السبت، يونيو 23، 2012

هذا الإنكار' لـ 'شعبية' الثورة في مصر وسوريا!

هذه ليست "ثورة شعبية"؛ لأنَّ نزول جزء ضئيل من الشعب إلى "الشارع"، أو إلى "ميدان التحرير" في مصر، لا يعني، ويجب ألاَّ يعني، أنَّ هذا "الحراك الشعبي" يُعَدُّ "ثورة شعبية".

وهذا الذي قُلْت ليس قولي؛ وإنَّما "قولهم الفَصْل"؛ فإنَّ أحداً من المنافحين عن نظام حكم عربي فرديٍّ استبداديٍّ ممقوت ومبغوض شعبياً لا يفوته أنْ يُشْهِر هذه "الحُجَّة ("المُقْنِعة"، "القاطعة")".

والمُلازِمون بيوتهم من الشعب، وهُمْ "الأكثرية الشعبية"، يُصَوَّرون، أو يُصَوِّرهم نظام الحكم هذا، على أنَّهم مواطِنون ينشدون "الأمن" و"الاستقرار" و"كَسْب القُوت"، ولا يَرْضون أنْ تَعُمَّ "الفوضى" بلدهم؛ فَهُمْ إمَّا موالون لنظام الحكم القائم وإمَّا متخوِّفون من إطاحته، أو السعي في إطاحته.

وهذه "الأكثرية الشعبية (الصامتة، الهادئة، في زمن الثورة)"، والتي إليها ينتمي كل مواطِن "صالح"، ليست بـ "السَّلْبيَّة"، سياسياً، على ما يزعمون؛ بل هي "مُفْعَمَة بالحيوية السياسية"؛ والدليل "المُفْحِم" على ذلك يأتينا من "يوم الاقتراع"؛ فالناخبون منها يُقْبِلون إقبالاً كثيفاً واسعاً على صناديق الاقتراع لاختيار نوَّابهم، أو رئيسهم، الذي من فَرْط حُبِّهم له، وثقتهم به، يواظِبون على إعادة انتخابه؛ فهو، والحقُّ يُقال، لا يَقْبَل "الرئاسة الأبدية" إلاَّ من طريق "الانتخاب الحر الديمقراطي الشَّفَّاف".

في مصر، وعلى مضض، قَبِلوا، أيْ قَبِلَ نظام الحكم نفسه، أخيراً، أنْ يكون رئيس "الجمهورية الثانية" ضئيل "الوزن الانتخابي (والشعبي)"، على أنْ يكون شفيق لا مرسي؛ فإنَّ 10 ملايين صوت (أو أكثر قليلاً) تكفي الآن لفوز المرشَّح بمنصب الرئيس. إنَّهم 10 ملايين ناخب من أصل 50 مليون ناخب (ومن أصل 80 مليون مواطن).

الثورة ليست شعبية؛ لأنَّ الشعب كله، أو غالبيته العظمى، أو غالبيته، لا يُشارِك فيها، ولم يَنْزِل إلى "الشارع"، وبقي في البيت، أو مزاوِلاً للعمل؛ أمَّا "الرئيس"، وإذا ما كان شفيق، فشرعيٌّ، وشعبيٌّ، ويُمثِّل الشعب، وإرادته الحُرَّة، ويَحْكم باسمه، وإنْ جاء به إلى سدة الرئاسة ثُمْن الشعب المصري؛ فيا له من ميزان مُخْتَل هذا الذي يَزِنون به "شعبية" الثورة، و"شعبية" الرئيس!

إنَّ الشعب، ولجهة مشاركته في الثورة، يشبه "المُؤمِن" الذي رأى "مُنْكراً"؛ فَيُغَيِّره بيده، فإنْ لم يستطع فبلسانه، فإنْ لم يستطع فبقلبه؛ وإنِّي لمتأكِّد أنَّ "غالبية الشعب" في مصر وسوريا، مثلاً، هي كالمُؤمِن غير القادر على تغيير "المُنْكَر"، والذي هو كناية عن حكم العسكر وحكم بشار، بيده، أو بلسانه، فـ "تُحاوِل"، من ثمَّ، تغييره بـ "قَلْبِها"، أيْ بالدُّعاء على هذا الحكم وذاك بالسوء وهي ملازِمةً البيت؛ ولسوف نراها تملأ الشوارع والميادين احتفالاً بالخلاص من هذا الحكم وذاك؛ فإنَّ من السخافة بمكان أنْ تُصوَّر الغالبية الشعبية غير المشارِكة مباشَرَةً في الثورة؛ لأسباب عدَّة، في مقدَّمها تخوُّفها من عواقب وتبعات هذه المشارَكة، على أنَّها "رصيد شعبي" لحكم العسكر في مصر، أو لحكم بشار في سوريا.

"الشعب الثوري"، وهو قسم كبير من الشعب (ومن شبابه على وجه الخصوص) لكنَّه لا يَعْدِل غالبية الشعب، هو الذي يصنع الثورات، التي هي القوَّة المحرِّكة للتاريخ؛ فأين هي "الثورة الشعبية"، في التاريخ، التي اكتسبت صفتها هذه لِكَوْن غالبية الشعب هي التي شاركت فيها مباشَرَةً؟!

الثورة "شعبية" إنْ فَجَّرَتْها، وشاركت فيها مباشَرَةً، "الطلائع" من الشعب، ومن شبابه على وجه الخصوص؛ فإنَّ هؤلاء هُمْ الذين وطَّنوا أنفسهم على تغيير "المُنْكَر" بأياديهم، تاركين لسواد الناس مهمَّة تغييره بوسائل وطرائق تشبه "اللسان" و"القَلْب"؛ لكنَّ "سواد الناس" يجب ألاَّ يُفْهَم على أنَّه هو عينه "سواد الحاكم"، أيْ خدمه وحاشيته وأمتعته.

و"الشعب الثوري" هو الذي يؤسِّس لـ "الشرعية الثورية" بعد، وبفضل، انتزاعه للسلطة انتزاعاً.

إنَّ غاية الثورة في مصر وسوريا هي "الدولة المدنية الديمقراطية"؛ لكنَّ هذه الغاية لن تُدْرَك بما يشبه صلوات كاهن؛ فثمَّة "لحظة" من "الدكتاتورية" في تاريخ كل ثورة شعبية ديمقراطية؛ وفي هذه "اللحظة"، التي قد تَعْدِل بضعة أيام، أو بضعة أسابيع، أو بضعة أشهر، تُنْتَزَع السلطة من أيدي مغتصبيها، ويُعْمَل بـ "الشَّرعيَّة الثورية"، التي لا تعلوها شرعية في تلك "اللحظة"، وتُحَلُّ أجهزة ومؤسَّسات وهيئات، وتُنْجِز "المحاكم الثورية" عملها على خير وجه؛ فـ "الشَّرعية الدستورية والقانونية" المعمول بها في "العهد البائد" لا تَصْلُح أبداً للانتقال بالبلاد إلى عهد جديد، وللتأسيس لـ "الدولة المدنية الديمقراطية".

وفي هذه "اللحظة" نفسها، تتولَّى "حكومة انتقالية (مؤقَّتة)" إدارة شؤون البلاد، وتؤلِّف قوى الثورة "جمعية تأسيسية"، تتوفَّر على إعداد مشروع دستور جديد للبلاد، ثمَّ يُسْتَفْتى فيه الشعب؛ فتنتهي تلك "اللحظة (الضرورية)" من "الدكتاتورية الثورية"، ويبدأ عهد "الدولة المدنية الديمقراطية"، التي هي غاية "الربيع العربي"، وغاية ثورتي مصر وسوريا الآن، وعلى وجه الخصوص.

جواد البشيتي

0 comments:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية