الجمعة، يونيو 14، 2013

ألما شحود .. بطلة من بلادي

قد يعتقد البعض أن القصص البطولية للمرأة العربية قد اختفت أو انقرضت، فلم نسمع منذ فترة بعيدة من الزمن عن سيرة حياتية نضالية مثل سيرة جميلة بوحيرد المجاهدة الجزائرية التي كانت من أشهر المناضلات اللواتي ساهمن في الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي في منتصف القرن الماضي، ولكن على ما يبدو أن الثورة السورية الأسطورية بدأت تكشف لنا عن قصص ثورية بطولية ، حيث أن مايشهده العالم الآن هو ثورة شعب لامثيل لها، تحولت إلى حرب شعواء ضد الشعب السوري الأعزل الذي اضطر إلى حمل السلاح رغما عنه.
ألما شحود امرأة دمشقية من مواليد الميدان عام 1986 ميلادي، قدمت بطولة لم يشهد التاريخ لها مثيلاً، شاركت في الثورة السورية بكل مراحلها حتى وصلت إلى مرتبة مقاتلة تقود مجموعة مسلحة تابعة للجيش السوري الحر ، أورينت نت زارت ألما شحود في مشفى عاقلة بالعاصمة الأردنية عمان حيث تقبع هناك منذ ثلاثة أشهر بهدف العلاج .

 ثائرة منذ البداية تروي ألما شحود لأورينت نت قصة انخراطها في الثورة السورية منذ الأشهر الأولى حيث تنقلت من التظاهر إلى التسلح مرورا بأعمال الإغاثة، حيث قالت: " عندما بدأت الثورة ووصلت المظاهرات لمدينتي عربين وعين ترما ، حيث إني أقيم بعين ترما وأعمل في عربين ، شاركت وتظاهرت بشكل سلمي كبقية السوريين في هاتين المدينتين ومع الأيام أصبح لدينا نازحون من المدن السورية التي تعرضت للقصف, فعملت مع مجموعة من النساء على إغاثتهم من خلال توزيع المعونات عليهن حيث إن حركة النسوة كانت أسهل من حركة الرجال آنذاك ، وعندما بدأ العمل المسلح للثورة وتشكلت بعض المجموعات المسلحة من شباب الغوطة وهنا كان العمل سرياً للغاية حيث كان مايزال النظام يسيطر على كافة المناطق والانتشار الأمني كثيف جدا، و كان لي أول دور بالعمل المسلح وهو نقل الذخيرة بين المجموعات حيث كنت أتظاهر بأني حامل بالشهور الأخيرة وأحمل الرصاص وألفه على بطني ففي ذلك الوقت لم تكن النساء معرضات للتفتيش من قبل حواجز الأمن والشبيحة، ويوما بعد يوم بدأ الثوار بتعليمي على استخدام السلاح وشيئا فشيئا بدأت بحمل السلاح."

 مجموعة "الحرة" المقاتلةالتواجد الأمني في ريف دمشق أجبر المقاتلين على سرية العمل وعلى القيام بالضربات النوعية في ذلك الوقت (تقريبا منذ نهاية عام 2011) وأيضا لنقص الدعم ، حيث كان مصدر الدعم الذي تتلقاه المجموعات المسلحة من التجار وتبرعات الأهالي في دمشق وريفها ، ألما شحود في ذلك الوقت قررت إنشاء مجموعة مقاتلة تتألف من حوالي عشرين شابا وعن هذا تخبرنا قائلة : "كنت أملك مبلغا من المال ومجموعة من المجوهرات وقمت ببيعها وأصبح لدي مبلغ جيد ساعدني على شراء سلاح وذخيرة لعشرين شاباً وشكلت منهم مجموعة، ونحن كنا نتعامل بالأسماء المستعارة حتى إذا تعرض أي واحد منا للاعتقال واعترف بشيء تحت وطأة التعذيب تصبح اعترافاته غير مهمة ولا تؤذي أحدا منا، المجموعة أطلق عليها اسم مجموعة الحرة على اسمي الذي كنت ألقب به(الحرة)، وعملنا كان ينحصر بقتال عصابات هجومي أي نقوم بضرب المراكز الأمنية والحواجز ضربات نوعية وسريعة ونختفي بسرعة ويعود كل منا لمنزله، حيث كنت ألبس ملابس رجال وأضع اللثام على وجهي والعمل يكون بغاية السرية ، وأذكر عدة مرت بأني كنت أحصل على إجازات ساعية من عملي لأشارك بعمليات سريعة ضد قوات النظام ومن ثم أعود لعملي وكأن شيئأ لم يكن".

 أول تجربة اعتقالفي الشهر السابع من عام 2012 كانت مدينة عربين تتعرض لقصف شديد من جانب قوات النظام وآنذاك كانت ألما شحود تساعد في إسعاف الجرحى ونقلهم وهنا تعرضت لأول تجربة اعتقال ،وعن ذلك تتحدث: "كنت في عملي بمدينة عربين وبدأ القصف الشديد وعندها قمت بالمساعدة بنقل الجرحى من أطفال ونساء وكان علي العودة لمنزلي في عين ترما وهنا ركبت بتكسي مع شاب ليوصلني من طرق فرعية بعيدة عن الحواجز وإذ بنا أمام حاجز طيار للأمن ,طلبوا منا النزول وبدون أي سبب بدأ العناصر بضرب الشاب سائق التكسي وعندما أراد الاستفسار عن سبب الضرب تعرض لضرب جنوني وهنا لم أستطع أنا السكوت وتدخلت للتخفيف عنه وإذا بأحد الضباط يشتمني بأبشع الألفاظ فقمت بتوجيه صفعة له على وجهه كردة فعل مباشرة مني، عندها تعرضت للضرب المبرح وأغمي علي ولم أفِق إلا وأنا في معتقل لفرع المخابرات الجوية حيث قضيت هناك 38 يوما ذقت فيها كل أنواع التعذيب التي لا تخطر على البال حتى إنهم قاموا بإزالة الشعر من رأسي بشكلٍ نهائي، وكانت التهمة الموجهة إلي هي (ناشطة سياسية) وهم لايعلمون أي شي عن عملي المسلح ولكن ذلك كان كله انتقاما بسبب ضربي لضابط الأمن، وأفرج عني بعدما دفع أهلي مبلغ مليوني ليرة سورية كرشاوى لمسؤولي النظام".

 التحول إلى القتال الدائمتشرح لنا ألما آثار الاعتقال على حالتها النفسية والجسدية ونتائجه قائلة: "عند خروجي من الاعتقال كنت بحالة مزرية جدا تفوق الخيال لأن بشاعة التعذيب الذي تعرضت له كان وحشياً جدا, و لكن أكثر شيء آلمني هو (حلق شعري ولهذا اليوم, حتى أصبح طول شعري بهذا الطول فقط)، كل هذا ولد عندي حب الانتقام وحالما تعافيت من آلامي الجسدية عدت إلى القتال فورا مع مجموعتي ولكن هذه المرة كان القتال مستمرا ودائما على عدة جبهات في الغوطة،فقد هجرتُ منزلي وأهلي، وفي ذلك الوقت اشتد الصراع المسلح حيث كنا نهاجم وندافع ونقوم بالكر والفر، وتنقلت بالقتال على جبهات عديدة منها الزبداني ورنكوس وحرستا و سقبا وحمورية وغيرها وذلك بالتعاون مع بقية المجموعات والكتائب ، ومجموعتي كانت ومازالت تتبع للمجلس العسكري بريف دمشق ونتلقى الدعم والخطط ونقوم بالتنسيق الكامل معه".

 الإصابة بالشللفي الشهر الأخير من عام 2012 كانون الأول ديسمبر اجتمعت مجموعة من كتائب الجيش السوري الحر وحشدت قواتها لتوجه ضربة قوية لفرع المخابرات الجوية في حرستا، ألما شحود ومجموعتها كانوا من ضمن هذه الكتائب ،وجرت معركة قوية جدا كان الهدف منها اقتحام الفرع ، هي المعركة الأخيرة التي شاركت بها ألما حيث أُصيبت إصابة بالغة أدت إلى شللها، وعن ذلك تتحدث قائلة: " كنا نخوض مواجهات قريبة جدا مع قوات النظام وأني اتذكر أن هذه المعركة استغرقت أكثر من ثلاث ساعات ، وعندها أُصيب أبو بكر وهو من أفراد مجموعتي وذهبت نحوه لسحبه وإذا بجنود النظام يهاجموني ويحيطون بي وبدؤوا بضربي بأسفل أسلحتهم الكلاشنكوف بطريقة هستيرية حتى أُغمي عليّ وظنوا أني مُت ، وكنت أعتقد لحظتها بأنهم كانوا ينوّن اعتقالي أنا وأبو بكر ، وفي هذه الأثناء استطاعت مجموعتي وبعض المقاتلين إنقاذنا من أيدي جنود النظام وأسعفونا إلى المشفى الميداني في عين ترما ، أبو بكر استشهد وأنا تقريبا كانت حالتي الصحية سيئة جدا لأن الضرب الذي تلقيته أدى إلى كسور كثيرة في جسمي وخصوصا في فقرات العمود الفقري وأصبحت مشلولة على إثر ذلك، لم يستطع المشفى الميداني تقديم المساعدة الطبية لي لضعف قدراته العلاجية، وهنا قرر أهلي أخذي إلى مشفى أبن النفيس الذي يسيطر عليه النظام ظناَ منهم بأن اسمي غير موجود لديهم وبأنني لست مطلوبة ، وكنت معظم الوقت مُغمى علي، حتى استيقظت ورأيت قدماي مقيدتين بالسرير الذي أنا عليه في مشفى ابن النفيس ، وبقيتُ خمسين يوما تقريبا أعالج وأنا معتقلة حتى تمكن الثوار من إخراجي عن طريق دفع مبلغ 200 ألف ليرة سورية كرشوى للشرطي الذي غيّر اسمي وأخرجوني بشكل رسمي، ومن ثم قاموا بنقلي إلى مشفى حلاوة بكفر بطنا وهو مشفى خاص وبقيت هناك تقريبا شهر وبعدها اضطررنا للخروج حيث كان القصف عشوائيا يستهدف كل شيء ، وقد استطاعت مجموعتي في شهر آذار من هذا العام نقلي إلى الأردن وقد أجريت عملية لي ومنذ ذلك الحين وأنا هنا في المشفى."

 التشخيص الطبي للحالةأيمن الحوارنة هو الطبيب المسؤول عن حالة ألما شحود الطبية، شخّصَ حالتها لأورينت نت قائلاً : " ألما مصابة بشلل سفلي من مستوى منطقة الصدر إلى الأسفل ولديها قرحات اضطجاعية في ظهرها أي أن الظهر مفتوح بعدة أماكن وذلك بسبب بقائها في الفراش لمدة طويلة ، يعني بالعامية ( أن جسمها مفتح) ، كما أن لديها ضعف بالعضلات الصدرية ولذلك فإن لديها صعوبة بالتنفس ، ونحن الآن بطور علاجها من كل ذلك لنصل لهدفنا وهو جعلها قادرة على الجلوس ومن ثم يكون بقدورها استعمال الكرسي المتحرك، ولكن للأسف الشديد حالة شللها ليس لها علاج!!". 
بالتأكيد هناك أوجه اختلاف كبيرة بين قصتي ألما شحود وجميلة بوحيرد ، وأبرز هذه الأوجه أن بوحيرد عُذبت واُعتقلت من قبل الاستعمار الفرنسي ولكن ألما عُذبت واُعتقلت وحُلق شعرها وضُربت حتى الشلل من قبل أبناء وطنها ، من قبل جنود الجيش السوري الذين كان المفترض بهم حمايتها وحماية بقية الشعب السوري من الأسد الابن والأب، قصة ألما شحود سوف تقرأها الأجيال السورية القادمة ، وربما سوف تشاهد القصة في فيلم سينمائي أو حتى مسلسل درامي تاريخي بطولي.

 فادي رياض

1 comments:

Ali Issa يقول...

يستحيل هزيمة هذه الثورة التي فيها مثل هذه النساء ,,,, ايها المعارضة افيقي وكفى تجارة بكفاح شعبنا

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية