الاثنين، يونيو 17، 2013

حكاية المؤتمر القومي العربي : أوله خيانة .. وخاتمته الخيانة , اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا .


 تبنى ( المؤتمر القومي العربي ) في دورته الرابعة والعشرين التي انعقدت في القاهرة مؤخرا خطابا فكريا خشبيا جافا , ورؤية سياسية محنظة تتماهى مع المنظومات الاديولوجية لأشد النظم العربية التسلطية استبدادا واستعبادا لشعوبها , كما هو النظام السوري الذي فاق ما يرتكبه بحق مواطنيه ما ارتكبته اسرائيل بالشعب الفلسطيني حتما . وبدا أن مثقفي المؤتمر يفتقرون للحس الانساني , وللحساسية السياسية والذهنية القادرة على التطور والاستجابة للواقع وتحولاته , وخاصة ثورات الربيع العربي , وما أظهرته أو ما أحدثته من انقلابات جذرية في الواقع العربي وزلازل عميقة في بنيات المفاهيم العربية صدعت - كما يفترض - الاعماق الأركولوجية إن جاز التعبير للفكر العربي , في حين إن ما صدر عن دورة المؤتمر لم يتأثر بكل هذه الزلازل والثورات , مما سمح باعتبار ما تخلله من فكر غث ورث وما اصدره من طروحات متعفنة بمثابة نعي ذاتي لتجربة كأداء ولدت ونمت في ظلال السلطة الشمولية العربية , مثله كمثل معظم ما طرحه طوال مسيرته , يقع خارج قانون الجاذبية لكوكبنا , متحررا من قانون التطور وقانون النسبية , وكأن العقل الذي يحرك هذا التجمع من المثقفين الأديولوجيين المشوهين ينتح من معين غريب , لا هو عربي ولا هو قومي ولا هو عالمي ولا عولمي , وإلى حد أنه صار يصدم مشاعر الناس بقسوة ويثير غثيانهم .

بالنسبة لنا لم تكن هذه النهاية التعيسة للمؤتمر المذكور مفاجأة أو صادمة , بل كانت تطورا طبيعيا منتظرا حتى لا نقول حتميا لأنها تتسق مع بداياته الجنينية ونشأته في كنف النظام العربي , حيث تحددت وظيفته العضوية التي كان عليه تأديتها , وهو بالفعل أداها بأمانة عبر عقدين ونيف . 

بعد أزمة الخليج 1990 - 1991 وحرب تحرير الكويت ظهر نظام عربي جديد تكون نتيجة عودة مصر كامب ديفيد للجامعة العربية , وعودة الجامعة اليها , ومصالحة نظامي مبارك والاسد , وانطلاق عملية السلام العربية - الاسرائيلية لتعميم ثقافة الكامب والتطبيع مع اسرائيل وبناء الشرق الأوسط الجديد . في كنف هذه المرحلة , وفي مناخها الهادىء المبشر بالسلام الجماعي مع اسرائيل , ولد ما يدعى : ( المؤتمر القومي العربي ) وشقيقه التوأم ( المؤتمر القومي - الاسلامي ) ليعبرا عن المرحلة الجديدة ويؤديا وظيفتهما العضوية في اطار نظام عربي يتكرس ويزداد توحشا , لا يحترم المثقف والمفكر.. إلا بمقدار قابليته للتدجين واستعداده للخصي , للتنازل طوعا عن دوره النقدي الصارم في مواجهة السلطة والتخلي عن مهمته الأصلية للقيام بالرقابة عليها لصالح المجتمع وممارسة الكشف والفضح والاصلاح , وبالمقابل وضع نفسه وطاقته في خدمة سلطة شمولية كليانة مطلقة طاغية . ولدت الفكرة في مراكز الاستخبارات , وسلمت لنفر من المثقفين والأكاديميين الحواة الذين يبرعون في ترقيص الأفكار وتحريكها كما يرغب أولياء الأمور ليصنعوا لها الجسد , وينفخوا فيها الروح , وكان ما كان وشعارهم كشعار اسلافهم مفكري المؤتمر العربي الأول في بداية القرن العشرين ( ليس بالامكان ابدع مما كان ... واتقوا الله ما استطعتم .. ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ..) إلى أخر ما في هذا الخطاب الإذعاني الذرائعي المفضوح . 

أما المبدأ الأول للمشروع الجديد فهو مقولة : (تجسير الهوة بين المثقف والأمير) , مقولة ملتبسة تعني عقد المصالحة بين المثقف والحاكم , وبعبارة أخرى : عقد تحالف جديد بين النظام العربي المستبد وحركات المعارضة السياسية التي كانت ما تزال ترفع الوية التغيير والثورة والمقاومة . ووضع الحواة لهذا المشروع مبررا ومسوغا هو الخطر الخارجي الذي يهدد كيان الأمة ويملي على الجميع الوحدة لمواجهته , أي السلطة والمعارضة معا . وخلقوا ( بعبعا ) لإخافة الجماهير والنخب الجبانة الجاهلة , وهذا البعبع في تصويرهم هو ( الغرب ) هكذا على الاطلاق .. الغرب عدو ( الأمة العربية ) ولا يأتي منه غير الخطر والتآمر , مع أنهم جميعا انظمة وأكاديميين حواة يعتمدون على ثمرات حضارة الغرب في كل ما تشتهيه انفسهم . هذا البعبع الطوطم الغاية منه هو اخافة الشعوب لكي تنام وتستغرق في السبات , ثم يتفرغ الشريكان لممارسة متعهما في الظلام بطمأنينة . وهي شراكة غير منصفة طبعا , فالمثقفون الخائنون والمناضلون المتقاعدون والأكاديميون التقنيون لا ينالون من النظام العربي إلا ما تناله المرأة المغلوبة على أمرها في زواج المسيار أو نكاح المتعة المؤقت !

كل ما صدر عن المؤتمر القومي العربي وبالامكان الرجوع الى دوراته وتوصياته يدور في هذا الفلك الفكري السرابي الغائم المحدد . وفي اطاره تواءمت وتعايشت أحزاب وشخصيات من الأنظمة الحاكمة , ومن المناضلين والمثقفين الهامشيين الذين خانوا شعوبهم وسلموا أعنتهم إلى الأنظمة وأجهزتها الأمنية الكريهة مقابل فتات من الكعكة . وفي سياق نشاط (المؤتمر) تشكلت وفود لزيارة قادة الأنظمة العربية الأشد استبدادا وطغيانا باعتبارهم قادة ورموز وأئمة للمقاومة والممانعة والقومية العربية ... وكان طاغية الشام السفاح بشار الأسد رجل ايران ومشروعها الصفوي وحليف اسرائيل الصامت في مقدمة من زارهم فرسان المؤتمر القومي العربي وباركوا لهم بالصمود في السلطة والنصر على شعوبهم وأعطوهم الولاء الأبدي ... وهم ما زالوا على عهدهم متمسكين بالخطاب عينه رغم ما كشفته تجارب الثورات في العامين الاخيرين , وما زالوا يكررون نفس المفردات والمفاهيم والعبارات البالية كالببغاوات الغبية بدون أن يستحوا أو يطرف لهم جفن ! 

اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا .


بقلم محمد خليفة الامين العام المساعد في التيار الشعبي الحر

1 comments:

Ali Issa يقول...

هذا التحليل على اطلاقه فيه ظلم كبير لشخصيات وطنية وكبيرة حضرت الجلسات الاولى للمؤتمر القومي العربي الاول في تونس ,, وكنت حاضرا فيه غير مشارك : من هذه الشخصيات : الفريق فوزي وزير الحربية الاشهر في عهد عبد الناصر , محمود رياض , الدجاني , محمد فائق , البروفيسور سلامة , وزير الثقافة اللبناني , محمد يوسف , وغيرهم كثير من الشخصيات العربية المثقفة ,, لكن اسمح لي استاذنا الكريم ان اتفق معك فيما وصلت اليه في النهاية من ان هذا المؤتمر اصبح الان اداة في يد الاستبداد والمستبدين الطغاة العرب , وبكل اسف هؤلاء الان مدعي الثقافة والوطنية , والمقاومة , انحرفوا انحافا خطيرا بوقوفهم ضد تطلعات الشعوب العربية في مطلبها بالحرية والعدل والمساواة ,, لقد اصبح خطابهم كما قلت خطابا خشبيا مملا كشعارات من يؤيدونهم من الطغاة , اخيرا لك مني كل الاحترام ....

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية