السبت، يونيو 29، 2013

"ليرننغ" فارسي

رغم انكفاء الفرنكوفونية في لبنان، وتراجع عدد الناطقين بالفرنسية، وضعف الإقبال على المدارس والجامعات التي تتبع المنهاج الفرنسي، إلا أن اللغة الفرنسية، ما زالت اللغة المحكية الأولى، وقبل العربية أحياناً، لدى شريحة غير قليلة من اللبنانيين.
حتى أيامنا هذه، ما زالت الصالونات السياسية والثقافية في بيروت تستخدم اللغة الفرنسية، كتعبير عن رقي اجتماعي، وتقدم معرفي، وتنوع أدبي، أو حتى تمايز عن السائد العربي والإقليمي. الفرنسية التي تمايزت بها طائفة لبنانية معينة عن غيرها من الطوائف، نتيجة نشاط تراكمي لإرساليات وبعثات تعليمية، ورحلات تثقيفية، تحولت بعد الاستقلال إلى لغة للساسة، وأغلب العاملين في الحقل العام، بعد أن أتيح لأغلب اللبنانيين إتقانها عبر المدرسة الوطنية التي طورتها دولة الاستقلال في العهود اليمينية اللبنانية والمارونية السياسية.
لم يتسنَّ لليمين اللبناني أن يحتكر اللغة الفرنسية، كعلامة فارقة تميزه عن سائر شرائح المجتمع، من مثقفين وسياسيين وناشطين اجتماعياً، فلقد كان لليسار حصته من الفرنسية أيضاً، ومن فرنسا نفسها، وقد سافر إليها اليساريون، ودرسوا فيها، وألمّوا بثقافتها، وتعلّموا لغتها، حتى بدوا كأبناء المستعمرات الفرنسية المنتشرة حول العالم، أو تلاميذ إرسالياتها التي لا تحصى.
ولعل المثل الحي على ذلك، هو وليد كمال جنبلاط، الاشتراكي ابن الاشتراكي، الصديق القديم للسوفيات، ومن بعدهم الروس، الذي تخرج من جامعات باريس، علماً أن حليف الروس التاريخي، لا تتجاوز معرفته بلغة حلفائه، بضع كلمات، بينما تضاهي ثقافته الفرنسية ومعرفته بلغتها، ثقافة الفرنسيين أنفسهم ومعرفتهم بلغتهم. لا بد من الإشارة الى أن اللغة الفرنسية تكرست كلغة منافسة للغة الأم في أغلب الدول التي خضعت للاستعمار الفرنسي المباشر أو غير المباشر! حيث نمت علاقة بين شعوب تلك المستعمرات ومستعمريها ما زالت مستمرة حتى بعد حصولها على استقلالها، وأصبح الأدب والفن والفلسفة، وقادة الثورة الفرنسية، وشخصيات ساهمت في نهضة أوروبا، رموزاً لحركات التحرر الوطني في العالم أجمع، ومثالاً ثورياً سار على خطاه وتبناه قادة هذه الحركات ونشطاؤها.
في مقابل الفرنسية حافظت الروسية، على كونها لغة الأدب الكلاسيكي، لقرنين ماضيين، وعوضت روائع الأدب الروسي عما لم تستطع روسيا القيصرية سابقاً، أو حتى روسيا السوفياتية لاحقاً، من تحقيقه عبر الاحتلال المباشر. وإن جاء على شكل اتحادات دول أو منظمات. فقد تغنى العالم الجاهل بالروسية، بأعمال تولستوي، ودستويوفسكي، وتشيخوف، وشلوخوف، وبوشكين، وليرمانتوف، وحمزاتوف وآخرين، من دون الاهتمام بالانتماء أو العقيدة أو الموقف السياسي، ولم تخل المكتبات المنزلية من الأعمال الأدبية الروسية التي قدمتها دار التقدم في موسكو للقارئ العربي، ومع هذا لم تنجح الروسية في التحول الى لغة صالونات عامة أو لغة حية، إلا في دول الاستعمار المباشر، التي تعيش الآن رد فعل سلبي على الروسية، وتحاول التخلص منها نتيجة سلوكيات السوفيات طوال سنة من حكمهم. وردة الفعل هذه قربية جداً من ردة فعل شبان الأكراد العراقيين الآن على اللغة العربية، باعتبارها لغة تعكس شوفينية ناطقيها، حيث أصبحت في وجدانهم الوطني، لغة من قتلهم في حلبجة والأنفال، رغم أنهم لا ينسون كبار مبدعيهم المعاصرين الذين أبدعوا بالعربية أمثال أحمد شوقي وعباس العقاد والشيخ محمد عبده.
مع صعود الشيعية السياسية في لبنان وارتباطها المباشر بإيران ونظامها الإسلامي، كان من المفترض أن يترافق ذلك مع صعود ثقافي وأدبي، تكون فيه اللغة الفارسية وأدبها وثقافتها مفتاحاً له.
 لكن اختزال هذا الصعود بـ"حزب الله" وبيئته، أدى إلى تمظهر زبائنية سياسية، أو تبعية ثقافية، أذكاها اختزال حزب الله نفسه بالعسكرة، والثقافة المذهبية، فقدم لغة صعبة، ليس على اللبنانيين فحسب، بل على الشيعة أيضاً، سرعان ما تسربت هذه اللغة إلى تفاصيل الحياة اليومية ـ عبر نظام مصالح واسع، وسيطرة على مراكز القرار الخاصة بالطائفة وبالدولة.
وأمام الغزو التركي لقنوات الترفيه العربية، لم تستطع القنوات الممولة من طهران، اجتذاب المشاهد العربي عبر مسلسل واحد يقدم صورة غير تلك الصورة النمطية التي يصر النظام الإيراني على تصديرها إلى الخارج، والتي تخالف واقعه المحلي. والمفارقة أن السينما الإيرانية التي حصدت جوائز عالمية لم يتم تقديمها إلى اللبنانيين من قبل الموالين للنظام، بل حوربت ومنعت واتهمت بأنها تشوه الثورة، ولم يسمح أنصار إيران في لبنان بإدخال أسماء مثل مخملباف أو كياروستامي أو جعفري إلى قاموسنا المعرفي والثقافي، لم تعرض قنواتهم أفلاماً مثل "أطفال الجنة، طعم الكرز، ألوان الفردوس، مارمولاك"، ولولا مهرجانات بيت الدين لم يسمع اللبنانيون موسيقى إيرانية من أعمال ناظري وشجريان ويزدي، وغيرهم. لم يناقش في بيروت شعر الخيام وأثره على الإنسانية، لم تعرفنا المستشارية الثقافية إلى سعدي وحافظ وجلال الدين الرومي ومكانتهم في الذائقة الأدبية الإيرانية, ولم يناقش الثوريون الجدد تاريخ ثورة المشروطية والثورة الدستورية والثورة الخضراء. فالنظام الإسلامي في إيران وحليفه في لبنان مصران على اطلاعنا على ما بات مرفوضاً لدى الشعب الإيراني وما بات غير قابل للتطبيق في مجتمع الجمهورية الإسلامية ويغيب عن التداول في أوساط أهل الولاء لولاية الفقيه وأجهزتها الفكرية شخص عظيم هو "أمير كبير" الذي يعتبر تطوراً لشخصية ومشرع محمد علي باشا وكان معاصراً له وكتب عنه الرئيس هاشمي رفسنجاني كتابه الشهير "أمير كبير مؤسس نهضة إيران".
أما في لبنان فمن المستحيل أن تجد في أوساط الرعية الثقافية للولي الفقيه أحداً يذكر أمير كبير أو محمد تقي زاده أو محمد مصدق أو السيد العالم والقائد حسن مدرسي أو السيد والقائد أبو القاسم كاشاني ومير حسين موسوي.
 وعندما تذكر إيران في المحافل الأدبية المتفرعة عن محافل السلطة في طهران ولبنان يبدو وكأن إيران الحالية ليس فيها مسرحي أو شاعر أو روائي، فبينما تمتلئ مكتبات بيروت ومعارض الكتب بترجمة أعمال أورهان باموق التركي لم نعثر على ترجمة واحدة للروائي الإيراني الذي لا يقل أهمية عن باموق الأديب دولت أباد وكأن الأدب الإيراني يخلو من الرواية، أما المفكر علي شريعتي فإن الجميع من قمّ الى الضاحية تجنبوه بأوامر أمنية .
فإيران عمر الخيام وابن سينا وحافظ شيرازي وسعدي، وعبد الكريم سروش وتنويريي قم من منتظري وصانعي وملكيان وشبستري وكاديوار ومحمد خاتمي وعبد الله نوري، ومحقق داماد، وداريوش ومهريزي ممنوعة في بيروت. ما يصلنا في بيروت من الثقافة الإيرانية مقتصر على ولاية الفقيه وتسلط العسكريتاريا، وسباق التسلح، والمناورات الفارغة والخطابات الرنانة، والاستدعاء للغيبيات، على حساب الحقائق، واختزال إيران المد الثقافي الجامح عبر العصور والدهور بالخرافات والفتاوى والقدرة النووية والحلوة البدائية المضرة المسماة "سوهان" التي تشتهر صناعتها في قم .

مصطفى فحص

0 comments:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية