الأربعاء، سبتمبر 02، 2020

سأم الرئيس برّي في صورته البروتوكولية الأخيرة

سأم الرئيس برّي في صورته البروتوكولية الأخيرة  
هل سئم الرئيس بري حقاً من رياضة الصور البروتوكولية؟ 
يبدو أن الله أنعم على دولة الرئيس نبيه بري رئيساً للمجلس النيابي اللبناني، منذ العام 1992 وعلى مدى حياته كلها.

سأم التكرار السقيم؟
لكنه في الصورة البروتوكولية الأخيرة - جالساً إلى يمين الرئيس ميشال عون في قصر بعبدا الرئاسي، لحظة إبلاغ مصطفى أديب بأنه مكلفٌ تشكيل الحكومة - بدا سئماً قانطاً برماً. أي الرئيس بري طبعاً، لأن الرئيس عون لا يمكن أن يسأم من جلوسه على تلك الكرسي التي حلم بها طوال ربع قرن.

وقد يكون سأم رئيس المجلس، قنوطه وبرمه، من بنات خيالي فحسب. وقد يكون مصدره قول الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى: ومن يعش ثمانين حولاً/لا أب لك يسأمِ. وقد يكون تفسير ذلك تكرار هذا المشهد البروتوكولي السقيم والعبثي مرات كثيرة في أشهر قليلة.

والرئيس بري جلس مرات ومرات وتكراراً لهذه الصورة البروتوكولية نفسها منذ العام 1992، عندما فاز برئاسة مجلس النواب للمرة الأولى، وظل فوزه يتكرر مذاك حتى اليوم. وربما نسي اللبنانيون ونسي صاحب المنصب التشريعي الأول، أن رئيس المجلس النيابي ينتخب انتخاباً.   

وحدَهُ الواحدُ نفسُه
فدستور الطائف لا ينص على منع الشخص - النائب نفسه من أن يُنتخب لهذا المنصب ويتولاه مرات متتالية. وهذا على خلاف من يتولى منصب رئيس الجمهورية المحددة ولايته بسنوات ست فقط. وعلى خلاف من يتولى رئاسة الحكومة أيضاً. فهذا المنصب الأخير شديد الهشاشة، على الرغم من أن الدستور لا ينص على مدة محددة لتوليه. لكن بنود النصوص الدستورية التي تلزمه مغادرة السرايا الحكومية أثناء ما يسمى استحقاقات دستورية، كثيرة ومتشعبة.

وهذا ما يجعل ثالث المناصب الأعلى أو الأرفع في الجمهورية والدولة اللبنانيتين، أي رئيس مجلس الوزراء، عرضة للاهتزاز في المنعطفات السياسية، وفي الأزمات على أنواعها، أمنية وسياسية واقتصادية. ليس هذا فحسب، بل إن منصب رئيس الحكومة هو وحده من يتلقى الصدمات على اختلافها في السلطة التنفيذية. حتى أنه غالباً ما يبدو خط الدفاع الأول عن منصب رئاسة الجمهورية غير القابل للاهتزاز إلا في ما ندر، لا في الجمهورية الأولى ولا في الثانية (الطائف).

عهد يطوي عهود
أمضى دولة الرئيس بري حتى اليوم 28 سنة متصلة بلا انقطاع رئيساً للسلطة التشريعية. وطوى في هذه السنين عهود رؤساء جمهورية ثلاثة: الهراوي الممدد له، لحود الممد له أيضاً، وميشال سليمان الذي غادر الكرسي هارباً ما أن انتهت ولايته. وظلت شاغرة أقل من سنتين بقليل تتوق شوقاً وهياماً لجلوس ميشال عون عليها، فيما هو يبادلها التوق والشوق والهيام مضاعفة.

أما رئيس المجلس ففي غنى عن تكبد مثل هذه المشاعر والأحاسيس المرهقة. ذلك أنه مطئن في عين التينة وفي ساحة النجمة، لا يكدر صفو طمأنينته دستور أو منافس، وربما هذا ما يبعث على السأم أيضاً.   

وها هو الرئيس عون يتجاوز أكثر من ثلثي عهده الميمون، وليس من إشارة أو احتمال يلوح في الأفق يفيد بأن رئيس المجلس النيابي قد يغادر منصبه.

أما عدد رؤساء الحكومات الذين طوت عهوده عهودهم لمرة أو اثنتين أو ثلاث، فثمانية: عمر كرامي لمرتين. رفيق الحريري لمرتين أو ثلاث. سليم الحص لمرة واحدة. نجيب ميقاتي لمرتين. فؤاد السنيورة لمرتين. سعد الحريري لمرتين. تمام سلام لمرة واحدة. حسان دياب أخيرأ. وها رئيس حكومة جديد مكلف (مصطفى أديب) يرعى الرئيس بري تكليفه وتأليفه الحكومة العتيدة اليوم.

وهو يعلم ربما، أو يحدس أن الرجل لن يمكث طويلاً في السرايا الحكومية، المنصب القلق والمنحوس، بين المناصب الثلاثة المتعملقة. فمنصب رئيس الحكومة صار أخيراً مضرب مثل في الضعف والهوان والتبعية والتهميش. فللمرة الثانية في أقل من سنة يستدعى شخصان موظفان مجهولان تقريباً، لم يسمع سوى أهلهم وأصدقائهم بأسمائهم، يستدعيان على عجل إلى القصر الجمهوري وتوكل إلى كل منهما مهمة تشكيل حكومة قد تكون مشكّلة سلفاً، ومتفق على معظم أسماء وزرائها.

هل سئم الرئيس بري حقاً من رياضة الصور البروتوكولية مع رؤساء الحكومات، أم أن ذلك ليس سوى تعب السنين.

0 comments:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية