في كل مرّة، وعند حدوث أيّ خضّة أمنيّة، يسارع جنبلاط إلى التهدئة من خلال هاتفه الخلوي الذي لا يملك غيره وسيلة في هذه الأيام، تمكّنه من متابعة التطورات والتواصل مع كافّة الأفرقاء المتنازعة لحضّها على تهدئة الشارع، ومطالبتها تفويت الفرصة على المتربّصين بالأمن، لأنه يدرك تماماً مدى استعداد التربة اللبنانية لإنجاح بذور الفتنة.
وسط الأفرقاء المتخاصمين يقف جنبلاط في الوسط، ويحاول قدر المستطاع النأي بنفسه عن أي صراع مذهبيّ حاصل، خصوصاً بين السنّة والشيعة. ومن هنا تُبدي مصادر مواكبة لحركته السياسيّة "تخوّفه من احتمال نشوب حرب طائفية قد ينجرّ إليها "حزب الله" بعد دفعه من بعض المتضررين إلى إبقاء الساحة اللبنانية بمنأى عن الأحداث في سوريا"، مؤكّدة أنّ "هواجسه التي يعبّر عنها في مجالسه الخاصة تفوق بكثير قدرة البلد على تحمّلها، خصوصاً أن النظام السوري لن يفوّت فرصة إلّا وسيستغلها من أجل إشعال نار الفتنة في لبنان".
وكشفت الأوساط أن جنبلاط، وخلال اتصاله بالرئيس سعد الحريري أمس بعد أحداث منطقة عكّار، دعاه إلى "امتصاص الفتنة التي يراد منها جعل اللبنانيين جزءاً لا يتجزأ عمّا يحصل في الداخل السوري"، مؤكدة أن "هناك معلومات وردت الى جنبلاط تتعلق بجماعات قررت نقل الخلاف السوري الى اكثر المناطق حساسية في لبنان، باب التبانة وجبل محسن، وان اتصاله برئيس وحدة التنسيق والارتباط في "حزب الله" وفيق صفا الأسبوع الفائت، كان هدفه الوقوف على رأي الحزب في إشكال طرابلس، وعمّا إذا كان يرى في الأمر أي ارتداد قد ينسحب على بقية المناطق، فجاءه جواب شبه شافٍ برفض الحزب للإشكالات، وبأنه يترك للجيش والقوى الامنية وحدها العمل على حلها".
هواجس وأسئلة لـ جنبلاط، قد لا تجد لها أجوبة واضحة وصريحة لدى حلفاء سوريا في لبنان، ولكنها بالتأكيد ستلقى صدى واسعاً في آذانها مع اقتراب الاستحقاق الأبرز للانتخابات النيابية، وهو يعلم علم اليقين أن الضغوط ستمارس عليه مع كل يوم يقترب فيه لبنان من هذا الاستحقاق، ولذلك يبدو انه بدأ يعد العدة للعودة الى حلفاء الامس مع الحفاظ على شعرة معاوية مع حلفاء اليوم.
إحدى المراحل المقبلة عبّر عنها جنبلاط في جلسة حزبية عندما سُئل عن رأيه برئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، وعن إمكان التحالف معه في الانتخابات المقبلة، فأجاب: "هو رجل ثابت في زمن غير مستقر، وكل الامور تبقى محتملة طالما أنه لا يوجد في الدستور اللبناني ما يمنع من إقامة تحالفات انتخابية"، واكثر من ذلك، تضيف الأوساط أن جنبلاط رأى في محاولة اغتيال جعجع "مقدمة خطرة لِما يمكن أن تتعرض له بعض الرموز الوطنية في الفترة اللاحقة، ويبدو أن داتا الاتصالات ستكون عنواناً عريضاً للصراع بيننا وبين حلفاء سوريا في تلك الفترة".
وعن الحملة التي شنها أخيراً رئيس تكتل "التغيير والإصلاح" النائب ميشال عون على جنبلاط، والتي أعقبها اجتماع بين وزراء "حزب الله" و"الاشتراكي"، تؤكد الاوساط ان "اللقاء لم يكن مريحاً، إذ تخلله نوع من الاشمئزاز من الطريقة التي دافع بها الحزب عن موقف حليفه عون، حيث اعتبر أن مطالبه محقة ومشروعة، وأنه لا يجوز أن يسكت عن حقوقه بعد اليوم"، لافتة إلى أن "اللقاء لم يكن على مستوى عال من النقاش الفاعل لكنه أتى في لحظة أراد فيها جنبلاط تهدئة الاجواء حفاظاً على الاستقرار العام".
وتكشف أوساط جنبلاط أن الفترة المقبلة ستشهد تعويماً سياسياً وشعبياً منقطع النظير لعون من سوريا وحلفائها في لبنان، هدفه إيصاله الى سدة البرلمان مع أكبر عدد ممكن من النواب من اجل السيطرة مجدداً على البلد"، وتجزم بأن "مواصلة جنبلاط في إطلاق مواقفه التصعيدية ضد النظام السوري لن تتوقف إلّا بعد رحيل بشار الأسد، وهذا مؤشر كبير إلى أن الرجل قطع الى غير رجعة كل خطوط العودة مع دمشق، مع الاحتفاظ بعلاقة مميزة مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، وفاترة مع "حزب الله"، حرصاً منه على الاستقرار الأمني، منعاً من تكرار 7 أيار جديد".
وتختم أوساط جنبلاط نقلاً عنه "نحن أمام انتخابات أشبه بحرب إلغاء، فإما نكون أو لا نكون، ولن نقبل بأن يلغينا أحد. ونعلم أن النظام السوري، وإن كان يتأرجح، إلا أنه لا يزال يستخدم أدواته في لبنان، ولذلك علينا ان نبقى متيقظين له حتى لا يفاجئنا بعملية انتقامية تنال من احدنا"، وتلفت الى أن جنبلاط "طلب من الحريري أخذ أقصى درجات الحيطة والحذر من اجل تفويت الفرصة على النظام السوري الذي يبدو انه مصّر على إحداث فجوة عميقة داخل فريق 14 آذار".
يمكن لقارئ سير العملية السياسية للمرحلة المقبلة أن يستشف مجموعة عناوين أساسية، من جملتها العمل على أكثرية نيابية ذات نظرة موحدة، أولوياتها إخراج لبنان من حلقة النظام السوري وحماية السلم الأهلي بكلّ مندرجاته.
علي الحسيني

الاثنين, مايو 21, 2012

Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق