الجمعة، فبراير 28، 2020

حفر أول بئر نفطية: العونيون يبيعوننا سمكاً في البحر!

بعد مغادرتها مصر باتجاه قبرص للتزود بالوقود، وصلت الباخرة تونغستن إكسبلورير Tungsten Explorer إلى بيروت، وكانت قد سبقتها باخرة الدعم اللوجستي اندستروم تايد lundstrom tide المستأجرة من قبل شركة توتال، إلى جانب مروحيتين مخصصتين للدعم اللوجستي ونقل العمال إلى موقع الحفر والتنقيب في البلوك رقم 4.
واكتمال وصول أدوات الحفر وإتمام الاجراءات اللوجستية والقانونية دفع وزارة الطاقة، وهيئة إدارة قطاع البترول، إلى الإعلان عن التوجه لبدء حفر البئر على عمق 1500 متر في المياه، على أن يصل عمق البئر إلى حوالى 4100 متر تحت سطح البحر.

إعلان فلكلوريعلى أن الإعلان الرسمي عن الحفر، تولاّه رئيس الجمهورية ميشال عون، الذي أعلن في خطاب مقتضب يوم الأربعاء 26 شباط، أن الحفر سيبدأ يوم الخميس.
لم يحمل الخطاب معلومات جديدة تتعلق بمهمّة الباخرة وفريق العمل، بل كان مناسبة فلكلورية كثرت فيها العبارات الانشائية التي تُسمَع في كل الخطابات وعلى مختلف مضامينها. إذ اعتبر عون أن بدء الحفر هو "يوم تاريخي سيشهده لبنان وسيفصل بين ما قبله وما بعده. وسوف يذكره حاضر لبنان ومستقبله، بأنه اليوم الذي دخل فيه وطننا رسمياً نادي الدول النفطية، الدول الغنية في إحدى أهم مصادر الطاقة في القرن العشرين ومطلع القرن الواحد والعشرين لاقتصاديات البشرية المعاصرة".

إلى جانب المقدمة الانشائية، كرَّر عون الوعود التي حفظها اللبنانيون عن ظهر قلب، والمتعلقة بتوفير فرص العمل وإنعاش الاقتصاد. فبرأي عون، سيشكّل بدء الحفر "حجر الأساس للصعود من الهاوية، ومحطة جذرية لتحول اقتصادنا من اقتصاد ريعي نفعي إلى اقتصاد منتج يساهم فيه الجميع ويفيد منه الجميع".

خلافات سياسيةالمعلومات التقنية المتعلقة بعملية الحفر، والاحتمالات التي قد تواجهها شركة توتال، التي تقود تحالف شركات توتال، ايني، نوفاتيك، واضحة منذ بداية الحديث عن الملف النفطي، وتحديد مراحل الاستكشاف الأول الذي نحن بصدده في البلوك رقم 4. ووضوح المعلومات التقنية يحيل النقاش إلى ما هو غير تقني، وتحديداً المرتبط بواقع السلطة السياسية في لبنان، والتي تتعامل مع الملف النفطي على أنه مغارة جديدة يجب التنافس على الاستفادة من الذهب المكتنز داخلها. والتنافس كان قد انطلق رسمياً منذ إطلاق دورة التراخيص الأولى في العام 2017، ولم يُقفَل مع السجال حول تأسيس الصندوق السيادي النفطي. فالخلافات بين القوى السياسية مستعرة حول من سيمسك بالصندوق، وحول وجهة استعمال أمواله، فهل تُستعمَل لسد الدين العام أم في التنمية المستدامة وتطوير البنى التحتية؟
مهما اختلفت الاحتمالات، فإن التجربة خير برهان على أن لا جديد سيتغيّر مع بدء الحفر. فالقوى السياسية لم تتّعظ من التغيير الذي رسمت أولى بوادره ثورة 17 تشرين الأول 2019، وما زالت تتبادل الاتهامات وتتنصل من المسؤولية، وتتعاطى مع بعضها البعض بأسلوب طفولي بحت، فوزيرة الطاقة السابقة ندى بستاني، اعتبرت أن وصول باخرة الحفر إلى لبنان هو ردٌّ على من ينتقدها، أي ينتقد سياستها التي أدارت بها الوزارة.

آمال فضفاضةمن ناحية ثانية، إن الآمال التي حملها عون في خطابه، تدل إما على عدم معرفة بحقيقة الواقع، وإما عن استسهال إطلاق وعود لن تتحقق. والنتيجة واحدة في الحالتين. إذ أراد عون من خلال الثروة المدفونة تحت البحر، أن يخلق اقتصاداً "تكون فيه طاقاتنا الشابة، بما فيها من اندفاع وعلم وإرادة صلبة، هي المحرك والأساس والغاية. وقد فُتِحَت لها آلاف فرص العمل الحديثة والواعدة".
وحدها العبارة كافية لكتابة أطروحات وأبحاث حولها. فعن أي اقتصاد يتحدث عون، وعن أي طاقات شابة موعودة بفرص عمل؟ فالاقتصاد اللبناني يتجه نحو المزيد من الارتهان للمؤسسات الدولية، فيما المؤسسات الرسمية تتحضّر لأوسع وأعنف عملية خصخصة، بالإضافة إلى تقليص حجم تدخّل الدولة في الاقتصاد. أما الطاقات الشابة، فباتت خارج البلاد، ومن بقي داخلها، إنما يتحيّن الفرصة لكي يغادر.

وفي السياق، ينبغي على عون وفريقه السياسي أن يراجعوا الخطط الاقتصادية للدول التي سبقتنا بأشواط في عالم النفط. فالسعودية مثلاً، ارتأت في خطتها الاقتصادية 2030 أن تعمل على تنويع اقتصادها، بدل الاعتماد على النفط حصراً، في حين ينظر العونيون إلى النفط على أنه مخلّص الاقتصاد اللبناني، فيما يتناسون أهمية التنويع الذي يعني الاهتمام بالقطاعات الانتاجية. أما الحديث الفضفاض حول نقل الاقتصاد من الريعي إلى المنتج، من دون القيام باجراءات فعلية، وفي زمن تتحكم فيه المصارف بالاقتصاد وبلقمة عيش الشعب، فهو لا يتعدى بيع الناس سمكاً في البحر. والوقت كفيل بغربلة الأمور ووضع النقاط على حروفها. لذلك، يمكن بكل ثقة القول بأن الحديث عن دخول لبنان نادي الدول النفطية، هو كلام غير دقيق ولا يمتّ للحقائق العلمية بصلة.

حصيلة اليوم الأول.. سمك بزري وكوع صحيّات

الخطاب الذي ألقاه الرئيس ميشال عون عشية انطلاق أعمال الحفر لاستكشاف أوّل بئر نفطي، بدا مستفزاً لكثير من اللبنانيين، الذين وصفوه بالخطاب الحزبي والفئوي، الذي كرّس معادلة تعويم "الصهر المدلل" في كل مرحلة وعند كلّ محطة، متعامياً عن الفشل والهدر والفساد الذي وسم وزارة الطاقة حين كانت في عهدة الوزير السابق جبران باسيل، ليُعلن أنه صاحب الفضل بتحويل لبنان إلى بلدٍ نفطي.

كلام عون أثار سجالاً حاداً في مواقع التواصل، تُرجم من خلال التعليقات المنتقدة لما ورد في الخطاب والحملة المضادة التي أطلقها العونيون للرد على هذه الانتقادات. ومن خلال هاشتاغ #خلصت_قصة_بي_الكل، علّق الناشط لوسيان بورجيلي قائلاً: "افتكرنا رح يخبرنا انو بكرا رح نقدر نسحب مصرياتنا من البنك، افتكرنا رح يخبرنا كيف الدولار رح يرجع عالسعر الرسمي، افتكرنا رح يخبرنا مين سرق المليارات وكم وزير، نائب، رئيس صار بالحبس، افتكرنا رح يخبرنا شو صار بالمليارات المنهوبة! طلع بكل وقاحة يدجل ويحكي بإنجازات". وقالت الناشطة ميرا عبد الله: "رح نبلّش نخصّب يورانيوم وبعدنا مش قادرين نسحب مصرياتنا من البنك".

كما علّق المحامي ميشال فلاح بالقول: "أن تُطِلّ على الناس لتَبيعهم سمك في البحر، اهم من ان تُطل حاملاً خطة واقعية لإنقاذ البلاد من الانفجار الاجتماعي!؟ معك حق، مصالح العائلة المالكة مع النفط، اهم من مصالح الشعب مع ربطة الخبز...".

وسارع العونيون إلى الردّ من خلال إطلاق هاشتاغ #مكملة_قصة_بي_الكل، معتبرين أنّ عون "أهداهم الحقيقة ومنحهم الأمل"، وأنه سيبقى "شوكة في عيون كارهيه"، واعتبر بعضهم أنّ الانتقادات التي وجهها البعض لعون نابعة من "حقدهم على العهد"، وتأتي في سياق "استهداف باسيل ومحاولة تقويض إنجازاته"، مذكّرين أن "العهد القوي سيجعل من لبنان بلداً نفطياً وسيحمل الازدهار والتقدم للبنان". وهو الأمر نفسه الذي عبّرت عنه قناة "أو تي في"، حيث تناقل مغردون مقطع فيديو لإحدى المذيعات التي تقول "مرقنا بفترة كتير صعبة، لو ما كان ميشال عون رئيس الجمهورية عنجد شي مرة حدا اتخايل شو الكارثة يللي كانت صارت وشو كان صار، لازم نشكر ربنا...".

ووسط هذا السجال، وجد مغردون آخرون في السخرية والتهكّم، الوسيلة الأفضل للرد على كلام عون وإعلانه دخول لبنان "نادي الدول النفطية"، حيث نشر أحد المغردين رسماً كاريكاتيراً مرفقاً بتعليق "فخامة الرئيس بيكفي إنجازات ببوس إيدك"، وخاطب آخر عون قائلاً: "فخامتك، هيدا بئر استكشافي، مش بئر نفط! يعني ممكن يطلع فيه سكر محلي محطوط على كريما" (تيمناً بأغنية حسن الشاكوش). وكتب آخر: "انتبهوا انتوا وعم تفتحوا الحنفية: الأزرق غاز، الأحمر بترول"، و"#عاجل الحصيلة الأولى للتنقيب البحري: 3 كيلو سمك بزري، كوع صحيات، كيس نايلون، وفردة صرماية ابو اصبع"، مرفقاً بهاتشاغ #لبنان_ينتفط.

وكان عون قد توجّه في خطابه إلى اللبنانيين قائلاً: "يوم تاريخي سيشهده لبنان في الغد، فهو سيفصل بين ما قبله وما بعده وسوف يذكره حاضر لبنان ومستقبله بأنه اليوم الذي دخل فيه وطننا رسميا نادي الدول النفطية". وتابع: "هذا الحدث سيشكل حجر الأساس للصعود من الهاوية ومحطة جذرية لتحوّل اقتصادنا من اقتصاد ريعي نفعي إلى اقتصاد منتج يساهم فيه الجميع ويسفيد منه الجميع. مصممون على تحمل مسؤولية مواجهة سياسات اقتصادية خاطئة وتراكمات متلاحقة ومتعددة ووضع حد لها بهدف وقف المسار الانحداري الذي أوصلنا منذ عقود إلى ما نحن عليه".

كما نشر تغريدة قال فيها: "كنت على يقين منذ عودتي بعد سنوات المنفى، أنّ هذا الحلم يجب أن يتحقق وكان التزامنا من خلال تكتل التغيير والإصلاح الذي ترأسته، والوزارات التي توليناها ولا سيما وزارة الطاقة التي تسلمها الوزير باسيل والوزراء الذين تعاقبوا من بعده، أن نعمل ليل نهار من أجل تحقيق الحلم الذي سأطلقه يوم غد".

المعارضة تستعيد سراقب:"إم5" مقطوع على النظام

استعادت المعارضة السورية صباح الخميس، السيطرة على مدينة سراقب في ريف إدلب الشرقي وتمكنت من قطع الطريق الدولي السريع "إم5" والسيطرة على عدد من القرى والمزارع والمواقع في الضواحي القريبة من المدينة، أهمها، مزيرعة وقيراط والشيخ خيال وجسر سراقب والبرج وترنبة وفكت الحصار عن النقطة العسكرية التركية قرب ترنبة.

وتحاول المعارضة تحقيق المزيد من التقدم على حساب قوات النظام والمليشيات الموالية لها في ضواحي المدينة، وترصد تحركات قوات النظام مستهدفة إياها بالمدفعية والصواريخ لمنعها من شن عمليات هجومية معاكسة. في حين يتواصل قصف طائرات النظام وروسيا مستهدفاً مواقع المعارضة المتقدمة في أطراف المدينة وداخل أحيائها، وزاد عن 50 عدد الغارات الجوية التي استهدفت المنطقة التي تشهد معارك عنيفة في أكثر من محور.

وكانت المعارضة قد بدأت هجومها نحو سراقب بعد منتصف ليل الأربعاء/الخميس، وهاجمتها من ثلاثة محاور، من الغرب والشمال الغربي، ومهدت لتقدمها بقصف مواقع قوات النظام والمليشيات لها الموالية بالأسلحة الثقيلة، وشاركت المدفعية التركية في التمهيد للمعارضة من خلال استهداف مواقع قوات النظام في محيط المدينة. واستهدف القصف التركي بشكل أكبر النقاط العسكرية التي تتمركز فيها المليشيات ومرابض المدفعية والصواريخ التابعة لها، والتي جرى تحييدها بعد أن دمرت بشكل شبه كامل.

توسع المعارضة في ريف سراقب الغربي ليل الأربعاء/الخميس، وسيطرتها على الصالحية وآفس وبجارز ومواقع أخرى سهل عليها دخول سراقب، والتقدم نحوها من محاور عديدة، وتقييد حركة قوات النظام التي حاولت الدفاع عن مواقعها من خلال النيران الجوية والبرية الكثيفة وإشراك أعداد أكبر من العناصر.

وكانت قوات النظام والمليشيات الموالية قد سيطرت على مدينة سراقب في 6 شباط/فبراير، وكانت المدينة الاستراتيجية بوابة دخولها إلى ريف حلب واستكمال السيطرة على الطريق الدولي "إم5".

وأكد الناشط الإعلامي خالد دالاتي ل"المدن"، أن خسائر قوات النظام والمليشيات الموالية في سراقب كبيرة جداً. وأضاف ان هجوم المعارضة السريع أجبر قوات النظام على الفرار من مواقعها تاركة خلفها كميات كبيرة من الأسلحة والعتاد الحربي.

وبحسب دالاتي، اغتنمت المعارضة أكثر من 12 آلية عسكرية من قوات النظام، بينها مدرعات ودبابات وقواعد مدفعية ثقيلة ومركبات عسكرية رباعية الدفع، وتم تدمير عدد آخر من الآليات.

مصدر عسكري ميداني في "الجبهة الوطنية للتحرير" قال ل"المدن"، إن الفصائل تمكنت من تدمير رتل عسكري لقوات النظام في قرية جوباس القريبة من سراقب، بعد أن استهدفته بالمدفعية. وبحسب المصدر، استهدفت الفصائل أيضاَ، رتلاً عسكرياً آخر في تل مرديخ جنوبي سراقب كان في طريقه للانضمام لقوات النظام التي تحاول وقف زحف المعارضة. وأضاف أن قوات النظام والمليشيات خسرت خلال معركة سراقب العشرات من عناصرها بين قتيل وجريح، عدد كبير منهم قتل بالاشتباك المباشر في أطراف المدينة.

الناطق الرسمي باسم "الجبهة الوطنية"، النقيب ناجي مصطفى، أكد ل"المدن"، أن العمليات العسكرية متواصلة ولن تتوقف الفصائل المعارضة عند سراقب. وهناك حماسة هجومية ممتازة لدى مقاتلي الفصائل سيجري استثمارها لتحقيق المزيد من التقدم على حساب قوات النظام على جانبي الطريق "إم5" الذي لم يعد سالكاً بالنسبة لقوات النظام بعد أن تمت السيطرة على قسم كبير منه.

وبحسب النقيب مصطفى، بدت قوات النظام والمليشيات الموالية منهارة خلال الساعات الماضية بسبب الخسائر التي منيت بها في المعركة، وهذا عامل إضافي سوف يتم استثماره لمواصلة العمليات العسكرية.

من جهته، قال الناشط الإعلامي رامي السيد ل"المدن"، إن لدى المعارضة الكثير من أوراق القوة في الميدان والتي ستمكنها من قلب موازين المعركة لصالحها. وبحسب السيد، ستتواصل المعارك ما بعد سراقب، وربما يكون الهدف التالي للفصائل معرة النعمان جنوب شرقي ادلب.

دياب يدرك أنه لن يكون رئيساً للحكومة حين يخرج المخزون من البحر

يهوى كلّ من في السلطة، الاحتفالات والانتصارات. لا يهمّ السبب، كبيراً أم صغيراً، فالأهم هو الاحتفال والتقاط الصوَر وتدوين الانتصار في السجلات الرسمية. ولتضخيم الانتصار وجعله إنجازاً، تعمد القوى والشخصيات السياسية إلى تعظيم الأحداث ورصف الكلمات واختيار أكثرها حماسة، حتى وإن أثبتت التجارب العلمية عكس ما يُقال.
هذا هو حال ملف النفط والغاز في لبنان. إذ يسارع السياسيون إلى التسلّق على الملف لتسجيل انتصارات، من وزراء الطاقة المتعاقبين، مروراً برئيس الجمهورية ميشال عون، وصولاً إلى رئيس الحكومة حسان دياب الذي حجز لنفسه مقعداً في صفوف مطلقي الشعارات الإنشائية غير العلمية.

فرصة لن تُعوَّضوافق دياب على تولي رئاسة الحكومة في ظرف متأزّم سياسياً واقتصادياً ونقدياً. قد تكون الموافقة مفهومة إن كان دياب صاحب علاقات دولية، جامعة وقادرة على اقناع المجتمع الدولي بمساعدة لبنان. أمّا قدومه بضوء أخضر من حزب الله بعد تعذّر ترقيع حكومةٍ برئاسة سعد الحريري، فإن دياب لن يضيف شيئاً على الساحة اللبنانية، سوى المزيد من الخطابات والوعود والصور التذكارية.
شكّل قدوم باخرة التنقيب عن النفط tungsten explorer إلى لبنان، وإطلاق أعمالها يوم الخميس 27 شباط، فرصة لا تُقدّر بثمن، اقتنصها دياب ليدوّن في السجلات الرسمية اللبنانية أن انطلاق أعمال الحفر، جاء في عهد "دولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور حسان دياب"، وهي عبارة ذهبية وإيجابية، يحتاجها دياب مقابل السلبية التي ستُسجَّل لعهده في الميادين الاجتماعية والاقتصادية والمالية والنقدية.

عرف دياب ذلك، فأسهَب في وصف إطلاق أعمال الحفر وانعكاسات استخراج النفط والغاز على الاقتصاد اللبناني، مع إدراكه أنه لن يكون رئيساً للحكومة حين يخرج المخزون من البحر. وهذا لا يهم، طالما أن الانطلاقة سُجّلت لعهده.

في معرض إسهابه من على متن الباخرة، رأى دياب أنه بإطلاق رحلة الحفر "تتوسع دائرة الأمل بتجاوز لبنان الأزمة الاقتصادية الحادة، التي تضيق الخناق على الواقع المالي والاجتماعي للبنانيين". وكما عون ووزراء تياره البرتقالي، وقع دياب في مغالطة علمية حين كرّر أن لبنان يتحول إلى بلد نفطي مع بدء الحفر، مع أن هذا التحول بعيد المنال، وله شروطه.

ولم ينسَ دياب "الكليشيهات" اللبنانية التقليدية، معتبراً أن لبنان سينتشر "عبر البحر نحو العالم كما فعل الفينيقيون، ويتمدد في البر في عمقه العربي، فيعود لبنان منارة الشرق وصلة الوصل بين العرب والعالم".

الرحلة انطلقتبعيداً عن مراد الطبقة السياسية واستغلالها للملف النفطي، كلٌّ بحسب مصالحه، يبقى انطلاق أعمال الباخرة، نقطة إيجابية وسط الكم الهائل من السلبيات المتراكمة. لكن مستوى الإيجابية الحقيقية سيأخذها اللبنانيون من تقارير أصحاب الاختصاصـ الذين سيبدأون الحفر خلال بضعة أيام.
تقنياً، وعلى لسان المدير العام لشركة "توتال - لبنان" ريكاردو داري، "تصل نسبة دقة أنبوب الحفر إلى حوالي متر واحد من الموقع الذي يتم تحديده عبر أقمار صناعية من أميركا وروسيا". والحفر بحسب دراي "يجب أن يتخطى أولاً حوالى كيلومتر من الملح قبل الوصول إلى الموقع المفترض للبئر النفطية".

أعمال شركة توتال ستخلص يومياً إلى تقديم "تقرير يومي إلى هيئة قطاع النفط عن عملية الحفر وكيفية إتمامها ونتائجها"، على أن يُبلَّغ وزير الطاقة بالنتائج، وفق ما أكده رئيس الهيئة وليد نصر، الذي أمِلَ أن تكون النتائج اليومية جيدة.

وبانتظار النتائج الايجابية "ستعطي البئر الأدلة الواقعية لما سجّله المسح الجيولوجي لكامل البحر اللبناني". وبالتوازي مع ما يُنتَظَر من البحر، أشار نصر إلى أن "غرفة الداتا في وزارة الطاقة أصبحت مجهزة وكاملة بكل الداتا والبرامج، وسنقوم بعملنا في الأشهر المقبلة لمواكبة الشركة في العمل". ولفت النظر إلى أن التحضيرات في البلوك رقم 9 تسير بنجاح "لجهة تحديد موقع البئر وإجراء التحضيرات اللوجستية اللازمة".

كان من المفترض بالحدث الذي شهده لبنان يوم الخميس أن يكون محطة فاصلة بين مرحلتين في تاريخ لبنان، لكن ما اقترفه السياسيون، أفسَدَ فرحة الإنجاز الذي كان من المفترض أن ترافقه سلسلة من الإجراءات الإدارية والقانونية، التي تضمن حسن الانتفاع من ثروة النفط والغاز. وهذا ما لم يحصل بعد.

حزب الله يعتاش على الفساد اللبناني ويدمّر خصومه

لا يمكن حمل العقوبات الأميركية المعلنة مساء الأربعاء 26 شباط الحالي، على أنها خارج نظامها المتبع والمتوقع منذ سنوات. لكن الجديد فيها اشتمالها مؤسسات تعنى بالشؤون الطبية والصحية، وإعلان مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط، ديفيد شنكر، عن استعداد بلاده لفرض عقوبات على مسؤولين لبنانيين بسبب ملفات فساد، ومسؤولين آخرين على علاقة بحزب الله.

وجها العقوبات الجديدةوللعقوبات الجديدة وجهان: استمرارها إلى النهاية في ضربها النظام اللبناني اللصيق بحزب الله، أي النظام كله من دون اعتبارٍ للانهيار الذي يضرب لبنان، وبوصف هذه الشركات والمؤسسات التي تطالها العقوبات أنها سرطانية، فهي تتهم حزب الله بالسيطرة على لبنان واقتصاده سيطرة كاملة.
وجه العقوبات الجديدة الثاني - وهو يضعُف داخل الإدارة الأميركية - أنها تهدف إلى إحداث تغييرات غير جذرية، تتصل باحتمال المفاوضات الأميركية الإيرانية، وتقديم تنازلات فيها. وتشير بعض المعطيات إلى أن التشدّد الأميركي على حزب الله سيكون أكبر بكثير من التشدّد على إيران. ما يعني أن حزب الله سيكون عرضة للمزيد من العقوبات والضغوط، حتى وإن حصلت مفاوضات إيرانية أميركية، قد تؤدي لاتفاق الطرفين. وتوحي طبيعة القرارات ضد حزب الله بأنها لن تتوقف عند أي حدّ. فواشنطن لم تصف السلطة الإيرانية بأنها إرهابية، واقتصر تصويبها على الحرس الثوري، فيما صُنّفَ حزب الله إرهابياً، ويجب استئصاله. وهذا في مقابل الحرص الأميركي على العلاقة بإيران، والقول إن واشنطن لا تريد إسقاط النظام الإيراني.

لبنان = حزب اللهولا يمكن للإجراءات الأميركية ضد حزب الله إلا أن تنعكس على الوضع اللبناني. والمرحلة الآن تتمثل بإغلاق الأبواب أميركياً ودولياً بوجه لبنان، مع ما يستتبعه ذلك من تداعيات مالية واقتصادية، في ظل رفض واشنطن الفصل بين اللبنانيين وحزب الله. ونظرة واشنطن للبنان شاملة، وتعادل نظرتها لحزب الله. خصوصاً أن العقوبات التي أشار إليها شنكر وستصدر في المشتقبل ستكون وفق قانون قانون ماغنيتسكي، وليس قانون "أوفاك".
وتكشف معلومات ديبلوماسية أن الاجتماع الثلاثي بين مسؤولين بريطانيين وأميركيين وفرنسيين، والمنعقد في بداية ثورة 17 تشرين للبحث في مساعدة لبنان، عُقِد مجدداً قبل أيام قليلة. وتحديداً بعد موقف وزير المال الفرنسي الداعي إلى مساعدة لبنان. وتشير المعلومات إلى أن الموقف الأميركي كان في غاية التشدد، وصولاً إلى رفضه مناقشة الفكرة الفرنسية. وتلفت مصادر واشنطن إلى أن أميركا لا تريد التصرف بإيجابية مع المسعى الفرنسي، ولا حتى السماح لباريس بلعب أي دور في هذا المجال. وهذا يعني أن التصعيد الأميركي مستمر.

حجر تام على لبنانهناك توصيف سياسي لمقاربة أميركا للوضع اللبناني: لبنان في حالة حجر كامل، والشروط تتزايد، والإجراءات الضاغطة ستطال شركات في مجالات متنوعة. وهذا يضع البلد أمام فصل جديد من العقوبات، جراء اتهام واشنطن حزب الله بأنه يحصِّل أمواله من الفساد اللبناني الداخلي، الذي يضاغف قوته السياسية والعسكرية، ويدمر الوزن السياسي لخصومه. ولهذا تداعيات مستقبلية ستظهر تباعاً في إجراءات تطال الدولة اللبنانية ومؤسساتها: تخفيض موازنة المساعدات الأميركية للبنان إلى أقل من النصف. ووضع رقابة مشددة على المساعدات التي تصل إلى الجيش وبعض المؤسسات أو الجمعيات الأخرى. وفي هذا السياق تتنامى وجهة النظر الأميركية التي ترى أن حزب الله يستفيد من المساعدات الأميركية بشكل أو بآخر. 

الأربعاء، فبراير 26، 2020

أموال فخر الدين.. آخر المعارك الدونكيشوتية الليمونية

لا يتقاعس تلفزيون OTV، وشعاره الليمونة، عن تقديم الترفيه للمشاهدين. ترفيه بالمجان ولو عن غير قصد، حتى في معالجة أكثر المواضيع جدية وحساسية. آخر تلك الملاحم الترفيهية جاء في مقابلة مع الدكتور دال حتّي أكد فيها أنّ لبنان ليس مديوناً بل يعاني من سوء إدارة وسوء تحصيل لأمواله. كلام سليم يتماشى مع مطلب اللبنانيين باستعادة الأموال المنهوبة، ومحاكمة الفاسدين، وتنقية المؤسسات من السطوة السياسية والطائفية، وإرساء مبدأ الكفاءة والإنتاج فيها. وأكمل حتّي قائلاً إنّ على الدولة "استرجاع أموالنا الموجودة أينما كان في العالم". كلام أكثر من سليم، يراد من خلاله الإشارة إلى المليارات المهرّبة إلى الخارج، بعيد انطلاق ثورة 17 تشرين الأول، قبلها وبعدها.

منظور حتّيلكن كل هذا الكلام رماه حتّي أرضاً. يتعامل مع كل ما سبق من منظور مختلف. فتقدّم بأرقام مدروسة عن حساب باسم الأمير فخر الدين المعني الكبير في "مصرف مونتي دي بييتا" في توسكانا، بقيمة 111 مليون دولار عام 1616. ولتأكيد الوقائع أشار حتّي إلى أن حفيد فخر الدين، حيدر، طالب المصرف بالمبلغ عام 1716، وكانت قد تراكمت فوائده لتبلغ قيمته 655 مليون دولار في يومنا هذا. وبات الحساب يجمع، بعد أكثر 300 عام، 5 مليارات دولار. هذا جزء من المال اللبناني العام المنتشر حول العالم، ويضاف إليه مليارات أخرى (65 مليار دولار) أقرّت في قمم عربية مختلفة لم تصل للخزينة، وحان الوقت لتحصيلها. التعامل مع هذه المليارات المفقودة يستوجب جدية مطلقة.

جبل التقوىمونتي دي بييتا، جبل التقوى أو الرحمة، ليس مصرفاً بالأساس، بل جمعية لا تبغى الربح. أسّسها رجال دين كاثوليكيين في القرن الخامس عشر، لقرض الفقراء والمحتاجين. كان الهدف الأساسي منها الأعمال الخيرية المنظمة، تجنيب المجتمع المسيحي آفة الربى ورهن الأملاك والتضامن مع المستضعفين. ففوائد الدائنين كانت تصل في إيطاليا حينها إلى 130 في المئة. واعترف البابا ليون العاشر رسمياً بهذه الجمعية، وما تفرّع عنها، عام 1515. كان أساس عمل الجمعية مبني على تبرّع الأغنياء بمبالغ مالية يعاد إقراضها لفقراء الحال، بفوائد محدودة جداَ أو دونها حتى. ومن مدينة بيروجيا انطلقت الفكرة وتعمّمت في مدن إيطالية أخرى، ثم في فرنسا وبلجيكا وغيرها. كان شكلاً من أشكال الإدارة والرقابة الكنسية على الربى والرهن والانحلال والجشع ومساعدة المحتاجين. اسمه "تقوى" أو "رحمة"، ليس مصرفاً ولا مؤسسة مالية تتراكم فوائدها، بل العكس.

أيقونة فخر الدينهو المؤسس الأول لشبه ما يُعرف بلبنان الكبير. جليل في دهائه السياسي وعلاقاته وإدارته وتطويره الاجتماعي والاقتصادي. أيقونة، رمز الدولة الأولى، وعصبها الذي كتبه ولحّنه الأخوين رحباني وغنته فيروز ونصري شمس الدين. "أيقونات" تكرّم أخرى وتعيد تمجيدها من خلال "عطر الليل" والكلمات الأخيرة لفخر الدين قبل استسلامه (في مسرحية أيام فخر الدين) "أنا شو بيهمّ بقيت أو ما بقيت... هو (لبنان) بيبقى". لكن هل كان فخر الدين مهرّباً للأموال أيضاً؟ هل هذا ما نفهمه من كلام حتّي؟ هل تُضرب "أسطورة" فخر الدين، أو يُشكك بها، بهذه البساطة؟ قد يكون هذا المطلوب بعد أنّ أتت المحطة العونية على ذكره.

معركة مستجدةهذه المحطة، وغيرها من مؤسسات التيار الوطني الحر، لا تمسّ شخصاً أو ملفاً إلا وتسخّفه. يصبح مادة خاضعة للنفس الليموني وأهوائه السياسية وحساباتها، التي لا تسقط منها الاعتبارات الطائفية و"الجينية" أيضاً. تصبح مادة للهزل، كالعادة، فكيف إذا كان مادة هزلية بالأساس؟ وعلاقة حتّي بالتيار الوطني الحر متلبسة. ما نعرفه عنه أنه رجل أعمال و"مبادر" وناشط مدني ورئيس هيئة العلاقات العامة في المجلس الاغترابي اللبناني. سمّاه الأديب ميخائيل نعيمة، صديق والده وجاره، بـ"دال"، والدال هو الذي يدلّ الناس على المياه في الصحراء. لكن الأكيد أنّ المحطة تتبنى مطلبه باستعادة أموال فخر الدين من إيطاليا. فكما اللبنانيون منتشرون (وليس مهاجرين)، أموالهم منتشرة أيضاً، ضائعة. واسترداد هذه الأموال واجب وطني، معركة تستحق خوضها. تتلاءم والمعارك الدونكيشوتية الاعتيادية التي يهواها التيار الوطني الحرّ ورئيسه. استرداد أموال خيالية، من حساب مصرفي في مؤسسة غير مصرفية، مودعة منذ زمن الإمارة.
في هذه المعركة الجدية ما يكفي من أمل وهمي. تنسجم مع أجندة التيار الوطني الحرّ برئاسة جبران باسيل.

مليشيات النظام تقتل سورياً احتفل بـ"تحرير حلب"

لا يفرّق إجرام النظام السوري والمليشيات المرتبطة به، بين المعارضين للنظام والموالين له، وهو ما أثبتته قصة "تراجيدية" لمواطن سوري احتفل بسيطرة النظام السوري على ريف حلب، قبل أن يقتله رصاص جنود النظام لاحقاً.

وتداولت صفحات سورية صورة لسوري يدعى علي هلال بلوة، الذي ينحدر من بلدة نبل في حلب، وهو يوزع الحلويات خلال احتفال أقامه في منزله بمناسبة سيطرة النظام على ريف حلب. وبحسب المعلومات المتداولة، ضمت الصورة المنشورة عائلة بلوة مع مجموعة من ضباط في جيش النظام السوري.

وذكر ناشطون أن بلوة ذهب في اليوم التالي إلى معمله في بلدة حيان، من أجل تفقده، فوجد فيه شبيحة من النظام وعناصر في لواء القدس وهم يسرقونه، فاصطدم معهم بالكلام وحاول منعهم، إلا أن أحدهم أطلق الرصاص عليه، وأرداه قتيلاً.

يذكر أن حالات التعفيش في حلب تزايدت بعد سيطرة قوات النظام السوري على ريف حلب الغربي الذي يضم عدداً من المعامل والمنشآت الصناعية، ما دفع إعلاميين موالين للنظام وصفحات موالية للنظام، للحديث بشكل نادر عن عمليات التعفيش التي تحصل في ريف حلب، بموازاة حديث مفتي النظام السوري أحمد بدر الدين حسون عن التعفيش أيضاً.

عون يثأر لهزائمه باستيلاء باسيل على صخور نهر الكلب

قد يفيد البحث التاريخي عن جذور القيادات المارونية واختيارها مقر سكنها في لبنان، في الكشف عن رغبة التيار العوني المحمومة وإصراره على إقامة مقره الرئيسي فوق صخور نهر الكلب التاريخية والأثرية، وما تمثله تلك الصخور في الوجدان العوني واللبناني.
فالعونيون يصرون على مماهاة وجودهم مع الكيان اللبناني، وتخوين من يخالفهم. ولطالما مثّلت العاصمة بيروت نقطة جذب للقيادات اللبنانية كلها. وكان الموارنة ينظرون إلى مقر سكنهم بوصفه مكملاً لزعامتهم، التي لا تكتمل إلا بمقر سكني في بيروت، خاصاً وشخصياً أو حزبياً ورئاسياً.

آل إدة والصنائعالرئيس إميل إده سكن في محلة الصنائع البيروتية، ولا يزال منزله قائماً إلى اليوم. ويقال إن وريث المنزل، العميد ريمون إده، وقفه للذكور من العائلة ومنع بيعه، على الرغم من أن ترشح آل إده للانتخابات كان في بلاد جبيل.
لكن سجلات قيد نفوس آل إدة لم تكن يوما في بلاد جبيل، بل في العاصمة بيروت. ومنزل الرئيس إميل إده البيروتي، كان نقطة الجذب للمحازيين الإديين (الكتلة الوطنية)، وليس مراكز الحزب في الأطراف، على كثرتها وكثرة المنتسبين إلى الحزب فيها.

شمعون الأشرفية والسعدياتالرئيس بشارة الخوي أقام في قصر القنطاري الرئاسي، الذي أقام فيه من بعده الرئيس كميل شمعون، الذي لم يغادر بيروت يوماً. وهو أنشأ مقر حزبه "الوطنيين الأحرار" في محلة السوديكو.
وقصر  القنطاري الذي اشتراه رفيق الحريري، ما زال حتى اليوم يُعرف بقصر بشارة الخوري أو قصر كميل شمعون. وشمعون أقام وسكن في قصر السعديات، إحدى بلدات ساحل الشوف القريبة من دير القمر، معقله الانتخابي. ثم أقام في محلة السيوفي بالأشرقية، بعد اندلاع الحرب في العام 1975.

بيروت الجميل وحزبهبعد أحداث 1958، أدرك الموارنة أهمية حضورهم  الديموغرافي في العاصمة. فبدأت حملة نقل نفوسهم إلى بيروت، لتعزيز حضورهم السياسي البيروتي. فترشح رئيس حزب الكتائب بيار الجميل للانتخابات النيابية عن المقعد الماروني في الأشرفية، رغم أن معقل عائلته هو بكفيا في المتن. وأنشأ الجميل المقر الرئيسي لحزبه، الكتائب اللبنانية، في محلة الصيفي، على المدخل الشمالي للعاصمة.
ولا يزال المقر الرئيسي للحزب قائماً إلى اليوم في مكانه. وسكن بيار الجميل مع عائلته قرب مكتبة الجامعة اليسوعية في التباريس، أو شارع مونو، لينتقل بعده إلى الدورة بعد اندلاع الحرب في العام 1975.  من دون أن ينتقل إلى بكفيا مسقط رأسه ومقر تسجيل قيده في سجلات النفوس. وهو لم يترشح عن المقعد الماروني في المتن.

زغرتا فرنجية للانتخاباتوزير الخارجية الأسبق حميد فرنجيه، كان في عز مجده السياسي يقيم في بدارو ببيروت. وفي حوادث 1958 انتقل للإقامة في محلة الروشة حتى مماته، ودفن في زغرتا، مسقطه والتي كان نائبا عنها. لكن زغرتا لم تمنحه أكثر من زعامة محلية، لم تعرف مداها، إلا في نشاطه السياسي في العاصمة، ومنها خارج لبنان.
فالنخب السياسية والثقافية والاجتماعية المارونية كانت تضفي بعداً سياسياً ووطنياً واسعاً على دورها بانتقالها إلى العاصمة بيروت، إقامةً ومقر عمل.

حصن جعجع معرابلكن هذا كله بدلته الحرب وأنهته. إذ أدت إلى تصدر قيادات حديثة مكان تلك التي اكتسبت شرعيتها بفعل نشاطها وديمومتها وحضورها في الشأن السياسي والثقافي والاجتماعي في بيروت، مركز النشاط العام اللبناني العام والجامع.
ففي الحرب برز مسيحياً نجم كل من قائد القوات اللبنانية سمير جعجع، والجنرال ميشال عون. الأول أقام مقره في محلة معراب في عمق كسروان. وكان قبل ذلك في غدراس التي لا تبعد كثيرا من معراب. وهو اليوم في معرابه يقيم في ما يشبه الحصن، ما يحول دون انتقاله بسهولة إلى العاصمة، لأسباب أمنية، تحد من حركته السياسية.

عون - باسيل: ثارات رمزيةالجنرال ميشال عون، من مواليد حارة حريك. لكن الحارة لم تعنِ له شيئاً، سوى أنها مقر ولادته الطبيعية، وولادته السياسية الثالثة بعد توقيعه تفاهمه مع حزب الله في كنيسة مار مخايل في الشياح المتصلة بحارة حريك. وهو التفاهم الذي أوصله إلى قصر بعبدا الرئاسي، بعد ولادة تياره السياسي أثناء غيابه في فرنسا.
وكانت وزارة الدفاع المقر لانطلاقه، قبل قصر بعبدا. وحين عاد إلى لبنان أقام في الرابية، بدلا من العاصمة.
الوزير باسيل وبوصفه وريثاً سياسياً للجنرال عون، يسعى بدوره للبحث عن مقر يضيف شيئاً ما ومكاناً ما إلى ما ورثه عن عمه، سواء بحق أو من دون حق. شرعية تنطلق من المقولات العونية، الباحثة دائما عن جغرافيا مكانية لها رمزيتها، لاستخدامها عند الضرورة.
في البداية اختير المقر الرئيسي للتيار العوني في محلة ميرنا الشالوحي. وهي التي شهدت هزيمة الجنرال عون في حرب إلغائه على القوات اللبنانية. لذا عاد إليها في السلم ليقيم فيها مركزاً يستخدمه ثأراً رمزياً للمعارك، وليستدر عطفاً على الجيش اللبناني، حين كان الجنرال عون قائده وهزم في محور ميرنا الشالوحي.
واكتشف باسيل أن مقر ميرنا الشالوحي مهدد من "موتسيكلات" حركة أمل، بعد تظاهرة "الموتسيكلات" التي كادت أن تؤدي إلى فوضى لا تحمد عقباها.
وفي مسيرة البحث عن مقر للتيار العوني، ولدت فكرة صخور نهر الكلب، لما لها من رمزية في الوجدان الوطني اللبناني. فعلى تلك الصخور سُجِّلت هزائم الغزاة الذين احتلوا لبنان على مرّ التاريخ. فأراد باسيل وعمه التماهي مع الصخور، بوضع اسمهما واسم تيارهما ومقره الصرحي إلى جانب الصخور التاريخية. محاولة باسيل الأولى باءت بالفشل، حين حُمِلت لوحة تؤرخ لجلاء الجيش السوري عن لبنان، بمعية صحبه العونيين. لكنه تلقى اتصالاً أعاده خائباً، ولم تُنصب اللوحة على الصخور. هذا قبل يبتلع العونيون ألسنتهم في كلامهم على الاحتلال السوري الأسدي المديد للبنان.
ومع الفشل في تثبيت لوحة الجلاء السورية، عاد باسيل إلى الصخور من بوابة الرهبنة اللبنانية المارونية. استأجر أرضاً على التلة الصخرية التراثية ليقيم عليها المقر الرئيسي لتياره.
وفوق الوجه التراتي والتاريخين هناك الجانب الوجداني في هزائم الجنرال والتيار العوني. فمحلة نهر الكلب استعصت على الجنرال في حرب الإلغاء، وانتهت الحرب من دون أن يستطيع إحراز أي تقدم ميداني هناك. وبقي ما قبل نفق نهر الكلب ليس كما بعده. وفي 23 كانون الثاني من العام 2006، سعى التيار العوني إلى القيام بـ"انتفاضة" شعبية، فقطع الطريق في محلة نهر الكلب مع طرقات عدة في المنطقة الشرقية. وكان فتح طريق نفق نهر الكلب في 2006 أول عمل كُسرت فيه الحلقة المتماسكة لقطع الطرق، فتوالى بعدها فتحها من المدفون إلى جبيل.
عودة التيار العوني اليوم إلى نهر الكلب، لا تقيم وزناً للشأن البيئي، بل هي تصدر عن خلفية تاريخية ديماغوجية وثأرية متناسلة، وتسعى إلى توظيف التلة الصخرية خدمة للسياسة، ولاكتساب شرعية مكانية ورمزية.

حكومة الإفلاس والعزلة تعود إلى حضن النظام السوري

عزلة الشهر الأول لحكومة الرئيس حسان دياب في علاقاتها الدولية، بدأ العمل على كسرها من بوابة سوريا! الزيارة الدولية الوحيدة التي أجراها مسؤول أجنبي إلى لبنان، بعد تشكيل الحكومة، كان رئيس مجلس الشورى الإيراني المنتهية ولايته، علي لاريجاني، آتياً من دمشق! هذا طبعاً بمعزل عن زيارة وفد صندوق النقد الدولي، وبعض المؤسسات الدولية، المعنية بالملفين الاقتصادي والمالي. والسفير السوري في بيروت، علي عبد الكريم علي، يدخل للمرة الثانية إلى السراي الحكومي منذ تعيينه سفيراً للبنان قبل 11 سنة. المرة الأولى كانت في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، والمرة الثانية في زيارة التهنئة التي أجراها لدياب قبل يومين.

الطريق إلى دمشقوكأن العمل الذي تنحو إليه الحكومة يندرج تحت سقف أحد مواقف أمين عام حزب الله، السيد حسن نصر الله، عندما أشار على اللبنانيين بضرورة اللجوء إلى الصين أو دول الشرق، في ظل التعرض إلى ضغوط وعقوبات أميركية مفروضة على لبنان. هكذا، تعمل الحكومة على فتح العلاقات وتطبيعها مع دمشق والنظام السوري، طالما أن الأبواب الدولية لا تزال مغلقة أمامها. سلوك يشبه التحدّي أو الابتزاز في طريقة إدارة المرحلة الحالية والمقبلة. هناك من يريد القول لدول الخليج والدول العربية الأخرى، أنه بحال عدم فتح أبواب العلاقات والمساعدات، فلا بأس بفتح الطريق إلى دمشق. هذا النوع من السياسات يشير إلى استمرار السير على حافة الهاوية، أو على حبل يهتز على وقع كل خطوة.
سيعود ملف تطبيع العلاقة مع النظام السوري إلى الواجهة مجدداً في الفترة المقبلة. والأمر يرتبط بمجموعة تطورات. ويُطرح "التطبيع" مع الأسد كابتزاز للقوى الدولية الأخرى كي تبادر إلى الانفتاح على حكومة دياب، ومساعدة لبنان على مواجهة الانهيار الاقتصادي. وبحال لم يتوفر ذلك، فإن لبنان سيذهب بعيداً في العلاقة مع دمشق. وهذا يرتبط بمعطيات ووقائع سياسية تبدأ في طهران وتنتهي في بيروت. ويستند أصحاب هذا الرأي على معطى أساسي هو الحديث في الجامعة العربية، وبعض الدول الخليجية، حول وجوب تفعيل العلاقة مع بشار الأسد، لمواجهة النفوذ التركي في سوريا. على هذا الوتر تلعب القوى اللبنانية من جهة لابتزاز دول الخليج، ومن جهة أخرى الترويج أن تجديد العلاقات السورية اللبنانية يهدف أيضاً إلى مواجهة الأتراك.

من السرية إلى العلنيةهذه اللعبة لا تنفصل عن محاولة اللعب على حبال أكبر وأبعد دولياً، خصوصاً أن في لبنان من يرغب بربط العلاقة مع دمشق بالعلاقة مع روسيا، والتي - حسب ما يقولون - سيكون لها دور في المرحلة المقبلة، بما يتعلق بترسيم الحدود مع سوريا، والتنقيب عن النفط والغاز. ولبنان لا يريد في هذا الملف أيضاً أن يكون إلى جانب تركيا، ما سيحتم تحسين العلاقة مع روسيا وسوريا "لأسباب اقتصادية تجارية وزراعية"، ولأسباب تتعلق بالنفط والغاز. حتماً هذا الملف لا يمكن فصله عن الموقف الأميركي، الذي لا يزال متشدداً في لبنان كما في سوريا، وسط استعداد أميركي للمزيد من الإجراءات ضد النظام السوري، مع تفعيل قانون قيصر وإدخاله حيز التنفيذ، والذي يطال كل المتعاونين مع نظام بشار الأسد.
عدد لا بأس به من الوزراء زاروا سوريا في الأيام الماضية في إطار لقاءات سرية، يعتبرون أنها يجب أن تكون دورية، على نحو يتناسب مع مواقعهم ومواقفهم السياسية. وزيرا حزب الله في الحكومة أجريا زيارات إلى دمشق. وزير الشؤون الاجتماعية رمزي مشرفية أيضاً زار سوريا قبل أيام وبحث مع المسؤولين السوريين ملف اللاجئين والعمل على إعادتهم. الأمر الذي أثار استغراب الكثير من المسؤولين والمنظمات الدولية، خصوصاً أن لبنان في أمسّ الحاجة حالياً إلى أدنى مساعدة، أو موقف إيجابي دولي لمواجهة أزمته الاقتصادية، بينما هذا النوع من التصرفات قد ينعكس سلباً عليه.
وتشير المعطيات إلى أن ملف العلاقة مع سوريا، سيطرح على بساط البحث، بشكل علني وموسع في المرحلة المقبلة، مع استعداد عدد أكبر من الوزراء للتوجه إلى دمشق، لبحث ملفات وزاراتهم.

شهيدي الحرّية مهدي عامل وسمير قصير

نتذكر اليوم كلاً من مهدي عامل وسمير وقصير كبطلين من أبطال الحرية الذين قدما حياتهما للدفاع عنها، نتذكرهما باسم الثورة المجيدة من أجل التغيير، التي لو كانا على قيد الحياة لكانا من أبطالها. وهما كما يشير إلى ذلك تاريخهما، مثقفان من نمطين مختلفين لكل منهما شغفه بالحربة ودفاعه عنها. وهو الشغف الذي قادهما مع مثقفين آخرين إلى الاستشهاد من دون أن يتراجعا مقدار ذرة عما اعتبراه الأساس في حياتهما في الدفاع عن حرية الفكر والنضال من أجل التغيير الديموقراطي في وطنهم لبنان.

بكاتم الصوتكان مهدي عامل مفكراً ماركسياً. كان يحاول تقديم رؤية جديدة للعالم ولبلاده، في شروط عصر كان يضج بأحلام التغيير، ويزدحم بوقائع تصعِّب وتُعقِّد وتعيق تحقيق تلك الأحلام.

لذلك كان فكر مهدي كله نقدياً في أساسه. وكان نقده يطاول الوقائع القائمة، ولا يستثني حتى مشاريع التغيير، بما في ذلك المشروع الاشتراكي ذاته الذي كان ينتمي إلى مرجعيته الفكرية، مرجعية ماركس. لكن مهدي عامل، الذي اغتيل بكاتم الصوت، كان عنيفاً في نقده للطائفية وللنظام الطائفي في بلده لبنان. وكان عنيفاً أيضاً في نقد السلفية الدينية التي كان، ولا يزال، يتشبث أصحابها بالنظام القديم وبكل ما يعيق عملية التقدم في عالمنا العربي، يتشبثون بهذا القديم، باسم فهمهم المشوِّه للدين، الفهم الذي يغيِّب قيم الدين ويتجاوزها إلى نقيضها. وحين اغتال كاتم الصوت الصديق الكبير لمهدي، ورفيقه في الدرب وفي الفكر والمعركة دفاعاً عن حرية الفكر، حسين مروة – ابن الثمانين في فراش نومه-، لم يعبأ مهدي بكل ما جاءه من إشارات كان بعضها صريحاً إلى حدود الوقاحة بأنه، أي مهدي، سيكون الهدف الثاني بعد حسين مروة لكاتم الصوت أو لسواه من أسلحة الاستبداد والظلامية. ولم يلتفت إلى تحذيرات رفاقه وأصدقائه بضرورة التنبُّه إلى ما يحيط به من مخاطر. ولم يشأ أن يغيِّر مكان إقامته، ولا طريق سيره المعتاد من معهد العلوم الاجتماعية كل صباح لملاقاة طلابه. لم يشأ أن يغير أياً من عاداته. إذ كان يعتبر أن مثل ذلك سيكون من قِبَله رضوخاً أمام الخصم في تقليص حقه بالحرية. وظلَّ يمارس نشاطه الفكري بالطريقة ذاتها من دون تعديل. وظلَّ يمارس حياته كما لو أن شيئاً جديداً خطيراً لم يحصل. وظلَّ يواصل انتقاله إلى معهد العلوم الاجتماعية لملاقاة طلابه مشياً على الأقدام، إلى أن اعترضه كاتم الصوت ذات يوم، من داخل سيارة كانت تنتظره في طريقه إلى المعهد. اعترضه كاتم الصوت برصاصات أصابت قلبه الذي كان عامراً بالحياة، وأصابت المركز الذي كانت تختزن فيه أفكاره الجديدة الرائدة. وهكذا غادر الحياة هذا المفكر الماركسي النقدي الكبير، من دون أن يتمكن من الإعلان أنه، لو عاد إلى الحياة من جديد كان سيكمل السير في الطريق ذاته الذي اختاره بوعي لحياته الفكرية والسياسية والشخصية.

القلم الجميلسمير قصير، ابن الخامسة والأربعين عاماً، الذي كان بمثابة الأخ الصغير لمهدي عامل، وبمثابة الابن لحسين مروة في الفكر وفي العمر وفي التجربة وفي السلوك، لم يختلف، في مواجهة الأخطار التي كانت تحيط به وتهدده من كل جانب، لا عن هذين الرمزين الكبيرين من رموز النضال بالفكر وبالسلوك من أجل التغيير، ولا عن أولئك الأبطال الذين ارتبطت أسماؤهم وسماتهم وصفاتهم بالحركة الثورية المناضلة من أجل التغيير في ثلاثينات وأربعينات وخمسينات القرن الماضي.

كان سمير قصير، منذ مطلع شبابه، يسارياً يحلم بتغيير بلاده في اتجاه التقدُّم، ولم يغيِّر موقعه اليساري قط إلا في الاتجاه الأكثر تحرراً من القديم الذي كان يشيخ، والأكثر تحرراً من اليقينيات التي تعيق التطوير والتجديد. وظلَّ في موقعه هذا، رغم انضمامه إلى منابر لم تكن معروفة بيساريتها، لكنها كانت منابر للدفاع عن الحرية لبلداننا ولشعوبنا وللإنسان الفرد فيها، ضد كل أنواع الاستبداد، أفكاراً وسياسات وأنماط سلوك وأنظمة حكم.
كان سمير قصير صاحب قلم جميل. وكانت أرقى عناصر الجمال في قلمه أفكاره الجريئة، حاملة الرغبة الجامحة في التغيير، الرافضة بحزم لكل أشكال الاستبداد القديم منها والمتجدد. لذلك فقد كانت كتاباته نقدية لاذعة. وكان النقد فيها سلاح المثقف، سلاحه الماضي الكاسر، السلاح المحصن بالشجاعة، والمصوَّب في الاتجاه الصحيح، من دون مهادنة أو مساومة.
كانت كتابات سمير قصير الأولى باسم مستعار في جريدة "النداء" عندما كان لا يزال طالباً في السابعة عشرة من عمره. كان يومها عضواً غير معلن في الحزب الشيوعي اللبناني، في مكان إقامته في منطقة الأشرفية في بيروت، ثم في باريس في مطلع ثمانينات القرن الماضي، واستمر في الكتابة بأسماء مستعارة وبدون توقيع خلال بضع سنوات هي السنوات التي ترافقت مع نضوج شخصيته وتخرّجه من الجامعة. وكان من بين مساهماته كتابة وترجمة مقالات في النشرة التي كان يصدرها مكتب الحزب الشيوعي اللبناني في باريس والتي كنت أشرف على إصدارها بعنوان "لبنان في المعركة". وظل يسارياً في كتاباته، كما نشأ، حتى حين انتقل للكتابة في مجلة "دراسات فلسطينية" في طبعتها الفرنسية. وكان يعتبر مساهمته تلك إسهاماً، من موقعه اليساري، في الدفاع عن القضية الفلسطينية، وعن المقاومة المرتبطة بها، وذلك باسم المقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال الاسرائيلي، التي كان يعتبر نفسه جزءاً منها، ومدافعاً عن مهمة التحرير المرتبطة بها. وظل ينتقل من منبر إعلامي إلى منبر إعلامي آخر في باريس، ثم في لبنان، بعد عودته النهائية إلى الوطن في أعقاب توقيع اتفاق الطائف، وإعلان نهاية الحرب الأهلية. فكتب في مجلة "الموند دبلوماتيك" الفرنسية، ثم في مجلة "اليوم السابع" التي أنشأتها منظمة التحرير الفلسطينية، ثم في مجلة ثقافية كانت تصدر عن جريدة "الأوريان لوجور"" بتكليف من صاحب الجريدة الوزير مشيال إده ، وصولاً إلى جريدة "النهار" التي حولته مقالاته فيها إلى شخصية ثقافية وسياسية وإعلامية من الدرجة الأولى. وهي المقالات النقدية الشجاعة التي جعلت قوى الظلام والظلامية تضع حداً لحياته.

منتجا الأفكاروكانت قد واجهت سمير قصير قبل اغتياله حملة قاسية من المضايقات والضغوط النفسية من قبل أجهزة النظام الأمني اللبناني –السوري، من أجل إرهابه. لكنه صمد في وجه تلك المحاولات، وعضَّ على جراحه، واستمرَّ في الطريق ذاته الذي اختاره منذ مطلع شبابه. وكان يعرف أن سلوك هذا الطريق مليء ليس بالأشواك وحسب، بل بكل أنواع المخاطر، التي قادت إلى الموت قبله رفاقاً وأصدقاء من المدرسة ذاتها، وحتى من مدارس أخرى، كان المفكر الثاني الشيخ صبحي الصالح أحد ابرز ممثليها. وما أظنه كان غافلاً حين اختار ذلك الطريق، عن رؤية مثل ذلك المصير الذي كان ينتظره. فجاءت العبوة المفخخة القاتلة لتؤكد أن ذلك الاحتمال الفظيع قد تحوَّل إلى أمر واقع. ودخل سمير، مع مهدي عامل ومع آخرين قبله وبعده، وآخرين قبلهما وبعدهما، في قافلة شهداء الحرية، الذين يشكلون أحجار الزاوية في بناء نهضتنا العربية الجديدة والقديمة، المتمثلة بإقامة دولة الحرية والعدالة والتقدم في لبنان وفي سائر بلداننا العربية. وكان على جورج حاوي، رفيق مهدي وسمير، أن ينال المصير ذاته، مع كوكبة من القادة السياسيين والإعلاميين الذين ذهبوا، الواحد منهم تلو الآخر، خلال السنوات الثلاث العجاف التي أعقبت اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

كان سمير قصير، مثل مهدي عامل، مثقفاً ينتمي إلى جمهرة كبيرة من المثقفين القدامى والمحدثين، الذين تشكل الأفكار مادة إنتاجهم، وتشكل الكتابة وسائل التعبير عن أفكارهم. كانوا في حقيقة أمرهم، كائنات إنسانية فردية، بحكم طبيعة عملهم، أي كمنتجي فكر أفراد. لكن أفكارهم الحرة، أفكارهم التي كانت تمثل صيغة انتمائهم إلى شعوبهم في نضالها من أجل الحرية والتقدم، جعلتهم كائنات إنسانية جماعيةـ يشكلون بأفكارهم وبمواقفهم الشجاعة جزءاً أساسياً مكوناً من الحركة العامة الرامية إلى صياغة مستقبل زاهر لبلداننا بالمفرد وبالجمع.
كان سمير قصير من ابرز الذين ساهموا في انتقاضه الاستقلال في لبنان. كان رفيقاً دائماً للشباب في ساحة الحرية. لكنه كان يدرك أن الصعوبات والعقبات ما تزال تشكل عوائق لا يستهان بها أمام الوصول إلى المبتغى والمرتجى من الأهداف. وعبَّر في كتاباته عن هذه الحقيقة، تحذيراً منه للشباب من خطر الوقوع في أسر الأوهام. وكان يعرف في الوقت عينه أن هذه الصعوبات والعقبات لن تكون أزلية، وأن شروطاً جديدة ستنشأ في مستقبل قادم، أكثر وضوحاً من الأزمنة السابقة، لمواجهة تلك الصعوبات والتعقيدات. وكان أهم عناصر هذه المواجهة في نظره يتمثل في هذه اليقظة الجديدة لدى الأجيال الشابة للعب دور كانت مغيبة عنه، وكانت هي ذاتها منكفئة عن ممارسته، رغم أنه حق لها وواجب عليها.
كان سمير قصير، في قناعاته تلك، وفي ثقته تلك بالمستقبل، يستشرف، ويحلم، لكنه لم يكن يرى حجم العناصر المعيقة لتحقيق ما كان يحلم به. ولو أنه عاش إلى أيامنا هذه لكان أكثر من النقد الذي كان سيوجهه إلى كل من القوى السياسية التي رفعت شعار الحرية والسيادة والاستقلال وتخلَّت عنه. وأكثر نقداً للأجيال التي عادت إلى انكفائها القديم، بفعل الصعوبات والتعقيدات القائمة والمستجدة. بل أنه كان سيكون أحد المعبرين بوضوح عما ارتبط باسم الثورة التي انطلقت في السابع عشر من تشرين الأول عام 2019.

جسر العبور الصعبسمير ومهدي ورفيقهما القائد الشجاع جورج حاوي، وقبلهم المفكر الكبير حسين مروة، والاعلامي المتميز سهيل طويلة، والمناضل المثابر خليل نعوس، وقائدهم الكبير السابق عليهم في الاستشهاد فرح الله الحلو، والقائد الكبير للحركة الوطنية كمال جنبلاط، جميع هؤلاء الشهداء سيشكلون، باستشهادهم مع سواهم من أبطال الحرية في لبنان، والى جانبهم الرئيس الشهيد رفيق الحريري وشهداء ثورة الاستقلال جسر العبور الصعب إلى مستقبل أفضل لوطنهم لبنان، ولو طال المدى.

أتذكر سمير قصير ومهدي وعامل وحسين مروة وجورج حاوي في هذه اللحظة من تاريخنا الذي تعطينا الثورة من أجل التغيير الحلمَ في مستقبل أفضل لوطننا الخالد لبنان. نتذكرهم ونقول لهم دمائهم كانت جسر عبور إلى الحرية التي سيصنعها أبطال ثورتنا المجيدة.

الأربعاء، فبراير 19، 2020

مجلس الأمن:روسيا ترفض وقف إطلاق النار في إدلب

رفضت روسيا تبنّي مجلس الامن الدولي إعلاناً يطالب بوقف العمليات القتالية واحترام القانون الانساني الدولي في إدلب شمال غرب سوريا، بناءً على اقتراح فرنسا.

وقال السفير الفرنسي لدى الأمم المتحدة نيكولا دو ريفيير للصحافيين إثر اجتماع مغلق للمجلس: "روسيا قالت كلا". فيما قال نظيره البلجيكي مارك دو بوتسفيرف الذي يتولى الرئاسة الدورية للمجلس "ليس هناك إعلان".

وحذر موفد الأمم المتحدة الى سوريا غير بيدرسن في بداية جلسة مجلس الأمن، من "خطر تصعيد وشيك" في شمال غرب هذا البلد بعد التصريحات الاخيرة لتركيا وروسيا.

وقال بيدرسن: "لا يمكنني الحديث عن أي تقدم لوضع حد لأعمال العنف في الشمال الغربي او لإحياء العملية السياسية"، مضيفاً أن "موسكو وأنقرة لم تتوصلا إلى أي اتفاق رغم محادثات مكثفة بينهما"، وتصريحاتهما الأخيرة "توحي بخطر تصعيد وشيك".

وأوضح بيدرسن أن "روسيا ضالعة في العمليات العسكرية التي تشنها قوات النظام في إدلب"، لافتاً الى أن "الهجوم الجاري حاليا يقترب بشدة من المناطق ذات الكثافة السكانية العالية في إدلب وباب الهوى".

وشدد على أن "أي تسوية سياسية ينبغي أن تستند إلى قرار مجلس الأمن 2254، الذي يحتاج إلى عملية سياسية تقوم على خطوات متتابعة ومتبادلة من السوريين أنفسهم، وكذلك من الشركاء الدوليين، وإدراك أن النهج السياسي الشامل هو الحل الوحيد للأزمة الحالية".

وحذر من أن "سيادة سوريا ووحدة أراضيها في خطر داهم حاليا، خصوصاً أننا ما زلنا بعيدين عن التوصل إلى سلام وتسوية سياسية، تضمن تحقيق طموحات الشعب السوري"، مناشداً مجلس الأمن "التحرك العاجل نحو التوصل إلى وقف فوري لإطلاق النار في إدلب، على أن يتبعه وقف كامل لإطلاق النار في كافة أرجاء سوريا".

من جانبه، حذر رئيس مجلس الأمن من "خطورة الوضع الراهن في إدلب"، مؤكدا أن هناك حاجة ماسة إلى وقف لإطلاق النار. وأعرب عن شعوره بالإحباط إزاء الأوضاع الحالية "شديدة الخطورة" في إدلب.

وفي السياق، أعلن مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا أن "بلاده ستواصل دعم الحكومة في سوريا في حربها ضد الإرهاب". وأشار إلى أن "التهديد الإرهابي عاد إلى الظهور في شرق سوريا، والذي يخضع لسيطرة قوات سوريا الديموقراطية، بدعم من الولايات المتحدة وحلفائها".

وشدد على أن "توفير الغطاء السياسي للإرهابيين وتصويرهم على أنهم ثوار، وإجبار الحكومة السورية على التفاوض معهم لن يجدي". ولفت نيبينزيا إلى أن "التسوية السياسية في سوريا غير ممكنة إلا بجهود السوريين أنفسهم ". وشدد على أنه "لا يمكن تثبيت وقف إطلاق النار في محافظة إدلب طالما استمرت الهجمات ضد القوات الروسية والسورية".

 في المقابل أكد المندوب التركي خلال الجلسة أن "بلاده ستضرب كل الأهداف التي تهددها في إدلب، ولن تسـحب جنودها من نقاط المراقبة"، مؤكداً أن "النظام السوري هو من يجب عليه الانسـحاب بحد أقصى نهاية شباط/فبراير".

ووجهت ألمانيا نداءً إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ليتدخل لوقف النزاع. وقالت برلين مدعومة من لندن إن عملية أستانة انتهت، في حين قدمت واشنطن دعمها لتركيا العضو في حلف شمال الأطلسي والتي تتحمل بحسب الولايات المتحدة عبئا كبيراً عبر استقبال ملايين اللاجئين السوريين.

وأكدت المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة كيلي كرافت أن "المواجهات التركية الروسية في سوريا تسببت في نزوح الآلاف"، لافتة إلى أن "النظام السوري وإيران وروسيا يتحدون القرارات الأممية في سوريا ويقوضون الحل السياسي للأزمة السورية". وشددت على ضرورة "العمل مع الحلفاء لعزل نظام الأسد سياسياً واقتصادياً".

عودة الحريري وحزب الله إلى السلطة بشروط دولية

يعمل الرئيس سعد الحريري على إجراء مراجعة سياسية، لكل مواقفه السابقة والمنعطفات التي مرّ فيها. فهو راهن على حلفائه الأميركيين والخليجيين لتحقيق انتصار سياسي، فوصل إلى حائط مسدود. ثم عمل على إدارة ظهره لهؤلاء الحلفاء، من غير قطيعة، مقابل رهانه الحقيقي والجدي والواقعي على العلاقة مع حزب الله والتيار الوطني الحرّ، فوصل أيضاً إلى حائط مسدود، دفعه إلى الخروج من التسوية الرئاسية، والتحضير لإطلاق معارضة سياسية.

سبل العودةيعمل الحريري حالياً على نسج معارضة سياسية، لا تعيد إحياء الانقسام العمودي الذي كان في لبنان قبل سنوات. جدد العلاقة مع وليد جنبلاط، ويستعد لإصلاحها مع سمير جعجع والقوات اللبنانية. وهو بأمس الحاجة إلى دعم معنوي عربي، وتحديداً خليجي سعودي إماراتي، بعد سوء في العلاقة تجلّى في سنوات التسوية الرئاسية. إثر خروجه من التسوية بدأ الحريري يتلقى إشارات إيجابية من دول الخليج. وبعد موقفه في 14 شباط وحضور السفيرين السعودي والإماراتي، تحرّكت الاتصالات الإيجابية على خطّ تحسين علاقاته العربية. وهنا تشير مصادر متابعة إلى أن الحريري يستعد لزيارة دولة الإمارات العربية المتحدة، وبعدها المملكة العربية السعودية. لن يحصل في هاتين الزيارتين على دعم مالي، إنما سيكون التركيز على الوضع السياسي، والدعم المعنوي. وبعدها، لكل حادث حديث.
لم يقفز الرئيس سعد الحريري من مركب التسوية الرئاسية والعلاقة الحميمة مع ميشال عون وجبران باسيل إلا ليعود. اكتشف بعض الأخطاء في التسوية، ومنها تسليم القرار لصالح رئيس الجمهورية أو رئيس التيار الوطني الحر. ولذلك وجد الفرصة في ثورة 17 تشرين لمحاولة تعديل شروطه وتحسينها. حاول في المرحلة الأولى فرض ما يريده من شروط، عبر وضع الفيتو على مشاركة باسيل وعدد آخر من الوزراء. وعاد بعدها ليطالب بالصلاحيات الاستثنائية، في تكرار لتجربة والده في التسعينيات، لكنه اصطدم برفض حزب الله المطلق لهذا المطلب.
كان الحريري يريد من مطالبته بالصلاحيات الاستثنائية إعطاء القوى الخارجية انطباع أنه لا يزال القوي داخل لبنان، وقادر على الإيفاء بالتزاماته. وفي الوقت نفسه، بحث مع الحزب في هذا الأمر، على أن يرعى له مصالحه وثوابته. لكن حسابات الحزب مختلفة، خصوصاً أنه على قناعة بأن منح الحريري هكذا صلاحيات، سيعتبر انتصاراً للحريري عبر رهانه على المتظاهرين. وسيكرس الحزب نقطة ضعف لديه ولدى حلفائه وخصوصاً الحليف المسيحي القوي. بعد اصطدام مساعيه هذه بجدران رفعها حزب الله، فضّل الحريري خيار الاستقالة وعدم العودة. لكنه لم يقطع خطوط التواصل والاتصال مع الحزب على الإطلاق، حتى أن التواصل مستمر بين الطرفين.

مسار جديد يعرف الحريري أن حزب الله هو قوة أمر واقع موجودة في لبنان، ومعاداته على طريقة بين عامي 2005 و2009، لن تؤدي إلا إلى خسارة الحريري مقابل قطف الثمار من قبل الآخرين. لذلك، يحرص على عدم إحراق المراكب مع الحزب، لانه يعلم أن الوضع سيتغير في النهاية، وستدخل إيران في مفاوضات مع الأميركيين، وحزب الله بالحد الأدنى لن يهزم وإن اضطر إلى تقديم المزيد من التنازلات حول القرار السياسي والتركيبة السياسية والسلطوية والمؤسساتية في لبنان. الحريري الآن مصاب بـ"تروما" الخروج من السلطة، على غرار ما حصل معه في العام 2011. هو لا يمانع مواجهة ميشال عون و"كسر الجرة" معه. لكن ذلك من المحرمات في علاقته بحزب الله، ويعتبر أنه لن يتمكن من العودة من دون العلاقة الجيدة مع الحزب.
حزب الله بدوره يعرف أن هناك أموراً كثيرة ستتغير في لبنان، وقد تلقى أكثر من رسالة دولية، بأنه ما بعد مرحلة قاسم سليماني، سيكون التوجه في المنطقة إلى التسويات السياسية، أو انحسار الصراع في بعده السياسي دون العسكري. وهذا سيوجب على الحزب وإيران من خلفه تقديم تنازلات، عندما يحين موعدها. ومن أبرز التنازلات في لبنان، هي عدم الركون إلى استمرار معادلة تحكم حزب الله بالرؤساء الثلاثة، أي أن يكون رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة موالين لإيران. والنظرة الدولية التي تكونت عن تجربة الحريري بعد التسوية الرئاسية، هي أن الرجل أصبح في عداد إيران وليس خصومها، خصوصاً أنه لم يتمكن من فعل أي شيء يتعارض مع المصلحة الإيرانية، ويلبي المصلحة أو الرؤية الخليجية. ولذا، قيل الكثير عن حجم الغضب السعودي قبل أيام من أزمة استقالته من الرياض، إثر لقائه علي أكبر ولايتي في السراي الحكومي قبل سفره إلى السعودية.

في اختيار الرؤساء خرج الحريري من التسوية. تشكلت حكومة حسان دياب. وحزب الله يستعد لمراعاته إلى أقصى الحدود، طالما أن الرجل كان يراعي الحزب في كل حساباته. وكأن الطرفين على يقين بأنه لا بد من العودة إلى التشارك في السلطة معاً. الفارق أن الشروط الدولية المفروضة على لبنان من الحكومات وصولاً إلى صندوق النقد تتلاقى مع ما كان يسعى الحريري إلى تحقيقه، على أن تكون هذه الإصلاحات - إذا ما تحققت - مدخلاً جذرياً لإحداث تغيير سياسي في البلد، يسعى الحريري مع الحزب إلى أن يعودا بموجبه، بشرط أن لا يدخل الحريري في معارضة عنيفة بوجه حكومة حسان دياب. وهذا ما انطوى عليه تحذير نصر الله الموجه له بأنه لا يمكن لأحد أن يفكر بالتشويش على الحكومة ويضغط عليها، ويسعى إلى تطويقها، لحصول الانهيار.. وبعدها يأتي على حصان أبيض. أراد نصر الله القول للحريري إنه يجب أن يكون شريكاً في تحمل المسؤولية حالياً، كما سيكون شريكاً مستقبلاً.
التعديل الأساسي الذي سيطرأ سياسياً في المرحلة المقبلة، هو إدراج تغيير حقيقي وجدي في آلية اختيار الرئاسات الثلاث في لبنان، وعدم وضعها في خانة واحدة سياسياً، أي خانة المحسوبين على إيران. فهكذا معادلة لم تعد مقبولة محلياً وخارجياً. وحزب الله سيكون أمامه فرصة أن يكون شريكاً في تكوين السلطة، عبر رئاسة مجلس النواب وقوته، ولكن بالتشارك مع رئيس للحكومة من خارج الفلك الإيراني، فيما الأساس سينصب على رئيس الجمهورية لعدم تكرار تجربة انتقاء رئيس للجمهورية موالٍ لإيران أو لحزب الله، بشكل صرف، إنما إعادة الاعتبار إلى الرئيس التوافقي، الذي يكون مقبولاً من مختلف الأفرقاء، المحلية والخارجية.

سعد الحريري بنسخته الجديدة: مواجهة العهد و"الرئيس الظل"

بدأ الرئيس سعد الحريري تكثيف حركته السياسية. فعلى صعيد البيت الداخلي لتيار المستقبل، عقد اجتماعاً للمجلس المركزي في التيار، ثم ترأس اجتماعاً للكتلة النيابية. وهو لا يتوانى عن إعلان إجرائه مراجعة شاملة لسياسته داخل التيار وخارجه، ويسعى إلى معالجة مكامن الضعف في البنية التنظيمية للتيار الأزرق.
مشهد احتفال 14 شباط، وحجم الحضور الشعبي، أعاد للحريري الأمل والروح، ودفعه إلى التصميم على مساره في قيادة مرحلة سياسية جديدة، يحاول من خلالها محاكاة تجربته السابقة في المعارضة لأشهر قليلة في العام 2005.

معارضة وورشةهذه المعارضة ستكون من نوع مختلف، غير قائمة على الانقسام السياسي العمودي مع حزب الله. بل مواجهة السياسات التي يتبعها العهد، الذي كال له الحريري الاتهامات في عرقلة ملفات ومشاريع إصلاحية عديدة، على رأسها ملف الكهرباء. لكنه لن يكتفي بالاهتمام التقني بهذه الملفات. هو يعلم أن بيئته تحتاج منه أن يعطيها لتعطيه. هي لا تريد المال ولا المساعدات، على أهميتها في هذا الظرف الصعب، والحالة الاقتصادية الخانقة. لكنها تحتاج من الحريري الاقتراب منها، محاكاة هواجسها، والوقوف على مطالبها السياسية ورفع معنوياتها، بدلاً من الابتعاد الذي كرسته التسوية والحكومة ومشاغلهما ومشاكلهما.
الأمل الذي أعطته الحشود للحريري، دفعه إلى التصميم والثبات وعدم تكرار تجربة الغياب الطويل، كما حصل بعد اسقاط حكومته وتشكيل حكومة الرئيس نحيب ميقاتي، حينها ارتكب الرجل خطأه القاتل الذي أدى إلى ترهل تياره وضعفه وتضعضعه، وبروز رؤوس وقيادات جديدة. واليوم، يستعد الحريري لورشة جديدة، يحاول فيها تكرار تجربة والده بين عامي 1998 و2000. وكأنه بدأ يتحضر للانتخابات النيابية باكراً، عبر اتخاذ إجراءات تغيير جذرية داخل التيار. والعمل على فتح أبواب بيت الوسط أمام الناس بشكل شبه يومي، وفي وقت محدد، وإعادة التواصل مع الصحافيين، ومع قطاعات أخرى نقابية وشبابية. وهذا أسلوب كان يتبعه والده.

تحمّل المسؤوليةوبدأ الحريري بالتعميم على كوادر تياره، بضرورة مواكبة الناس في كل المناطق، وعقد لقاءات سياسية وتثقيفية معهم للتحضير للمرحلة المقبلة. كما أنه أبلغ مجالسيه بتحضيراته لجولة خارجية، لعقد لقاءات تتعلق بالوضع في لبنان، والبحث عن حلول للأزمة الاقتصادية. وسيكون هذا بموازاة التحضير لجبهة معارضة سياسية جدية لا تقوم على النكايات، وتتجاوز حدود الخلافات الشخصية، عبر إعادة وصل ما انقطع من علاقات مع الحلفاء. لكنه في الوقت ذاته لا يزال يهاجم بعض الذين كانوا محسوبين عليه في التيار، ويصفهم بالمزايدين الذين يهاجمون مواقفه، أو يعتبرون أن علاقته غير جيدة بالسعودية.
ومن الواضح أن الرجل يستعد لإطلاق المزيد من المواقف السياسية، خصوصاً ضد التيار الوطني الحر، وقال: "لن نتنصل من المسؤولية. بل نتحمل المسؤولية. ولست كغيري اتنصل من مسؤوليتي، كهؤلاء الذين يحملون الحريري المسؤولية السياسية". وبخصوص جدولة الدين العام إذا كان هناك خطة "كل شي بيصير"، "..المهم الخطة".

ورأى الحريري ان "ما يجري في المصارف والهجوم على الحاكم، يدل على وجع الناس. ولكن هناك أفرقاء يعملون على تحوير أسباب وصولنا إلى هنا".
ولفت إلى أنّ "المشكلة الأساسية في البلد في آخر 15 سنة أن نصف الدين في لبنان كان للكهرباء. لماذا اضطررنا لاستدانة المال للكهرباء؟ وهنا تكمن المسؤولية"، وعلق على ما قاله الوزير السابق جبران باسيل عن طريق عودة طويلة للحريري، فقال: "إذا هو بيقرر أيمتى برجع، يعني متل ما قلت إنو الرئيس الظل أو لاء"؟.

لافروف: لا عودة إلى اتفاق بوتين أردوغان

أعلن وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف أن بلاده لم تقدّم شروطاً جديدة للجانب التركي، وذلك بعد يوم على انتهاء المحادثات بين الجانبين الروسي والتركي في موسكو حول التطورات في إدلب السورية.

وحمل لافروف أنقرة مسؤولية تعثر الحل في إدلب. وأشار إلى أن الجانب التركي فشل في تنفيذ بنود اتفاق سوتشي بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، والمتعلقة بالفصل بين المعارضة و"الإرهابيين" في الإطار الزمني المحدد، وقال إن موسكو لا تطلب من أنقرة أكثر من تنفيذ ما تم الاتفاق عليه.

وأضاف أن الاتفاق الروسي التركي لم ينص أبدا على تجميد الوضع في إدلب وترك للإرهابيين حرية التصرف هناك، "ولم يقدم أي أحد وعوداً بعدم المساس بالإرهابيين". وقال إنه "الآن لا يمكن الحديث عن العودة إلى الوضع ما قبل سنة ونصف السنة في إدلب".
وقال إن عمليات النظام السوري شمال غربي البلاد، عبارة عن رد على الاستفزازات الصادرة من قبل "الإرهابيين"، مبيناً أن ذلك يتم بموجب ما اتفق عليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ونظيره التركي رجب طيب أردوغان. 

وفي أيلول/سبتمبر 2018، توصلت تركيا وروسيا إلى اتفاق يقضي بإنشاء منطقة منزوعة السلاح في إدلب تُحظر فيها الأعمال العدائية.

وتزامن ذلك مع إعلان نائب وزير الخارجية والممثل الخاص للرئيس الروسي إلى منطقة الشرق الأوسط والدول الأفريقية ميخائيل بوغدانوف، أن قمة ثلاثية حول التسوية السورية لرؤساء روسيا وإيران وتركيا،  فلاديمير بوتين وحسن روحاني ورجب طيب أردوغان، قد تعقد في طهران أوائل آذار/مارس، إذا تم الحصول على موافقة القيادة التركية.

وقال بوغدانوف: "كان هناك عرض من الإيرانيين لعقد اجتماع ثلاثي لقادة الدول الضامنة لاتفاقات أستانة. أنا أفهم أن هناك اتفاقاً روسياً إيرانياً بأن الوقت مناسب لنا. والآن يعتمد كل شيء على الاستعداد والاتفاق مع شريكنا التركي حول مشاركة أردوغان".

وأكد بوغدانوف أن "الأمر الرئيسي هو أنه يجب أن يكون توقيت القمة مناسبا للجميع، الآن الإيرانيون ونحن في انتظار التأكيد على ذلك من القيادة التركية".

أما عن التواصل بين الرئيسين الروسي والتركي في خصوص المرحلة المقبلة فأعلن المتحدث باسم الرئاسة الروسية (الكرملين) دميتري بيسكوف أن لا خطط حاليا لاتصال هاتفي بين بوتين وأردوغان، لكن تنظيم مثل هذا الاتصال يمكن أن يتم بسرعة.

ورداً على سؤال عن رد فعل موسكو على العملية العسكرية للقوات التركية في الأراضي السورية، قال بيسكوف: "دعونا لا ننطلق من أسوأ السيناريوهات. لا شك أن هذا هو السيناريو الأسوأ".

صاحبة الركلة الثورية الأشهر.. إلى المحكمة العسكرية!

أعلن
وكتب حرز في منشور فايسبوكي: "نام الشارع وبلشت المحاكم، تم تبليغ مرتي بمحكمة عسكرية بسبب هذه الصورة...اهلا بك في قافلة المحاكم هذه البداية حياتي ... #دعوى ارفعي راسك فيها".
محمد حرز، زوج الناشطة ملك علوية، أنّ زوجته تبلّغت استدعاءها إلى المحكمة العسكرية، على خلفية الصورة التي أظهرتها وهي تركل أحد مرافقي الوزير السابق، أكرم شهيب، والتي التقطت قبل حوالى 4 أشهر، في بدايات ثورة 17 تشرين اللبنانية، وانتشرت على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي، بل وألهمت ناشطين وفنانين وكتّاباً.

الاثنين، فبراير 17، 2020

تفاصيل لم ترو من قبل.. حكاية معركة المزرعة الصينية من واقع حرب أكتوبر

وقعت معركة المزرعة الصينية يوم ١٥ أكتوبر ١٩٧٣ في الضفة الشرقية لقناة السويس وما زالت تحوى الكثير من الغموض والتفاصيل التي لم تُرو بعد، حيث خططت تل أبيب لاختراق القوات المصرية عبر المنطقة الواقعة بين الجيش الثانى والجيش الثالث الميدانيين في تلك المنطقة، لفتح مساحة تكفى لتجميع جسور عائمة لعبور القناة، وبعد ذلك تتحرك الفرقة ١٤٣ المدرعة الإسرائيلية لقطع خطوط الإمدادات للجيش الثالث المصرى.

سر التسمية؟

يرجع سبب تسمية المعركة بالمزرعة الصينية إلى أن المنطقة كانت في مزارع تجارب يابانية في سيناء، لكن الجنود الإسرائيليون عندما وجدوا أدوات ومعدات مكتوبا عليها باللغة اليابانية ظنوا أنها صينية ومن هنا أتى الاسم، وتمت المعركة بين لواء مشاة ميكانيكى للجيش المصرى وفرقتين مدرعتين مع كتيبة مظلات للجيش الإسرائيلى، وأبرز قادة المعركة من مصر سعد الدين الشاذلي وسعد مأمون وعبد المنعم واصل وعبد الحميد عبد السميع، ومن إسرائيل حاييم بارليف وإراهام آدان وأرئيل شارون وعوزى يائيرى وإسحاق موردخاى.دأت مهام الكتيبة يوم ‏6‏ أكتوبر بعبور المانع المائى لقناة السويس فى نصف ساعة فقط‏،‏ وكان المفترض أن تعبره فى ساعة‏،‏ ثم بدأت الكتيبة فى التقدم باتجاه الشرق وحققت مهامها الأولية باستيلائها على رؤوس الكبارى الأولى وصد وتدمير الهجمات المضادة التى وجهت إليها. 

كانت حصيلة ذلك تدمير 5‏ دبابات من قوات العدو‏، وعزل النقطة القوية بالدفرسوار وحصارها‏،‏ ثم قامت الكتيبة بتطوير الهجوم فى اتجاه الشرق وتحقيق مهمة احتلال رأس الكوبرى النهائى،‏ مع الاستمرار فى صد وتدمير الهجمات المضادة للعدو‏.‏ أما أهم المعارك التى خاضتها هذه الكتيبة فكانت معركة المزرعة الصينية، ومنطقة المزرعة الصينية يرجع تاريخها إلى عام ‏67‏، حيث تم استصلاح هذه الأرض لزراعتها وتم إنشاء بعض المنازل بها وشقت الترع وقسمت الأحواض لزراعتها‏، وكان يطلق عليها أيضًا قرية الجلاء‏.‏

بدأت المعركة فى هذه المنطقة عندما استنفد العدو الإسرائيلى جميع محاولاته للقيام بالهجمات والضربات المضادة ضد رؤوس الكبارى، فبدأ تفكيره يتجه إلى ضرورة تكثيف الجهود ضد قطاع محدد حتى تنجح القوات الإسرائيلية فى تحقيق اختراق تنفذ منه إلى غرب القناة‏،‏ وكان اختيار القيادة الإسرائيلية ليكون اتجاه الهجوم الرئيسى لها فى اتجاه الجانب الأيمن للجيش الثانى الميدانى فى قطاع الفرقة ‏16‏ مشاة وبالتحديد فى اتجاه محور الطاسة والدفرسوار‏، وبذلك أصبحت المزرعة الصينية هى هدف القوات الإسرائيلية المهاجمة فى اتجاه قناة السويس على هذا المحور‏.‏
خلال هذه الفترة ركزت القوات الإسرائيلية كل وسائل النيران من قوات جوية وصاروخية ومدفعية باتجاه تلك المنطقة‏،‏ وكان الهدف من الضرب وخاصة فى مقر تمركز الكتيبة ‏18‏ هو تدمير الكتيبة أو زحزحتها عن هذا المكان باتجاه الشمال‏ بأى وسيلة.‏
بدأت معركة المزرعة الصينية يوم ‏15‏ أكتوبر حيث قام العدو بهجوم مركز بالطيران طوال النهار على جميع الخنادق وقيادة الكتيبة وكان الضرب دقيقا ومركزًا‏، كما سلطت المدفعية بعيدة المدى نيرانها بشراسة طوال ساعات سطوع الشمس، واستمر هذا الهجوم حتى الغروب، ومع ذلك لم يصب خلال هذا الضرب سوى ‏3‏ جنود فقط‏،‏ وكان ذلك بسبب خطة التمويه والخداع التى اتبعتها الكتيبة‏، وقبل أى ضربة جوية كانت تحلق طائرات لتصوير الكتيبة‏، وبعد التصوير مباشرة كانت تنقل الكتيبة بالكامل لمكان آخر فيتم ضرب مواقع غير دقيقة‏.
 
فى الساعة الثامنة إلا الربع مساء نفس اليوم وصل إلى أسماع الكتيبة أصوات جنازير الدبابات بأعداد كبيرة قادمة من اتجاه الطاسة، وبعدها بربع ساعة قام العدو بهجوم شامل مركز على الجانب الأيمن للكتيبة مستخدمًا‏ 3‏ لواءات مدرعة بقوة ‏280‏ دبابة ولواء من المظلات ميكانيكى عن طريق ‏3‏ محاور مكونة من فرقة أدان القائد الإسرائيلى من ‏300‏ دبابة وفرقة مانجن القائد الإسرائيلي 200‏ دبابة ولواء مشاة ميكانيكى، وتم دعمهم حتى يتم السيطرة‏.

وعزز لواء ريشيف القائد الثالث بكتيبة مدرعة وكتيبة مشاة ميكانيكى وكتيبة مشاة ميكانيكى مستقلة‏،‏ وأصبحت بذلك قيادة ريشيف ‏4‏ كتائب مدرعة وكتيبة استطلاع مدرعة و‏3‏ كتائب مشاه ميكانيكى وأصبحت تشكل نصف قوة شارون‏، ومع كل هذا الحشد من القوات قام العدو بالهجوم وتم الاشتباك معه بواسطة الدبابات المخندقة والأسلحة المضادة للدبابات وتم تحريك باقي سرية الدبابات فى هذا الاتجاه‏، وقد أدت هذه السرية مهمتها بنجاح باهر،‏ حيث دمرت‏ 12‏ دبابة ولم تصب أى من دباباتنا بسوء‏، وتم اختيار مجموعة قنص من السرايا وبلغت ‏15‏ دبابة وتم دفع أول مجموعة وضابط استطلاع وضباط السرايا‏،‏ ثم دفعت الفصيلة الخاصة ومعها الأفراد حاملى الآر‏. ‏بى‏. ‏جى إلى الجانب الأيمن وقامت بالاشتباك مع العدو حتى احتدمت المعركة وقلبت إلى قتال متلاحم فى صورة حرب عصابات طوال الليل حتى الساعة السادسة صباح اليوم التالى، وقد تم تدمير‏60‏ دبابة فى هذا الاتجاه‏.‏
وفى الساعة الواحدة من صباح يوم ‏16‏ أكتوبر، قام العدو بالهجوم فى مواجهة الكتيبة ‏18‏ مشاة، وأمكن صد هذا الهجوم بعد تدمير ‏10‏ دبابات و‏4‏ عربات نصف مجنزرة‏،‏ ثم امتد الهجوم علي الكتيبة‏ 16‏ الجار الأيسر للكتيبة ‏18‏ مشاه، وكانت بقيادة المقدم محمد حسين طنطاوى، وكانت قوة الهجوم عليه من لواء مظلى ومعه لواء مدرع وكتيبة‏.

ونتيجة لقرار قائد الكتيبة تم حبس النيران لأطول فترة ممكنة وبإشارة ضوئية منه تم فتح نيران جميع أسلحة الكتيبة ‏16‏ مشاة ضد هذه القوات المتقدمة واستمرت المعركة لمدة ساعتين ونصف الساعة حتى أول ضوء‏، وجاءت الساعات الأولى من الصباح مكسوة بالضباب، مما ساعد القوات الإسرائيلية على سحب خسائرها من القتلى والجرحى‏، ولكنها لم تستطع سحب دباباتها وعرباتها المدرعة المدمرة والتى ظلت أعمدة الدخان تنبعث منها طوال اليومين التاليين‏.‏

وقد وصف الخبراء هذه المعركة بأن قالوا إن الكتيبة ‏16‏ مشاة والكتيبة ‏18‏ مشاة تحملت عبء أكبر معركة فى حرب أكتوبر،‏ إن لم تكن أكبر معركة فى التاريخ الحديث من حيث حجم المدرعات المشتركة بها‏،‏ كما كان لهذه المعركة أكبر الأثر فى نصر أكتوبر المجيد وإعطاء العدو الإسرائيلى درسًا لم ولن ينساه.

النظام السوري على مشارف الحدود التركية

حققت قوات النظام والمليشيات الموالية لها الاثنين، تقدماً برياً جديداً على حساب المعارضة السورية في ريف حلب الغربي، وتواصل تمهيدها الناري، براً وجواً، في محور العمليات المتوجه نحو مدينة دارة عزة والتلال المحيطة بها، والتي تبعد عن الحدود السورية-التركية شمالي إدلب 12 كيلومتراً فقط.

قوات النظام من "الفرقة 25 مهام خاصة" و"الحرس الجمهوري" و"لواء الباقر" و"الفرقة التاسعة" تمكنت من السيطرة على أكثر من 10 قرى ومواقع جديدة، أهمها، بلدات حور وعين جارة والسلوم وقبتان الجبل، وتمكنت قوات النظام أيضاَ من السيطرة على جبل الشيخ عقيل شمال غربي عندان وهو موقع استراتيجي تتمركز فيه نقطة مراقبة تابعة للجيش التركي، والتي تمت محاصرتها بعد تقدم القوات المهاجمة أخيراً.

وتتواصل المعارك بين الطرفين في بالا وشمال قبتان الجبل وبلنتا، وتمكنت "الجبهة الوطنية للتحرير" من تدمير دبابة وعدد من الآليات العسكرية لقوات النظام، وفي حال نجحت القوات المهاجمة في السيطرة على مناطق الاشتباك الحالي سيكون الطريق أمامها مفتوحاً للوصول إلى دارة عزة التي تعتبر من أكبر المدن في ريف حلب الشمالي الغربي.

تقدم قوات النظام والمليشيات وقصفها التمهيدي نحو دارة عزة دفع عشرات الآلاف من المدنيين إلى النزوح عن المدينة ومحيطها من المزارع نحو منطقتي "درع الفرات" و"غصن الزيتون" في ريف حلب الشمالي، وتشهد المعابر الفاصلة بين ريف حلب الغربي ومنطقة عفرين حشوداً هائلة لأرتال السيارات التي تنقل النازحين.

مدير المكتب الإعلامي للدفاع المدني "الخوذ البيضاء" إبراهيم أبو الليث أكد ل"المدن"، أن الطائرات الحربية الروسية شنت غارات على مشفيين في مدينة دارة عزة. واستهدف القصف مشفى الفردوس ومشفى الكنانة، وتسبب في خروجهما عن الخدمة بسبب الأضرار والدمار الذي ألحقه القصف بالبناء والمعدات الطبية كما أصيب عدد من المدنيين والعاملين في المشفيين بالغارات الجوية.

مصدر خاص في منظمة "منسقو الاستجابة" سوريا، أكد ل"المدن"، أن المشفيين اللذين قصفتهما الطائرات الروسية مؤخراً هما آخر النقاط الطبية في مناطق سيطرة المعارضة في ريف حلب الغربي. وينضم المشفيان إلى 72 مشفى ونقطة طبية دمرتها قوات النظام بقصفها الجوي والبري منذ بداية عملياتها العسكرية في أيار/مايو 2019.

خسارة المعارضة لجبل الشيخ عقيل الذي يشرف على منطقة دارة عزة إلى الشمال الغربي يشكل خطراً على مواقع الفصائل المعارضة في المنطقة، وفي حال سيطرت قوات النظام على المدينة فإنه من السهل عليها السيطرة على أكثر التلال الاستراتيجية أهمية في ريف حلب الشمالي الغربي، وهو جبل الشيخ بركات، والذي يؤمن لقوات النظام إشرافاً نارياً على منطقة واسعة قرب الحدود السورية-التركية، ويمكنها من قطع الطريق الواصل بين ريف حلب الشمالي وادلب.

وفي حال نجحت القوات المهاجمة في تطبيق السيناريو المفترض فإنه سيصبح في إمكانها الوصول إلى الدانا وسرمدا وباب الهوى بسهولة وستصبح إدلب معزولة كلياً عن مناطق المعارضة الأخرى في ريف حلب.

وتتمركز في أعلى قمة جبل الشيخ بركات أكبر القواعد العسكرية التركية في ريف حلب الشمالي الغربي، وفي حال وصول قوات النظام إلى المنطقة ستكون القاعدة التركية بحكم المحاصرة وتنضم بذلك إلى باقي القواعد والنقاط التركية التي حاصرتها قوات النظام خلال الأسابيع القليلة الماضية.

الناشط الإعلامي عبد الفتاح الحسين أكد ل"المدن"، أن قوات النظام والمليشيات المدعومة من إيران والتي تتمركز في بلدتي نبل والزهراء شمالي حلب تسعى إلى توسيع سيطرتها في محيط البلدتين غرباً. وقتل خلال المعارك المستمرة منذ ثلاثة أيام في جبهة جبل الشيخ عقيل عدد كبير من قوات النظام والمليشيات الإيرانية.

وفي المناطق التي سيطرت عليها قوات النظام والمليشيات الموالية مؤخراً في ضواحي حلب وأريافها الجنوبية والغربية والشمالية، تتواصل زيارات مسؤولي النظام إلى المواقع الاستراتيجية المنتشرة على جانبي الطريق الدولي "إم5". وزار وزير الصناعة في حكومة النظام محمد معن زين العابدين جذبة، ومحافظ حلب حسين دياب، ورئيس اتحاد غرف الصناعة السورية فارس شهابي، عدداً من المعامل والمنشآت العامة والخاصة، وتم رفع علم النظام على عدد من المباني المدمرة في الزربة والعيس وزيتان وخان العسل وجمعية المهندسين ومدير الخدمات الفنية وغيرها من المناطق والمواقع.

وتناقلت مواقع إعلامية موالية للنظام، صوراً وفيديوهات مسجلة لعائلات مدنية بقيت في المناطق التي تقدمت فيها قوات النظام بريف حلب الغربي، وتظهر المقاطع المتداولة أعداداً من الأهالي كانوا يتجمعون في منازل معينة بانتظار قوات النظام، وهم من الموالين للنظام وأبنائهم من بين عناصر القوات التي دخلت البلدات التي كانت تسيطر عليها المعارضة، وتكرر الأمر ذاته في أكثر من بلدة وقرية.

ريف حلب وال"إم5"مع النظام ..والهدف المقبل باب الهوى

وسعت قوات النظام والمليشيات الموالية سيطرتها غربي الطريق الدولي "إم5" في ريف حلب الغربي، وتمكنت أخيراً من تأمين كامل طوق مدينة حلب بعد أن سيطرت على أكثر من 30 قرية وبلدة وموقعاً في الضواحي والريف.

وواصلت قوات النظام والمليشيات الموالية لها قصفها براً وجواً صباح الاثنين، واستهدفت الطائرات الحربية عدد من البلدات في ريف حلب الغربي، وقصفت بالمدفعية والصواريخ مواقع المعارضة وقرى قبتان الجبل والشيخ سليمان وبالا وتقاد، وشهدت محاور عديدة اشتباكات متقطعة بين الطرفين، وتحليقاً مكثفاً لطيران الاستطلاع الروسي.

وكانت قوات النظام والمليشيات قد تمكنت الأحد، من توسيع سيطرتها غربي الطريق الدولي حلب-دمشق وأمنته بشكل شبه كامل في ريف حلب والضواحي بعد أن سيطرت على المزيد من القرى، وحققت تقدماً هو الأوسع في ريف حلب خلال معاركها في شباط/فبراير الحالي، وتمكنت بالفعل من السيطرة على ما تبقى من طوق المدينة جهتي الشمال والغرب.

وأكد الناشط الإعلامي عبد الفتاح الحسين ل"المدن"، أن أهم المدن والبلدات التي سيطرت عليها قوات النظام والمليشيات في ريفي حلب الغربي والشمالي، عندان وحريتان وحيان وكفر حمرة وأسيا والمنصورة و20 قرية وجمعية سكنية على الأقل. وكانت المنطقة من أهم معاقل الثورة التي تتصل بشكل مباشر بالمدينة وتمت السيطرة عليها في العام 2012، وبعد خسارتها فقدنا آخر الآمال بالعودة إلى حلب التي أخرجنا منها نهاية العام 2016.

واحتفل الموالون للنظام في حلب بالسيطرة على الضواحي والريف المحيط وتجمع الآلاف في ساحة سعد الجابري، وخرج الحلبيون في عدد من الأحياء الغربية بمسيرات في سيارتهم وشهدت أحياء المدينة إطلاق نار تعبيراً عن الفرح. وفي ما تبقى من ريف حلب الخاضع لسيطرة المعارضة كان الناس يعيشون صدمة الخسارة المدوية، غالبيتهم هائمة في مخيمات النزوح التي وصلوها مؤخراً بحثاً عن مأوى.

خسارة طوق حلب شمالاً وغرباً بشكل غير متوقع تسبب في جدل بين المعارضة، من يتحمل مسؤولية ما حدث، بعضهم حمّل "هيئة تحرير الشام" مسؤولية الانهيار السريع لجبهات المنطقة أمام تقدم قوات النظام والمليشيات، وآخرون حملوا كل الفصائل مسؤولية ما حدث لأنهم نفذوا مخططات اتفاق أستانة المفترضة واتهموها بالانسحاب من مناطق واسعة من دون مبررات منطقية، وانتقدوا الأداء الدفاعي الذي بدا ضعيفاً.

وعزا طيف من المعارضة الخسارة الميدانية إلى نجاح تكتيكات قوات النظام بالالتفاف على جبهات الضواحي والجبهات الشمالية من خلال التوغل في رأس الحربة المتقدم من ريف حلب الجنوبي وغربي الطريق "إم5"، وهو ما أجبر المرابطين في الجبهات الأمامية الملاصقة للمدينة على الانسحاب خوفاً من الحصار.

المنسق الإعلامي في الجيش الوطني، يحيى مايو، أكد ل"المدن"، أن المنطقة التي خسرتها الفصائل مؤخراً في طوق حلب الغربي والشمالي تعرضت بداية العام 2019 لهجوم شنته "تحرير الشام" تسبب في تفكيك فصائل، من بينها "ثوار الشام" و"حركة الزنكي" وهي من أكبر الفصائل في المنطقة، والتي تم سلب أسلحتها وأُجبر مقاتلوها على الرحيل إلى عفرين شمالاً.

وسبق أن قامت "تحرير الشام" بالقضاء على عدد آخر من الفصائل في المنطقة، من بينها "جيش المجاهدين" و"حركة حزم" وغيرها من الفصائل، وذلك أدى بطبيعة الحال إلى إضعاف دفاعات المنطقة بعد تهجير غالبية مقاتليها وإجبار عدد كبير منهم على اعتزال القتال.

وفي السياق، تحدثت مواقع إعلامية موالية للنظام عن اقتراب موعد افتتاح معبرين أمام النازحين الراغبين بالخروج من مناطق المعارضة في ريف حلب وإدلب باتجاه مناطق سيطرة النظام. وسيتم افتتاح المعبر الأول في ريف حلب الغربي بالقرب من بلدة كفر حلب، والمعبر الثاني شرق سرمين في ريف إدلب الشرقي.

قد تواصل قوات النظام والمليشيات عملياتها العسكرية بعد تحقيقها لهدفين كبيرين مؤخراً، السيطرة على "إم5"، وطوق حلب، وبكلفة أقل قياساً بالعمليات العسكرية السابقة.وقالت مصادر عسكرية معارضة ل"المدن"، أن الاحتمالات حول وجهة قوات النظام القادمة كثيرة، أبرزها، مواصلة التقدم في ريف حلب وصولاً إلى معبر باب الهوى الحدودي وفصل إدلب بشكل كامل عن عفرين وريف حلب الشمالي. وبحسب المصادر، الاحتمال المفترض ألمح إليه قادة في قوات النظام وآخرون مقربون من روسيا، بينهم عضو مركز المصالحة الروسي الشيخ عمر رحمون الذي هدد مؤخراً مناطق المخيمات في محيط معبر باب الهوى وسرمدا بالاجتياح.

وقالت المصادر إن الاحتمال الثاني إشغال جبهات جنوبي إدلب ومحور سرمين-أريحا، للسيطرة على الطريق "إم4" وصولاً إلى جسر الشغور، وبالتالي السيطرة على كامل ريف إدلب الجنوبي والذي يضم أكبر مناطقه الحصينة في جبل الزاوية. وأضافت المصادر احتمالاً مرجحاً وهو أن تتوقف المعارك ويتم التوصل لوقف إطلاق نار مؤقت برعاية تركية روسية. والإعلان عن افتتاح المعابر مؤشر على إمكانية تطبيق الاحتمال الأخير.

الحريق هائلٌ.. ولبنان في عزلة

ماذا ننتظر بعد؟ بدء النار من مستصغَرِ الشررِ. كلّما شبّت النار وقوي ضُرامها لن تُبقي ولن تذَر. نحن بلد منكوب سياسيًا وماليًا واقتصاديًا واجتماعيًا. قبل نحو عام كتبنا في هذه الزاوية، لبنان مفلس بمفهوم الشركة التجارية من زمان. بمفهوم الدولة التي لا تُفلس تستمرّ الدولة. إنما بأسناد حيازاتها وكياناتها العقارية والتجارية وموجوداتها على اختلاف أنواعها ومصادرها. لكنها في حالة إعسار موصوف. رقّاص الساعة يفصلنا عن إعلان الإعسار رسميًا 21 يومًا في 9 آذار 2020. إمّا نختار التوقف عن الدفع لتأمين حليب الأطفال والرغيف والدواء والوقود، وإمّا نسددّ إلى حين استنفاد ما بقي من ذخيرة العملات الأجنبية. وفي الحالين، الدفع من أموال المودعين في المصارف وقرش الأرملة وتقاعد العواجيز. وضعٌ لم تبلغه أزمة في شموليتها. لا في اليونان ولا في الأرجنتين.

الناهب لا يستعيد منهوبًالننسَ الأموال المنهوبة. الناهب لا يستعيد منهوبًا. ولو استُعيد، يكون الوطن قد استعاد دولته من ناهبي سلطته السياسية وحيازاتها وكياناتها المالية وأصولها معًا. أي من الأوليغارشيا. لذلك فشلنا في استثمار حيازاتنا ومؤسساتنا المالية. فباتت موجودات بخسة. لا هي قابلة للاستثمار والإيرادات لريّ الخزانة ببعض ماء، ولا هي قابلة للتسييل إلًا بالسعر المبخوس إيّاه، بعد أن باتت خردة تحتاج إلى دعم بذاتها. وعار الكهرباء نموذجًا لـ"للشعب العظيم" ولـ"جمهورية لبنان القوي". وما انفكّ رافعو هذه الشعارت الكذوب يحفرون في الوطن الجريح، على طريقة "نعيب زماننا والعيب فينا .. وما لزماننا عيبٌ سوانا"! تفضلوا الآن. الخيارات تُطبق أُنشوطةً على الخناق. دعوة الدائنين إلى التفاوض على هيكلة الدين. أو طلب برنامج صندوق النقد الدولي. طالما عدم السداد في المطلق ليس واردًا. الدائنون بدأوا التفاوض مع مديري محافظ اليوروبوندز اللبنانية في نيويورك على أساس أن لبنان دولة متوقفة عن الدفع. ووكالات التصنيف تتسقط ساعة بساعة موقف الحكومة كي تدلي بنا إلى القعر. وقد فهمنا أن خيار الإصدار المستقلّ من خارج عمليات المقايضة التقليدية الممجوجة للوفاء باستحقاق آذار المقبل 1,2 مليار دولار أميركي قد استُبعد.
بعثة صندوق النقد الدولي المتوقعة في بيروت خلال ساعات، سبقها تصريح للمديرة الإدارية للصندوق كريستالينا جورجيفا، لو قرأناه بإمعان لاستنتجنا إنه حمّال أوجه. تقول جورجيفا، "من المهم جداً للبنان الحصول على دعم منظمات دولية كصندوق النقد الدولي. ليس فقط لأنه في النهاية سيحتاج إلى الدعم المالي، بل لأنه يحتاج إلى إظهار القدرة على تغيير مصيره". "الدعم المالي" مفهوم ولو بالرمادي. لكون الحقيقة المسكوت عنها أمام الشعب اللبناني، تكمن في حاجة لبنان إلى سد فجوة من نحو 45 مليار دولار أميركي، تمثل خسائر ميزانية مصرف لبنان وعلى علاقة بتوظيفات المصارف لديه. وهذا المبلغ لا يمكن لأي قرض من أي نوع كان أن يؤمنه الصندوق. وجورجينا تدرك بالقلم والورقة و"الدوت كوم"، حقيقة الوضع. لكن الوجه الآخر للتصريح "قدرة لبنان على تغيير مصيره". ونشتمّ تلميحات سياسية من التصريح، موحى بها من مجلس الصندوق التنفيذي. أي من عتاولة ممثلي الدول المسهمة في رأسمال صندوق النقد الدولي وموارده المالية. المجلس المذكور هو موقع القرار في الصندوق. ويعبّر عن موقف حكومات الدول الصناعية وفي مقدمها الولايات المتحدة والدول الأوروبية. يعتمد صندوق النقد الدولي في قروضه الميسّرة لبرامجه، حجم القرض وقيمته على السجلّ الدولة الإئتماني. وعلى حصتها (كوتا) في الصندوق. السجلّ جيد، ولم يتخلّف لبنان يومًا عن سداد التزاماته في موعدها. ولم يسبق أن استخدم حقه في الاقتراض من الصندوق. لكن حاجة لبنان للدعم المالي كبيرة جدًا. وتقرب ممّا حصلت عليه الأرجنتين فوق 50 مليار دولار أميركي. وهي الثالثة اقتصادًا في أميركا اللاتينية. مصر لم تتمكّن من اقتراض أكثر من 12 مليارًا بعد مفاوضات عسيرة استغرقت سنوات.

سوء العلاقات الدوليةسواءٌ طلبنا الهيكلة في معزل عن صندوق النقد، أم ذهبنا إلى برنامج الصندوق لا فرق. العمق الدولي لأزمتنا بصرف النظر عمّا بلغته حصة الأجانب وغير المقيمين من سندات اليوروبوندز، تحتاج إلى علاقات دولية سويّة حدًا أدنى. الدول الصناعية المقررة في الصندوق تنظر إلى الحكومة الحالية موالية طهران. الجانب العربي الذي كان يمكن أن يمدّ يد العون فرادى أو بالتنسيق مع واشنطن وأوروبا في حالة عداء مع طهران أيضًا. الدائنون الدوليون لن يقدموا تنازلًا للبنان، ويرتبطون بدورهم من خلال مديري المحافظ وصناديق الاستثمار بواشنطن. يعني كل ذلك، أن عمق أزمتنا الدولية مصحوب بعلاقات مناوئة  للمجتمع الدولي، خلافًا لما هي الحال عليه مع مصر والأردن والمغرب التي حصلت أخيرًا على برامج قروض من الصندوق بدعم أميركي وأوروبي. برنامج تسهيل الصندوق المدد Extended Fund Facility  (EFF)  سيكون موضع مناقشة مع بعثة الصندوق في بيروت لمعرفة ما اذا كان البرنامج خيارًا إلزاميًا في نهاية الأمر. وهو البرنامج نفسه لمصر، ويتيح قروضًا للبلدان التي تعاني عجوزًا في موازين المدفوعات والحسابات الجارية، تشرع الحكومات بعده للتو في إقرار اصلاحات هيكلية وقطاعية، وتحفيز الاقتصاد والنمو. وبحسب مصادر حكومية، يمكن لبنان أن يسددّ استحقاق آذار 2020 وينسّق مع الدائنين باستشارة الصندوق طريقة سداد الاستحقاقات الأخرى في نيسان وحزيران.
بيد أن مصر والأردن والمغرب حصلت على قروض الصندوق لتسريع النمو، ولم تبلغ مرحلة التوقف عن الدفع، ولا تصنيفها في مندرجات C كما لبنان. ولم تكن الأزمة فيها مثلثة الأضلع مالية ومصرفية وخسائر في ميزانية المصرف المركزي وتراجع  مدوّي في سعر الصرف. وهي اختلالات مصحوبة في وقت واحد مع نمو سالب سترتدّ مفاعيله على أي خيار مستطاع قد يرسو القرار عليه وتستأخره.

حاكم لبنان كما هو!ما من لبناني لا يريد لهذه الحكومة أن تنجح في خياراتها من الأزمة، رغم العلم اليقين بأنها مكبّلة بقرارات سياسية لصانعيها توصد أبواب الإنقاذ. ويبدو أن الأمر لا يقف عند هذا الحدّ. فالعمل المنسّق في المجالات المالية والنقدية والمصرفية ما زال على حاله. ماذا يعني قرار حاكم مصرف لبنان رياض سلامة اعتماد الدولار الأميركي لشراء تذاكر السفر عبر "ميدل إيست"؟ القرار واضح ضد الليرة والاقتصاد والقانون. هل يُعقل هذا الأمر. ثم من أين يأتي الدولار الأميركي؟ هل ما زال سلامة حاكم لبنان الفعلي! إشارات سلبية ترسلها هذه الحكومة في بواكيرها. رئيس الحكومة حسّان دياب مُطالب بالجواب.

مسار إيراني للبنان

من الصعب فصل زيارة رئيس مجلس الشورى الايراني علي لاريجاني إلى بيروت ليل أمس عن الحراك السياسي هنا، وموقع لبنان في صراعات المنطقة، والمساعي الآيلة إلى استقطاب مساعدات عربية. ذاك أن اسم إيران الغارقة في أزماتها، لا يظهر في أعلى قائمة الدول القادرة على مساعدة لبنان للخروج من محنته المالية والاقتصادية، بل الأرجح أن طبيعة العلاقة بها جزء من المشكلة، لا الحل.
لذا علينا قراءة زيارة لاريجاني، وهو أول مسؤول أجنبي رفيع المستوى يزور بيروت بعد نيل الحكومة الحالية الثقة، في سياق التصعيد الإيراني في الإقليم، وانعكاساته على البلاد. حتى إن لاريجاني نفسه صرح قبيل سفره إلى دمشق التي إنتقل منها الى بيروت، بأن هناك حاجة إلى "حوار وتشاور أوثق بشأن القضايا المختلفة" بسبب المؤامرات في المنطقة، أي أن الزيارة ليست تشريعية فحسب، بل على ارتباط بالصراعات الاقليمية. وسبق أن هدد رئيس مجلس الشورى الإيراني، الرئيس الأميركي دونالد ترامب الشهر الماضي، قائلاً إن "حياة كل الأميركيين في المنطقة باتت في خطر شديد".

لماذا يبدأ رئيس الوزراء اللبناني الجديد حسان دياب ولايته بلقاء مع مسؤول ايراني؟ والسؤال هنا معكوس أيضاً. هل ترغب إيران في مساعدة لبنان على النأي بنفسه خلال هذه المرحلة الحرجة من تاريخه. لا تُنبئ زيارة لاريجاني بذلك، ولا الكشف عن تمثال لقائد فرقة "القدس" في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني في بلدة مارون الراس اللبنانية على الحدود.

ليس هذا المحور في وارد التنازل، بل تفوح رائحة مواجهة في الأفق، كما ظهر في الخطاب الأخير للأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصر الله يوم أمس الاحد. من الصعب إقناع الحزب وقيادته بالابتعاد عن اتخاذ مثل هذه المواقف والالتزام بالنأي عن النفس ولو مرحلياً. وهذا مطلب عربي أساسي قبل تقديم الدعم المطلوب للجانب اللبناني. مسؤول عربي رفيع المستوى صرح لصحيفة "ذي ناشونال" الخليجية بأن الدعم العربي مشروط بإظهار الحكومة اللبنانية ابتعادها عن الصراعات الاقليمية، وأنها ليست تابعة لـ"حزب الله"، وأن يتوقف التنظيم عن مهاجمة دول الخليج. شكلاً، لا تضم هذه الحكومة عضواً في التنظيم، وليس فيها وزير خارجية معروف بولائه لإيران أو لسوريا، وبالتالي فإنها تُلبي الشروط الشكلية. لكن هل يرفض أو يتجنب رئيس الحكومة اللبنانية لقاء لاريجاني؟ وماذا عن كف التنظيم عن استهداف دول الخليج في خطابات مسؤوليه؟

إذا كانت المساعدات العربية والغربية أساسية في خطة معالجة الأزمة المالية، من الضروري تبديل المقاربة الحالية والنأي بالنفس عن صراعات المنطقة، حتى لو تطلب ذلك تضحيات حزبية، سيما أن الوقت ليس عاملاً مساعداً للجانب اللبناني. لكن كيف يُوفق الحزب بين دوره أو مسؤولياته الإقليمية الجديدة من جهة، وتحديداً في العراق ضد الولايات المتحدة، وبين متطلبات البلاد والحكومة لجهة تحييد البلاد عن الصراعات الخارجية من جهة ثانية؟

يبقى أن التركيز على الانتقام لقاسم سليماني، وعلى طرد القوات الأميركية من العراق والمنطقة بأسرها، واستقبال لاريجاني في بيروت، يرسم مساراً باتجاه مغاير لا ينسجم مع حجم التحديات التي يواجهها لبنان. وكأن هناك من يسعى لبقاء لبنان وحيداً في مواجهة أصعب أزمة اقتصادية-مالية في تاريخه.

الجمعة، فبراير 14، 2020

الحريري: 15 سنة طُحنت فيها.. واجهت وتعلمت وأخطأت

أكد الرئيس سعد الحريري أنه أينما كان موقعه السياسي، لن يترك سبيلا، ولا طريقة، وسيدور العالم، ليدافع عن لبنان، وعن اللبنانيين، وقال: "كلنا سويا، سنواجه الصعوبات، ونقف بوجه الازمات ونخرج من الانهيار ونقول لكل الناس، أنه بعد 15 سنة، ليس فقط رفيق الحريري باق، رفيق الحريري يبدأ... من أول وجديد!

باق في البلد و"المستقبل" باقوأضاف الرئيس الحريري خلال الخطاب الذي ألقاه عصر اليوم لمناسبة إحياء الذكرى الـ15 لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط بـ"بيت الوسط": أنا خرجت بإرادتي. الديموقراطية لا تسير من دون مسؤولين ديموقراطيين. مسؤولون يسمعون صوت الشعب، صوت الناس. أنا سمعت صوت الناس. الناس طالبوا باستقالة الحكومة. قدمت الاستقالة. الناس طالبوا بحكومة تكنوقراط من خارج الأحزاب. وعندما رأينا نوع الحكومة التي يتم تركيبها، قلت بصراحة: لا أريد أن تتم تسميتي. ما يفعله غيري هو شأنه. ولن أزيد كلمة على كلام مطران بيروت قبل بضعة أيام في عيد مار مارون.
وأكد الرئيس الحريري أنه لن يذهب لأي مكان. وهو باق في بلده، وبيته وبين أهليه، وبالعمل السياسي أيضا. وأن تيار المستقبل باق، وأن أهل السنة من أساسات هذا البلد، وهذا المجتمع، واللبنانيون الأحرار، الوطنيون، السياديون، الذين يريدون بلدا يليق بهم وبأولادهم باقون ولا أحد قادر على أن يهول عليهم بشيء.
ونعى الرئيس الحريري التسوية الرئاسية مؤكدا أنها عاشت ثلاث سنوات، واليوم صارت من الماضي، وبذمة التاريخ. وقال: "لقد قمت بالتسوية لإنهاء الفراغ الرئاسي وإعادة انتظام عمل المؤسسات الدستورية، وأخذت التسوية بصدري، لانتخاب الرئيس، وسرت عكس المزاج العام ولمنع انهيار البلد، في حين أن البعض كان يرى في التسوية توزيعا للسلطة بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. لكننا كنا نراها حماية للبلد من فتنة أهلية ومنع انتقال الحريق السوري إلى لبنان".
وانتقد الرئيس الحريري عقلية حروب الإلغاء. وقال: "ساعة تريد أن تلغي الاشتراكي، وتلغي وليد بك، وساعة تريد أن تلغي القوات، قوات ما بعد اتفاق معراب! وساعة تريد أن تلغي الحراك، والآن تريد أن تلغي الحريرية وتيار المستقبل! كاشفا أنه كان المطلوب منه دائماً، أن يؤمِّن العلاقة مع رئيس الظل، ليحمي الاستقرار مع الرئيس الأصلي. وقال: "طيب. تفضل. الآن باتت لديك حكومة العهد. "طيرتَ نصف العهد بالتعطيل وحروب الإلغاء، وخربتَ العهد، وسجلتَ انهيار البلد على اسمك واسم العهد... برافو!

أين أنت يا رفيق الحريريوجاء في نص الكلمة: أنا متأكد أن كل واحد وواحدة فيكم، ومعكم غالبية اللبنانيين، أمام الأزمة المعيشية والمالية والاقتصادية التي نواجهها، تسألون: أين أنت يا رفيق الحريري؟ أين العملاق ليواجه هذه الأزمة العملاقة؟
الآن بتم تعرفون شعوري في آخر 15 سنة، حين كنت عند كل طلعة صبح، وكل ساعة وكل لحظة أقول لنفسي: أين أنت يا رفيق الحريري؟
اغتيال الرئيس رفيق الحريري منذ 15 سنة، كان منعطفا تاريخيا في حياة لبنان، تغيرّت فيه معادلات سياسية وأمنية واقليمية... وبعد 15 سنة، لبنان أمام منعطف تاريخي جديد.
لهذا السبب سأتحدث بما في قلبي مع كل الأصدقاء الذين شرفونا، ومع الجمهور الوفي الذي رافقني في أصعب الظروف، في زمن صار الوفاء فيه عملة نادرة، وصارت العملة النادرة سببا لقلة الوفاء.
دعونا في البداية نوجه تحية لروح الرئيس الشهيد رفيق الحريري وأـرواح رفاقه الشهداء، وكل شهداء ثورة 14 آذار، التي تبقى عنوانا لنهاية الوصاية والنظام الأمني.
تضحيات الشهداء فتحت أبواب السجن الكبير، وحررت قرارات وزعامات من الهيمنة والأسر والنفي.
15 سنة طُحنت فيها. واجهت، وتعلمت، وأخطأت، وربحت، وطُعنت، وصبرت، وتعرفت على أوادم وصادقين ورفاق درب، وعلى وصوليين وانتهازيين، واكتشفت الأهوال في نادي السياسيين والزعماء... لكن بعد كل طعنة، بعد كل جرح، وبعد كل معركة، وبعد كل محاولة اغتيال سياسي، كنت أقف من جديد، وأنظر حولي، وأرى وجوهكم وأسمع صوتكم وأشعر بوفائكم، وأعود وأقول لنفسي: "ما بيصح إلا الصحيح"...
في الشهرين الأخيرين، سمعنا وقرأنا ورأينا أنه "يا لطيف.. راح تيار المستقبل، وسعد سافر، ومش راجع، والسعودية ما بدها اياه، وأميركا ما بدها اياه، وبعد شوي الصين كمان".
والأجمل أنهم يريدون أن يقفلوا بيت الوسط. دعوهم يكتبون، ودعوهم يبثون.. ودعونا نحن نخبرهم الحقيقة: أن تيار المستقبل، تيار شهيدنا، تيار العروبة والاعتدال والدولة المدنية، باق في قلوبكم.. وعلى قلوب الحاسدين!
ومفاتيح بيت الوسط في بيوت عكار وطرابلس والمنية والضنية والكورة وزغرتا والبترون، وبيوت بيروت وصيدا وصور وشبعا والشوف والإقليم والمتن وكسروان، والبقاع بكل جهاته وبلداته وعشائره ... فأهلا وسهلا بكم في بيتكم. البيت الذي مفاتيحه معكم، لا يمكن أن يقفل

موجة الغضب الشعبيفي هذه الأيام، "القيامة قايمة بالبلد على كل السياسيين.. كلن يعني كلن". لا أحكام عفو عن أحد، ولا أسباب تخفيفية لأحد. ونحن بكل صراحة، لسنا بوارد ركوب موجة الغضب الشعبي، وتحييد أنفسنا عن الطبقة السياسية، في الوقت الذي نرى فيه وجوها سياسية كثيرة أصبحت نجوم ثورة على الشاشات.
لكن المشكلة، أن رفيق الحريري مطلوب رأسه من جديد.. وهناك سياسيون لا يزالون "مرعوبين من هيبتو". وهناك منظومة سياسية، بدأت تفتح ملفات وتتحدث عن بدائل الحريرية وسقوط الحريريين، ولا تزال تلاحق الرئيس الشهيد منذ التسعين، لتحميله مسؤولية التدهور الاقتصادي والدين العام... ليس ذلك فقط، "فلتانين على مواقع التواصل" لتحميله مسؤولية صفقة القرن ومسخرة فزاعة التوطين.
نعم أقول: مسخرة التوطين! "حاج بقا لاحقينا إنو نحنا بدنا التوطين. وحاج تهولوا على اللبنانيين بهذه الكذبة".  نحن ضد أي توطين، والدستور يمنع التوطين، والتوطين غير وارد. نقطة على السطر!
أخطر من ذلك كله، الكلام عن بدء العد العكسي لاتفاق الطائف، وإعادة لبنان الى ما قبل 1989، لفتح الطريق لصيغة جديدة. وليس صدفة ما يُكتب ويقال أن اتفاق الطائف وصل على نهايته. وحتى يسقط الاتفاق يجب أن تسقط الحريرية، وحتى تنتهي الحريرية لا بد من القضاء على سعد الحريري.
يرفضون أن يروا كيف كان لبنان قبل رفيق الحريري، ومن خربه في الحرب الأهلية، ومن انتشله من خراب الحرب بأربع سنين. اللبنانيون يعرفون ماذا فعل رفيق الحريري، وكيف أعاد لبنان إلى خارطة العالم. الناس يعرفون ويرون ألا شيء له قيمة، أقيم أو تم إعماره بعد اغتيال رفيق الحريري... لم يتركوا للبلد صديقا، ولم يعقدوا اتفاقا مع دولة، ولا فتحوا مستشفى او جامعة او طريق او مطار، ولا حتى مجرور صحي... ويعملون فقط على فتح القبور وفبركة الملفات وتوزيع الاتهامات.

سنوات التعطيل والسبعة وذمتهابعد الاغتيال، تم تنظيم أكبر مسلسل تعطيل في تاريخ لبنان للدولة والمؤسسات الدستورية. سبع سنين بالتمام والكمال، ضاعت من عمر البلد بالتعطيل، بعد اغتيال الرئيس، اقفال وسط بيروت، وبعدها 6 اشهر من التعطيل قبل انتخاب الرئيس ميشال سليمان، وسنتين ونصف من التعطيل قبل انتخاب العماد ميشال عون.
اغتيالات وحروب إسرائيلية وتورط في حرب سوريا وإرهاب، وتعليق عمل مجلس النواب أكثر من سنة ونصف السنة، وتأخير تشكيل الحكومات وتعطيل جلسات مجلس الوزراء.
سبع سنين من أصل 14 سنة، ضاعت بالعناد والسلبطة باسم الميثاقية وحقوق الطوائف. وفوق هذا كله بقوا يقولون: الحق على الحريرية.
30 سنة، كان جميعهم فيها، وكثر كانوا قبلها، متربعين في الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة. شاركوا في مجالسها وحكوماتها ومحاصصاتها وزعرناتها. "عملوا فيها السبعة وذمتها". وفي نهاية المطاف لم يفعلوا سوى تحميل رفيق الحريري وسياسات الحريري مسؤولية الدين العام والانهيار الاقتصادي.
رفيق الحريري أتى بالكهرباء 24 على 24 ساعة، مين أعادنا إلى التقنين والموتورات؟ وزارة الطاقة، ولم يستلمها مرة بالتاريخ وزير محسوب على الحريرية أو المستقبل. من استلم وزارة الطاقة بعد 1999؟ ومن يستلمها منذ 2005 وما بعد؟ ولماذا وصلت كلفة الكهرباء لخمسين بالمئة من الدين العام؟ كل هذا غير محسوب في دفاتر تزوير التاريخ.
يا أخي، أنا أتحمل مسؤولية، مستعد أن أتحمل المسؤولية. لكن المسؤولية كانت مشتركة على الجميع، في رئاسة الجمهورية، الحكومة، ومجلس النواب وجلسات الحوار.

بذمة التاريخحين أخذت في صدري التسوية لانتخاب رئيس جمهورية، وسرت عكس المزاج العام، كنت أرى منذ العام 2014، كيف يتغير المشهد السوري، وكيف فُتحت الحدود لموجات النزوح، وبدأ لبنان يغرق بمشاكل أمنية ومذهبية، وتفجيرات في البقاع والضاحية وفي مسجدين بطرابلس.
البعض كان يرى التسوية توزيعا للسلطة بين رئيس جمهورية ورئيس حكومة. لكننا رأيناها حماية للبلد من فتنة أهلية، ومنع انتقال الحريق السوري لطرابلس وبيروت وبعلبك وصيدا وعرسال وغيرها، والسبيل الممكن لوقف الدوران بالفراغ الرئاسي وتعطيل المؤسسات.
قبل التسوية حاولت أن أفتح الطريق، للتوافق على اسم الصديق سليمان بك فرنجية للرئاسة، لنفس الأهداف، لكن ماذا أفعل إذا كان حلفاؤه، حلفاء سليمان بك، منعوا انتخابه؟ التسوية عاشت 3 سنين، واليوم صارت من الماضي، وبذمة التاريخ. أعرف أن كثر منكم سعداء لكون التسوية انتهت. لكن دعوني أقول لكم من الآخر. هل ترون كل ما يحدث اليوم؟ النقص الحاد بالسيولة، انهيار الليرة، مشاكل المودعين، تسريح العمال،
والغلاء والفقر؟ كل ذلك كان سيحصل سنة 2016. يومها تحملت مسؤولياتي وقلت أنه لمنع الانهيار، بلدنا بحاجة لأمرين: ضمان الاستقرار، وتحريك الاقتصاد.
بعد أن أقمنا التسوية، أي الاستقرار السياسي والأمني، بقي علينا تحريك الاقتصاد.  نظمنا مؤتمر "سيدر"، وأمنا فيه 12 مليار دولار للاقتصاد، بناء على إصلاحات نحن توافقنا عليها ووعدنا أن ننفذها. لو نفذنا الإصلاحات، لو نفذنا ما توافقنا عليه، ما كنا هنا اليوم، وما كان الانهيار عاد ووقع على كل البلد.
أساساً، لو نُفذت إصلاحات باريس 2 منذ 18 سنة أيام رفيق الحريري، ما كان البلد وصل إلى هنا! ولكن ماذا يمكنني أن أفعل إذا كان هناك من لا يلتزم بكلامه؟ البعض يلومني، يقولون لي: كان يجب أن تجعله يوقع ورقة. "إيه لإنو اتفاق معراب، يللي عملوا وجابوا وطوبوا، كتير احترم توقيعو عليه؟".
أريد أن أذكركم أن "سيدر" كان مباشرة قبل الانتخابات، وتنفيذه كان على حكومة ما بعد الانتخابات. دعوني أقول لكم كم عملت هذه الحكومة. لتشكيل الحكومة، بقينا 6 اشهر تعطيل، لأن هناك من كان يريد أن يحجب وزراء عن القوات، ومن ثم أن يحجب وزراء عن الحزب الاشتراكي.. محاولات فاشلة طبعا.

الرئيس الظلوهذه مناسبة لأوجه تحية للصديق وليد بك جنبلاط، وأؤكد تحالفنا الثابت معه، بالأمس واليوم وغدا! وأريد أن أحيي السيدة مي شدياق التي ليست هي فقط من القوات اللبنانية، وإنما هي الشهيدة الحية بيننا.
ومن ثم، شهران تعطيل لفرض توزير اللقاء التشاوري. أي 8 اشهر تأخير في تشكيل الحكومة. وبعدما تشكلت، عاشت الحكومة 9 اشهر. منها شهر مماطلة بالموازنة، وشهران من التعطيل بعد حادثة قبرشمون. والنتيجة، من بعد مؤتمر "سيدر"، حكومة عملت فعليا 6 اشهر.
عقلية حروب الإلغاء. ساعة تريد أن تلغي الاشتراكي، وتلغي وليد بك، وساعة تريد أن تلغي القوات، قوات ما بعد اتفاق معراب! وساعة تريد أن تلغي الحراك، والآن تريد أن تلغي الحريرية وتيار المستقبل!
حاولت تأمين استقرار للعلاقة بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، اولاً لأن الاستقرار يستحق الصبر وطول البال، وثانياً لأن الخلاف بين الرئاسات نتيجته الوحيدة شل المؤسسات.
الرئيس عون يعرف احترامه عندي، ويعرف كم أنا أحفظ له مواقفه معي، تماما كما هو يحفظ لي مواقفي معه، لكن مع الأسف وصلت إلى مكان مضطر أن أقول فيه، أني تعاملت مع رئيسين. وكان المطلوب مني دائماً، أن أؤمِّن العلاقة مع رئيس الظل، لأحمي الاستقرار مع الرئيس الأصلي.
أول حكومة بعد التسوية، قال: هذه ليست حكومة العهد، لأن حكومة العهد لا تكون إلا بعد الانتخابات النيابية. ثاني حكومة بعد الانتخابات، قال: حكومة العهد. وحين لم يحصل ما يريده، بعد 8 اشهر تعطيل، وُشكلت، نام وأفاق وقال: حكومة العهد هي التي ستأتي من دون سعد الحريري..."صحتين على قلبه".
طيب. تفضل. الآن باتت لديك حكومة العهد. "طيرتَ نصف العهد بالتعطيل وحروب الإلغاء، وخربتَ العهد، وسجلتَ انهيار البلد على اسمك واسم العهد.. برافو!

الانتخابات المبكرةليس هناك من لبناني على وجه الأرض، لم ير أن البلد صار في مكان جديد، وأن 17 تشرين يوم مفصلي وجرس إنذار للعهد والحكومة ومجلس النواب.. شخص واحد فقط، لا يريد أن يرى، ولا يريد لأحد في قصر بعبدا أن يرى.
التحرك الشعبي صار شريكا بالقرار السياسي. الشابات والشباب يطالبون بفرصة لتغيير حقيقي وسلمي، عن طريق إجراء انتخابات نيابية مبكرة.
وأنا سبق وأعلنت، من بعبدا، مباشرة بعد 17 تشرين، أني مع انتخابات مبكرة. والآن أعود وأقول: نحن مع انتخابات مبكرة، وأدعو الجميع للتفكير بهدوء ومن دون مزايدات.  وكتلة المستقبل، ستقدم اقتراح قانون جديد كما ورد في اتفاق الطائف، بأسرع وقت.
واذا كان يمكن للانتخابات أن تأتي بوجوه جديدة.. فأهلاً وسهلا. نضع تطعيم الحياة السياسية بدم جديد في خانة الربح لتيار المستقبل.
اللبنانيون باتوا خبراء في عالم الاقتصاد والمال، لما سمعوه من آراء ومعلومات واقتراحات وبرامج حلول. لكن اليوم، لا الموازنة باتت تكفي، ولا الورقة الاصلاحية تكفي، ولا هذا البيان الوزاري يكفي، وبالكاد برنامج سيدر اذا انطلق، يفتح الطريق لنقلة اقتصادية واستثمارية.

أموال إيراننحن في لبنان لسنا في جزيرة اقتصادية بمعزل عن دعم الأصدقاء والدول المانحة والمؤسسات المالية الدولية، وبغياب الثقة مع الأشقاء العرب، وتحديداً مع مصر والسعودية والإمارات والكويت وباقي دول الخليج العربي. من يرى غير ذلك ليجرب كل النظريات الاقتصادية.
نحن لا نريد أن نغش اللبنانيين ولا نريد أن نقيم سباقا شعبويا:
هل نستطيع أن نعرف كيف نقيم سياحة بلا العرب والمواطن الخليجي؟ هل نستطيع أن نفهم كيف نفتح أسواقا للإنتاج اللبناني بدون الأسواق العربية والخليجية خصوصاً؟ هل يمكن لأحد أن يخبرنا كيف سنحمي مصالح ربع الشعب اللبناني، الذي يستفيد من فرص عمل اللبنانيين بالخليج، في وقت هناك من يفتح على حسابه مشاكل يومية مع هذه الدول؟
أموال إيران الكاش تحل أزمة حزب.. لكنها لا تحل أزمة بلد. الدولة لم يعد ممكنا أن تسير بالمفرّق بدون سياسات واضحة، وبدون مصالحات جدية مع الشعب اللبناني ومع الدول العربية ومع الدول الصديقة والمؤسسات الدولية.

تغيير في التيارأخيراً اسمحوا لي أن أختم بالبيت الداخلي.
نحن أمام مرحلة جديدة، وتيار المستقبل أمام تحديات مصيرية، على مستوى الخيارات السياسية والمستوى التنظيمي، والأهم على مستوى العلاقة مع جمهور واسع بكل لبنان. وبكل صراحة، هناك ملاحظات وانتقادات وصلتني من كل المنسقيات والمناطق، ومن حزبيين ومناصرين يطالبون بتغيير أساليب وأدوات العمل. ويُقال: ليس مقبولا أن يعمل التيار باللحم الحي، ويكون ملجأ لمتسلقين ووصوليين ومستوزرين.
بعض الانتقادات موجهة إلي شخصياً، ولحالة الانقطاع بين القيادة والقاعدة. وهناك شباب وشابات قالوها بوجهي، وطلبوا مني حضور أوسع بعمل التيار.
قراري واضح: قراري التغيير بالتيار. التغيير وإعادة الهيكلة. المؤتمر العام للتيار سيُعقد في الأشهر المقبلة، وستنتخبون قيادة جديدة، تكون شريكا فعليا بالقرار السياسي والتواصل المباشر مع الجمهور.
ليس سرا أبدا، أن الأزمة المالية انعكست على أنشطة التيار، وقد شددنا الحزام حتى النهاية، واضطررنا لوقف مؤسسات إعلامية وصحية وخدماتية، عمل فيها لسنوات شباب وشابات من أخلص الناس. ويهمني أن يعرف كل واحد وواحدة، لهم حقوق بمؤسساتنا، أنه لا يمكن أن أنسى حقوق الناس، مهما قست علي الإيام.
بالنسبة للتيار أنا المسؤول، وأنا المعني الأول بتوفير شروط العمل، وهذا أمر سأستمر فيه مهما كانت الكلفة ومهما أقدرني عليه رب العالمين.
طبعا، ستستمرون بسماع مزايدات. لكن هناك أمر يجب أن يكون واضحا: اختلفت مع 80 بالمئة من السياسيين حول أمور داخلية واقليمية، وكنت على تناقض تام مع احزاب ورئاسات، حول دور ايران بالمنطقة وتدخلها بشؤون لبنان والعراق وسوريا واليمن ودول الخليج. وموقفي كان حاسما بموضوع رفض التطبيع مع النظام السوري، ورفض التطاول على الدول والزعامات العربية، والتورط بحروب المنطقة، لكن هذا لا يعني، أن أترك البلد للمجهول، وأن آخذ حرب سوريا نموذجا لتغيير المعادلات بلبنان.
اذا كان مصيري السياسي مرتبط بخيار منع الفتنة ومنع تكرار الحرب الأهلية، أهلا وسهلا. انا بكل صراحة لا يمكن أن أختار الفتنة، اولاً لأني ابن رفيق الحريري، وعملنا هو الإعمار وليس الدمار، وتاريخنا تعليم الشباب والشابات وليس حرقهم، وثانيا لأن تيار المستقبل "حيطو مش واطي"، ولا يعمل لخدمة أجندات أحد من القوى السياسية.
المزايدون يمكنهم أن يتحدثوا ويطلقوا خطابات... لكن الكلام عليهم، والكلفة علينا وعلى دار الفتوى وعلى الطائفة وعلى جمهور تيار المستقبل..

الطائفة ورفيق الحريري من أول وجديدوهنا أود أن أقول كلمتين للطائفة السنية عموما، ولجمهور تيار المستقبل، عن شعور الإقصاء، أو شعور أنه وحده ممثلهم بالتركيبة، هو من دفع الثمن وخرج من رئاسة الحكومة.
أولا: أنا خرجت بإرادتي. الديمقراطية لا تسير من دون مسؤولين ديمقراطيين. مسؤولون يسمعون صوت الشعب، صوت الناس. أنا سمعت صوت الناس. الناس طالبوا باستقالة الحكومة. قدمت الاستقالة. الناس طالبوا بحكومة تكنوقراط من خارج الاحزاب. وعندما رأينا نوع الحكومة التي يتم تركيبها، قلت بصراحة: لا أريد أن تتم تسميتي.
ما يفعله غيري هو شأنه. ولن أزيد كلمة على كلام مطران بيروت قبل بضعة أيام في عيد مار مارون.
ثانيا: أنا لن أذهب لأي مكان. أنا باق، في بلدي، وبيتي وبين أهلي، وبالعمل السياسي أيضا.
ثالثا: تيار المستقبل باق. وأنتم "مش حبتين"!
رابعا: أهل السنة من أساسات هذا البلد، وهذا المجتمع. وأهل السنة باقون، ولن يذهبوا لأي مكان.
خامسا: اللبنانيون الأحرار، الوطنيون، السياديون، الذين يريدون بلدا يليق بهم وبأولادهم باقون ولا أحد قادر على أن يهول عليهم بشيء.
وأخيرا، لأعود إلى السؤال الأول. لو كان رفيق الحريري معنا، ويسمع صرخة الناس، ما كان ليفعل؟ "كان برم الدنيا بالطالع وبالنازل لوقف الانهيار".. وأنا أعدكم، أينما كان موقعي السياسي، لن أترك سبيلا، ولا طريقة، وسأدور العالم، لأدافع عن لبنان، وعن اللبنانيين، وكلنا سويا، مع بعضنا البعض، معكم أنتم، بإذن الله، سنواجه الصعوبات، ونقف بوجه الازمات ونخرج من الانهيار ونقول لكل الناس، أنه بعد 15 سنة، ليس فقط رفيق الحريري باق، رفيق الحريري يبدأ من أول وجديد!

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية