المرحلة الثانية للثورة الثقافية. صرح كامران دانشجو، وزير العلوم والبحث والتقنية الإيراني، قائلا إنه سيتم طرد أعضاء الهيئة التدريسية الذين لا يشاركون النظام في توجهاته، والذين لا يلتزمون بصورة عملية بولاية الفقيه –حكم الولي الفقيه. جاء ذلك التصريح بعد أن عبر علي خامنئي، قائد إيران، عن قلقه من أن ما يقارب المليونين -من مجمل عدد طلاب التعليم العالي في إيران البالغ 3.5 مليون- يختصون في العلوم الاجتماعية. تحدث خامنئي، بذلك الصدد، قائلا: "يستند معظم تلك العلوم الاجتماعية والإنسانيات إلى فلسفات تستمد جذورها من المادية، وإن قمنا بتدريس نسخة مما قاله الغربيون وكتبوه لشبابنا، فسننقل لهم الشك وعدم الإيمان بالمبادئ الإسلامية التي تتضمنها قيمنا".

تم، أثناء الانتخابات الرئاسية في العام 2009 وبعدها، اعتقال الآلاف من الطلاب الجامعيين الإيرانيين أثناء الاحتجاجات في الشوارع، وحكم على بعضهم بالسجن مددا تصل إلى 15 عاما. تم طرد آخرين بصورة نهائية من التعليم العالي، وفصل العديد من الدراسة بصورة مؤقتة وأرغموا على التعهد بترك النشاط السياسي.

يتعين على أعضاء الهيئة التدريسية، استناداً إلى رؤية الثورة الثقافية الأولى، أن يبدوا الولاء للجمهورية الإسلامية ودستورها. تطالب ثورة أحمدي نجاد الثقافية أعضاء الهيئة التدريسية بإبداء الولاء بصورة فعلية للولي الفقيه (خامنئي) وإدارته. لا يستحق غير الموالين بصورة فعلية من الأساتذة أن يدرسوا في الجامعات. أصبح الولاء الفعلي يمثل، بصورة رسمية، أحد المؤهلات المطلوبة.

تمثلت خطوة أخرى لتقييد الأساتذة الجامعيين الإيرانيين في الحد من الاتصالات بين المواطنين الأمريكيين والإيرانيين ونخبهم الفكرية وأعضاء هيئاتهم التدريسية. أصدرت وزارة الشؤون الخارجية الإيرانية قرارا يقضي بتوليها المسؤولية عن التنسيق والتبادل بين الأساتذة الجامعيين الإيرانيين والأمريكيين عبر لجنة جديدة سُميت "لجنة الزيارات الشعبية المتبادلة مع أمريكا". تمثل عمل اللجنة في مراقبة الرحلات المتبادلة بين مواطني البلدين فيما يتعلق بالمجالات العامة أو الأكاديمية، علاوة على الرياضية، التعليمية، الثقافية، العلمية، والتي تنظم من قبل المنظمات الخيرية وغير الحكومية.

يتعين على الإيرانيين، قبل سفرهم إلى الولايات المتحدة، أن يعلموا تلك اللجنة، ويحظوا بموافقتها. وطالبت الوزارة أيضا الوزارات الحكومية الأخرى -علاوة على المنظمات، والشركات الخاصة- "بتقديم تقارير عن الرحلات واللقاءات المماثلة لتلك اللجنة". يطالب الأساتذة الجامعيون، وفقا لقرار آخر لوزارة العلوم والتعليم العالي، بإبلاغ لجان الانضباط في جامعاتهم عن أي رحلات إلى الخارج، علاوة على الرحلات المتعلقة بالمشاريع البحثية أو الأكاديمية التي تتم على نفقة الجامعة.

لقد تغيرت المناخات الثقافية والسياسية في حرم الجامعات، أثناء ولاية خاتمي، ولكن الطلاب وأعضاء الهيئة التدريسية لم يتمتعوا بشيء من الحرية الأكاديمية على وجه التقريب؛ كان غياب الاستقلالية ملحوظا فيما يتعلق بالجامعات. بذلت إدارة خاتمي المحاولات لدمقرطة اختيار رؤساء، عمداء، وأساتذة الجامعات، لكن تلك المحولات فشلت.

فبعد مجيء أحمد نجاد حظي محمد تقي مصباح يزدي - يعد المرشد الروحي للإسلامويين العسكريتاريين، ووفر الدوافع والفتاوى الضرورية لاعتبار من يحارب ضد الدولة (محارب) إبان جرائم القتل المتسلسلة لمفكري وكتاب المعارضة في العام 1998- بسلطة أكبر في ما يتعلق بصنع السياسة الثقافية. ويبرز اسم يزدي باعتباره عضوا في "المجلس الأعلى للثورة الثقافية"، في سياق أسلمة الجامعات الإيرانية.

0 comments:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية