الجمعة، يناير 25، 2013

كرامة العراقيين وقد استبيحت على موائد الطائفية

الاعتصامات والتظاهرات والاحتجاجات مستمرة في عدد من المحافظات العراقية. وهي مرشحة للاستمرار والتفاقم، في ظل عجز الحكومة عن الاستجابة للمطالب التي تقدم بها المحتجون، وهي مطالب تدخل ضمن حق الإنسان في العيش الكريم. غير أن الحكومة كما يبدو لا تنظر إلى الوقائع على الأرض إلا من منظار سياسي. ولأن السياسة في العراق هي محض افتراءات وتراشقات طائفية، فقد تم اضفاء المسحة الطائفية على ما تشهده محافظات، تتكون غالبية سكانها من العرب السنة (حسب التصنيف الذي صار متبعا بعد الاحتلال 2003، واتخذته الاحزاب التي تدين بالولاء للمحتل معيارا لتقاسم السلطات، وفقا لمبدأ المحاصصة).

سنسلم بالأمر جدلا ونقول:

السنة يحتجون على الاعتقالات العشوائية (اعتقال النساء بالاخص) التي لا يبررها القانون.

السنة يعترضون على فساد الحكومة وحمايتها للفاسدين.

السنة ينددون بعدم جدية الحكومة في توفير الخدمات الاساسية في ما يدخل في اعادة تأهيل البنية التحتية لبلد دمرته الحروب (الكهرباء والماء الصالح للشرب والمواصلات وشبكة الصرف الصحي والمدارس والمستشفيات). 

بعد عشر من السنوات العجاف لا يزال العراق كما لو أنه خرج من الحرب لتوه. ليس فيه ما يُسر النظر. وإذا ما كانت الدولة (وهو مفهوم لا يزال افتراضيا) قد استطاعت أن ترتفع بالدخل الفردي لفئات بعينها من المجتمع، وبالأخص فئة موظفيها (لسنا معنيين هنا بفئات المنتفعين الطفيلية)، فان تلك الفئة صارت تخسر كل ما تقبضه من أموال من أجل أن تحصل على خدمات، كان في الإمكان أن تحصل عليها بأسعار زهيدة لو كانت هناك دولة حقيقية تسعى صادقة إلى بناء عراق جديد، يكون وطنا للجميع. وهكذا فان ارتفاع دخل الفرد للم يكن ليعني شيئا مميزا على مستوى رفاهية العيش. في المقابل فلا تزال هناك فئات كثيرة من المجتمع تعاني من الفقر والحرمان والعزل والنبذ. مدن الصفيح والطين تحيط بالعاصمة والمشردون يتجولون بين أزقتها. 

اما سياسيو العراق (وهم اشخاص طارئون على عالم السياسة ولا تاريخ واضح لهم في ذلك العالم) فانهم يراوحون الخطى عند خط البداية. فلا يزال تشكيل حكومة قادرة على النهوض بمسؤولياتها والقيام بواجباتها الحقيقية هو المشكلة التي لم يجدوا لها حلا حتى هذه اللحظة. اعترف المالكي، وهو رئيس للوزراء منذ سبع سنوات ان وزارات تقع خارج سيطرته، وانه غير قادر على أن يملي أي شيء عليها. وهو في هذه النقطة انما يشير بالتحديد الى الوزارات التي هي من نصيب السنة. 

ازاء وضع بائس من هذا النوع، هل يمكن للمرء أن يتوقع أن المحافظات التي يشكل العرب الشيعة أغلبية سكانها قد شهدت ازدهارا في الخدمات؟ سؤال من هذا النوع يجيب عليه الواقع البائس الذي تعيشه تلك المحافظات، وهو واقع لا يقل بؤسا عن الواقع التي تعيشه المحافظات المحتجة. اما لماذا لا تشهد محافظات مثل البصرة والناصرية والعمارة احتجاجات مشابهة لتلك التي تشهدها الموصل والرمادي (التي تشكل وحدها ثلث مساحة العراق) وديالى، فذلك مرده الى التحشيد والتعبئة الطائفية التي صارت من اختصاص من اختصاص رجال الدين. 

ومع ذلك، وبالرغم من كل محاولات الحكومة اضفاء الطابع الطائفي على الاحتجاجات فقد نجح المحتجون في الارتقاء بسلوكهم إلى مستوى رفيع من الشعور بالمسؤولية، يحدوهم الأمل في أن يعيدوا العراقيين كلهم إلى حقيقة كونهم عراقيين قبل أن يكونوا سنة أو شيعة أو أكرادا أو مسيحيين أو صابئة أو تركمانا. وهو المبدأ الذي في إمكانه أن يعيد إلى صفة المواطنة كرامتها التي انتزعت بفعل الاحتلال وما تلاه من كوارث بدءا بكتابة دستور ينص على المحاصصة ويمسخ عروبة العراق ويؤسس للتقسيم من خلال مناطق متنازع عليها بين العرب والكرد وليس انتهاءا بتهديد الميليشيات المستمر باللجوء إلى خيار الحرب الأهلية. 

اليوم، غدا، بعد غد سيجد العراقيون كلهم أن الاحتجاج هو الخيار الأمثل لاستعادة كرامتهم التي استباحها السياسيون على موائد الطائفية.

فاروق يوسف

1 comments:

Old Mourabit يقول...

بالرغم من كل محاولات الحكومة اضفاء الطابع الطائفي على الاحتجاجات فقد نجح المحتجون في الارتقاء بسلوكهم إلى مستوى رفيع من الشعور بالمسؤولية، يحدوهم الأمل في أن يعيدوا العراقيين كلهم إلى حقيقة كونهم عراقيين قبل أن يكونوا سنة أو شيعة أو أكرادا أو مسيحيين أو صابئة أو تركمانا.

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية