الأربعاء، يناير 23، 2013

تونس ... التَّشيع وصِّلته بالثَّورة الإيرانية

كشفت الثورة الشعبية في 17 ديسمبر 2010 في تونس العديد من الحقائق، على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري الدّيني خصوصاً، وما يجمع بين هذه الحقائق سقوط مقولة "أحاديّة المجتمع التونسي"، بعد أن عزَفت الثقافة الرسميّة، عقوداً طويلة، سمفونيّة قناعة التونسي بالحزب الواحد والتنمية الشاملة والتضامن الوطني والتديّن المعتدل المُؤسّس على المذهب الواحد. وفي المقابل تُقدّم التعدّديّة الحقيقيّة، على أنّها حالة غير صحيّة تضرّ بالمجتمع وتهزّ استقراره. 

يعود جانب مهم من هذا الجدل لهواجس خيّمت على أوساط المذهب السنّي المالكي المهيمن لقرون عدّة، إلى حدّ تحوّله لدى غالبيّة التونسيّين، إلى وجه من وجوه الهُويّة. وظهر التخوّف من ظاهرة التشيّع على امتداد العشريّة السابقة، وارتبط بمصالح سياسيّة واقتصاديّة لقوى إقليميّة ودوليّة فاعلة على الساحتين العربيّة والإسلاميّة. ويمثّل الخوض في هذه المسألة أمراً عسيراً، لا لحساسيتها فقط، وإنّما أيضاً لندرة المصادر والمراجع حولها، خاصّة فيما يتعلّق بالتشيّع الحديث في تونس. 

وبخصوص ظهور هذا المذهب بالبلاد التونسيّة هناك موقفان يختلفان في تأصيلهما للظاهرة. ويرى أصحاب الموقف الأوّل أنّ الإثني عشرية هي أصل التشيّع في تونس، وقد جرى استئصالها من قبل السلطتين السنيّة والإسماعيليّة خاصّة. ويحتجون في ذلك بظهور الإمارة البجليّة في بلاد السوس بالمغرب الأقصى، وتبنّيهم لمقولة الإمامة، وكما هو معلوم فإن البجليّة هم أصيلو نفطة بالجريد التونسي، ولا شكّ أنّ الشيعة الجدد يسعون إلى الاستفادة من وجهة النظر هذه لشرعنة حضورهم الحالي.

أمّا الموقف الثاني فيرى أصحابه أنّ هذا التشيّع ظهر في النصف الثاني من القرن العشرين، وينقسم أصحابه إلى رأيين: يتزعّم الرأي الأوّل التيجاني السماوي وامبارك بعداش وهما معاصران. أمّا الرأي الثاني فيعبّر عنه عماد الدين الحمروني(رئيس جمعية أهل البيت الثقافية) وعبد الحفيظ البناني. ويرى الرّجلان أنّ ظهور الإثني عشريّة في تونس ارتبط بالثورة الإسلاميّة في إيران. 

انطلاقاً مما اطلعنا عليه نرجّح أن التشيّع الإثني عشري، بهذه البنية، حديث بالبلاد التونسيّة على الرغم من الحديث عن البجلية. وبحكم غياب مصادر نطمئنّ لموضوعيّتها، فإنّنا نعتقد، أنّ ظهور التشيّع الحالي في تونس، مرتبط بثورة الخميني في إيران سنة 1979. ومن خلال اتصالنا ببعض المتشيّعين لمسنا لديهم سبباً آخر لتبنّي المذهب، وتعلّق الأمر بتأثير شخصيّة الخميني بوصفه بطلاً ومناضلاً انتصر على الشاه دون أن يحمل على العنف ولا قاد مقاومة مسلّحة، كما أنّ مواقفه من القضيّة الفلسطينيّة أعطته بعداً إسلاميّاً امتدّ امتداد القضيّة على حدّ تعبير أحد المستجوبين. 

تحدّثت العديد من التقارير الرسميّة وغير الرسميّة عن تزايد عدد المتشيّعين خصوصاً بعد 2006. وليس من قبيل الصدفة أن تكون النسبة الأكبر في شمال إفريقيا، وخصوصاً تونس والجزائر والمغرب. كلّ هذه القرائن ترجّح ارتباط الإثني عشريّة في تونس بالثورة الإيرانيّة، وقد ساعدت على بروز هذه الظاهرة أرضيّة خصبة تختزن عاطفة قويّة لشعوب المنطقة تجاه علي بن أبي طالب وبنيه، وقد سجّل ابن أبي الضياف هذه الحالة في الإتحاف قائلاً: "وأهل إفريقيّة يدينون بحبّ عليّ وآله، ويستوي في ذلك عالمهم وجاهلهم جبلّة في طباعهم".

ويتوزّع الشيعة حسب الكثافة التي تحتاج إلى تأكيد، على أهم المناطق التالية: تونس الكبرى وتحتوي عدداً هاماً لم يكن ممكناً تحديده، مع العلم أنّ من المتشيّعين في العاصمة رياضيين وفنّانين وعدداً هاماً من الموظّفين بمختلف القطاعات. سوسة وخاصّة مدينة مساكن. المهديّة وخاصّة كركر والشابّة. قفصة وبعض أحوازها. مدينة قابس والحامّة رغم كونهما معقلين للحركات السنيّة. قبلّي وخاصّة جرسين وسوق الأحد. جندوبة وبوسالم. مدنين وجربة. نابل ومنزل بوزلفة ومنزل تميم.

ومثلما أكّدنا حقيقة انتشار التشيّع على كامل تراب الجمهوريّة، نؤكّد أنّ كلّ إحصائيّة تدّعي ضبط عدد الشيعة في تونس هي مجرّد إدعاء، ونذكر حادثة طريفة، رواها عبد الحفيظ البناني في لقائنا معه، تؤكّد الغموض الملمّ بعدد الشيعة في تونس، إذ قال محدّثنا: إنّ شخصين يقطنان متقابلين، بالشارع نفسه في مدينة طبربة من ولاية منوبة ولم يكن الواحد منهما يعلم بتشيّع الأخر إلاّ عند اللقاء عند محاورنا، على الرغم من كونهما صديقين في الحياة العاديّة. وبناء على هذه المعطيات الواقعيّة يكون حديث التيجاني السماوي عن مئات الآلاف من الشيعة في تونس هو مجرّد اجتهاد لا يستند إلى معطيات دقيقة تؤكّده، وفي المقابل يرجّح العديد ممن التقيناهم أنْ يكون العدد بعشرات الآلاف. ونعتقد أنّ هذا العدد هو الأقرب للمنطق في انتظار تأكيد يبدو بعيد المنال. 

ما لاحظناه من هذا التحديد التقريبي لتوزّع الشيعة، في تونس، هو غياب مدينتيْ نفطة وتالة عن المناطق التي تشهد ارتفاعاً في عدد الشيعة، وقد يعود ذلك إلى أسباب تاريخيّة تمثّلت في تركيز الأنظمة السياسية الحاكمة باسم المذهب السُّنّي، على المدينتين للقضاء على الشيعة، خاصة بعد انتقال الخلافة الفاطميّة إلى القاهرة، وقد يعود الأمر إلى تقصير منّا في البحث رغم تأكّدنا من الوجه السنّي لمدينة نفطة. وسندنا في ذلك ما يتمتّع به أبو علي السنّي من مكانة وهيبة لدى النفطيين من خلال ما لاحظناه من كثرة الزيارات له والتوسّل به عند كل حاجة بواسطة الذبائح والقرابين المتنوّعة، مع ما تستبطنه هذه الطقوس من ذاكرة شيعيّة، وتطرح هذه المسألة قضيّة هامّة تتمثّل في علاقة التصوّف بالتشيّع ليس في تونس فقط وإنّما في أغلب الأقطار الإسلاميّة.

ويوجد صنف آخر من الشيعة يتشبّثون بجذورهم العلويّة، ويعتبرون أنفسهم من الأشراف لكنهم سنّيو المعتقد والسلوك. ووجدنا نموذجاً لذلك في الوطن القبلي وتحديداً بمدينة منزل بوزلفة وقرية الشّريفات التي يرتبط اسمها بهُويّة ساكنيها الأوائل. وقد صرّح لنا رضا بن حسين(ت 1971) بن الكيلاني(ت 1920) بن حسين(ت 1918) بن محمد (ت 1840) بن حسين(ت 1830) بن علي(ت 1799) أنّ أسرته علويّة وقدّم لنا شجرة عائلته التي تعود إلى أدارسة المغرب العلويين، وأثبتت شجرة هذه العائلة أنّ 90 بالمائة من أسمائها تعود إلى البيت العلوي إناثاً وذكوراً. وثبت لدينا أنّ محدّثنا من أتباع حزب التحرير اليميني. وعندما سألنا محاورنا عن سبب هذا المزج بين التباهي بالأصل العلوي والتحزب في أقصى اليمين السنّي أجاب: إنّ القناعات تغيّرت منذ أجيال، وإنّ العديد من العائلات التونسية المماثلة تعيش الحالة نفسها وراثياً. وفي تقديرنا تمثّل هذه الحالة والحالات المشابهة دليلاً على أنّ العديد من التونسيين يشايعون آل البيت وجدانياً، لكتّهم سنّيو المعتقد والسلوك. ونجد مثل هذه الحالات في بلدان أخرى مثل العراق ولبنان.

0 comments:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية