الأحد، أغسطس 26، 2012

آخر "الولاة" السوريين في لبنان

لا شكّ في أن السفير السوري علي عبدالكريم علي سيكون آخر "الولاة السوريين" في لبنان. والى أن يسقط نظامه المستبد في سوريا أو يُطرد بشخصه من لبنان، يجهد الوالي بما استطاع من الإدلاء بمواقف وتصريحات وتخصيص زيارات الى وزير الخارجية اللبناني عدنان منصور للحفاظ على غنائم الباب العالي. متفائلاً يبدو السفير في تعاطيه مع التطورات الأمنية والسياسية على الساحتين اللبنانية والسورية. ويظهر بمظهر غير العابئ بتبعات أفعال نظامه الإجرامية على الواقع اللبناني. لكن ما أثار حنق السفير، وجعله يخرج عن صمته إزاء التطورات الإرهابية التي حشرت النظام السوري في "بيت اليك"، هو طلب رئيس الجمهورية ميشال سليمان من الرئيس السوري "الاتصال به لتوضيح ما تم توجيهه من تهم الى مسؤولين سوريين في قضية الوزير السابق ميشال سماحة لانه اتصل به عندما كان هناك اتهام سوري لشخصيات لبنانية في مسائل أمنية تتعلق بسوريا". بعد أسبوع من الصمت، وزيارة "مقطوعة النفَس" أيضا الى حليفه وزير الخارجية عدنان منصور، أطل علي برأسه من عنق الزجاجة مفجّرا غضب رئيسه.. هكذا استعاض الرئيس السوري بشار الأسد عن الإتصال بالرئيس اللبناني ميشال سليمان "بردّ جريء" في غير محلّه على كلام سليمان مصرّاً على "العلاقة الأخوية التي تربط البلدين والتنسيق نرجو أن يبقى حاراً ومستمراً على مستوى القيادات". ولم يتردد في القول إن "ما يجري على الحدود بين لبنان وسوريا يعاكس تماماً سياسة النأي بالنفس التي تتبناها السلطات اللبنانية تجاه الوضع في سوريا". الرئيس سليمان أظهر بالقول والفعل أن العلاقة "الأخوية" مقطوعة، وتحوّلت الى علاقة جديّة ووطنية تمسّ هيبة الدولة بينه وبين رأس النظام السوري. فللمرة الأولى منذ العام 2008، لم يتصل سليمان بالأسد لتهنئته بحلول العيد، وكان آخر اتصال بينهما قد حصل بعد الانفجار الذي وقع في مبنى الأمن القومي في دمشق. وإن كان النظام، من جهته، يرى أن العلاقة الأخوية مستمرة، فعلى الأسد أن يتّصل.. يبقى أن تفسيرا واحدا يبرر انقطاعه عن الإتصال وهو أن "تشريح" التّهم ليس أهم من تشريح جثث المواطنين السوريين الأبرياء، وأن الأسد غير مستعدّ لخسارة "الدقّ" بعدما خسر المعركة. لذا فإنه لم يبدِ أي خجل في الردّ على سليمان، من خلال سفيره، بعد اتهام مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي سامي صادر مؤخرا ميشال سماحة ورئيس مكتب الأمن القومي في سوريا علي مملوك وعقيداً سورياً يدعى عدنان بالقيام بـ"أعمال إرهابية" في لبنان. فهل يمكن وصف العلاقات بين نظامين في بلدين مجاورين بالأخوية حين يثبت بالإعتراف أن أحد الأنظمة يسعى الى نشر الفتنة والقتل في البلد الثاني؟ يعترض السفير السوري على طلب الرئيس اللبناني المحقّ، محلّلا بذلك نقل الإرهاب من بلده الى لبنان. فضلا عن أنه يغمز في كلامه الى استمرار تلازم المسارين بين نظامه وحلفائه في لبنان، معترفا بأن سياسة النأي بالنفس لم تكن خيار الحكومة اللبنانية إنما صنيعة النظام السوري. والثابت أن النظام يريد من الحكومة اللبنانية أن تنأى بنفسها عن الأحداث التي تناسبه وأن تتحرك في القضايا التي لا تناسبه. ولهذا وُجد صندوق البريد، لنقل الرسائل الى وزير الخارجية اللبناني بإيعاز من النظام السوري، والدليل هو انقسام قوى 8 آذار حول كيفية التعاطي مع الأمور في حين من المفترض أن يلتزموا سياسة النأي بالنفس. فضلا عن أن النظام السوري يريد من الحكومة اللبنانية أن تنأى بنفسها عن مجارز القتل، لتدافع في المقابل وبإستماتة عن نظام الأسد وارتكاباته. فمن الإستنسابية الإعتبار أن حكومة لبنان النائية بنفسها، تعتبر على لسان وزير خارجيتها أن قتل الجيش السوري للبنانيين على الحدود هو خطأ ميداني لا يستأهل الحديث عنه. ومن مهزلة سياسة النأي أن يقتحم جنود سوريون الحدود اللبنانية لخطف عناصر من الأمن العام، دون أن يعلّق الأخير على الحادثة لا بل عاقب عناصره المختطفين! يستغل صندوق بريد النظام السوري شعار "النأي بالنفس" لزج لبنان في ما يجري على الساحة السورية بكل الإمكانيات.. أوضحها السفير السوري بشكل غير مباشر: النأي بالنفس سياسة مستوردة، لكن لا بدّ من أن تاريخ انتهاء صلاحيتها قد اقترب. ذكّر عضو كتلة "الكتائب اللبنانية" النائب إيلي ماروني بما "تردده قوى 14 آذار عن أن النأس بالنفس يجوز حين تنأى الحكومة بنفسها عن دعم النظام السوري والشعب السوري، لكن للأسف فالحكومة تنتهج سياسة النأي بالنفس عن الشعب وتقف الى جانب النظام، حيث أنها تعتبر أن من واجبها دعم النظام الوحشي". ويعلّق ماروني على تصريحات السفير السوري قائلا "ليس السفير من يستحقّ العقاب إنما القيادات اللبنانية التي تستقبله والتي اعتادت على الزحف، وبالتالي لن تستيقظ لتقف على كرامة رئيس البلاد ولا على سيادة البلاد ولا يهمّها استقلال لبنان وتستمر باستقباله". وكرر "هذه القيادات يجب أن تُعاقَب لأن السفير السوري هو سفير النظام الوقح والشرس في لبنان". وختم ماروني "مهما قلنا لن يتحقق شيء قبل سقوط هذا النظام". من جهته، رأى نائب رئيس تيار "المستقبل" أنطوان أندراوس "أن لغة السفير هي اللغة الخشبية التي يعتمدها النظام السوري، كما أن السفير ومعلّمه بشار الأسد يلاحظان أن مواقف رئيس الجمهورية لا تلتقي مع مواقف رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بغض النظر عن مواقف "حزب الله" وحركة "أمل"، لذا فهما يسعيان الى الإستفادة من الإنقسام اللبناني، خصوصا وأن ميقاتي على رأس الداعمين لهما مع الحزب والحركة". وتابع أندراوس "للأسف إن موقف ميقاتي ليس واضحا خصوصا وأنه أحيانا كثيرة يلتزم الصمت، كما أن إشادة السفير السوري بسياسة النأي بالنفس هي إشادة بالقاعدة التي أرساها ميقاتي وكان الأول في تطبيقها نقلا عن النظام السوري وهي ليست قاعدة رئيس الجمهورية". وعلى المدى القريب، يصف اندراوس علاقة سليمان بالأسد "بالجدية وستتطور الى الأسوأ، طالما أن الحكومة اللبنانية تنأى بنفسها فيما رئيس الجمهورية يتّخذ مواقف حازمة، خصوصا وأن النظام السوري يضع نصب عينيه تخريب الوضع في لبنان مع اقتراب موعد زيارة البابا، لذا فهو يسعى الى قلب الطاولة على رأسه وعلى اللبنانيين". وختم: "العلاقة الأخوية تتناقض مع ما صرّح به السفير السوري، فإذا كانت بالفعل علاقة أخوية يكون من واجب بشار الأسد الإتصال بالرئيس اللبناني الذي لطالما كان المبادر الأول بالإتصال به". المستقبل

0 comments:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية