الاثنين، أبريل 01، 2013
الدولة الكردية... الواقع الذي يركض وراء الوهم
لم يشهد التاريخ على مر العصور قيام دولة كردية. جمهورية مهباد في ايران (1946) وهي التجربة الوحيدة تم القضاء عليها بعد 11 شهرا من ولادتها. ما ان رفع الاتحاد السوفيتي يده عنها حتى تهاوت وأختفت إلى الأبد. يمكننا النظر بالطريقة ذاتها الى تجربة كردستان العراق في حالة انفصاله عن العراق. ما أن ترفع اميركا يدها حتى تذهب كردستان أدراج الرياح.
هل تعلم الاكراد الدرس؟ ليس تماما.
الزعامات الكردية في شمال العراق لا تخفي نزعاتها الانفصالية. ما تسميها تلك الزعامات بالشراكة الوطنية هي عبارة عن علاقة نفعية يقبض الاكراد ثمنها من الميزانية العراقية المركزية. ذلك الثمن صار بمثابة رشوة تقدمها الحكومة الاتحادية للاكراد من اجل أن يؤجلوا قيام دولتهم المستقلة وأن يتواطئوا معها.
ولكن هل صارت الظروف الاقليمية تسمح للأكراد في التفكير بأحلامهم بصوت عال؟
تركيا باتت اليوم مقتنعة انها لن تتخلص من ازمة حزب العمال التركي إلا عن طريق تصدير مقاتليه من جنوبها إلى شمال العراق، ليستقروا هناك بعد أن يحصلوا على المواطنة العراقية عن طريق التزوير وهو ما دأبت حكومة الاقليم الكردي الذي لا يزال عراقيا حتى الأن على القيام به منذ عشر سنوات.
هناك اليوم عشرات الالاف من الاكراد الاتراك والاكراد السورييين،
يحملون وثائق ثبوتية عراقية حصلوا عليها عن طريق السفارات العراقية التي يديرها الأكراد. في النرويج والسويد كان هناك استياء رسمي صريح من ذلك السلوك غير القانوني.
ما تجنيه تركيا من الاستقرار الكردي في شمال العراق لن يكون دافعا لها لتغيير موقفها من مسألة قيام كيان كردي مستقل عند حدودها الجنوبية. فهي تدرك جيدا ان ذلك الكيان بغض النظر عن علاقتها الحالية الطيبة مع زعاماته سيكون في المستقبل مصدر ازعاج لها.
بالنسبة لسوريا فان أكرادها الذين وقفوا على الحياد في الحرب التي تدور رحاها منذ سنتين بين النظام والمعارضة صاروا يفضلون الانتظار بدلا من الزج بأنفسهم في مغامرة قد لا تحمد عقباها. وإذا ما كانوا ينظرون بعين الرضا إلى ما حصل عليه أشقاؤهم في شمال العراق من امتيازات، فان ذلك لم يشكل حافزا لهم لفك الارتباط بالنظام واعلان القطيعة، بل ان الاحزاب الكردية السورية فعلت العكس تماما، حين منعت المعارضة المسلحة من التوغل في الاراضي التي تسكنها غالبية كردية.
غير أن الوضع الأكثر غموضا هو ذلك الذي يتعلق بأكراد أيران، سليلي جمهورية مهاباد المغدورة. فجمهورية الملالي القائمة على العرق الفارسي لن يكون في إمكانها أن تسمح لأكرادها في الحصول عل أي امتياز يوحي باستقلالهم حتى لو كان ذلك الامتياز تعبيرا عن الحقوق الثقافية التي لا علاقة لها بالسياسة.
في حالة من هذا النوع يكون وضع الاكراد في شمال العراق هو الاستثناء الذي لا يمكن القياس عليه. وهو وضع لم ينشأ بجهود الاكراد الذاتية، بل تضافرت الكثير من الظروف المحلية والدولية من أجل قيامه. ضعف العراق ووقوعه تحت طائلة عقوبات دولية غير مسبوقة في التاريخ المعاصر وقرارات مجلس الامن التي حظرت الطيران فوق المناطق الكردية وهو ما كان يستند إلى مظلة جوية أميركية وأخيرا غزو العراق واحتلاله. كل هذا لم يحدث في بلد سوى العراق، الامر الذي جعل أكراده يتميزون بوضع استثنائي، قوامه الحماية الدولية والاسناد والدعم اللذان قدما من اجل أن لا يستعيد العراق سيادته على أراضيه.
ولكن حالة استثنائية من هذا النوع لا يمكنها أن تستمر إلا إذا استمر العراق مريضا إلى الأبد أو ذهب الى التقسيم. وحتى في الحالة الثانية فان الدول المحيطة بالعراق لن تكون مرتاحة لقيام كيان كردي مستقل. اما إذا استعاد العراق عافيته، وهو امر يمكن توقعه في أية لحظة فان بسط سيادته على شماله سيكون قراره الأول.
كل هذا يجعلنا على يقين من قيام مهاباد ثانية سيكون أمرا صعبا.
فاروق يوسف

الاثنين, أبريل 01, 2013

Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق