السبت، أبريل 28، 2012

هل يتكرر 6 أكتوبر؟

كان 6 أكتوبر انجازا عظيما بكل المقاييس وعلى مختلف الجبهات. والسؤال الذي يلح على الكثيرين: هل يمكننا استعادة تلك الروح، وامتلاك نفس الأسباب التي مكنتنا من هذا الإنجاز الفريد؟. ولا يستطيع المرء أن يقدر قيمة نصر أكتوبر المجيد حتى يعرف الصورة التي كانت عليها مصر والعالم العربي قبل 6 أكتوبر.

كانت مصر قبل 6 أكتوبر تمر بأوقات عصيبة. حالة من الإحباط خيمت على كل القوى الوطنية، وحالة من التشكك في القيادة السياسية أطلقت العنان للسخرية والاستهزاء بعد أن أخلف السادات وعده بأن يكون عام 1972 عاما للحسم العسكري. كانت الدعوات تتصاعد بضرورة “إزالة آثار العدوان”، لكن اليأس كان يلف عقول معظم الناس. كان الرئيس السادات بعد صراعه مع أركان نظامه في مايو 1971 والذي خاض فيه مواجهة شاملة مع جبهة ضمت وزراء الحربية والداخلية والإعلام ورئيس المخابرات العامة وغيرهم ، والتي انتهت بالقبض عليهم فيما أطلق عليه السادات ثورة التصحيح. ظل الوضع الداخلي بعد ذلك ملتهبا، ورجال الصف الثاني بالاتحاد الاشتراكي متربصون بالنظام القائم.

كانت مصر وقتها تعتمد بالكامل على السلاح السوفييتي، وكان السادات بميوله تجاه الغرب، لا يستطيع أن يجري تفاهمات سهلة بشأن التسليح مع القادة السوفييت. وكانت علاقات مصر مع العالم العربي مهزوزة خاصة مع السعودية والأردن والعراق. وقد حاول السادات مد جذور الثقة مع الدول العربية، ونجح في وقت قصير في إيجاد لون من التنسيق لم تعرفه العرب منذ عقود طويلة.
كان الجيش الإسرائيلي متفوقا على جميع الجبهات البرية والبحرية والجوية، وكان التعاون الاستخباراتي مع الولايات المتحدة كاملا. وكانت قناة السويس ومن خلفها خط بارليف المنيع عائقا لا يتصور العسكريون اقتحامه، وكانت إسرائيل تروج لهذا الخط على أنه أقوى من خط ماجينو الذي بناه الفرنسيون في الحرب العالمية الثانية. وكان خط بارليف عبارة عن ساتر ترابي بارتفاع 22 مترا وانحدار بزاوية 45 درجة على الجانب المواجه للقناة، كما تميز بوجود 20 دشمة محصنة على مسافات تتراوح من 10 إلى 12 كم وفي كل نقطة حوالي 15 جندي تنحصر مسئوليتهم في الإبلاغ عن أي محاولة لعبور القناة وتوجيه المدفعية إلى مكان القوات التي تحاول العبور. كما كانت عليه مصاطب ثابتة للدبابات ، بحيث تكون لها نقاط ثابتة للقصف في حالة استدعائها في حالات الطوارئ. كما كان في قاعدته أنابيب تصب في قناة السويس لإشعال سطح القناة بالنابالم في حالة محاولة القوات المصرية العبور. ولذلك كان يتردد في الأوسط العسكرية والسياسية أن خط بارليف –ببساطة شديدة-مستحيل العبور. وكانت في نفس الوقت مقولة إن “جيش إسرائيل لا يُقهر” بدأت تكون قناعة عامة عند العرب قبل غيرهم. وكانت ثقة الأمريكان في الجيش الإسرائيلي كبيرة جدا لدرجة أن هنري كيسنجر في فبراير 1973 وعندما كان مستشارا للأمن القومي الأمريكي، أعد مذكرة للرئيس نيكسون، أشار فيها إلى رصده لبعض العبارات في خطب الرئيس السادات، وبعض تحركات للقوات المصرية في جنوب وغرب مصر، كلها تثير شكوكا بأن السادات يفكر في شن الحرب على إسرائيل. ومع أن مذكرة كيسنجر كانت منطقية في كثير من جوانبها، إلا أن وكالة الاستخبارات الأمريكية رفضتها بالكامل، ورأت أن السادات لا يمكن أن يفكر – مجرد تفكير – في بدء حرب على إسرائيل.
كذلك كانت العلاقات العربية العربية في حال يرثى لها (طبعا لم تكن بلغت ما بلغته الآن من التشرذم والعداوة)، وكان بعض الملوك والرؤساء يهاجمون بعضهم في وسائل الإعلام وبلغة مسفة. وكانت الشكوك فيما بينهم كبيرة وعميقة، كما كانت عدة أنظمة عربية قد تم اختراقها من الدول الغربية إلى الحد الذي كانت تدفع فيه وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) راتبا شهريا للملك حسين ملك الأردن الراحل لسنوات عديدة حتى أوقفه الرئيس جيمي كارتر أواخر السبعينات. هذا الاختراق أصاب الأنظمة العربية بالريبة الشديدة فيما بينها، فكانت لا تأتمن بعضها على أسرار أو خطط. هذه الصورة تجعل ما حدث في 6 أكتوبر من تنسيق مصري سعودي سوري إنجازا يحتاج إلى وقفة وتأمل، كما كان إرسال عشرة دول عربية بقوات لها إلى جبهة القتال نقلة أخرى كان من الصعب أن ترد في أحلام السياسيين قبل 6 أكتوبر.

وأول ما نتوقف عنده من إنجازات 6 أكتوبر هو خطة التمويه الكبرى التي مهدت للحرب. فبالرغم من امتلاك الولايات المتحدة وإسرائيل لأحدث تقنيات وموارد الاستخبارات في حينها، فإنهما لم تعرفا بقرار الحرب إلا قبله بساعات قليلة. وهذا أمر يثير العجب، لأن تحركات جيش بحجم الجيش المصري أو السوري على جبهة تمتد مئات الكيلومترات أمر يصعب إخفاؤه، كما أن نزول قرار الحرب إلى مستويات بعض القادة الميدانيين أمر يصعب احتواؤه. بل إن تحركات الرئيس السادات واجتماعاته التي اتسعت للتخطيط للحرب خاصة في الأيام الأخيرة قبل 6 أكتوبر كان أيضا أمرا يصعب التمويه حوله. ولكن كل هذه الصعوبات تم تجاوزها بسلاسة فاجأت الجميع، فاجأت الداخل المصري والإعلام المصري والعربي والعالمي، وفاجأت المراقبين السياسيين والعسكريين
وقد تمت عملية أو خطة الخداع على عدة مستويات:

الخداع الاقتصادي: بإظهار ضعف مصر اقتصاديا وعدم قدرتها على الهجوم وأن حل الأزمة يجب أن يكون سلميا. وقد تم الإيعاز للصحافة أن تركز على الأزمة الخانقة وارتفاع الأسعار.

الخداع السياسي: بإظهار قبول حالة اللا سلم واللا حرب والإعلان عن عام الحسم أكثر من مرة وقرار طرد المستشارين الروس ومغازلة الولايات المتحدة في الخطاب الرسمي.

الخداع الاستراتيجي والتعبوي والإعلامي: مثل قرار وزير الحربية بزيارة ليبيا في قبيل الحرب، مع استمرار تدريبات الضباط والجنود كما هي حتى آخر لحظة قبل ساعة الصفر، كما أعطيت تعليمات للضباط الصغار بالكليات العسكرية بمواصلة الدراسة يوم 9أكتوبر، وسمح للضباط بالتقدم لحجز أماكن في رحلة الحج (في ديسمبر 1973). وفي يوم 4 أكتوبر أعلنت وسائل الإعلام المصرية عن تسريح 20000 جندي احتياط وصباح يوم 6 أكتوبر نشر المصريون فرقا خاصة على طول القناة وكانت مهمتهم أن يتحركوا بدون خوذ أو أسلحة أو ملابس عسكرية وأن يستحموا ويصطادوا السمك ويأكلوا البرتقال. كما أنه خلال الساعات الحاسمة قبيل ساعة الصفر أضاف كما أنه خلال الساعات الحاسمة قبيل ساعة الصفر أضاف اللواء حسني مبارك (قائد القوات الجوية آنذاك) وسيله آخري من التمويه فقد أجري ترتيبات دقيقة في القاهرة واتصالات عاجلة مع طرابلس بعد ظهر يوم الجمعة 5 أكتوبر للإعداد لزيارة أوهم المحيطين به أنه سوف يقوم بها إلى ليبيا وبرفقته بعض كبار الضباط في مهمة عاجلة تستغرق 24 ساعة. وعندما كان يقترب موعد إقلاع الطائرة الذي تحدد في الساعة السادسة مساء 5 أكتوبر كان اللواء حسني مبارك يؤجل الموعد المرة بعد الآخري حتي تم تحديده نهائيا ليكون في الساعة الثانية بعد ظهر 6 أكتوبر !!.حسني مبارك وسيله آخري من التمويه فقد أجري ترتيبات دقيقة في القاهرة واتصالات عاجلة مع طرابلس بعد ظهر يوم الجمعة 5 أكتوبر للإعداد لزيارة أوهم المحيطين به أنه سوف يقوم بها إلى ليبيا وبرفقته بعض كبار الضباط في مهمة عاجلة تستغرق 24 ساعة. وعندما كان يقترب موعد إقلاع الطائرة الذي تحدد في الساعة السادسة مساء 5 أكتوبر كان اللواء حسني مبارك يؤجل الموعد المرة بعد الآخري حتي تم تحديده نهائيا ليكون في الساعة الثانية بعد ظهر 6 أكتوبر !!.
وكان من الخداع الإعلامي التضخيم في وسائل الإعلام من استحالة عبور القناة لما فيها وعليها من موانع. ومن الخداع الاستراتيجي أيضا دخول القيادة السياسية في مصر وسوريا قبل الحرب في مشروع للوحدة مع ليبيا والسودان، والتي رأى فيها العدو حالة استرخاء للقيادات السياسية في البلدين، ولم ير فيها بُعدها الاستراتيجي في أن ليبيا والسودان قد أصبحتا هما العمق العسكري واللوجيستي لمصر. فقد تدرب الطيارون المصريون في القواعد الليبية وعلى طائرات الميراج الليبية ونقلت الكلية الحربية المصرية إلى السودان بعيدا عن مدى الطيران الإسرائيلي ، وقد سمح مشروع الوحدة بجلوس القادة العسكريين في مصر وسوريا على مائدة المفاوضات أمام عيون الموساد للتنسيق فيما بينهم على موعد الحرب دون أن يثير هذا شكوك الإسرائيليين.
ومن اللفتات الذكية في الخداع الاستراتيجي التعامل مع حركة القمر الصناعي الأمريكي المخصص لمراقبة الجبهة وقتها ، حيث أجرت مصر التعبئة العامة ثلاث مرات قبل هذه الحرب ( مناورات الخريف) وكانت إسرائيل تقوم في كل مرة باستدعاء احتياطيها المركزي وتعلن التعبئة العامة خوفا من الهجوم المصري المرتقب وكانت تلك التعبئة توقف الحياة الاقتصادية في إسرائيل تماما وتكبدها أموالا ضخمة. وكانت المرة الوحيدة التي أعلنت فيها مصر التعبئة العامة في مناورات الخريف وتجاهلتها إسرائيل بسبب تكلفتها وخسائرها المالية هي التي وقعت فيها حرب أكتوبر. وكان أبرع تكتيك للخداع العسكري رفع درجة الاستعداد القصوى وإعلان حالة التأهب في جميع المطارات والقواعد الجوية المصرية في الفترة من 22 إلى 25 سبتمبر (أي قبل الحرب بأسبوعين فقط)، وخلال هذه الفترة تتابع خروج الطلعات من مطارات الدلتا والصعيد بشكل متواصل مما أصاب الإسرائيليين بأشد أنواع البلبلة والارتباك فقد اضطروا إلى إطلاق طائراتهم في الجو كلما انطلقت طائرة مصرية وعندما لم تحدث أي هجمات كما توقع الإسرائيليون دب في نفوسهم الهدوء والاطمئنان فقد أيقنوا بأن طلعات الطيران المصري إنما هي لمجرد التدريب لا أكثر.

وكان الخداع الاستراتيجي على الجبهة السورية يتم بتنسيق على أعلى المستويات، وكان من مظاهره قيام المخابرات السورية بالإيعاز للمقاومة الفلسطينية بخطف قطار ينقل المهاجرين اليهود القادمين من روسيا إلى معسكر شنواة بالنمسا وكان ذلك بغرض توجيه أنظار إسرائيل السياسية إلى النمسا وليس لما يجري على الجبهتين المصرية والسورية وهو ماحدث فعلا حيث سافرت جولدا مائير إلى النمسا لمناقشة الحادث.
وبعدها ضحت سوريا بـ 15 طائرة سقطت في البحر الأبيض المتوسط بعد معركة جوية شرسة مع الطيران الإسرائيلي تحلت فيها سوريا بضبط النفس إلى أقصى درجة حتى لا تطلق صاروخا واحدا ضد الطائرات الإسرائيلية فتكتشف إسرائيل فاعلية هذه الصواريخ قبل المعركة الكبرى (حرب أكتوبر) التي جرت بعدها بعشرة أيام.

هذه الجوانب العديدة لخطة التمويه الكبرى التي تمت فصولها بنجاح باهر حتى صبيحة 6 أكتوبر، ما كان لها أن تتم بهذا الإتقان بعد توفيق الله ، إلا بثقافة صارمة من الجد والإبداع وكتم الأسرار والتعامل بمسئولية في كل تفاصيل هذه الخطة التي وقعت فصولها المتنوعة تحت سمع وبصر إسرائيل والولايات المتحدة دون أن ينتبها لها برغم تنوعها واشتراك مئات الرجال في تنفيذها. إننا لو قارنا أوضاعنا الآن ونحن نشهد حالنا من التسيب الشديد والفوضى العارمة في المستويات التنفيذية المختلفة، نرى الفرق هائلا بين حالنا الآن وحالنا في 6 أكتوبر 73.
إننا الآن في أمس الحاجة لتلك الثقافة وذلك الانضباط الرفيع المستوى. وإن افتقادنا لهذه الجوانب يرجع إلى التدهور الذي نعاني منه في مؤسسات التعليم المختلفة، وفي أجهزة الإعلام المصرية التي تعمل بدون استراتيجية قومية واضحة.

د. محمد هشام راغب 

0 comments:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية