الاثنين، أكتوبر 07، 2013

لبنانيون عائدون من الغرق في المحيط الهندي إلى حياة البؤس



عائد من الموت إلى الـ'لا أفق'
قبعيت (لبنان) - باع أسعد أسعد كل ما يملك ليهرب من الوضع المزري الذي كان عاش فيه مع زوجته واولاده الثلاثة في شمال لبنان. الا ان رياح البحر الاندونيسي لم تجر كما شاء المركب الذي حمل اسعد وغيره من المهاجرين غير الشرعيين، فابتلع عائلته ليعود هو الى قريته جسدا بلا روح.
الرجل البالغ من العمر 36 عاما، والذي يبدو كأنه في العقد الخامس، واحد من 18 لبنانيا نجوا الجمعة 27 ايلول/سبتمبر من غرق المركب قبالة السواحل الاندونيسية، في كارثة تذكر بمشكلات البطالة والهجرة في لبنان، والتي فاقمها تدفق اللاجئين من سوريا المجاورة.
ويقول اسعد ذو الوجه النحيل والنظرات الخاوية "كنا مستعدين لكل شيء من اجل الرحيل، كان لدينا أمل بحياة أفضل لأن لا شيء نقوم به هنا".
يضيف وهو جالس في منزل والديه في قرية قبعيت (شمال) "خسرت كل شيء.. اولادي، زوجتي، مالي، منزلي"، بينما يتقدم الناس لتقديم واجب العزاء له بصمت قاتل.
تقع القرية في منطقة عكار، احدى اكثر المناطق اللبنانية فقرا وحرمانا، وتترامى على منحدرات جبال خضراء آخاذة. الا ان جماليتها تخفي صعوبات معيشية فائقة، اذ يعيش عدد كبير من سكانها، كما اسعد، بنحو عشرة دولارات يوميا.
ويتابع اسعد "لم اكن ارغب في ان اكون غنيا، كنت اسعى فقط الى حياة لائقة.. هنا نعيش ذليلين"، ما دفعه الى محاولة الوصول الى استراليا، "الجنة" التي سبقه اليها العديد من سكان قبعيت.
وسعت شبكات مافيوية منذ اشهر للاستفادة من الاوضاع المأسوية للاجئين السوريين في لبنان عبر نقلهم الى استراليا عبر اندونيسيا في موجات هجرة غير شرعية. ونظرا الى حالهم المعيشية المزرية، حاول بعض اللبنانيين "تجربة حظهم" في هذه الرحلات.
ويقول اسعد الذي دفع 70 الف دولار اميركي للمهربين "العديد من الذين غادروا يعيشون في ظروف جيدة حاليا، الا اننا لم نحظ بفرصة مماثلة".
لا يرغب اسعد في استعادة التجربة المرة التي اختبرها في عرض البحر "كان الامر اشبه بانفجار، والمركب تفكك.. كان مشهدا لا يمكن تخيله او وصفه"، قبل ان يتابع "كنت افضل الموت مع عائلتي".
حاليا، يريد من الدولة اللبنانية ان "تفتح عينيها" حول الوضع في القرى المماثلة لقبعيت، حيث لا يجد السكان فرصا للعمل سوى في حراثة الارض، او كما اسعد، قطع الاشجار لإنتاج الفحم.
ويقول "قرى كهذه هي سجن، هي مكان حيث يموت الناس".
في القرية الصغيرة، يندر وجود المحال التجارية على جانبي الطريق. ويقوم اطفال يرتدون ملابس رثة بتعبئة دلاء الماء من حنفية في الشارع لان المياه لا تصل الى المنازل. اما أقرب مستشفى، فيبعد نحو 20 كلم.
ورغم الكارثة الاندونيسية، ما زالت فكرة الهجرة تراود بعض سكان القرية طالما بقيت الظروف المعيشية على حالها. كما يشكو هؤلاء من ان وظائفهم غير مضمونة بسبب تزايد اعداد اللاجئين السوريين.
ويقول فهد قاسم "اتنقل اسبوعيا بين قبعيت وبيروت (التي تبعد نحو ثلاث ساعات ونصف ساعة) حيث اعمل في مصنع للحديد، واتقاضى نحو 800 دولار اميركي شهريا، لا تكفيني حتى آخر الشهر".
ويضيف "صاحب العمل يقول لي ان في امكانه توظيف اربعة عمال سوريين بالراتب الذي يدفعه لي"، مؤكدا انه "في حال اتيحت لي الفرصة، سأهاجر".
وتتوافر اليد العاملة السورية بأعداد كبيرة في لبنان منذ عقود، الا ان تدفق اللاجئين زاد اعدادها بشكل مضطرد.
واعتبر النائب عن عكار هادي حبيش ان كارثة المركب تدق ناقوس الخطر، قائلا ان "آخر الاحصاءات الدولية عن عكار تظهر انه في مقابل كل ستة لبنانيين يوجد اربعة سوريين".
ويستضيف لبنان الذي يبلغ تعداد سكانه اربعة ملايين نسمة، اكثر من 770 الف لاجىء سوري. ولا يزال البلد الصغير من دون حكومة منذ آذار/مارس، بسبب الخلافات السياسية بين الاطراف السياسيين المنقسمين بين موال للنظام السوري ومتعاطف مع المعارضة.
وانعكس هذا الانقسام اعمال عنف متنقلة في البلاد، شملت اشتباكات وتفجيرات وسقوط قذائف من الاراضي السورية على مناطق حدودية.
ودفع الوضع الامني المتدهور افراح حسن (22 عاما) الى محاولة الهجرة، الا ان حظها كان افضل من عشرات ركاب المركب المشؤوم.
كانت هذه الشابة المحجبة تدرس الحقوق في طرابلس، كبرى مدن شمال لبنان الواقعة على بعد 30 كلم من قبعيت.
وتقول "كنا نسمع اصوات اطلاق النار بشكل دائم، واحيانا نحتمي بالكراسي في الصف" الجامعي.
تضيف "طفح الكيل بعد التفجيرين في طرابلس، اردت ترك كل شيء"، في اشارة الى انفجار سيارتين مفخختين في 23 آب/اغسطس، ما ادى الى مقتل 45 شخصا.
تحطمت طموحات افراح وسط المحيط الهندي، اذ تستعيد الحشرات التي غطت ارض المركب، والايام الخمسة التي امضتها محاطة بالمياه والسماء، والامواج المرتفعة التي جرفت كل شيء، والاطفال الذين طافوا اثر ذلك على سطح المياه، والجزيرة التي قذفت اليها بشبه معجزة.
وتقول هذه الشابة "لا افق في لبنان، هذا صحيح.. لكنني اقول الآن انه لم يكن يجدر بي المغادرة ابدا".

0 comments:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية