الثلاثاء، يونيو 18، 2013

هل تكون عرسال مسرحاً للتهجير أو التطهير المذهبي؟

بعد سقوط القُصير، وهي نقطة وسط إستراتيجية بين عرسال والهرمل وشمال لبنان وطريق عام حمص- دمشق وصولاً الى خط الساحل السوري، تتركّز الأنظار على عرسال لاعتبارها ممرًّا ومقرًّا آمنا للجيش الحر، خصوصاً وأنّ اختراق هذه البلدة السنّية لمحيطها الشيعي، يشكّل عائقاً أمام مخططات النظام السوري في إرساء امتداد استراتيجي يربط دمشق بالساحل السوري، مروراً بالبلدات البقاعية التي يسيطر عليها «حزب الله».

يخيّم القلق والخوف على عرسال البقاعية، التي تتعرّض باستمرار لعمليات استهداف عسكري وتشكّل مسرحاً للإضطرابات والأحداث الأمنية، وسط معلومات عن احتضانها عدداً كبيراً من مقاتلي المعارضة السورية بحوزتهم سلاح ومضادات للطيران وقذائف صاروخية.

 فبات سكانها يتوقّعون الأسوأ ويسألون عمّا اذا كانت بلدتهم هي وجهة "النظام" و"الحزب" المقبلة، بهدف تهجير أهلها وجعلها ممراً آمنا لقواتهما ومؤيديهما، لإعتبارات جغرافية وسياسية واضحة.

 ويؤكد الأهالي أنّ "كل ما يحصل اليوم من انتهاكات والتعرّض لمواطنين بأشكال استفزازية داخل عرسال، هو خير دليل على أنّ الأمور تتّجه الى التصعيد هنا، تماماً كما حصل في القصير. وآخرها مقتل المواطن علي أحمد الحجيري في كمين نصبه مناصرون لـ"حزب الله" في جرود بيت جعفر بين عكار والهرمل"، لافتين إلى أنّ "الحادث كان مدبراً ومقصوداً، بحيث انتظر المسلحون مرور السيارات التي كانت قريبة من الـ"بيك أب" المستهدف ليطلقوا النار عليه".

 ويقول رئيس بلدية عرسال علي الحجيري في حديث لـ "الجمهورية"، أنّه "لم يعد باستطاعة أحد التصرّف داخل عرسال إلّا بأوامر من "حزب الله". وعلى الرغم من أنّهم يقولون جهاراً أنّ هدفهم بعد القصير هي عرسال، إلّا أننا نؤكد أن أحداً لن يستطيع تطويع عرسال وتهجيرها، ونحن نضعها اليوم تحت مسؤولية الدولة وإمرة الجيش اللبناني، آملين ألّا يتخلّوا عنها".


موقع إستراتيجي


 تشترك عرسال، التي يقطنها 35 ألف لبناني وتشكّل ملجأً لما يناهز 30 ألف نازح سوري، في خط حدودي مع الأراضي السورية طوله 50 كلم، وتقع على تقاطع إستراتيجي يربط مدنَ وقرى ريف دمشق من جنوب الشرق، وتتّصل من الشرق والشمال الشرقي مع قرى وبلدات ريف حمص وصولاً الى مدينة القصير، التي سقطت أخيراً بعد معارك دامت أسابيع.

 وتشكل حدود محافظة حمص مع لبنان، ممراً كبيراً وواسعاً للسلاح والمسلحين الى الداخل السوري عبر تلكلخ في الشمال، ومعبر جوسية في البقاع الشمالي، ومدينة عرسال في السلسلة الشرقية للبقاع الشمالي في لبنان.

 غير أن لمعبر جوسية ميزة كبرى، كونه يحاذي مدينة القصير، ويقع على الطريق الدولي القريب لمدينة حمص، بينما لا تتمتع معابر عرسال بهذه الميزة، وبالتالي فإن الدخول الى الأراضي السورية والى حمص والقصير تحديداً، يقتضي عبور بضعة كيلومترات من جوسية، بينما يلزمه للعبور من عرسال الى حمص أكثر من مئة كلم، لهذا يتشبث المسلحون بالمعبر وبالقرى المحيطة به التي تغذي القصير وحمص بالسلاح والرجال عبر لبنان.

 إلّا أنه وبعد سقوط القصير وسيطرة النظام على طريق الساحل، فلم يعد بإمكان السوريين والجرحى الهاربين من بلادهم، التسلّل الى عرسال، سوى عن طريق الجبال باتجاه الشرق، مروراً بالقلمون ويبرود والمناطق المجاورة، ما يستغرق 4 أيام للوصول الى البلدة.



الأهمية العسكرية


 إستناداً الى آراء خبراء في الشؤون العسكرية ومتابعين لتطوّر الأحداث في سوريا، فإنّ أسباباً جيوسياسية تقف وراء استهداف عرسال، تمهيداً لتطويقها من جميع الجهات كونها تطاول خاصرة "حزب الله" وخزان المقاومة الشعبي من الهرمل الى بعلبك.

 فأهمية عرسال تكمن على الصعيد العسكري، في أنها أكبر بلدة سنّية على الحدود اللبنانية - السورية، فضلاً عن أنها تستخدم كساحة دعم للمسلحين السنّة، الذين ينقلون الجرحى إليها ويستريحون فيها وينظّمون أنفسهم ويحشدون لمعاودة القتال داخل الأراضي السورية.

 وفي هذا الإطار، يؤكد الخبير العسكري والإستراتيجي العميد الياس حنا لـ "الجمهورية"، أن "حزب الله" يسعى بعد سقوط القُصير، الى تأمين خلفيّته، فلا تكون عرسال ممرًّا آمناً للجيش السوري الحرّ، وبالتالي عدم السماح بعودة المسلحين الى القصير، ما يتطلب منه تطويع عرسال وحماية كل خطوط مواصلاته، معتبراً إنها "عملية طويلة ودقيقة تقتضي الإستعلام أولاً عن وجود عناصر من الجيش الحر في البلدة، ومنع عودة هؤلاء في حال وُجدوا من العودة الى القصير، وذلك من خلال السماح للجيش اللبناني بالقبض عليهم".

 وفي وقت يعتبر المراقبون عرسال البلدة اللبنانية الأولى التي تلعب دوراً بارزاً في الأزمة السورية وهي متقدّمة على طرابلس، لا يتوقّع هؤلاء أي عملية تهجير أو تطهير مذهبي، لأن هكذا عمليات لا يمكن أن تحصل خلال مدّة زمنية قصيرة.

 ويرى حنا أنه "من خلال سيطرة "حزب الله"، سيطغى الطابع الشيعي على البلدة تلقائياً، ما قد يدفع سكانها السُّنة الى مغادرتها رفضاً للواقع الذي فُرض عليهم. ولكن حتى الآن لا سياسة مُعلنة في هذا الصدد".

 ويستبعد المراقبون إحتمال وقوع صدام عسكري بين عرسال و"حزب الله"، الذي يحرص على تجنّب الإنزلاق نحو فتنة سنية - شيعية لبنانية. وفي هذا السياق، يوضح العميد المتقاعد أمين حطيط لـ"الجمهورية"، أنّ "الإحتكاك بـ"حزب الله" ليس سهلاً، ونتائجه لن تكون مربحة للفريق الآخر، كما أن "الحزب" لا يحرّك ساكنا تجاه من يريد جرّه الى حرب مع عرسال"، مستشهداً بكلام السيد حسن نصرالله عندما قال: "فلنتقاتل في سوريا ونجنّب لبنان الحرب".

غياب الدولة


 ويشدّد المراقبون على أنّ الدولة اللبنانية موجودة شكلياً فقط، وترفع شعار النأي بالنفس، في حين أنّ الفراغ هو سيّد الموقف. ويرى حنا أن "لبنان مرتبط بشكل مباشر في كل ما يجري في سوريا، شئنا أم أبينا، وكل نكسة في سوريا تترجم نكسة في لبنان، وكل نجاح في سوريا ينعكس أيضا على لبنان".

 وإذ يؤكد أنّ "المرحلة المقبلة تتركّز بعد سقوط القصير على أهمية وحتمية محافظة حمص لأنها ستكون المحور"، يلفت حنا الى أنها "ستشكّل ساحة حرب استراتيجية محلية ودولية في الصراع الدائر منذ سنتين في سوريا وعلى سوريا"، موضحاً أنّ "المرحلة المقبلة تبشّر بأنّ النظام السوري متّجه نجو مزيد من النجاح، و"حزب الله" الى مزيد من القوة، ولبنان الى مزيد من الإنقسام الداخلي. والفريق الأضعف هو الدولة اللبنانية، إذ لا دولة في الأساس، والفراغ هو سيد الموقف".

 من جهته، يؤكد حطيط أن "عرسال لن تستمر في لعب دور رأس الحربة التي لعبته سابقاً في الصراع السوري، فأهميتها الإستراتيجية ضعفت بعد سقوط القصير، حيث سدّت كل منافذ تزويد السلاح للمعارضة بشكل كبير. وتزامناً، هدأت المعارك التي كانت تشتعل في طرابلس في كل مرة تأتي باخرة سلاح الى المسلحين، وذلك لتعذّر إيجاد أي منفذ لإيصالها".

0 comments:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية