السبت، أبريل 28، 2012

رجاء بن حيوة

كان رجاء بن حيوة مستشارا مقربا من خلفاء بني أمية، وكانت نصيحته الشهيرة للخليفة سليمان بن عبد الملك باستخلاف عمر بن عبد العزيز سببا مباشرا في تولي هذا الخليفة الراشد الذي جدد الله به شباب الإسلام وأعاده به إلى صفائه الأول. ويعتقد البعض أن البطانة الصالحة ضرورة فقط للرؤساء والملوك والوزراء، ولكن الأمر أوسع وأعم من ذلك، وربما يكون لكل واحد منا فرصة في حياته ليلعب هذا الدور المؤثر في اتخاذ القرارات المختلفة.
ورجاء بن حيوة كان شيخ أهل الشام في عصره وكان ورعا تقيا وكان فقيها فصيحا، ولد في فلسطين، وتتلمذ على كوكبة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم. وكان يدرك أبعاد الواقع السياسي الذي يعيشه وعمل جاهدا على النهوض به مستغلا في ذلك قربه من الأسرة الحاكمة، والثقة التي كان يتمتع بها بينهم. وهو دور خطير اختاره لنفسه برغم المخاطر التي تحيط به، لأن أي إنسان يقترب من دائرة السلطة سيرى منكرات وتجاوزات كثيرة من الصعب السكوت عليها، ومن الصعب جدا التعرض لها كلها لأن ذلك ربما لا يؤدي فقط لإبعاده وذهاب حظوته، ولكنه ربما أيضا يودي بحياته إذا تعرض لنقمة السلطان. فهو دور في غاية الحساسية ويحتاج لحكمة كبيرة وفقه بالواقع وميزان دقيق للمصالح والمفاسد.


يروي رجاء بن حيوة قصته الشهيرة ودوره في تولي عمر بن عبد العزيز زمام الأمور، يقول “… لما ثقل سليمان بن عبد الملك (وهو الخليفة آنذاك، وكان ما زال في الأربعين من عمره) رآني عمر بن عبد العزيز في الدار أخرج وأدخل وأتردد فدعاني فقال لي: يا رجاء، أذكرك الله والإسلام أن تذكرني لأمير المؤمنين أو تشير بي عليه إن استشارك فوالله ما أقوى على هذا الأمر فأنشدك الله إلا صرفت أمير المؤمنين عني، فانتهرته وقلت: إنك لحريص على الخلافة لتطمع أن أشير عليه بك فاستحيا ( وكأن عمر بن عبد العزيز قد أحس قلبه بشئ نحو استخلافه، فحذر رجاء أن يرشحه لهذا المنصب الخطير خوفا منه على دينه، وقد رد عليه رجاء بهذه الحيلة اللطيفة لكي لا يثير مخاوفه)، وسألني سليمان أن أظلّ قريباً منه، فدخلتُ عليه ذات يوم فوجدتُه يكتب كتاباً، فقلت: ما يصنع أمير المؤمنين ؟ قال: أكتب كتاباً أعهد به إلى ابني أيوب بالخلافة من بعدي، فقلت يا أمير المؤمنين إنّ ممّا يحفظ الخليفة في قبره، ويبرئ ذمته عند ربه أن يستخلِف على الناس الرجل الصالح، وإن ابنَك أيوب غلامٌ لم يبلغ الحلم بعد، ولم يتبين صلاحه من طلاحه، فتراجع، وقال: إنه كتاب كتبته، وأنا أريد أن أستخير الله فيه، ولم أعزم عليه، ثم مزق الكتاب. (وهكذا جعل سليمان يصرف النظر عن اختياره الأول)، ومكث بعد ذلك يوماً أو يومين ثم دعاني، وقال: يا رجاء ما رأيك في ولدي داود، فقلت: هو غائب مع جيوش المسلمين في قسطنطينية، وأنت لا تدري الآن أحيٌّ هو أم ميت، ( وكان سليمان قد أرسل جيشاً كبيرا إلى القسطنطينية، بقيادة أخيه مسلمة بن عبد الملك، ومعه ابنه داود، وطائفة كبيرة من آل بيته، وقد آل سليمان على نفسه ألاّ يبرح مرج دابق حتى يفتح الله عليه القسطنطينية، أو يموت) فقال سليمان: فمَن ترى إذن يا رجاء، قلت: الرأي رأي أمير المؤمنين (وكان رجاء بن حيوة بحكمة ينظر فيَمن يذكرهم سليمان لكي يستبعدهم واحداً واحداً حتى يصل إلى عمر بن عبد العزيز). فقال سليمان: كيف ترى عمر بن عبد العزيز؟، قلت: واللهِ يا أمير المؤمنين مَا علمته إلا فاضلاً كاملاً عاقلاً بيناً، قال: صدقت، إنه والله لكذلك، ولكنني إن ولّيته، وأغفلت أولاد عبد الملك لتكوننّ فتنة، ولا يتركونه يلي عليهم أبداً، قلت: أشرك معه واحداً منه، واجعله بعده (وهذه أيضا لفتة ذكية من بن حيوة، لأن المستشار إذا اكتفى برفض رأي معين دون أن يذكر البديل، ودون أن يزيل المعوقات من طريق الرأي البديل، فإن رأيه لا يؤخذ به). قال سليمان: واللهِ لقد أصبت، فإنّ ذلك مما يسكنهم، ويجعلهم يرضونه، ثم أخذ الكتاب، وكتب بيده: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من عبد الله سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز، إني ولّيته الخلافة من بعدي، وجعلتها من بعده ليزيد بن عبد الملك، فاسمعوا له وأطيعوا، واتقوا الله، ولا تختلفوا فيطمع بكم الطامعون، ثم ختم الكتاب، وناولني إياه، ثم أرسل إلى كعب بن حازم صاحب الشرطة، وقال: ادع آل بيتي فليجتمعوا (لأخذ البيعة) فاجتمعوا فقال لهم سليمان: إني قد عهدت عهدي في هذه الصحيفة ودفعتها إلى رجاء وأمرته أمري وهو في الصحيفة اشهدوا واختموا الصحيفة؛ فختموا عليها وخرجوا فلم يلبث سليمان أن مات. وبعد موته أخذ رجاء بن حيوة البيعة مرة أخرى من رؤوس بني أمية قبل أن يعلن لهم اسم مرشح الخلافة الذي أوصى به سليمان، وقد أراد من ذلك أن يحزم أمره ويستوثق أن أحدا لن يتراجع في بيعته، وذلك ايضا من حصافته وحسن تدبيره.
لقد كان عهد عمر بن عبد العزيز رائعا في دولة الإسلام، أعاد فيه الأمة إلى سابق عهدها من العدل ورفع المظالم ورفع قدر العلم والعلماء وانتشار الإسلام، ونعتقد أن كل ما قام به عمر بن عبد العزيز في خلافته الراشدة سيكون مثله تماما في ميزان حسنات رجاء بن حيوة أجرا على نصيحته الغالية وأمانته عندما استشير. وكل منا أمامه فرصة مشابهة وإن كانت على نطاق أصغر أو أبسط. كم من شركة أو مؤسسة كبيرة يديرها صاحبها ويستشير صديقا أو قريبا له، ورأي هذا المستشار قد يؤثر في وضع الشركة كلها والعاملين فيها. كم من مستشار لمدير مدرسة أو جامعة أو مستشفى أو جمعية أهلية أو وزراة أو وكالة أو حركة إسلامية أو هيئة إعلامية أو برنامج تليفزيوني أو إذاعي. أو مستشار في أمور خاصة كزواج أو طلاق أو خصومة أو شراكة تجارية. قرارت عديدة في بحر الحياة تنشأ بسبب كلمة قالها مستشار، ربما تسبب صلاحا كبيرا أو فسادا عريضا. راجع حياتك، ستجد أنك تشير برأي على بعض الناس، فكن مستشارا أمينا تريد وجه الله بهذا الرأي قبل أي شيئ آخر، واعلم أن العبد ربما ينطق بالكلمة من رضوان الله فيبلغ بها الله ما شاء أن تبلغ. وإن أمانة الكلمة أعظم وأخطر من أمانة المال.
هذا المستشار الفذ رجاء بن حيوة وجد أيضا في حياته من ينصحه هو ويشير عليه. يقول رجاء “… إني لواقف مع سليمان بن عبد الملك في جموع من الناس، إذ رأيت رجلاً يتجه نحونا وسط الزحام، وكان حسنَ الصورة، جليلَ الهيئة، فما زال يشق الصفوفَ، وأنا ما أشكُّ أنَّه يروم الخليفة حتى حاذاني، فإذا به يتّجه نحوي، ثم وقف إلى جانبي، وحيَّاني، وقال: يا رجاء إنك قد ابتليت بهذا الرجل، وأشار إلى الخليفة، وإنّ في القرب منه الخير الكثير والشر الكثير، فاجعل قربَك منه خيراً لك وله وللناس، واعلمْ يا رجاء أنه مَن كانت له منزلة من السلطان فرفع إليه حاجة امرئٍ ضعيف لا يستطيع رفعها لقِيَ الله جل وعز يوم يلقاه، وقد ثبَّتَ قدمَيْه للحساب”.
والمستشار لا يركب دماغه كما يقولون من أجل كلمة الحق بل يقدر دائما المصالح والمفاسد التي تترتب على رأيه، فيأخذ بأعظم المصلحتين، ويرد أكبر المفسدتين. وأورد هنا قصتين من حياة بن حيوة فيهما هذا التقدير الفائق وهذه الحكمة الكبيرة:
• عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: كنا مع رجاء بن حيوة، فتذاكرنا شكر النعم، فقال: ما أحد يقوم بشكر نعمة، وخلفنا رجل على رأسه كساء (وكان هذا الرجل جاسوسا للخليفة يأتيه بأخبار المجالس المختلفة لعلية القوم) فقال: ولا أمير المؤمنين ؟ (سؤال مستفز يريد أن يوقعهم في الغلط) فقلنا: وما ذكر أمير المؤمنين هنا ! وإنما هو رجل من الناس. قال: فغفلنا عنه، فالتفت رجاء فلم يره (اختفى هذا المخبر وأراد أن يطير بوشايته للخليفة)، فقال رجاء: أُتِيتُم من صاحب الكساء، فإن دعيتم فاستُحْلِفتُم فاحلفوا. قال: فما علمنا إلا بالشرطة قد أقبلت عليه، قال: هيه يا رجاء، يُذْكَر أمير المؤمنين، فلا تحتجُّ له ؟ ! قال: فقلت: وما ذاك يا أمير المؤمنين ؟ قال: ذكرتم شكر النعم، فقلتم: ما أحد يقوم بشكر نعمة، قيل لكم: ولا أمير المؤمنين، فقلت: أمير المؤمنين رجل من الناس ! فقلت: لم يكن ذلك. قال: آلله ؟ (يعني يستحلفه بالله ما قال هذا) قلت: آلله. (وحلف رجاء بن حيوة كذبا على فتوى جواز الحلف كذبا أمام سلطان ظالم ليحقن دم مسلم)، قال: فأمر بذلك الرجل الساعي (هذا الجاسوس المخبر)، فضُرب سبعين سوطا، فخرجت وهو مُتلوِّث بدمه فقال: هذا وأنت رجاء بن حيوة (يعني تكذب وأنت رجاء بن حيوة !!). قلت: سبعين سوطا في ظهرك خير من دم مؤمن. قال ابن جابر: فكان رجاء بن حيوة بعد ذلك إذا جلس في مجلس يقول ويتلفت: احذروا صاحب الكساء.
• وفي سنة إحدى وتسعين حجّ الوليد بن عبد الملك وبصحبته رجاء، فلما بلغا المدينة زارا المسجد النبوي الشريف، يرافقهما عمر بن عبد العزيز، وقد رغِب الخليفة أن ينظر إلى الحرم النبوي نظرة أناة ورَوِيَّة، لأنه كان عقَدَ العزمَ على توسعَتَه حتى يكون مائتي ذراع في مائتي ذراع، فأُخرِجَ الناسُ من المسجد ليتمكّن الخليفة من تأمله، ولم يبق في المسجد غيرُ سعيد بن المسيب (من أئمة التابعين)، إذ لم يجرؤ الحرس على إخراجه لمكانته وهيبته ووقاره، فأرسل عمر بن عبد العزيز إليه، وكان يومئذ والياً على المدينة، مَن يقول له: لو خرجتَ من المسجد كما خرج الناس (تلطف في طلبه له، كأنه يقول له: بعد إذنك)، فقال سعيد بن المسيب: لا أغادر المسجد إلا في الوقت الذي اعتدتُ أن أغادره فيه كل يوم، فقيل له: لو قمتَ فسلمتَ على أمير المؤمنين (على الأقل حتى لا تحدث مشكلة)، فقال: إنما جئت إلى هنا لأقوم للهِ رب العالمين، هذا بيت الله.. فلما عرف عمر بن عبد العزيز ما دار بين رسوله وسعيد بن المسيب جعل يعدل بالخليفة عن المكان الذي فيه سعيد (يبعده حتى لا تقع عينه على سعيد)، وأخذ رجاء يشاغله بالكلام لِمَا كانا يعلمان من شدة عنفوان الخليفة (فالخليفة عصبي المزاج، وهنا شيخ يرفض أن يخرج من المسجد الآن، ولا يقف للسلام)، ولكن وقع المحذور ووقعت عين الوليد عليه، فقال لهما الوليد: مَن ذلك الشيخ ؟ أليس هو سعيد بن المسيب ؟ قالا: بلى يا أمير المؤمنين، وطفِقا يصِفَانِ من دينه وعلمه وفضله وتقواه (يهيئانه للمشكلة التي على وشك الوقوع)، ثم قالا: لو عِلَم الشيخ بمكان أمير المؤمنين لقام إليه، وسلّم عليه، ولكنه ضعيف البصر، فقال الوليد: إني لأعلم من حاله مثلما تذكران، وهو أحقُّ أن نأتيه ونسلِّم عليه !!، ثم دار في المسجد حتى أتاه، ووقف عليه وحيّاه، وقال: كيف الشيخ ؟ فلم ينهض الشيخ من مكانه، وقال: بنعمة من مكانه، وله الحمد والمنة، قال له: فكيف أمير المؤمنين وفَّقه الله لما يحبّه ويرضاه، فانصرف الوليد، وهو يقول: هذا بقيّة الناس، هذه بقيّة السلف الصالح”.

د. محمد هشام راغب

0 comments:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية