الخميس، يناير 24، 2013

ليبيا اليوم... إلى اين؟

"الناس سواسية في النظام الديمقراطي والنظام الاستبدادي.

في الأول لأن الناس هم كل شيء وفي الثاني لأنهم لا شيء"

مونتسكيو 1689 - 1755

التأسيس لدولة ليبيا الجديدة بعد 42 عاما من الدكتاتورية والاستبداد وقرابة العامين من الثورة يتطلب منا أن نلقي نظرة فاحصة على الواقع الليبي اليوم:

1-مؤتمر وطني متكون من 200 عضو تم انتخابهم بآلية ديمقراطية حديثة شهد لها المراقبون الأجانب قبل المحليين بالنزاهة. ولكن تلك الانتخابات جرت بقانون انتخابي صادر من جهة غير منتخبة به الكثير من العيوب. كما انه أول تجربة انتخابية للأجيال الأخيرة اي ما يعادل 70% من المجتمع الليبي ولهذا جاءت الأخطاء كثيرة ومن ضمنها التسلل الغير منضبط بدون قواعد وطنية قانونية.

2-وجود تيارات سياسة تحت غطاء "الإسلام السياسي" بفروعه المختلفة يطرحون كثيرا من الشعارات الفضفاضة بدون برامج واضحة.. قابلة للتأويل قديمها وحديثها. والكثير منهم منظمّون لديهم ميزة التكون والتأسيس والحراك حتى قبل الثورة ولهم امتدادات فكرية وتنظيمية خارج الوطن وداخله. يتداخلون مع عامة الناس بشكل رأسي وافقي بأطروحات دينية وعظية. سيطر كثير منهم بفضل تلك الامور على مفاصل الدولة من ايام المجلس الانتقالي الذي مال كثيرا إلى وجهتهم وتغلغلوا فيه وسيطروا على مركز القرار السياسي والاداري علاوة على منابر المساجد من بداية الثورة وكذلك معظم المجالس المحلية. يتحدثون كثيرا عن الفقه والدين اكثر من من اي شيء اخر مما جعل المفكر الاسلامي محمد عمارة يقول عن تجارب مماثلة "لدينا تضخّم كبير في فقه التدين... يقابله ضعف في فقه العلوم والاقتصاد" مما استحضر كثيرا من المعارك الأيديولوجية الدينية السياسية القديمة لتعمي بذلك اطروحات تتناسب ومرحلة تأسيس الوطن... اي تحريك مصباح علاء الدين ليخرج منه كثير من المردة في وقت نحن احوج فيه إلى استخراج تجارب الاصلاح الحديثة والتنمية والتأسيس لوطن يسع الجميع. وهنا لا اعيب عليهم تأسيسهم لتلك الاحزاب بقدر ما اعيب تكوّن كل الاحزاب قبل الدستور وخاصة تلك لتي لا تعترف بالتعددية الفكرية والسياسية والثقافية بل تنشط من خلال رؤية وحيدة وكأنها هي التي الوحيدة التي امتلكت الحقيقة كاملة (رغم اعترافنا بأن كثير منهم كانوا معارضين اشداء ونالهم الكثير من الظلم والتعذيب والسجون والاقصاء). وهنا اؤكد على ان الثورات لا تقوم بتبني شعائر تقسم الأوطان بل بتبني شعارات تخلق صيغ لحياة مشتركة بين كافة شرائحها ومعتقداتها وثقافتها. ومن هنا يأتي مبدأ رئيسي وهو ان الديموقراطية يجب ان تكون مقدمة على كل شيء لانها القادرة على احتواء هذه الاشياء وهي الكفيلة بحصحصة الحق من الباطل. وهذا ما اتمنى على اخوتنا في الوطن وفي الدين العمل به وان تكون ليبيا هي قبلة الاصلاح والتأسيس ولا شيء غيرها.

3-وجود الكثير من اعضاء الحكومة والمكتب التنفيذي قبله ممن كانوا معارضين لنظام القذافي الا انهم بغيابهم طويلا عن الوطن ووجود بعضهم في الدول الديموقراطية والمؤسسة تأسيسا صحيحا وكان عملهم اكاديميا بحتا في دول مؤسساتية فدخلوا فقط في تروس تلك الدول ولم يكونوا من مؤسسيها، غيّب عليهم كثير من احتياجات واوليات التأسيس (وهو علم وطني وليس اكاديميا يتطلب الكثير من الحكمة والخبرة العملية المجتمعية والقليل من البحوث العلمية) وجعل البعض منهم منفصمين عن الواقع في معالجتهم لمشاكل في مجتمع دمره الاستبداد من جميع النواحي الاقتصادية والاجتماعية والامنية والثقافية والتشريعية فجعلهم كأنهم يرون الوطن من فوق جبل الثلج لا من قاعه المحطّم بالاضافة إلى كون معظم معاونيهم في الادارة الوسطى هم من تراث النظام القديم الذين تشبعوا بثقافته وسلوكه وفساده.

3-رجوع بعض افراد منظومة ثقافة المؤتمرات واللجان والقيادات الشعبية تحت غطاء المصالحة الوطنية، وما يسمى بالحكماء. وهم الذين تعودوا على معالجة المشاكل بمواعظ كلامية فوقية وعدم القدرة على الخوض في اعماق المشكلة وتحليلها ومن ثم الوصول إلى الاسباب لا النتائج.

4-تعثر وعدم جدية الاجراءات المتخذة بخصوص تأسيس جيش وطني وقوة امنية بعقيدة وطنية واساليب عمل حديثة وعصرية تتطلب احيانا بنية نوعية وليس عددية او تقليدية.

5-عدم وجود ادارة محلية فاعلة الامر الذي ساهم بشكل مباشر وغير مباشر في ترسيخ المركزية المقيتة. والذي جعل الكثيرين من اصحاب النوايا الحسنة وكذلك اصحاب النوايا السيئة باستغلال هذا الامر للترويج لمشاريع أخرى قد تلحق ضررا فادحا بفكرة تأسيس الوطن واستقراره وامنه القومي المستقبلي.

6-الضبابية وعدم وضوح امور الصرف المالي وكذلك المدخلات والمخرجات عموما للدخل القومي.. وعدم تلمّس المواطن الليبي لايه خدمات مميزة وجديدة اضيفت للواقع الليبي وبنيته التحتية. فأصبح المواطن الليبي عموما يتساءل وبقوة عن المصروفات والايرادات والي اين تذهب؟

5 مليار اعتبرها كثيرون ذهبت ادراج الرياح وهي التي كانت بعقد واحد عمل طريق سريع وحديث وشريان حركة اقتصادية يربط غرب وشرق وجنوب ليبيا تنفذه احدى الشركات العالمية ليكون فعلا بندا صحيحا من بنود تسيير البلاد ذات الـ13 مليارا..

7- مال كثير من الليبيين في انتخابات 7/7 إلى التصويت لصالح التيار الوطني الديموقراطي. الا ان فكرة زعامة هذا التيار بزعامات شخصية كانت قابلة للطعن لان كثير من تلك الزعامات عملت مع نظام الطاغية رغم جهودهم ابان الثورة ودعمها سهل على الطرف الاخر محاربتها والطعن فيها.

8- صحيح اننا تخلصنا من الطاغية الا ان ثقافته في الادارة والمركزية المقيتة والاقتصاد لا تزال تعمل الامر الذي لم توضع له خطط ورؤية ثقافية حتى الان من قبل مختصين وطنيين لتحول إلى اليات عمل تنقل ثقافة المجتمع ومؤسساته الجديدة من ثقافة استبدادية إلى ثقافة ديموقراطية مدنية والتأكيد على فكرة وثقافة الوطن والمواطنة. لولا رفع الثوار رموز عهد الاستقلال الاول من راية ونشيد لضاعت فكرة الوطن الليبي تماما في ظل شعارات وايديولوجيات رفعها كثيرون لا يزالون لا يفهمون مطلب الثورة الاساس فصارت الامور ضبابا لا تستقيم معه الرؤية والمطالب الوطنية.

9-تأسيس دار للفتوى في غير وقتها وعدم وضوح اختصاصاتها مما جعلها تشارك في ضبابية الرؤية وخلطها بين الامور السياسية والامور الدينية. فبدل ان تكون موجها ثقافيا ناعما لسلوك افراد المجتمع وأخلاقياته اصبحت مكانا للاستقطاب السياسي والديني. في وقت كان يجب ان نركز فيه على تأسيس الوطن من خلال بناء مؤسسات ديموقراطية مدنية تجمع الشتات لا تفرقه بأية حجة مذهبية او فقهية خاصة في مجتمع اسلامي متنور لم يترك دينه لا ايام الاستبداد ولا حتى ايام الاستعمار وسيظل.

هذا التحليل يقودنا إلى الاستنتاج ان الامور قد مالت كثيرا عن اهداف الثورة مما يجعلنا ان نحاول طرح الحلول:

1-ضرورة الدفع بمنظمات المجتمع المدني المدنية الديموقراطية الوطنية لاستيعاب فكر ومتطلبات الثورة الحقيقية والضغط بأتجاه فكرة تأسيس الوطن الديموقراطي المدني والذي يسع التعددية الثقافية والسياسية.

2-الاسراع في تكوين العدل الانتقالي ليكون شريكا فعليا في المحاسبة وفي تحقيق المصالحة الوطنية وفي تكوين اليات نزيهة للمراقبة والمحاسبة وحتى اسقاط من حادوا عن اهداف الثورة.

3-ابتعاد المؤتمر الوطني عن مناقشة مواضيع ومشروعات قوانين لا تمت لادارة الازمة بأية صلة وترك الامور السيادية لتقرر في مشروع الاستحقاق الدستوري والبرلمان القادم.

4-التأكيد على ان متطلبات الليبيين هي ليست شعاراتية او دينية او غيرها بل متطلبات العيش الكريم العادل وتأسيس وطن به خدمات حياتية يومية مثل الامن والعدل والخدمات.

5-التركيز على الاستحقاق الدستوري ليكون دستورا مدنيا ديموقراطيا يشتمل على اهداف الثورة وعمل اليات لتطبيقه والمحافظة عليه مع اعتبار دستور 51 وتعديلاته مرجعية تاريخية ووطنية.

5-يكون تأسيس وطن ديموقراطي اسمه ليبيا يسع الجميع هو الهدف الاسمي وهو محور سياستنا الداخلية والخارجية. وطن مشارك في السلم وفي الانسانية والتقدم بعيد عن الاختلافات الايديولوجية والهرطقة بكل انواعها... مع ضرورة كتابة وثيقة شرف اعلامي تبين الخطوط الاعلامية الوطنية لنبتعد عن كل ما يشتت هذا الهدف ولتظهر من خلالها رؤية المصالح الوطنية الصحيحة والالتفات إلى وضع علاقات دولية محترمة مع الدول الديموقراطية والمتقدمة وخاصة ان تلك الدول قد بنت منظومة انسانية وتشريعية ومدنية داخلية خلال تاريخها الطويل تمنع الفساد وتقلل منه حتى في علاقاتها الاقتصادية مع الدول الاخرى. عكس تلك التي لا تزال تحبوا وفي طور التأسيس.

6- وحتى لا اكون متجنيا على الجميع ارى ضرورة اعطاء حكومة علي زيدان الفرصة لانها اتت في ظروف صعبة واصبحت وظيفتها مزدوجة بل مثلثة وهي معالجة ما تركه نظام الاستبداد من فساد ودمار ومعالجة ما تركته المرحلة الانتقالية من قنابل دخانية واعتبارها من ضمن الازمات التي تولدت وكذلك معالجة الازمة الحالية بشرط الالتفات إلى عمق احتياجات المجتمع الليبي ومعالجة الامور بشكل اكثر حكمة والابتعاد عن السياسات الاستفزازية..فما مر بنا حتى الان لا يفرحنا كثيرا.

مفتاح بوعجاج

1 comments:

Old Mourabit يقول...

ثمة مهمة ثلاثية تواجه الحكومة الليبية الحالية: تركة النظام السابق؛ تركة مرحلة الثورة وضبابيتها؛ واستحقاقات المسيرة نحو المستقبل القريب من بناء ومعرفة وقانون.

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية