الاثنين، أكتوبر 14، 2013

رحل الوديع...والصافي

هـوى وديـع الصــافي، ولـم يسـقط، إرتفع، ولم يمت، فأمثال الصافي لا يموتون، أمثـــال الصافي خالدون خلود الأرز في جبــال لبنان، خلود الثلج على سفوح صنين، خلود الصــخر في قلب الجبل، وديع الصافي لم يمت، لأن لبــنان لا يموت، مهما حاول القتلة أن يقتلوه، ابا فــادي، أرقد بسلام، على رجــاء القيــامة، مـع وطننا لبنان...

غسان بو دياب

مــن الارض نحنا والارض منّا...عاد وديع الصــافي إلى التراب، عاد بالجـسد، أما الـــروح، فصــعدت إلى جوار بارئها، وتصبح، «قطــعة الســماء» الموعودة، التي غناها...لبنان. وآخــر الكــــلام: «لتكن المحــبة زادكم اليومــي وانــتم تعملون... وانتــم تــأكلون وانتــم تتــحدثون وانتم تغــنون»...

أرزة من لبنان، سقطت، عظيم من العرب، ذهب، صوت من الجنة، غاب...وديع فرنسيس، صاحب الحنجرة الصافية، الحنجرة الذهبية، الذي قيل عنه أنه أسس مبتكراً «المدرسة الصافية» الفنية الراقية.من لا يعرف الصافي، عملاق الفن الجميل، والزمن الراقي، رحل أول من أمس، عن عمر ناهز الإثنين والتسعين من العمر، وقال عنه فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال سليمان أنه «خسارة وطنية على مستوى الفن اللبناني التراثي الاصيل»، الذي «غنى لبنان وحمله في قلبه وعقله وضميره الى اصقاع الارض ولا تزال اغنياته الوطنية صدى لهذا العطاء من جيل الى جيل»...

وديع فرنســيس، إبن الجــبل، ابن نيحــا، سطع نجمه منذ عمر السنتين، بحنجرته القــويــة التي أعجب بها كــل مـــن سمعها، أولـــهم خاله، الذي قال فيــه ما عــــاد الموسيقار الكــبير محمــد عبد الــوهاب وكــرره، « مش معقول ولد بها العمر بيملك هالصوت»..إلا أن «وديع»، امتلك الصوت، والحنجرة، وفوق كل هذا، إمتلك حب لبنان. الوطن المنيع.

هالارض منّا ودمّنا منها،أحب «أبو فادي» الأرض، غنى لها بصوته الملائكي المتلألىء، رغم طفولته التي حملت الفقر والعوز، وأحيانا الجوع، إلا أنه لم يكفر بها، استمر على عهدها، عهد حمايتــها وصيانتها، يقول «عملت مساعداً لوالدي في ســن الثالثة عشرة، هو كان خيالاً في قوى الأمن الداخــلي»، إلا أنه، لما بلغ حدود السابعة عشرة من العمر، شاءت الأقدار أن «يتعثر» أخاه بإعلان عن مسابقة غنائية تنظمها «إذاعة الشرق الأدنى» أي الإذاعة اللبنانية الرسمية.

حاز «وديع» المرتبة الأولى آنذاك، ولشدة إعجاب لجنة الحكم بصوته، طلب منه الإنتساب إلى الإذاعة الرسمية مباشرة، فحاز صوته على إعجاب الآلاف، ويقال في بعض المصادر أنه (لا ينسى اليوم الذي اضطر فيه ان يحل مكان احد الشيوخ ليؤذن لصلاة العصر، وانهالت بعدها الاتصالات والرسائل على الاذاعة تسأل من هو هذا الشيخ صاحب هذا الصوت الشجي).

من لـبنان إلى البرازيل، فإلى لبنان مجدداً بعد جــولات أكثر من ناجحة، فإلى القفص الزوجي عـلى «ملفينا»، لينجب منها دينا ومارلين وفادي وانطــوان وجورج وميلاد».في الستينات، زار مصــر، ودخل أكثر فأكثر في المنظومة الفنية للعاــلم العربي، ويغرد «في الطليعة»، نسراً من نســور لبنان.بعدها، تنقل «الصافي» بين بلاد العــالم الواسع، إلى البرازيل وفرنسا، حيث اســـتقر طيلة فترة الحرب وخضع لعملية قلب مفـــتوح. وتعافى...

أكثر من خمسة أوسمة نالها، وحمل إلى جانب الجنسية اللبنانية ، الجنسيات البرازيلية والمصرية، لكن «للبنانية طعمها الخاص، فـ «الايام علمتني بان ما اعز من الولد الا البلد...» لوين يا مروان عا مهلك، عا مين تارك أرضك وأهلك...هل نقول «لوين يا أبو فادي»، إلى أين وبيد من تترك لبنانك الذي أحببت، ...سنتين (عذراً ، ثلاثون عاماً ونعيش في ذات الحيرة)، صرلي شايفك حيران، ماكنت كلمه لوم وجهلك، (ربما هم بحاجة أيها العملاق إلى ما هو أكثر من اللوم، هم بحاجة للضرب بالسياط، لعلهم يدرون ماذا يفعلون) كنت قول بعدو ولد جهلان، حلك يا ابني تفيق من جهلك، (لم يرتدعوا، لم يستكينوا، لم يرعووا، لا يزالون في جهلهم قابعون، ولأمورهم وصلاحكم ناكثون) توعّى .. توعّى شويّ يا مروان، (من له أذنان سامعتان فليسمع) خلّيك مع اهلك ولا تهلك (عذراً يا أبا فادي، فأهلهم مصالحهم، ودينهم دراهمهم، وقبلتهم معبودهم الدينار)، يا ابني، لبست قميصا الاخضر ، التلا ت، أو ما تبقى من الأخضر، فلبنان «الأخضر والحلو» أصبح «من الزمن الماضي، واليوم ترى تلالاً قاحلة، أو غابات باطون» تعيث فيهاالكسارات نهشاً وفتكاً وقضماً وقتلاً» والسما والارض موجة نور، قوم يا ابني اشتاقت الكرمات، للميجانا ولهيصه المعدور (اليوم ما نسمعه يا أبا فادي هو الموجات الشاحنة للنفوس بالحقد والبغضاء، والمذهب والقتل والرعب والإزعاج)، واشتاقت الرزقات للعجقات، خللي ، الصّخور تصير مرج زهور، وتلّه الوادي ... غنجه النايات(سقى الله أياماً...)، منجيره الراعي ... وعيطه الناطور، يا ابني...الأرض لم تعد منا يا دكتور، وغلا ّتها وخيراتها لم تعد لنا، تقاسموها، وتنازعوا عليها، واتفقوا، علينا... ايماننا بالحب كونها لمّا اله الخير كونّنا،( لكن هذا الإله، صدقني، قد قتلوه) الحبّ صوره مصغّره عنّا، والعزم صوره مصغّره عنّا، شفافك ع بسمه حبّ مرّنها .متل ما نحنا تمرنّنا .... يا ابني، ان طلعت الصخره بوجّك اطحنها، ولقمه العمر ... بايدك اعجنها، واعطي الارض ولا تمنّنها، بتضحكلك وبتــقلك .... اتمنّى...

هـوى وديـع الصــافي، ولـم يسـقط، إرتفع، ولم يمت، فأمثال الصافي لا يموتون، أمثـــال الصافي خالدون خلود الأرز في جبــال لبنان، خلود الثلج على سفوح صنين، خلود الصــخر في قلب الجبل، وديع الصافي لم يمت، لأن لبــنان لا يموت، مهما حاول القتلة أن يقتلوه، ابا فــادي، أرقد بسلام، على رجــاء القيــامة، مـع وطننا لبنان..

0 comments:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية