الطريقة التلفزيونية الاستعراضية التي اعلن بها الرئيس محمد مرسي قراره قطع علاقات بلاده مع نظام بشار الاسد توحي كأنه يعاني من ( عقدة ناصر ) !.
وهو أمر غير مستغرب ولا مستبعد فأي رئيس مصري بل وعربي , سيظل يعاني من هذه العقدة إلى أجل غير مسمى , وسيبقى تمثل شخصية الزعيم العربي الكبير ومواقفه الشجاعة التي صنعت كاريزميته الاستثنائية عند الشعوب العربية كلها تحديا صعبا لأي رئيس أو زعيم جديد طامح , مثلما كانت هذه الشخصية (عقدة) بالنسبة لزعماء أو أقزام سابقين حاولوا التعملق لبلوغ مكانتها وحجمها فماتوا وفي قلوبهم غصة حادة كالقذافي وصدام وحافظ وعرفات وبومدين !!.
الرئيس مرسي ظهر في خطابه الأخير كأنه يتوسل استعادة شعبيته التي قيل إنها انحدرت منذ انتخابه رئيسا الى اليوم بمقدار النصف ( من 57% إلى 26%!) وبدا كأنه تمرن جيدا على دور اعلان عبدالناصر عام 1956 تأميم قناة السويس , أو ربما منافسته , وهو تنافس مشروع في الامور والمواقف الشريفة والكبيرة ( وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ) .. لكن ما فات الرجل هو حجم وقيمة الموضوع الذي اختاره ليبرز ثوريته وقوته وحساسيته الشعبية والقومية مما يدفع للتساؤل بطيبة وحسن نية وموضوعية : أين ذلك الأصل من هذا التقليد ..؟!
هل أهمية تحدي بريطانيا وفرنسا عام 1956 بمثل أهمية قطع علاقات القاهرة بنظام الاسد اليوم ..؟ .
بل إن اعلان الرئيس مرسي عن هذه الخطوة ربما جاء بغير ما تمناه وتوسله , لأنه سلط الاضواء على مسألة مهمة تدين الرئيس ولا تدع له فرصة للاستعراض والتفاخر في قرار صغير لم تعد له قيمة تذكر لأنه جاء متأخرا سنة كاملة , ويطرح أسئلة جادة : لماذا لم تقدم القاهرة على هذه الخطوة بعد انتصار ثورة 25 يناير مباشرة .. ؟ أو حين قرر العرب مجتمعين سحب اعترافهم بنظام الاسد واغلاق سفاراتهم من دمشق .. أو حتى حين طرد العرب ممثله السفيه لاحقا في الجامعة ..؟ أسئلة تفتح الباب أمام ملاحظات لا بد منها .
الرئيس مرسي بعد انتخابه فاجأنا كثيرا بخطوات غير مدروسة ولا تنم عن اكتراث بما يجري في سوريا لا على صعيد التوجهات القومية والاستراتيجية , ولا على صعيد الحنكة السياسية لرئيس دولة عربية رئيسية , ولا عن حساسية انسانية وثورية لرئيس جاء بأصوات جماهير ثورة 25 يناير , ليترجم تطلعاتهم وتوجهاتهم الداخلية والاقليمية ولكنه بدل ذلك صدمنا بزيارته المبكرة والمتسرعة الى طهران , وكان له أن يساوم الايرانيين عليها , ويطلب مقابلا كبيرا لها , ثم صدمنا ثانية بفتح ابواب القاهرة أمام محمود نجاد والسماح له بتحقيق حلم كبير ظل يخامر جميع قادة ايران الحالية منذ عام 1979 . وصدمنا مرة ثالثة بطرحه شخصيا للمبادرة السقيمة التي تضمنت تشكيل مجموعة عمل اقليمية من مصر وتركيا وايران والسعودية لتدارس سبل تسوية الأزمة السورية . مبادرة دلت على أن صاحبها رئيس هاو ايضا - مثل اوباما على حد وصف كلينتون له - رئيس يتدرب على الرئاسة ويريد ان يتعلم الحلاقة في رأسنا نحن السوريين .!! ولقد اساءت هذه المبادرة كثيرا للرئيس مرسي وللديبلوماسية المصرية العريقة وللثورة المصرية , بل وللإخوان المسلمين كحركة سياسية كبيرة , وظلت المبادرة أشبه باللعب خارج الميدان الرئيسي للمباراة وخارج الوقت الرسمي أيضا , ولذلك قاطعتها السعودية من اليوم الأول , وتعاملت تركيا معها بطريقة من يريد مجاملة مصر وحسب , أما الشعب السوري فقد احس بها طعنة في ظهره من الشقيقة الكبرى , وبدت له كمحاولة للمساومة على دمائه من دولة ينتظر منها أن ترمي بثقلها في كفة نضاله الوطني والقومي المشروع للتخلص من نظام احتلال لا من نظام استبداد فقط , ولحماية المشرق العربي من تمدد ايراني ماكر يستهدف هوية المنطقة وكيان الامة العربية . وتكررت السقطة عندما زار الرئيس مرسي موسكو وأعلن مبايعته لدورها ونهجها في معالجة الأزمة السورية ورفضه لأي تدخل خارجي مهما كان !!
وهناك في الواقع مواقف مصرية رسمية أخرى ( وغير رسمية ايضا !) عبرت عن قصور فاضح في فهم حقيقة ما يجري في سوريا وعن تقصير غير مقبول في محاولة الفهم ودعم شعب سوريا في ساعة عسرة تخلى فيها العالم كله عنه وخذله .
ما بين مصر وسوريا يختلف جذريا وجوهريا عما بين كل منهما وأي بلد عربي أو غير عربي آخر . فسوريا بالنسبة لمصر هي المدخل الشرقي لنطاقها الحيوي ونطاق أمنها القومي , وقد تكرست وترسخت هذه الحقيقة الجغرافية والتاريخية منذ رمسيس الثاني , وعصر الايلاف في الجاهلية , ثم العصر الاسلامي الأول والوحدة بين دول المنطقة , وكذلك في العصور الوسيطة اثناء مواجهة الغزو الصليبي , ثم في العصر العثماني , وعاد يتكرر في عصر النهضة الحديث وعهد محمد علي وأبنه ابراهيم باشا , ثم في التطورات المعاصرة , ولم تكن تجربة الوحدة 1958 بلا اساس ولا المشاركة في حربي 1967 و 1973 معا نابعة من فراغ سواء أحب نرسي عبدالناصر أو كرهه ! .
المطلوب من مصر اليوم شعبا ونخبا وأحزابا وثورة ونظاما ورئاسة أكثر بكثير مما قدموه لثورة سوريا , لا من باب الاحسان والشفقة بل من باب الواجب القومي الذي يستدعيه العدوان الهائل الذي يتعرض له الشعب السوري , وتمس آثاره جميع المنطقة والمصالح العربية , ويفرض على مصر قيادة حركة سياسية وقومية أكبر بكثير من قطع العلاقات الديبلوماسية مع الاسد , بما في ذلك تسليح الثوار السوريين وإيصال السلاح لهم , وارسال مقاتلين للدفاع عن أمن مصر على الجبهة الشرقية الأولى .
وعلى مصر ان تشارك السعودية ودول الخليج وليبيا في مساعيها الحميدة لدعم الشعب السوري والدفاع عن حقوقه , وحماية سوريا في وحدتها الجغرافية وفي وحدة شعبها وفي دفع الغزو الايراني عنها وفي خطط اسرائيل لتفتيتها .
عندما يقف الرئيس مرسي ويعلن تمزيق معاهدة كامب ديفيد .. سنصفق له بقوة .
وعندما يعلن الرئيس مرسي قرارات ثورية وقومية لنصرة الشعب السوري بالمستوى المطلوب من مصر سنصفق له بحرارة .
أما ما اصدره حتى الآن فلا يثير غير الشفقة , ويجعلنا نرثي حال بلد كبير وعظيم
هان على أبنائه قبل أن يهون على أعدائه
بقلم الأستاذ محمد خليفة
الامين العام المساعد في التيار الشعبي الحر
Posted in: مقالات سياسية
إرسال بالبريد الإلكتروني
كتابة مدونة حول هذه المشاركة
المشاركة على X
المشاركة في Facebook

السبت, يونيو 22, 2013

0 comments:
إرسال تعليق