‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دراسات. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، يناير 24، 2020

250 إرهابيا في موسوعة أمراء الإرهاب

حجب العديد من المواقع التي توفر المعلومات والبيانات المرتبطة بالعناصر الإرهابية مما يؤدي إلى صعوبة الحصول على المعلومات
الإرهاب كلمة في اللغة العربية اشتقت من الرهبة والتخويف
ينتمي هذا المشروع البحثي موسوعة "أمراء الإرهاب" بأجزائه الثلاثة للباحث حسام حداد في خلفيته العلمية إلى المساق السوسيوتاريخي - المعرفي الذي يعد نواة لفهم تشكّل وتطور المسارات الاجتماعية والسياسية والفكرية الخاص بالحركات والتنظيمات الإسلامية والفاعلين فيها، وتتضمن هذه "الموسوعة" أكثر من مئتين وخمسين شخصية، مرتبة ترتيبا أبجديا لسهولة البحث فيها، حيث تتبع تاريخ وظروف النشأة وواقع هذه العناصر وعدد العمليات التي تم ارتكابها ومرجعياتهم الفكرية، وكذلك خطابهم السياسي والتعبوي، وعلاقتهم بالبيئة والمحيط والقوى السياسية المختلفة، ومحاولة رصد التحولات والتطورات التي طرأت عليهم والموقف من الأنظمة الحاكمة والعلاقة معها.
عمل الباحث حسام حداد على جمع وتصنيف هذه الموسوعة الصادرة عن دار شخابيط على مدار 5 سنوات من 2014، وحتى الانتهاء منها في الأسبوع الأول من شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، لعمل التحديثات اللازمة للشخصيات ومواقفها الفاعلة على المستوى المحلي أو العالمي.
ومن بين الشخصيات التي تضمها الموسوعة: رموز الإرهاب في العالم أمثال أسامة بن لادن وأبو بكر البغدادي وأبو مصعب الزرقاوي ودوكو عمروف وعبدالله عزام وعمر عبدالرحمن وأيمن الظواهري، وكذلك رموز الدعوة السلفية في مصر؛ محمد حسان، ياسر برهامي، سعيد عبدالعظيم، وغيرهم. ومن بينهم شخصيات تحتاج لمجلدات لتناولها، كما تحتاج فريق بحثي كامل من علماء الدين والنفس والاجتماع والتاريخ وغيرها من العلوم السياسية حيث كان تأثيرها خطيرا على جميع الأصعدة الفكرية والسياسية محليا وعالميا.
في مقدمته للجزء الأول من الموسوعة لفت حداد إلى أن أي عمل بحثي يقابله صعوبات متعددة ومن بين الصعوبات التي واجهتني ندرة المعلومات حول عدد ليس بالقليل من الشخصيات التي تم ذكرها في الموسوعة هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى حجب العديد من المواقع التي توفر المعلومات والبيانات المرتبطة بالعناصر الإرهابية مما يؤدي إلى صعوبة الحصول على المعلومات التي يحتاجها أي باحث في هذا المجال، بالإضافة إلى صعوبة التعامل مع الجهات المعنية للحصول على معلومة.
وعرف حداد الإرهاب والاختلاف حول تعريفه وقدم مختصرا لقانون مكافحة الإرهاب، وقال "الإرهاب كلمة في اللغة العربية اشتقت من الرهبة والتخويف، وكلمة "Terror" في الإنجليزية تعني الخوف وقد اشتق منها مصطلح Terrorism. وقد اختلف في المعنى السياسي لكلمة إرهاب العربية إلى قسمين :عرفه البعض بانه أي عمل عدواني يستخدم العنف والقوة ضد المدنيين ويهدف إلى إضعاف الروح المعنوية للعدو عن طريق إرهاب المدنيين بشتّى الوسائل العنيفة. ويتخذ الإرهاب أماكن متعددة بين العدو إلا ساحة المعركة التي يشرّع بها استخدام العنف. فنجد الإرهاب يستهدف الطائرات المدنية وما تتعرض له من اختطاف، والمدن المكتظة بالسكان وما ينالها من تفجيرات واغتيالات. ويُعرف كل من يضلع في بث الخوف والرعب في قلوب الآمنين بالإرهابي أو الإرهابية.
ولكن تعريف الإرهاب كمصطلح سياسي وقانوني يجب أن يصاغ بطريقة تمنع اللبس والخلط بينه وبين تعريفات أعمال العنف المشابهة مثل الحرب المشروعة وغير المشروعة، والمقاومة المشروعة وغير المشروعة، والانقلاب العسكري، والعصيان المدني، والقمع الحكومي، والإضراب الشعبي المعطل للنظام، والاحتجاج الفردي العنيف، والاحتجاج الجماعي العنيف "المظاهرات والاعتصامات التي تتخللها أعمال شغب"، فإذا عرفنا الإرهاب على أنه العنف فسيختلط بأنواع العنف الكثيرة مختلفة الأهداف والدوافع مثل القتل والتدمير لأسباب شخصية مثل الانتقام والاكتئاب والمرض العقلي أو النفسي".

الخلط في مفهوم الارهاب يرجع إلى ترجمة لغوية ليست غير دقيقة فحسب بل غير صحيحة مطلقا لكلمة Terror الإنجليزية ذات الأصل اللاتيني
وأضاف "الإرهاب والاستخدام المنهجي للإرهاب، هو عبارة عن وسيلة من وسائل الإكراه في المجتمع الدولي. والإرهاب لا يوجد لديه أهداف متفق عليها عالمياً ولا ملزمة قانوناً، وتعريف القانون الجنائي له بالإضافة إلى تعريفات مشتركة للإرهاب تشير إلى تلك الأفعال العنيفة التي تهدف إلى خلق أجواء من الخوف، ويكون موجهاً ضد أتباع دينية وأخرى سياسية معينة، أو هدف أيديولوجي، وفيه استهداف متعمد أو تجاهل سلامة غير المدنيين. بعض التعاريف تشمل الآن أعمال العنف غير المشروعة والحرب. يتم عادة استخدام تكتيكات مماثلة من قبل المنظمات الإجرامية لفرض قوانينها. وبسبب التعقيدات السياسية والدينية فقد أصبح مفهوم هذه العبارة غامضاً أحياناً ومختلف عليه في أحيان أخرى. يذكر أن المسيحين قد عانوا منه بسبب استهداف الجماعات المتطرفة لهم وأيضاً الإسلام في الوقت الراهن قد نال نصيبا من هذه العبارة لأسباب سياسية تحكمها صراعات دولية وإقليمية."
ووفقا لتفسير حداد فإن كلمة الإرهاب تمثل العنف المتعمد الذي تقوم به جماعات غير حكومية أو عملاء سريون بدافع سياسي ضد أهداف غير مقاتلة، ويهدف عادة للتأثير على الجمهور. وقال "العمل الإرهابي عمل قديم يعود بالتاريخ لمئات السنين ولم يستحدث قريباً في تاريخنا المعاصر. ففي القرن الأول وكما ورد في العهد القديم، همت جماعة من المتعصبين على ترويع اليهود من الأغنياء الذين تعاونوا مع المحتل الروماني للمناطق الواقعة على شرق البحر المتوسط. وفي القرن الحادي عشر، لم يجزع الحشاشون من بث الرعب بين الآمنين عن طريق القتل، وعلى مدى قرنين، قاوم الحشاشون الجهود المبذولة من الدولة لقمعهم وتحييد إرهابهم وبرعوا في تحقيق أهدافهم السياسية عن طريق الإرهاب.
Terrorismوأوضح أن البعض يرى أن من أحد الأسباب التي تجعل شخص ما إرهابياً أو مجموعة ما إرهابية هو عدم استطاعة هذا الشخص أو هذه المجموعة من إحداث تغيير بوسائل مشروعة، أكانت اقتصادية أو عن طريق الاحتجاج أو الاعتراض أو المطالبة والمناشدة بإحلال تغيير. ويرى البعض أن بتوفير الأذن الصاغية لما يطلبه الناس "سواء أغلبية أو أقلية" من شأنه أن ينزع الفتيل الذي من خلاله يمكن حدوث أو تفاقم الأعمال الإرهابية.
واعتبر حداد أن مصطلح "الحرب على الإرهاب" ابتكار أميركي ضم شتى الوسائل الممكنة "حملات عسكرية واقتصادية وإعلامية" وتهدف إلى القضاء على الإرهاب والدول التي تدعم الإرهاب. بدأت هذه الحملة عقب أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 التي كان لتنظيم القاعدة دور فيها وأصبحت هذه الحملة محوراً مركزياً في سياسة الرئيس الأميركي جورج و. بوش على الصعيدين الداخلي والعالمي وشكلت هذه الحرب انعطافة وصفها العديد بالخطيرة وغير المسبوقة في التاريخ لكونها حرباً غير واضحة المعالم وتختلف عن الحروب التقليدية بكونها متعددة الأبعاد والأهداف.
في مايو/آيار 2010 قررت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما التخلي عن مصطلح "الحرب على الإرهاب"، والتركيز على ما يوصف بـ"الإرهاب الداخلي"، وذلك في إستراتيجيتها الجديدة للأمن القومي. ونصت الوثيقة على أن الولايات المتحدة "ليست في حالة حرب عالمية على "الإرهاب" أو على "الإسلام"، بل هي حرب على شبكة محددة هي تنظيم القاعدة و"الإرهابيين" المرتبطين به.
رأى حداد أن الخلط في مفهوم الارهاب يرجع إلى ترجمة لغوية ليست غير دقيقة فحسب بل غير صحيحة مطلقا لكلمة Terror الإنجليزية ذات الأصل اللاتيني. المعبّر عنه اليوم بالإرهاب هو استهداف المدنيين، وإذا كان في شرائع الدول المتقدمة اليوم أنهم لا يتجنبون قتل مدنيين إذا شملهم هدف عسكري عذرهم أن هدفهم كان عسكريا وليس مدنيا، فإن فقهاء الإسلام أجمعوا على عدم جواز قتل مدني، أما استهداف المدنيين خاصة وهو ما تعنيه الكلمة Terror فإنه لا خلاف على تحريمه: وأجمعوا أنه لا يجوز قتل شيخ فان من العدو، ولا امرأة، ولا راهب ولا مقعد، ولا أعمى، ولا معتوه إذا كان لا يقاتل ولا يدل على عورات المسلمين، ولا يدل الكفار على ما يحتاجون إليه للحرب بينهم وبين المسلمين.

الأربعاء، يناير 22، 2020

"الخميني في فرنسا".. كيف اعتلى آية الله عرش إيران!

بقلم: رشيد الخيُّون

 مؤلف كتاب “الخميني في فرنسا الأكاذيب الكبرى والحقائق الموثقة حول قصة حياته وحادثة الثَّورة”، لهوشنك نهاوندي، أحد المساهمين في السياسة والإدارة الإيرانيتين في عهد الشاه، كتاب مثير في معلوماته، وتوثيقه من الأطراف كافة، جدير بالقراءة، صدر بالفرنسية (2010)، ثم بالعربية (2016) عن طريق “معهد الدراسات الإيرانية حالياً”. اعتمد الكتاب على وثائق من العهدين الملكي والإسلامي، وعلى مقابلات مع أهل الشأن في الأحداث، خطأَ العديد من المعلومات التي بالغ بها صانعو الخميني، وكذلك خطأَ المعلومات التي تداولها خصومه، بمعنى كان الكتاب علمياً موثقاً، بعيداً عن الإسفاف والتضخيم، كاشفاً مختلقات العهد الإسلامي الإيراني بعد ثورة 1979.
حسب الكتاب، صارت قضية صناعة روح الله الخُميني، بعد ظهور دراسات عديدة تناولت حياته وصعوده المفاجئ، حقيقة لا تخمين واختلاق أعداء، فالرَّجل بدأ حياته السياسية السنة 1963، كأحد رجال الدِّين المعترضين على إجراءات الثورة البيضاء، التي بدأها النظام الشاهنشاهي، والتي فيها نفع للإيرانيين كافة، وعلى وجه الخصوص العمال والفلاحون والنساء، حيث تقرر توزيع الأراضي على الفلاحين على حساب الإقطاعيين وشراكة العُمال في المصانع والمعامل، ومن حقّ النساء الانتخاب والترشُّح للانتخاب، فوجد رجال الدِّين الثوريون في الإجراء الأخير حجة أو عذراً للدفاع عن الدِّين، فخروج المرأة إلى الانتخاب ومساهمتها في العمل السياسي والحزبي يعرضها إلى مخالفة الإسلام، كذلك أن المساواة بين النساء والرجال يُخالف الشريعة، ومِن هذا الباب أُعلن الاحتجاج ضد الثورة البيضاء، إضافة إلى تضخيم ما جرى من اتفاق مع واشنطن على عدم خضوع العسكريين الأمريكان للمحاكم الإيرانية.
استعرض الكتاب حياة الخميني من إيران إلى النجف ثم إلى فرنسا، حيث الضاحية الباريسية “نوفل لوشاتو”، التي أقام بها الخميني ومرافقوه، لنحو شهرين، وفيها نُسجت القصة التي نقلت الخميني من رجل دين عادي، منح درجة آية الله من مراجع أكبر منه لسبب إنقاذه من حمن الإعدام، إلى آية الله العظمى والإمام ثم المرشد. يصعب فهم أن القصة نسجت نفسها بنفسها مِن دون كاتب سيناريو، يتابع أدوار قصته أو روايته، لكنها تظهر كأنها تغيير طبيعي في الحكم، استحقه الخميني فرفع إلى عرش إيران، وبكل سهولة.
التحق إبراهيم يزدي، وهو أمريكي- إيراني، وعلى اتصال بالدوائر الأمريكية، ليرافق الخميني من بغداد إلى باريس، وقدم نفسه على أنه الناطق باسمه ومترجمه، ثم رافقه إلى إيران، ليصبح وزيراً للخارجية لفترة وجيزة، لكنه، حسب الكتاب، كان الرابط مع المخابرات المركزية الأمريكية، أما الذين هيأوا الخميني بباريس فهو أبو الحسن بني صدر، الذي أصبح رئيساً للجمهورية، ثم هرب من حكم الإعدام، وصادق قطب زادة الذي تولى حقيبة وزارة الخارجية، وبعدها حكم عليه بالإعدام، ونُفذ به (1982) بحجة التآمر على الثورة، وأُخذ آية الله العظمى بهذه التهمة أيضاً، كان الاثنان يترجمان للخميني، وبوابة الفرنسيين إليه.
بعد وصوله إلى باريس وجد الخميني نفسه إماماً، وتحت تصرفه الإعلام الغربي والأمريكي أيضاً، فقد كانت “البي بي سي الفارسية”، والتي تُذيع مِن لندن، تلفزيون الثورة بحقّ، مهمتها إذاعة بيانات ورسائل الخميني يوماً بيوم، مع تضخيم تفاصيل الثورة داخل إيران. أخذ يتقاطر على الخميني في نوفل لوشاتو الكبار من الصحافيين والإعلاميين والسياسيين، ممَن لم يسمع به قبل وجوده في الضاحية الباريسية. سهلت للخميني بضاحية نوفل لوشاتو كافة وسائل الاتصال الخارجي، من مدن خطوط هاتف وبريد خاص لإرسال أشرطته إلى طهران، وخطوط تلكس داخل البناء، حتى إن أحد الصحفيين أخبر وزارة الداخلية الفرنسية عن ذلك، فقيل له هذا لا يخصك، مع حراسة مشددة فرنسية، وكتابة المديح له في الصحف الفرنسية الكبيرة، مع مكان إقامة واسع جداً له ولمرافقيه.
حسب الكتاب أن السيناريو بدأ يُحاك منذ 1975 بعد أن تصلب شاه إيران في رفع أسعار البترول، وأخذ يعد العدة للاكتفاء الذاتية في الكثير من البضائع ومنها الأسلحة، وأخذ لا يعنى بالمصالح الأمريكية والأوروبية كالسابق، وبدأ يتحدث عن إيران عظمى قد تستغني عن القوة الغربية، إلى جانب أن الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان لم يكن مرتاحاً لشاه إيران، لأمور بروتوكولية حدثت لأكثر من مرة، لكن هذا لم يكن المؤثر الأول، بقدر ما أن القضية أبعد من هذا بكثير.
إلى جانب ذلك أن اليسار الأوروبي على العموم، ينتصر لأي قوى تُخالف العهد الملكي الإيراني، حتى وجدوا في الخميني الرجل الثوري، الذي يستحق الدعم، ومثلما صارت البي بي سي البريطانية قناة للثورة أصبحت “الليموند” الفرنسية صحيفة الثورة، حيث تجري اللقاءات مع الخميني، والعراب كان إبراهيم زادة، الذي كانت له صلة بالأمريكان، ورافق الخميني من العراق إلى فرنسا، كذلك قام صادق قطب زادة وحسن بني صدر بدور المترجمين والأعرابيين بين الفرنسيين والخميني.
على خلاف الواقع أخذت وسائل الإعلام الغربية تشير إلى الخميني بالإمام ورجل المرحلة، مع أنه لم يكن بالمستوى الفقهي الذي يمنحه لقب آية الله، وما حدث أنه عندما اعتقل 1963 وسُجن، اجتمع رجال الدين الكبار ومن بينهم شريعتمداري، المرجع الكبير في زمانه والذي اعتقله الخميني بعد انتصار الثورة، ومنحوه درجة الاجتهاد، أي أصبح آية الله.
كان الخميني، بعد وصوله النجف منسياً، وبما أن تغيير الحكم في إيران، والذي اُتخذ فيه قرار أمريكي وغربي، يبحث عن قائد، فلم يجد أفضل ولا أسهل من تقديم مثل الخميني، وبدأ الأمر من هناك، حتى وصل إلى باريس وضاحيتها نوفل لوشاتو، أُسدل الستار عن تاريخه السابق، بأنه ابن رجل هندي، ووالده رجل عادي، وعلى غرة أصبح والده ثورياً شهيداً على يد رضا بهلوي، بينما حادثة مقتل والده مصطفى قد حدثت قبل أن يتولى رضا شاه الحكم ويصبح ملكاً، إنما كان ضابطاً في الجيش القاجاري وقتها، وأن قتله له علاقة بكونه كان يعمل لدى أحد ملاكي الأرض، وهو الذي يتولى الاتصال بالفلاحين، وتبليغ ما يريده ذلك الملاك، فوقع الغضب ضده مباشرة، وقُتل، ولم يكن رجل دين كبيراً، ولا كان ضد الإقطاع والملكية، لكن الحقيقة أنه كان رجلاً متواضعاً، ولقبه “الهندي”. غير أن تاريخ الأُسرة قد تبدل، حسب متطلبات مهمة الرجل الذي سيتولى قيادة الثورة، وهذا ما حصل بالفعل، فالثورة تحتاج إلى إمام وآية الله العظمى، وله أُسرة ثورية ضد حكم الشاه، فكان كذلك.
كان مرض شاه إيران، الذي أخذ يتسرب إلى الأوساط السياسية السنة 1976، وكان قد بدأ معه قبل عام، حوَّل صاحبه بالتدريج إلى شخصية ضعيفة، غير قادة على مواجهة الحوادث الجسام، ولم يتخذ خطوات عملية لإنقاذ العرش من الانهيار. تحدث الكتاب عن دخول عناصر ثورية عربية وفلسطينية إلى إيران، ومساهمتها في بث الرعب عن طريق الاشتراك في التظاهرات، وممارسة القتل على أن المقتولين كانوا ضحايا رصاص النظام.
اعتمد المؤلف هوشنك على مذكرات أحد قادة الحرس الثوري، والذي ساهم في التمهيد للثورة، أن جماعة الخميني كانوا يأخذون الجنائز، بطرق عديدة، ويشيعونها على أنها ضحايا قوات الأمن، وذلك لإثارة الرأي العام، والقيام بحرق المؤسسات والتفجيرات، ومن أبرزها كان تفجير سينما في عبادان، والتي يرتادها جمع غفير من الإيرانيين، من نساء ورجال وأطفال، وقد أسفر هذا التفجير عن حرق مبنى السينما وحرق مَن في داخله، وهم كانوا أكثر مِن أربعمائة إنسان، وذلك في السنة (1978)، وكان الغرض هزّ الثقة في النظام، واتهام النظام في الفعل نفسه.
حاول شاه إيران في طرق كثير، إعادة الاستقرار، كي يتمكن من نقل العرش إلى ولده وهو ولي العهد، فالمرض أخذ يتطور في جسده، والثورة قائمة. لكنه لم ينجح، حسب الكتاب، باختيار رئيس وزراء مناسب للمرحلة، فالإصلاحات التي حاولها رؤساء الوزراء الذين تناوبوا على رئاسة الوزراء، كل شهرين أو ثلاثة، لم تكن مجدية، بل جاءت متأخرة، لكن أي شاه إيران ضيعت فرصة اختيار أحد قادة الجيش، المعروفين بحزمهم، لرئاسة الوزراء، بقدرته على ضبط حالة الطوارئ والأحكام العرفية التي أُعلنت، وخلاف هذه الأحكام المعلنة، إلا أن التظاهرات مستمرة.
حسب الكتاب “الخميني في فرنسا” كانت هناك مبالغة في أعداد المتظاهرين، بل إن الأعداد التي خرجت لتأييد الحكم الملكي لم تكن أقل، غير أن الأمور أخذت تسير نحو الانتكاسة. بعدها رُشح لرئاسة الوزراء ابن الضابط الذي أعاد الشاه بعد أن ترك إيران في عهد رئيس الوزراء مصدق، وكان هذا زوج ابنة الشاه، من زوجته الملكة ثريا المصرية، إلا أن الصراعات داخل الأسرة الملكية، وميل الملكة فرح إلى بختيار (آخر رئيس وزراء في العهد الملكي) قد حسم الموقف، وبختيار نفسه لم يكن في داخله على وئام مع الأسرة الملكية، فقد أُعدم أبوه لسبب من الأسباب. لذا كان بختيار يُفكر بإلغاء الملكية، لكن بطريقة أُخرى، عن طريق دفع الشاه إلى الخروج من إيران، والتسوية مع الخميني.
كان الخميني في النجف يتوسط لشاه إيران كي يعود إلى قمّ، ومِن المؤكد أنه سيخضع لنظام الدولة، لكن الشاه، الذي لولا موافقته ما وصل الخميني إلى النجف، امتنع عن إعطاء الموافقة، من دون اكتراث بأهمية الخميني نفسه. ظل التضخيم الثوري مستمراً للخميني، حتى إنه عندما توفي ولده مصطفى الخميني، بسبب السمنة ومرض السُكري، أقاموا له داخل إيران مجلس عزاء ونعتوه بالشهيد، على أنه قتيل السافاك الإيرانية، والتي حلت محلها اطلاعات في النظام الإسلامي. غير أن الأمن الإيراني لم يسع لمنع مجالس العزاء التي أقامها أصحاب الخميني.
صاحب ذلك أن كانت العلاقات العراقية الإيرانية، قبل 1975، سيئة فأخذ النظام العراقي يستفيد من وجود الخميني كمعارضة وبالتنسيق مع الشيوعيين الإيرانيين، والذين اعترف بهم نظام الخميني في بداية الثورة، ثم قضى عليهم، وأخرج قادتهم على شاشة التلفزيون كعملاء للاتحاد السوفيتي، مع أنه -حسب الكتاب- أن المخابرات الروسية كانت تشجع نشاط آية الله، وليس بعيداً عن ذلك تم بتنسيق مع الدولة العراقية القريبة من موسكو آنذاك.
أخذ أعوان الخميني يصلون إلى ضاحية نوفل الباريسية، ويحكي الكتاب عن وصول حسين منتظري من إيران إلى باريس، والذي هو الآخر أخذ رتبة آية الله، وعندما وصل استقبل عند باب الطائرة من قِبل الفرنسيين، وكان يملأ الطائرة مزاحاً مع الآخرين، ومعلوم أن منتظري كان تلميذاً لدى الخميني، والأخير لم يحصل على الاجتهاد، فكيف بتلميذه يكون قد لُقب بآية الله، وهي عادة تمنح للمجتهد في الفقه؟!.
حسب وثائق مؤلف كتاب “الخميني في فرنسا”، كان منتظري يأخذ مساعدة من أحد الشخصيات القريبة جداً من القصر، أي أحد أقارب الشاهبانو أو الملكة فرح ديبا نفسها، يعطيه كراتب تحت مسمى الزكاة أو الخمس والمساعدة، وعندما أراد السفر إلى باريس، للالتحاق بالخميني، لجأ إلى هذه الشخصية للحصول على جواز وتذكرة سفر ومصروف جيب، وقد حصل على ذلك، وركب الطائرة إلى باريس، إلا أن أحد الركاب، لاحظ خفة هذا الشيخ وتوزيعه المكسرات والحلوى على الركاب، ثم عند نزوله استقبله رجال فرنسيون على باب الطائرة، وأخذوه حيث يقيم الخميني، فما سرّ ذلك؟!
كان النقاش جارياً داخل القصر الملكي عن مغادرة الشاه إلى خارج إيران، لكنه كان يُريد خروجاً يحفظ به كرامته، حتى من دون التفكير بالعودة، بينما لو أصبح غير شاهبور بختيار رئيساً للوزراء لكان الأمر آخر، فقد اقترح محبو الشاه ألا يُغادر إيران ويفقد العرش، بل ممكن مغادرة طهران إلى ناحية أُخرى، والجيش على استعداد لإعادة الأوضاع إلى نصابها، خصوصاً وأن العديد من الإضرابات قد انتهت، وعاد العمل في مؤسسات النفط في الأهواز والمؤسسات الأُخرى، لكن شاه إيران ظل مصراً على عدم تدخل الجيش ضد المتظاهرين، فلا يُريد مزيداً من الدِّماء، وربّما حالة المرض فرضت عليه هذا الشعور، بينما جماعة الثورة كانوا يقومون باغتيالات وتدمير للمؤسسات.
يقول مؤلف الكتاب هونك نهاوندي: كان على ما يبدو كل شيء يجري لصالح الخميني، وربما الخميني نفسه لم يصدق ما يحصل، فهو قد صرح في مقابلة له بأن لا يتولى منصباً حكومياً، ولا له شأن بالحكومة، وإنما يبقى ناصحاً مراقباً، والحكومة يتولاها أهل الاختصاص، كذلك تكلم عن الديمقراطية والانتخابات والعدالة الاجتماعية، وأنه بعيد عن الثأر أو الانتقام، لكن ما حصل كان خلاف ذلك تماماً.
حصل أن غادر الشاه وأسرته طهران، وترك أمور البلاد تُدار بيد شاهبور بختيار، وقد أراد هذا الأخير التحدث مع الخميني، وترك كبار رجال الدين في قُمّ، أولئك الذين كانوا يريدون وضعاً دستورياً، وتقليلاً من صلاحيات الشاه، وليسوا مع تغيير النظام، لكن تسارع الأوضاع جعل هؤلاء، وبينهم محمد كاظم شريعتمداري، غير مؤثرين، وسط الشحن الثوري، وتضخيم صورة الخميني إلى الحد الذي كانت تُقال عنه شائعات بأنه المهدي المنتظر، حتى حصل عندما قال له أحدهم ذلك اكتفى بهز رأسه والالتفات، ولم ينفِ أو يزجر الرجل، فهذا لم يتوافق مع الفكر الشيعي عن المهدي، لكنها فترة وجيزة ويعلن الخميني نفسه نائباً للإمام.
انتهى كل شيء، وهبطت الطائرة الفرنسية بطهران، والتي دُبرت مِن قبل الحكومة الفرنسية، ليس كما نُشر أن العسكريين قد استقبلوا الخميني، إنما جرى التمثيل، وهو ارتداء عناصر للملابس العسكرية، كي يُعطى تصور لدى الرأي العام بأن الجيش مع الخميني.
سقط النظام الملكي رسمياً في شباط (فبراير) 1979، وكان الإجراء الأول محاكمات صورية لكبار ضباط الجيش، أما مكان الإعدام فكان سقف البناية التي سكن فيها آية الله الخميني أو الإمام الخميني، بعد أن كُتبت له سيرة ذاتية مزينة بالتقديس والكرامات، فصار عهد جديد، غير أن الظلم الذي كانت تشكو وتبالغ فيه المعارضة تحول وتبنته السلطة الجديدة.
تضمن الكتاب العناوين الآتية: السنوات الخمسون الأولى مِن حياة رجل الدِّين، الخطوات الأولى في السياسة، بداية المواجهة مع الحكومة، النفي إلى النَّجف، في طهران ضعف الحكومة وارتباكها، السَّفر، قصة نوفل لوشتاتو، معبود اليساريين والسُّذج، في طهران عجز الحكومة وانهيارها، آخر المساعي والحيَل، النهاية: لا شيء.

نُشر في مركز المسبار للدراسات والبحوث

الثلاثاء، يناير 14، 2020

العثمانيون الجدد والجمهورية التركية الثانية

في هذا المقال نقدم خلاصة المقالات سعينا عبرها تعريف القارئ العربي المهتم بالشئون التركية على تاريخ الترك وعلاقتهم بالعرب، وسنركز اليوم على مصطلح بدأ في التداول منذ أكثر من عشر سنوات ألا وهو "العثمانيون الجدد" والمقصود بهم حزب العدالة والتنمية بقيادة الثلاثي رجب طيب أردوغان، وأحمد داود أوغلو، وعبد الله جول.
سنطرح في هذا المقال عدة أسئلة، ونسعى للإجابة عليها. أبرزها من هم العثمانيون الجدد، وهل هناك فرق بينهم وبين "العثمانية الجديدة" وخصائص الجمهورية التركية الثانية التي أسسها رجب طيب أردوغان بعد الاستفتاء على الدستور التركي الجديد لعام 2017م. والذي بموجبه تحولت تركيا من نظام برلماني لنظام رئاسي مطلق شبيه بالنظام الأمريكي، وهل ستتغير السياسة الخارجية التركية بخروج أردوغان من المشهد، أم ستظل كما هي وإن اختلفت الآليات، وما هو مستقبل "الإسلام السياسي" التركي وسط الانشقاقات التي بدأت تظهر داخل صفوفه، ومدى إمكانية خلق توافق عربي – تركي من عدمه، وغيرها من الأسئلة الهامة التي تجول في خواطرنا.
ظروف نشأة الإسلام السياسي التركي:
سنركز اليوم على شرح حالة الإسلام السياسي التركي، والعلاقة الملتبسة لدى البعض بينه وبين الإسلام السياسي العربي، وجماعة الإخوان المسلمين على وجه الخصوص، حيث يُعتقد عربيا على نطاق واسع أن أردوغان إخواني، ويبالغ البعض بوصفه المرشد الحقيقي للتنظيم الدولي للجماعة، ولفهم طبيعة هذه العلاقة بعيدا عن الدجل والاستقطاب السياسي كان علينا شرح طبيعة الإسلام التركي فكريا، والانتقال اليوم للحديث عن شقه السياسي، ولذلك أنصح من لم يطلع على المقال الأخير بالعودة إليه ليتمكن من فهم أكثر عمقا لهذه المسألة [1]
كما أسلفنا الإسلام السياسي التركي مختلف جذريا عن نظيره العربي، فقد بدأت أولى إرهاصاته مع بديع الزمان النورسي فور سقوط الدولة العثمانية، إلا أنه تراجع فيما بعد عن العمل السياسي، واختزل نشاطه بالعمل الدعوي الديني، ولم يكن للإسلام السياسي أي وجود حتى وصول عدنان مندريس التتري الأصل لرئاسة مجلس الوزراء عام 1950م. وبدئه لحركة إصلاحات سياسية واقتصادية، مستفيدا من مشروع مارشال اقتصاديا، ومبدأ ترومان عسكريا لحماية تركيا من المد الشيوعي، ومع انتهاء المعونات الاقتصادية الأمريكية، وبدء تراجع الأوضاع المعيشية للشعب، قاد مجموعة من الضباط الشبان الذين تلقوا تعليما عسكريا في أمريكا يوم 27 مايو/أيار 1960م. أول انقلاب عسكري في تاريخ تركيا الحديثة بقيادة العقيد ألب أرسلان ترك، ورغم غموض أسباب هذا الانقلاب، ووجود الكثير من الفرضيات والنظريات حوله، إلا أن أحد أسبابه كانت تخفيف القيود العلمانية القسرية المجحفة التي اتخذتها الحكومة التركية منذ زمن أتاتورك، وعودة الأذان مرة أخرى باللغة العربية، وكان هدف مندريس من هذه الخطوات التصالح مع الهوية الإسلامية للشعب، لمواجهة تنامي قوة التيارات الاشتراكية بالتزامن مع الأزمة الاقتصادية، ولذلك قدم هؤلاء الضباط أنفسهم في بيان الانقلاب على أنهم حماة للنظام العلماني، وللتحالف مع الغرب، وموالين لحلف الناتو وبغداد، هذا ويحظى مندريس بتقدير من التيارات الإسلامية التركية حتى الأن، وذلك على الرغم من كونه لم يكن منتميا لأي تيار إسلامي، ولكنه مثل أول محاولة كما يعتقدون لاستعادة الهوية الإسلامية للأتراك بغض النظر عن دوافعه [2]
بعد إعدام العسكريين لعندنان مندريس في 17 سبتمبر/أيلول 1961م. لم يكن هناك أي وجود لتيار الإسلام السياسي، حتى أسس نجم الدين أربكان. حزب النظام الوطني بالتحالف مع الحركة الدينية النورسية، ويمكن التأريخ لتيار الإسلام السياسي من 1970م. عام تأسيس الحزب.
لم يكن لدى أربكان أي علاقة مع جماعة الإخوان المسلمين، حيث كانت حياته ودراسته ما بين تركيا وألمانيا، والحركة الإسلامية التركية فكريا ليست بحاجة لتستورد أفكار من تنظيم خارجي، فلديها مواردها الفكرية الدينية المستمدة من الحركة النورسية، وحركات صوفية تمتد بطول البلاد وعرضها، وسياسيا تاريخ مجيد للأتراك ممثلا في الدولة العثمانية، وأيديولوجيا الخلافة الإسلامية التي كانت إسطنبول مقرها، والتي أصبحت اللقب الأول لسلاطين بني عثمان منذ تولي عبد الحميد الثاني قيادة السلطنة عام 1876م. بينما كان تنظيم الإخوان في ذلك الوقت شبه منهار، ولم يعود إلى الحياة من جديد إلا في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي بعدما تلقى دعما قويا من الرئيس المصري الأسبق السادات.
أصبح للحركة الإسلامية التركية آباء ثلاث مؤسسين، بديع الزمان النورسي الأب الروحي للإسلام الدعوي، وفتح الله كولن الأب الروحي للإسلام الاجتماعي، ونجم الدين أربكان الأب الروحي للإسلام السياسي، والأخير يستغل جمهور كلا الحركتين، وأتباع الطرق الصوفية، والجمهور التركي المحافظ للتصويت له، وقد دخل في عدة صراعات مع جناحي النظام العلماني الأتاتوركي المتشدد الجيش والقضاء، وتعرض حزبه الأول للحل بعد تأسيسه بتسعة أشهر، وأسس بدلا منه حزب السلامة الوطنية عام 1972م. ليدخل وللمرة الأولى حزب ذو توجه إسلامي للبرلمان، بل ويصبح شريكا لحزب الشعب الجمهوري العلماني الذي أسسه أتاتورك في حكومة ائتلافية عام 1974م. وتولى أربكان منصب نائب رئيس مجلس الوزراء.
عام 1980م. قاد قائد الجيش التركي كنعان إيفرين انقلابا عسكريا، أدى هذا الانقلاب لتعطيل الدستور، وحل حزب أربكان الثاني، ودخوله السجن وتجميد الحياة السياسية، وفقدان الإسلام السياسي لأي ممثل له على الساحة التركية، لكن ومع وصول تورغوت أوزال. ذو الأصول الكردية لرئاسة مجلس الوزراء عام 1983م. انتهجت تركيا على يديه سياسة جديدة منفتحة على الشرق والعالم الإسلامي حيث كان أوزال متدينا، وينتمي للطريقة الصوفية النقشبندية، وروي أنه كان يصلي في القصر الرئاسي بعد وصوله للرئاسة سرا، فقد كان شديد الحذر والدهاء في تعامله مع العسكريين، وقد عوض وجود أوزال غياب الإسلام السياسي لكونه أول زعيم تركي يدرك استحالة الاندماج مع الغرب، ويبدأ بشكل عملي إعادة النظر في تلك النظرية التي تبنتها الجمهورية التركية منذ قيامها علم 1923م. بالتوجه صوب الغرب، وأن العالمين العربي والإسلامي يعيشان حالة من التخلف والرجعية، ولا يوجد شيء يمكن لتركيا أن تجنيه من العلاقة معهما.
تطورت تركيا اقتصاديا في عهد أوزال، وقام بعدة زيارات هي الأولى لمسئول تركي رفيع المستوى لبلدان عربية وإسلامية، وانتهج سياسة اقتصادية ليبرالية تحررية، وقد أدت هذه السياسة لتلقيه دعما غربيا حيث كان الجيش التركي محافظا من الناحية الاقتصادية، ومتوجسا مرتابا من الانفتاح على الخارج والاستثمارات الأجنبية، كما جمعته علاقة صداقة وطيدة مع مؤسس حركة (الخدمة الإسلامية). فتح الله كولن، وسمح للأخير بنشاط أكبر لحركته داخل تركيا، ودخول العديد من أفراد الحركة لمؤسسات الدولة، ومع النجاحات الاقتصادية التي تحققت تراجع دور الجيش، وبدأ أوزال حركة انفتاح سياسي أدت لعودة أربكان مرة أخرى للعمل السياسي، وأسس حزبه الثالث (الرفاه). وصولا لتشكيله حكومة ائتلافية برئاسته مع حزب الطريق القويم العلماني بزعامة السياسية التركية الشهيرة ذات الأصل البوسني تانسو تشيلر، عام 1996م.
يدين الإسلام السياسي بالفضل من بعد مندريس لرئيس مجلس الوزراء، والرئيس التركي تورغوت أوزال، ورغم عدم انتماء كلا الزعيمين للحركة الإسلامية إلا أن سياسات الأول التصالحية مع الهوية الإسلامية، وسياسات الثاني الاقتصادية ونجاحه فيها، وانفتاحه على العالم العربي والإسلامي، وتخفيفه لقيود الجيش على التيار الإسلامي كان له بالغ الأثر في تمكينه لاحقا، ولذلك قرر الرئيس التركي السابق عبد الله جول عام 2012م. فتح تحقيق في ملابسات وفاته عام 1993م. التي يعتقد البعض أنها نتيجة لتسميمه، وذلك لرفض الجيش لمجمل سياساته، وسعيه لإيجاد حل للأزمة الكردية، وبالفعل تم فتح قبره وتشريح جثمانه، وثبت أن جسده احتوى على كميات كبيرة من السم، لكن لم يتمكن المحققين من تحديد ما إذا كانت هذه الكميات تم دسها له بشكل متعمد، أم أنها نتيجة لتراكمات زمنية طويلة [3] وقد سعى الإعلام الموالي لرجب طيب أردوغان، في استغلال هذه الحادثة، ونتائج التحقيق التي ظهرت أخيرا، وشعبية أوزال الكبرى في التلميح بدور لجماعة كولن في قتله، وذلك لموقفها المتشدد تجاه القضية الكردية، وليستغلها أردوغان في صراعه مع كولن لتشويه صورته.
في انقلاب عسكري أبيض سمي "انقلاب المذكرة" التي تقدم بها قادة أركان الجيش التركي، وأتهموا فيها أربكان بسعيه لتقويض النظام العلماني للجمهورية التركية، وعلى إثره قدم استقالته من الحكومة عام 1997م. وتم حظر مشاركته وحزبه بالعمل السياسي مدة خمس سنوات، إلا أن الحزب أعاد تشكيل نفسه باسم جديد (حزب الفضيلة). عام 1998م. وحقق نتائج جيدة بانتخابات برلمان 1999م. ونجح أحد شبابه في انتخابات بلدية إسطنبول المدينة الأكثر أهمية في تركيا وهو رجب طيب أردوغان.
يمكن اعتبار أربكان ثوريا ذو توجه قومي تركي إسلامي، حيث كانت له مواقف واضحة بالعداء مع إسرائيل، وسعى أكثر من مرة لقطع العلاقات معها، وذلك أثناء وجوده بالمعارضة، وكذلك دعا لعلاقات أكثر قوة ومتانة مع العرب والعالم الإسلامي، وأسس عام 1997م. مجموعة الدول الثماني الإسلامية النامية، والتي ضمت لجانب تركيا كلا من (مصر – إيران – باكستان – بنجلاديش – نيجريا – ماليزيا – إندونيسيا). إلا أن سياساته الاقتصادية كانت فاشلة، ولم يتمكن من تحقيق أي نجاح يذكر، وغلبت عليه الشعارات أكثر من الأفعال، ولما لم يجد لديه أي شيء حقيقي يقدمه للمواطن التركي توجه نحو استخدام الدين بشكل فج في الدعاية السياسية، وأصبحت سياساته أكثر اضطرابا وتضاربا، فعقد اتفاقية تعاون أمني وعسكري مع إسرائيل ليطمئن الغرب والجيش، ثم بعد دخوله السجن وحظر ممارسته للعمل السياسي، دفع الحزب لمواجهات إعلامية أضرت بصورة الحزب والتيار الإسلامي مثل إصراره على دخول النائبة مروة قاوقجي بالحجاب للبرلمان، وهو ما يخالف النظام القانوني التركي وقتذاك وهيج الرأي العام ضد الحزب، بجانب إدارته للحزب بشكل استبدادي من داخل محبسه، وفرضه لشخصية محمد رجائي قوطان. على شباب الحزب ليكون رئيسا له، بينما كان المرشح المنافس الشاب عبد الله جول، وكان لمجمل هذه السياسات الأثر على وحدة الحزب من الداخل بجانب صدور قرار من المحكمة الدستورية التركية بحل الحزب عام 2001م. فاتجه شبابه للانشقاق وتأسيس حزب العدالة والتنمية في نفس العام، مقابل إعادة أربكان لحزبه كالعادة باسم جديد وهو حزب السعادة، وفي هذا الوثائقي سيجد القراء الراغبين بالتوسع تفاصيل كاملة عن هذه الحقبة، وملابسات نشأة حزب العدالة والتنمية [4]
في عام 2010م. اتهم أربكان حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان بإغراق البلد في الديون، وزيادة نسبة الفقر والبطالة، وأن ما يدعون أنها تنمية ما هي إلا خدعة كبرى، ووصل به الأمر بأن اتهم أردوغان بالخداع وتلقيه دعما صهيونيا! [5]
خصائص الإسلام السياسي التركي مقابل العربي:
الإسلام السياسي التركي نشأ، وترعرع، وخاض تجربته من داخل تركيا، وعبر واقعها وظروفها، وإرثها التاريخي والقومي، ومفكريها السياسيين وطبيعة التدين والفهم التركي للإسلام، وتأثيرات الخارج عليه محدودة وطفيفة جدا، ولا تعدو كونها تأثيرات عامة فيما لا خلاف عليه عند الحديث عن وحدة الأمة الإسلامية، وخلق تعاون مشترك معها، وهي أمور لا يشاطر فقط الإسلاميين فيها بعضهم البعض، بل العديد من التيارات السياسية من كافة الأيديولوجيات الفكرية، وهو أمر مختلف تماما عن الإسلام السياسي العربي، الغير مهتم بقضايا الداخل، والغير مدرك لها في كثير من الأحيان واعتمد في خلق تصوراته على نظريات أكثر من انغماسه بالواقع لاستخلاص النظريات، وأنا شخصيا كما أسلفت أعتقد أن تأسيس الإخوان المسلمين كان نتاج مجموعة من أفكار الإسلاميين الغير عرب مثل جمال الدين الأفغاني، وأبو الأعلى المودودي، وبعض النخب التركية العثمانية التي فرت من تركيا إلى القاهرة، وذلك بعد سقوط السلطنة العثمانية، وما حسن البنا إلا واجهة شابة نشطة كانت معبرة عن أفكارهم.
الإسلام السياسي التركي لم يتورط ولو لمرة واحدة في أي عمليات اغتيال، أو استخدام للعنف والإرهاب، أو مهاجمة الدولة وكياناتها على الرغم من حالة العداء والصراع الشديد معها، وهو ما يختلف تماما عن تجربة الإسلام السياسي العربي، الذي مارس وباعتراف الإخوان الاغتيالات السياسية، وبرر في أحيان كثيرة العنف ضد الدولة، وتعتبر جماعة الإخوان الأب الروحي لكل حركات الإسلام الجهادي وصولا لداعش الذي تربى خليفتها المزعوم أبو بكر البغدادي في كنفها بشهادة الدكتور يوسف القرضاوي نفسه [6] فلو لم يتورط الإخوان بالعنف بشكل مباشر، إلا أن أفكارهم كانت تشكل التربة الخصبة للثائرين داخلها بانتهاج العنف، ومنظرهم وقائدهم الفكري ومن يرونه رجلا عظيما ذو مكانة كبرى مثل سيد قطب القائد الأعلى لكل عمل إرهابي مسلح، ولم يحدث أن تبرأت الجماعة من أطروحاته حول المجتمع الجاهلي، باستثناء المرشد الثاني المستشار حسن الهضيبي في كتابه "دعاة لا قضاة" [7] الذي لا يعد مرجعية يعتد بها داخل الجماعة، بل ويرون أن المستشار الهضيبي لم يكن إخوانيا بالمعنى الحقيقي، ومثلت فترة قيادته للجماعة مرحلة مضطربة كانت بحاجة لقيادة بغض النظر عن مدى تمثيلها لأفكارها، وصراعه مع أقطاب الجماعة معروف للجميع.
الإسلام السياسي التركي قومي تركي قبل أن يكون إسلامي، والإسلام هو جزء من قوميته، وأحد روافد القومية التركية، وشكل العصبية الفكرية أو الإيديولوجية بالمفهوم الحديث لنهضة الترك، وقيادتهم للعالم الإسلامي زمن السلاجقة، وزعامتهم العالمية بالحقبة العثمانية، ولذلك الإسلام يخدم تركيا وقوميتها وليس العكس، فالإسلام السياسي التركي أكثر اتساقا مع هويته وذاته التركية، بينما الإسلام السياسي العربي يحتقر فكرة القومية العربية، ولا يؤمن بها كإطار جامع ثقافي، وجغرافي، وفكري لشعوب المنطقة، ويراها دعوة جاهلية لابد من التبرؤ منها، وقد حاول بعض دعاته ممن كانت لهم خلفيات قومية أو اشتراكية، ولم يكونوا منذ نشأتهم الأولى جزء من الإسلام السياسي عقد مصالحة بين العروبة والإسلام، وتبيان ألا وجه للتعارض بينهما مثل فهمي هويدي، والمستشار طارق البشري، ومحمد عمارة، ومحمد سليم العوا. أو كتاب قوميين بالأساس أو ذوي توجه قومي يرون الإسلام جزء من القومية، ولا يمكن اختزاله في حزب أو جماعة دينية. مثل المستشار عبد الرزاق السنهوري، وعصمت سيف الدولة، وجمال حمدان، وحتى مؤسس حزب البعث المسيحي ميشيل عفلق. إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل، ورفضها التيار الإسلامي عامة، والإخوان المسلمين على وجه الخصوص، فالقومية بالنسبة لهم دعوى جاهلية، والوطن حفنة من تراب لا قيمة له، وهو ما يختلف جذريا عن مفهوم الإسلام السياسي التركي للقومية التركية، والتي عززها الإسلاميين أكثر من العلمانيين حيث أسس أردوغان عام 2009م. مجلس التعاون للدول الناطقة بالتركية (CCTS) [8] وعزز من دور المنظمة الدولية للثقافة التركية (تورك سوي) [9] أي "الأصل التركي" التي أسسها أوزال عام 1992م. حيث ضم لها أردوغان في عام 2013م. ست جمهوريات فيدرالية روسية من ذوي الأصول التركية (ألطاي - تتارستان - توفا - ياقوتيا - خفاسيا – باشكورستان). وجمهورية قبرص الشمالية، ومنطقة الحكم الذاتي غاغاوزيا في جمهورية مولدوفا. الجدير بالذكر أن هذه الشعوب الأعضاء بالمنطقة (مسلمين – أرثوذكس – بوذيين – شامانيين). بمعنى أن القومية هي الإطار الأعلى وليس الدين لأن التركية هي الجامع المشترك فيما بينهم، ويرأس كلا المنظمتين مسئول تركي، فالهوية القومية لدى الإسلام السياسي التركي واضحة ولا لبس فيها، بينما نجدها مضطربة على أحسن تقدير، وغير موجودة في غالب الأحيان لدى الإسلام السياسي العربي.
الإسلام السياسي التركي حريص كل الحرص على كيان الدولة التركية، وقوتها، وامتلاكها لجيش قوي، ولم يسعى ولو لمرة واحدة لهدم الدولة وبناءها من جديد لتصبح مناسبة لمعاييره، ولا مهاجمة الجيش والدعوة لإسقاطه، فقوة الدولة ومؤسساتها جزء لا يتجزأ من عقيدته، ورغم وجود صراع معها إلا أنه يراعي أن هذا الصراع سياسي وليس وجودي، وأن الدولة ومؤسساتها وجيشها كيانات مقدسة واجبة الاحترام والقدير، بينما الإسلام السياسي العربي أول ما يبدأ به تدمير كل الإرث القومي، والتاريخي، والسعي لتحطيم مؤسسات الدولة، وهذا ما جعل الغالبية تخشى منه، وتحول لقوى معطلة لأي عملية تحول ديمقراطي بالعالم العربي.
الإسلام السياسي التركي عملي، وبعد تطوره أصبح يدرك أن العلمانية بمفهومها السليم في صالحه وليست ضده، وأن العلمانية تعني أن الدولة تعتز بقيمها، وهويتها، ودينها، ولكن دون إقصاء لأي طرف، ودون تبني الدولة لأفكار غيبية، وكما سبق وأسلفنا تحالف مع امرأة وجعلها نائبة لرئيس مجلس الوزراء، وأيد تانسو تشيلر لقيادة الدولة التركية، فلدى التيار التركي مرونة، وقدرة على التعامل مع الواقع، ويمكننا فهم هذا الأمر من تتبعنا لسيرته وظروف نشأته وتطوره، والأزمات تؤدي لتجديد نفسه، وانتهاجه سياسة أكثر انفتاحا وواقعية، بينما الإسلام السياسي العربي الأزمات تؤدي لمزيد من التطرف لديه، فالأزمة تدفع الإخوان على سبيل المثال لمنهج سيد قطب بدلا من حسن البنا، أو حسن البنا بدلا من عمر التلمساني، أو ابن تيمية وفتاويه بدلا من أفكار ابن رشد، أما حال وصل إلى السلطة فطبيعة عمله السرية، وعدم قدرته على العمل تحت الأضواء تجعله مربكا مرتبكا غير قادر على الإدارة، ويثير شكوك وريبة الأخرين منه، ولذلك فهو تيار يشبه كل النظم السياسة المغلقة غير قابل أو قادر على تطوير نفسه بل تطويره يعني بكل بساطة انهياره وتفككه، ولذلك سبيله الوحيد في مواجهة الأزمات المزيد من التطرف والانغلاق.
الإسلام السياسي التركي ركز على الفرص التي تبدو صغيرة، وغير مهمة للسلطة العسكرية، فكان ينشط داخل النقابات، والبلديات، والاتحادات الطلابية، ويستغل هذه الفرص لتأهيل كوادره، وتعلم كيفية إدارة الدولة، والقدرة على التفرقة بين النظريات والواقع، وتعديل وتصويب سياساته، والعمل بشكل هادئ بعيدا عن الدعاية في تقديم خدمات، وإصلاح حقيقي يمنح الأخرين فيه الثقة بقدرته على إدارة الدولة، وقد ظهر ذلك جليا في قدرة أردوغان على إدارة بلدية إسطنبول بشكل كفء، وعندما وصل حزب العدالة والتنمية للسلطة، قدم بالشهر الأول بعد انتخابه (350). مشروع بشكل عملي وشرع في تنفيذهم فورا، بينما الإخوان على سبيل المثال يستغلون هذه الفرص لتقديم برنامج دعائي تعبوي لأنفسهم مبني على الشعارات، أو تقديم الرشى الانتخابية، واستغلال فقر المجتمع بتحولهم لجمعية خيرية، ولكن فعليا لا برنامج ولا مشروع عملي قادرين على القيام به، ولا حتى تقديمه بشكل نظري قابل للنقاش بطريقة عقلانية، وعندما وجدوا أن هناك حاجة لمثل هكذا برنامج لاستنزاف الدعاية الدينية لأغراضها، قدموا ما يسمى "مشروع النهضة" [10] وهو عبارة عن "مشروع" إن جاز تسميته بذلك شديد السطحية والسذاجة، ولا يخرج عن نطاق الدعاية التعبوية التي تعودوا عليها، ولم يصمد في النقاش العام أمام أقل المختصين كفاءة، حتى اضطر نائب المرشد العام خيرت الشاطر للقول "لما بنتكلم عن مشروع النهضة، إحنا ما بنقولش إن عندنا برنامج واضح ومحدد ونهائي هنفرضه على الناس، بل هو مجرد مشروع مبدئي مقترح جهزناه، ليقوم عليه حوار بين كل النخب والمتخصصين في المجالات المختلفة". لذلك خرج المتظاهرين بعد الانتخابات الرئاسية لعام 2012م. يهتفوا "خيرت شاطر حلق حوش مشروع النهضة طلع فنكوش" [11]
الإسلام السياسي التركي استعان بكل المختصين، وفي كافة المجالات، ومن كل التيارات السياسية، وبغض النظر عن أيديولوجياتهم الفكرية، وقدموا أنفسهم على أنهم حزب سياسي وليسوا جماعة دينية، وأن تنافسهم مع الأخرين قائم على مشروع اقتصادي، وسياسي داخل نطاق الدولة التركية، وأنهم جزء لا يتجزأ من الجمهورية، ويحترمون رموزها وعلى رأسهم أتاتورك، حتى أن أردوغان نفسه قال "نحن أحفاد أتاتورك" [12] كما لم يدخل الإسلاميين الأتراك في لعبة صراع الهوية، وتحالفوا بالمرحلة الانتقالية مع جميع الأحزاب وتعاونوا معها، وضم حزبهم في صفوفه يمينيين، وقوميين، وليبراليين، بينما أول ما يسعى له الإسلام السياسي العربي الانتقام من خصوم الماضي، وإدخال المجتمع في حالة صراع على شخصيات تاريخية، وتفجير صراع الهوية ليغلب على أي حوار اقتصادي وسياسي، وذلك لعدم قدرتهم على مجاراة خصومهم في هذه المجالات، وبالتالي الحل الوحيد لديهم التسويق لأنفسهم على قاعدة نحن نمثل الإسلام مقابل من يرفضونه، وقد أدى هذا الاستخدام المفرط للخطاب الديني لكراهية العديد من الشباب للدين نفسه.
يمكن وبكل سهولة لتيار الإسلام السياسي العربي، والإخوان المسلمين على وجه الخصوص التآمر على دولهم، وضرب وحدتها الداخلية، والعمل مع أنظمة إقليمية ودولية لهدم تجربة الحكم القائمة فيها نتيجة خلافهم السياسي معها، بينما يستحيل أن يفعل هذا الأمر التيار الإسلامي التركي، وطيلة فترة اضطهاده من الجيش التركي، ومؤسسات الدولة والقضاء، لم يخرج الإسلاميين الأتراك من تركيا، أو يحرضوا من المهجر على بلدهم، أو يسعوا للانتقام من الجيش، وذلك على الرغم من أن القمع الذي تعرضوا له لا يقارن بأي شكل من الأشكال بأشد النظم العربية قمعا ودموية.
الجدير بالذكر أن هناك تجربتين إسلاميتين عربيتين مختلفتين عن باقي تيارات الإسلام السياسي العربي، ومتميزتان في أطروحاتهم وقريبتين من تجربة الإسلام السياسي التركي، وهما تجربة حركة النهضة في تونس، وحزب العدالة والتنمية في المغرب، ويعزو البعض الاختلاف في كلا التجربتين لعوامل عديدة أبرزها، اتساع حجم الطبقة الوسطى، ومستوى التعليم الجيد في كلا من تونس وتركيا عما هو الحال في مصر، وإن كانت الفوارق ليست كبيرة في الحالة التونسية، إلا أن جودة التعليم، ومستوى الطبقة الوسطى الأكثر رفاهية من نظيرتها المصرية كان له دور كبير في صنع هذ الفرق، بينما الفرق واسع لصالح تركيا عن مصر، كذلك غياب المؤثرات الخارجية في الحالة التونسية كونها بلد صغير، ودوره بالمنطقة غير محوري ورئيسي كما هو حال مصر، ووجود قوى عسكرية وأمنية شديدة الصرامة في كلا من تركيا وتونس، وهذه القوى جعلت من التيار الإسلامي بكلا البلدين مدرك لمخاطر التلاعب بمسألة الهوية، وهو أمر مختلف تماما عن الحالة المصرية، ففي مصر تحالف الإنجليز مع الإخوان لمواجهة خطر تنامي الدعاية النازية أثناء الحرب العالمية الثانية، وتحالف القصر الملكي مع الإخوان لمواجهة الدعاية الشيوعية وحزب الوفد، وتحالف الضباط الأحرار معهم للقضاء على الأحزاب السياسية القديمة، وتحالف الأمريكان والسعوديين معهم لضرب تجربة عبد الناصر، وتحالف السادات معهم لمواجهة الاشتراكيين والقوميين، وعقد مبارك معهم موائمة سياسية غرضها التخفيف من أعباء الدولة في مواجهة ظاهرة تفشي الفقر بعد الانفتاح الاقتصادي، وتخلي الدولة عن دورها بالرعاية الاجتماعية، ولمواجهة تيارات الإسلام السياسي الجهادية، وتحالف معهم المجلس العسكري لضرب الأحزاب الجديدة والتقليدية، وشباب الثورة بعد 2011م. وكالعادة جرى التخلص منهم في كل هذه الحالات بعدما تم استغلالهم، بينما في تونس وتركيا موقف مؤسسات الدولة والمؤسسة العسكرية والأمنية كان صارما في مواجهتهم بلا هوادة أو أي موائمة، وهو ما نتج عنه إدراكهما بضرورة انتهاج سياسة واقعية، وامتلاكهم لثقة شعبية أكبر بينما الثقة في الإخوان معدومة لدى قطاعات واسعة نتيجة هذا الإرث الطويل من الانتهازية الساذجة التي تودي بهم وبالعملية السياسية إلى المهالك.
يعتقد البعض أن قرب تركيا وتونس من أوروبا، واحتكاكهم بتجربة الأحزاب والعملية السياسية هناك منحتهم بعدا أكثر انفتاحا وفهما لطبيعتها، وأن الحزب ذو التوجه الديني لابد من حصر دعايته في الإطار الحضاري، والقيمي الأخلاقي مثل الأحزاب المسيحية الأوروبية، والابتعاد عن الدعاية التعبوية الدينية المحضة، كما أن المهجر الذي استقر فيه الإسلاميين في تونس كان أوروبا، بينما اتجه الإخوان إلى السعودية ذات النظام السياسي البدائي التقليدي، حيث لا وجود لأحزاب، ولا نقابات، والعمل السياسي جريمة يعاقب عليها القانون، وبالتالي شاهدوا تجربة دينية إسلامية تنتمي للعصور الوسطى، عكس حالة تونس وتركيا، وعادوا من السعودية أشد تشددا ورجعية، وتسلفا بعدما كانوا في الأساس صوفية، وقد ذكر الكاتب الراحل حسام تمام هذه المرحلة في كتابه الرائع (تسلف الإخوان) [13]الذي رصد فيه شهادات قيادات الإخوان على هذه الحقبة وأثرها في أفكار قادتها وشبابها حتى اليوم، في المقابل خلق الإخوان تغييرا في الفكر الوهابي، وهو الذي قد تم تدجينه منذ معركة السبلة عام 1929م. وتحول لتيار ديني مسالم لا شأن له بالعمل السياسي، وكان من نتاج تغلغل دعوة الإخوان بالسعودية، حيث قدمت الدولة السعودية دعما قويا لهم كما تفعل تركيا الأن لضرب الدولة المصرية ومشروع جمال عبد الناصر، أن تحول التيار الوهابي لتيار "سروري" أو "صحوي" وهو ما انتج فيما بعد القاعدة، وغيرها من حركات العنف المسلح وصولا لداعش.
الحالة المغربية الأمور فيها محسومة، ولا مجال لتيار ديني سياسي أن يجد لنفسه موطأ قدم فيها، فالملكية المغربية التي بدأت بسلالة السعديين الحسنيين الأشراف القادمين من الحجاز، وتولوا شئون المغرب من 1554م. إلى عام 1659م. ثم أبناء عمومتهم الفيلاليين منذ 1666م. حتى الأن لم يكونوا في بادئ أمرهم ملوكا، بل قادة دينيون قبلت القبائل المغربية برياستهم الدينية، وحمل قادتهم لقب "أمراء المؤمنين" كونهم عربا أشرافا من أهل بيت رسول الإسلام، وأصحاب علم وفضل، تدين لهم القبائل بالولاء الديني، ويمنحونهم الخمس من الأموال، ويجتمعوا تحت رايتهم حال كان هناك عدو خارجي يريد غزو أراضيهم، أما الشئون الداخلية فيتم إدارتها بين الزعامات القبلية وفق النظام التقليدي، والملكية لم تظهر بشكلها المتعارف عليه حاليا إلا مع محمد الخامس بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك لمواجهة الانتداب الفرنسي، والاحتلال الإسباني، ولحاجة حزب الاستقلال لسلطة ملكية لها شرعية التفاوض مع المحتل للجلاء عن أراضي المغرب، ولذلك احتاجت الملكية لسنوات طويلة، وصراعات عديدة لترسخ من مكانتها في عهد الحسن الثاني، والذي كان يسمى عهده "سنوات الرصاص" [14] وقد احتفظ ملوك المغرب بلقب إمارة المؤمنين، وهم عرب قرشيين هاشميين علويين من نسل علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء كما يدعون، وهم الوحيدين المؤهلين لشغل هذا المنصب وفق الفقه السني لذلك لا مجال لمنافستهم بالدعاية الدينية، كما أن نشأة التيار الإسلامي هناك كان برعاية ملكية، وذلك لمواجهة الشيوعية، وجماعة العدل والإحسان الإسلاميـة، التي أسسها رجل الدين الأمازيغي عبد السلام ياسين، وتنتهج منهج سلمي ثوري يدعو لتغيير النظام الملكي، وهي جماعة محظورة قانونيا [15] بينما جماعات الإسلام السياسي الأخرى ربيبة القصر الملكي، وبأفكار مغربية خالصة ممثلة في حركة (الشبيبة الإسلامية) [16] وحركة (التوحيد والإصلاح) [17] وكلا الحركتين مثلا الرافد الفكري لحزب العدالة والتنمية المغربي بالتسعينات من القرن الماضي، والذي يمثل أفكار الدكتور عبد الكريم الخطيب، وهو أحد رجالات المقاومة المغربية ضد الاستعمار الفرنسي، وذو علاقة جيدة مع القصر الملكي، وتولى عدة وزارات مختلفة، وهناك فصل تام وكامل بين النشاط الدعوي والحزبي السياسي، والجماعتين والحزب يعملا بشكل رسمي ومرخص لهما، ولم يمارسا العنف والإرهاب، ويراهم خصومهم مجرد أذناب للقصر الملكي أو ما يصطلح على تسميته "سلطة المخزن" وكانوا أداة لضرب الحركات السياسية التحررية، التي تهدف لإقامة ملكية دستورية بالمغرب، وعلاقة الحزب وحركاته الدينية مع الإخوان المسلمين في مصر محدودة جدا، ولا تنظيم حقيقي يربطهم، ولدى المغرب تجربتها القيادية والفكرية الإسلامية التي تغنيها عن حسن البنا وسيد قطب وأفكارهما، والحزب يقود الحكومة المغربية منذ عام 2011م. حتى الأن، وولاءه مطلق للعرش المغربي، ولمقام أمير المؤمنين ملك المغرب، والنهج العلماني للدولة، وأيد قانون حظر عمل الدعاة الدينيين بالعمل السياسي.
العثمانية الجديدة:
ظهر مصطلح "العثمانية الجديدة" عام 1974م. عندما قررت حكومة الائتلاف الوطني بين حزب الشعب الجمهوري العلماني الأتاتوركي برئاسة بولنت أجاويد، وحزب السلامة الوطنية بزعامة نجم الدين أربكان نائب رئيس مجلس الوزراء وقتها، بالتعاون مع جنرالات الجيش التركي بغزو شمال قبرص، وإعلان استقلالها عن الجمهورية القبرصية، وزيادة التدخلات التركية في شئون بعد البلدان التي كانت تحت الحكم العثماني، وبها أقليات مسلمة من أصول تركية، أو ممن دخلوا الإسلام أثناء هذه الحقبة مثل بلغاريا ورومانيا، وقد استخدمت اليونان، وقبرص، وهذه البلدان الأوروبية الشرقية هذا المصطلح للدلالة على أن الجمهورية التركية التي أعلنت حيادها، وتبرؤها من الإرث العثماني، تعود من جديد للسياسة العثمانية الاستعمارية، وبتوافق ما بين العلمانيين، والإسلاميين، والجيش.
طبيعة العلاقة بين الإخوان وأردوغان:
تبدو العلاقة بين الإسلام السياسي التركي ممثلة في رجب طيب أردوغان، والإسلام السياسي العربي عبر جماعة الإخوان المسلمين، ملتبسة ليس لدى خصوم هذا التيار فحسب، بل لدى الكثير من شباب الإخوان والمتعاطفين معهم، وإن شئنا أن نسمي هذه العلاقة بشكل عملي، وعبر السرد التاريخي لكلا الحركتين فيمكن أن نصفها بأنها "علاقة تخادم" بين الطرفين، فلا رابط فكري، أو تجربة، أو سياق تاريخي واحد يجمعهم سوى التعاطف الطبيعي، وحرارة المشاعر التي تتواجد بين التيارات الأيديولوجية حول العالم، كما هو حال الليبراليين، والاشتراكيين، والقوميين، ولا يعني هذا وجود تنظيم سياسي واحد، أو جماعة تربطهم ببعضهم البعض، وهذه العواطف توجه غالبا للجمهور، ولا تعبر بالضرورة عن مصالح مشتركة أو تبعية طرف للأخر على مستوى القيادات.
استخدم الإخوان المسلمين حزب العدالة والتنمية، وشخصية أردوغان في ممارسة الدجل السياسي على أتباعهم، والجمهور المتعاطف معهم، وباقي شرائح المجتمع، والمجتمع الدولي في ادعاء وجود رابط أيديولوجي وتنظيمي مع التجربة التركية، والاستفادة من نجاحها في إسقاطها على أنفسهم، وأن ما تحقق في تركيا هو ما ينتظر البلدان العربية حال قررت انتخابهم، أما المجتمع الدولي فأرادت القول له قد وصل للسلطة في بلد من أعتى البلدان العلمانية حزب ذو توجه إسلامي، وهو ما يؤكد نظريتنا بأن ضمان استقرار هذه البلدان، وحصولكم على مصالحكم لا يمكن أن يتحقق إلا من خلالنا نحن لا عبر هذه النظم الملكية المستبدة، أو العسكرية العلمانية، وأننا لسنا ضد إسرائيل، ولا الغرب والسوق الحرة، وقد وصل "رفاقنا" الإسلاميين للسلطة في تركيا بدون انقلاب عسكري مثل تجربة الإخوان في السودان، ولا حرب أهلية مثل طالبان في أفغانستان، ولا ثورة سيطروا فيها على السلطة بمفردهم كما هو حال إيران، ولكن عبر عملية سياسية ديمقراطية سلمية، وهو ما نسعى إليه حال قدمتم لنا الدعم والمساندة.
أردوغان عندما تولى السلطة في تركيا كانت تعاني من آثار الأزمة الاقتصادية لعام 2001م. وبحاجة لاستثمارات أجنبية، وزيادة مدخول الدولة من العملات الأجنبية، ورفع معدلات التصدير للخارج إلا أن معضلة المنتج الصناعي التركي تكمن في كونه أغلى من الصيني، وأقل جودة من الغربي والأمريكي، وبحاجة لأسواق جديدة تحكمها العاطفة تجاه تركيا لتشتريها، وهذا السوق الضخم العدد، والذي يمتلك فائض كبير من الأموال نتيجة ارتفاع أسعار النفط بعد حربي أفغانستان والعراق، ويمكن بالعاطفة اجتذابه لتركيا ومنتجاتها والاستثمار والسياحة فيها العالم العربي الضعيف، والمستهلك لكل شيء، ولتحقيق هذه الأهداف تحتاج تركيا لخطوات عمل عديدة، وهنا برز دور أردوغان الكاريزمي القيادي، وخطاباته الحماسية، وأحمد داود أوغلو بأفكاره وأطروحاته الأكاديمية، وعبد الله جول بوجهه المريح، ولغته العربية، وخبرته بالعمل لعدة سنوات في المملكة العربية السعودية، وشكل هذا الثلاثي استراتيجية جديدة لتحركات تركيا الخارجية، وتوجهها نحو الشرق، والتي كرسها أوغلو في كتابه الشهير (العمق الاستراتيجي) [18]الذي تحدث فيه عن عمق تركيا الاستراتيجي الحقيقي تجاه العالم العربي والإسلامي، بجانب سياسة "صفر مشاكل" مع الجيران، وتوقيع اتفاقيات تجارة حرة مشتركة مع العديد من البلدان العربية، وكانت سوريا أبرزها، وحرية التنقل بلا تأشيرة دخول، تزامن ذلك مع غزو درامي تركي عبر الدراما التاريخية، التي تداعب نوستالجيا زمن العظمة "الإسلامية" ممثلة في الدولة العثمانية، ودراما رومانسية تمثل طبقات تركيا العليا المحدودة لتعطي انطباعا ساحرا للمشاهد العربي عنها، وتدفعه للسفر إليها للسياحة والاستثمار، وشراء عقار وربما الإقامة فيها، إنها القوى الناعمة التي أجادتها تركيا بينما فشل العرب.
كانت السياسة التركية تجاه العرب منذ عام 2002م. إلى 2011م. قائمة على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشئون الداخلية، ومنح التجارة والاستثمار وحريته الأولوية، والحديث عن فلسطين وقضيتها ودعمها وهو مالم يكن العرب معتادين على سماعه من الساسة الأتراك، والمحافظة في نفس الوقت على علاقات وثيقة مع الغرب وأمريكا، وإسرائيل، وكان الإخوان مفيدين جدا لتركيا في ذلك حيث الأموال الضخمة بالخليج يمتلكها الكثير من أتباعهم والمتعاطفين معهم، وروجوا بنشاط للسياحة في تركيا، وتنمية التجارة معها على حساب المنتج الوطني والصيني كونه أكثر جودة، والغربي كونه ليس سيئا وقادم من دولة إسلامية، وبالتالي نشأت العلاقة التي استفاد منها كلا الطرفين دون وجود رابط أيديولوجي أو تنظيم سياسي واحد فيما بينهم.
اعتمدت السياسة التركية على إحياء التاريخ التركي – العثماني كوسيلة لخلق روابط فيما بينها وبين محيطها العربي، والترويج لنفسها داخل العالم الإسلامي، وإنهاء حالة العزلة التي تم فرضها عليها منذ تأسيس الجمهورية التركية، وحصولها على أسواق جديدة لا تجعلها مرتهنة للسوق والاستثمار الغربي الغير قادرة على المنافسة فيه، وتحقيق طفرة اقتصادية دون التعويل على الاتحاد الأوروبي الذي أصبح من الواضح أن تركيا لن تكون عضوا فيه، وهذه هي مجمل سياسات واستراتيجيات من سموا "العثمانيون الجدد" حتى دب الضعف في العالم العربي، ودخلت العديد من بلدانه في حالة صراع واحتراب أهلي، وهو ما جرأ السياسة التركية، وأثار شهوتها وطموحها للحصول على ما هو أكثر من التجارة، والاستثمارات، وإمكانية خلق نفوذ لها عبر وصول جماعة الإخوان المسلمين للسلطة.
أعتقد إلى حد كبير حال استقر الحكم للإخوان بالمنطقة، أن الخلاف بينهم وبين حزب العدالة والتنمية في تركيا كان واقعا لا محالة، وعلاقة التخادم فيما بينما كانت ستنتهي مبرراتها، وسيحل محلها التنافس بين كلا النموذجين، فإما يتحول الإخوان للنموذج التركي وهو ما أراه كان مستحيلا لطبيعة التنظيم المنغلقة، واستحالة قيامه بمثل هكذا خطوة خصوصا مع معرفتي الشخصية من الداخل بالكثير من أفكاره وبعض قياداته، وحال أقدم على مثل هكذا خطوة فمصيره كان التفكك والانهيار، أو يتحول النظام التركي للنموذج الإخواني العربي، وهو ما لا يمكن لتركيا وطبيعتها أن تستوعبه، ولا كبرياء وأنفة الأتراك أن يقبلوه.
في الوقت الحالي الإخوان بحالة ضعف، وبلا نصير أو مأوى، ولم يجدوا سوى تركيا لتقديم المأوى والحماية، ومن على أراضيها تنطلق منصاتهم الإعلامية، وتستفيد تركيا من إيداعاتهم المالية في بنوكها، واستثماراتهم العقارية والتجارية في اقتصادها، وقوتهم الشرائية باستقرارهم في تركيا.
موقف أردوغان من "ثورة 30 يونيو" أو "انقلاب 3 يوليو" 2013م. كما يسميه كل طرف لا علاقة له بالمطلق بأي أيديولوجية، أو قيم ومبادئ، وموقف تنظيمي مع الإخوان المسلمين، وبحسبة سياسية بسيطة سيجد أي فرد نفسه لو كان مكانه سيفعل مثلما فعل، فتسليمه بسقوط نظام حاكم جاء عبر انتخابات "ديمقراطية" بعد خروج الجماهير للشوارع، وانحياز الجيش لمطالبهم، والتي ترافقت مع حركة احتجاجات في 28 مايو/أيار 2013م. المعروفة باحتجاجات تقسيم في إسطنبول، وكأنها دعوة للجيش التركي بالتحرك، وإسقاط حكمه كما حدث في مصر، وذلك لوجود حركة شعبية رافضة لحكمة في الشارع، وببلد له إرث طويل مع الانقلابات العسكرية، وبالتالي موقفه كان دفاعا ذاتيا عن نفسه قبل أن يكون دفاعا عن الإخوان أو الرئيس الراحل محمد مرسي، كما أن أردوغان وبحسابات المنطق يدرك أن العرب أضعف من مواجهته اقتصاديا، أو عسكريا، أو سياسيا، ومصالحه مؤمنة معهم ولا خوف عليها، وبينما كان يطمح من وراء صعود الإخوان المسلمين للسلطة الحصول على مكاسب أكبر، فعبر موقفه المتشدد بدعمهم، واحتضانه للهاربين منهم، وتحويل تركيا لمنصة إعلامية لهم يضمن في يده ورقة ابتزاز ضد النظم العربية، وضمانة بألا يسعى أي طرف عربي للإضرار بالمصالح التركية، وبهذه الورقة يوما ما سيدخل في مفاوضات حتمية مع العرب، وبورقة الإخوان سيأمن مصالح تركيا، ولديه من القدرة عبرها على ابتزاز الغرب والشرق، وفي المقابل يأمل الإخوان بعلاقات تركيا وقدراتها أن تؤمن لهم عودة جديدة للحياة السياسية، وبالتالي فموقفه من الناحية السياسية طبيعي للغاية ولا غرابة فيه بعيدا عن أي أيديولوجية، وتسليمه بالأمر الواقع في مصر بعد 3 يوليو 2013م. وتخليه عن كل أوراق الضغط التي يمتلكها موقف لا يُقدم عليه سوى سياسي مبتدئ وغبي، القصة بسيطة وكلها مصالح واضحة لمن يريد أن يراها بعيدا عن الدجل والتحشيد السياسي من كلا الطرفين المتصارعين.
ما بين أتاتورك وأردوغان:
أسس رجب طيب أردوغان جمهورية تركية ثانية، وهذه الجمهورية تختلف في المظهر وتتفق في الجوهر مع الجمهورية التركية الأولى، التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك، ولا وجود كما أعتقد لخلاف بين الرجلين، فكلاهما قومي تركي، وأي شيء أو أيديولوجية بعدها علمانية أو إسلامية تأتي بالمقام الثاني، وكلاهما يريد نهضة وعظمة تركيا، وكلاهما أسس جمهورية من رحم أزمة عانت منها تركيا، وكلاهما يسعى لإيجاد حل لهذه المعضلة التاريخية التي وضعت فيها الجغرافيا تركيا بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، حيث وجد أتاتورك أن حل الجمهورية يكمن في الاندماج مع المنظومة الغربية، والحصول منه على المعونات الاقتصادية، والتقنيات الحديثة التكنولوجية، والحماية العسكرية من التمدد السوفيتي، وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي، وتراجع قيمة تركيا ودوروها بالنسبة للغرب، وتوقف المعونات والدعم الاقتصادي الغربي، سعى أردوغان ورفاقه نحو الشرق والعالم الإسلامي، ووجد فراغا عربيا، وضعفا سياسيا، وخرابا اقتصاديا، وتداعي ثقافي، وغياب واضح للهوية القومية العربية، وقد استغل كل هذه العوامل للتجارة والاستثمارات، وتحويل العالم العربي لما يمكن تسميته "هايبر ماركت" للمنتجات التركية، ومع حالة الضعف التي دخل العرب فيها بعد 2011م. زادت طموحاته لما هو أكبر من ذلك، فنحن بضعفنا كنا أشبه بالشيطان الذي أغوى تركيا لما لم تكن تفكر فيه.
الهدف التركي حاليا أن تتفاوض مع أوروبا لا باسم تركيا، فتركيا وحدها تراجعت قيمتها، ولا يمكنها الحصول من الغرب على شيء ذو قيمة تذكر، ولكن عندما تتفاوض مع الغرب على ملفات أمنه واستقراره، وتشكيلها لحاجز جغرافي وأمني يحميه من الفوضى، واللاجئين القادمين من العالم العربي، ويفاوض إسرائيل على ورقة حماس وغزة، وروسيا على ضمان أمن واستقرار سوريا، وخطوط الغاز القادمة منها نحو أوروبا، وأمريكا على خلق توازن مع الدور الروسي المتنامي في ليبيا، والنفوذ الإيراني في العراق، وغيرها من الملفات الأخرى. سيكون لتركيا ثقل كبير، ولا يعني ذلك أنها تنسلخ من سياسات أتاتورك، أو تبتعد عن الغرب وأمريكا، بل على العكس تماما فهي تعزز من مكانتها، ومن مكاسبها وأوراق القوة لديها وهي تفاوض الغرب، وإسرائيل، وإيران، ورسيا، والعرب، وأمريكا، وتحصل منهم على مكاسب أكبر، وهكذا كل الملفات متشابكة، ولا يمكن فصلها عن بعضها البعض، ولا تناقض بين أتاتورك وأردوغان في حقيقة الأمر، وهذه هي السياسة الدولية للدول التي تدرك قيمتها ودورها، العلاقات الدولية ليست جمعية خيرية، ولا قيم ومثل أخلاقية نتعلمها من أمهاتنا ونحن أطفال صغار في الروضة، أو خطابات غوغائية تدعو للحرب التي تقودنا حتما نحو التهلكة.
مستقبل الإسلام السياسي التركي:
الدول تصنف إما دول بسيطة مثلما هو الحال في مصر، حيث لا يوجد تناقض مذهبي، أو ديني، أو طائفي، أو قومي إثني، أو مناطقي، وبالتالي قد يصلح لمثل هذه الدول نظام بسيط مكون من غرفة برلمانية واحدة، ونظام برلماني أو رئاسي ذو صلاحيات واسعة، مقابل بلدان مركبة بها طوائف وقوميات عدة، وتركيز السلطة بيد فئة واحدة من المجتمع قد تخلق شرخا قويا فيه، وتجعل من مستقبل الدولة غير مضمون حيث تعتمد على حكم الزعامة القادرة على خلق توافق بين أطياف الشعب المختلفة، ولعدم ضمان وجود هذه الزعامة بكل العصور، تلجأ هذه الدول لنظام يوزع السلطات بين جهات عدة لضمان تمثيل الجميع وإدماجهم بالنظام السياسي للدولة، وتركيا تحتوي على العديد من القوميات والأديان (ترك – تركمان – كرد – عرب – سلاف جنوبيين – أرناؤوط ألبان – شركس قوقازيين – منجريل جورجيين – أرمن – يونانيين – لاز – أذريين - سنة – شيعة اثنا عشرية – شيعة علوية – علاهيون - مسيحيين - يهود). وبالتالي النظام الرئاسي لم يكن صالحا لها سوى في عهد زعامة متفق عليها مثل أتاتورك، أو زعامة كاريزمية كأردوغان، ويصعب جدا أن يخلق هذا النظام استقرارا بعد خروجه من السلطة يوما ما، وبالتالي أعتقد وبشكل كبير أن مرحلة ما بعد أردوغان ستتجه تركيا لتعديل الدستور، والعودة من جديد للنظام البرلماني الموسع.
أدى طول مدة قيادة أردوغان للحزب والدولة التركية 17 سنة متصلة، لما يمكن تسميه "داء العظمة" والديكتاتورية في الإدارة، وهو ما أدى لابتعاد رفاقه المؤسسين مثل رئيس الجمهورية السابق عبد الله جول، ورئيس مجلس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو، ووزير الخارجية السابق علي باباجان، وقد أسس المنظر الفكري لحزب العدالة والتنمية أوغلو في 13 ديسمبر/كانون الأول 2019م. (حزب المستقبل - Gelecek Partisi).  وهذا الأمر طبيعي للغاية في التجارب الديمقراطية التمثيلية، فتبدأ بحزب كبير مؤسس، يتمكن عبر "ديمقراطية الهيمنة" من السيطرة على مؤسسات الدولة، وحكم البلاد لفترة زمنية طويلة عبر الديمقراطية الإجرائية، ومع مرور الوقت يمل المواطنين منه، ويرغبون في التغيير لكن نظرا لهيمنته لا يوجد بديل قادر على هزيمته، وبالتالي يحدث انشقاق داخله يؤدي لتحول الحزب الواحد لحزبين أحدهما يمين، والأخر يسار في طرق وآليات التطبيق، ولكن الاستراتيجية واحدة، وهو ما حدث بانشقاق الحزب الجمهوري عن الحزب الديمقراطي، وأصبح الحكم متداولا بين الطرفين في أمريكا، ويعتبر الحزب الديمقراطي يساريا مقابل اليمين الذي يمثله الجمهوريين في التطبيق، ولكن الاستراتيجية العامة لكلا الحزبين واحدة، وهو ما يحدث الأن في تركيا، ويمكن تصنيف حزب المستقبل الجديد لأغلو على أنه سيمثل جناح يساري مقارنة بالجانب اليميني للعدالة والتنمية من داخل نفس ذات التوجهات.
يعتقد البعض أن الخلاف الحالي بين أردوغان وأوغلو مخطط ومرتب سلفا ليحتكر التيار الإسلامي العملية السياسية، ويقدم بديل من نفس اللون السياسي الواحد، ولكن بدرجة متفاوتة، وحتى يكون لدى الجمهور خيار أخر بدلا من الذهاب لأحزاب ذات أيديولوجية مغايرة عملا بإحدى أشهر قواعد التسويق التي تقول (Eat yourself before somebody else eats you). وأي كان الأمر مخطط أو تطور طبيعي كما أعتقد، فقد ثبتت الهوية الإسلامية الحضارية للشعب التركي، وأصبحت أمرا واقعا لا يمكن لأي حزب تجاوزه، وانتهى صراع الهوية وتم حسمه عبر إقرار التيار الإسلامي بعلمانية الدولة، وعدم سعيه لتغييرها، واقتناعه بها وبأنها الأنسب لتركيا والعصر الحديث، وقناعة التيار الأتاتوركي بأن العلمانية القسرية التي تم تطبيقها بالماضي لم تعد تصلح للحاضر، وأصبح التنافس الأن قائما على البرامج السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والإسلام يمثل هوية حضارية، ومنظومة قيم أخلاقية للشعب لم يعد هناك خلاف حاد عليها كما كان بالماضي.
لم يحسم الرئيس السابق عبد الله جول أمره، ولم يعلن انضمامه لحزب أوغلو الجديد، أو استقالته من حزب العدالة والتنمية، وأتوقع أن يظل هكذا في المنطقة الرمادية منتظرا خروج أردوغان من السلطة، وقيادته لحزب العدالة والتنمية من بعده، وحال لم يحدث هذا فمصير الحزب سيكون على المحك بعد أردوغان، وسيتحول غالبا لحزب صغير غير مؤثر، لغياب أي قيادة فيه بعدما فرغه أردوغان من كل قياداته، وقرب الشخصيات الضعيفة الهامشية منه.
جزء كبير من الصراع بين حزب العدالة والتنمية وخصومه في تركيا ليس فقط على الإسلام مقابل العلمانية، هذا هو الجزء الظاهر فقط من الصراع والذي تم بالفعل حسمه، ولكن المعركة بين الحزب وخصومه تنطوي على بعد أخر طبقي ومناطقي، حيث أن الجمهورية التركية منذ نشأتها الأولى كانت حكرا على النخبة المنتمية لمنطقة الغرب التركي "الرومالي" وهي المنطقة الأوروبية في تركيا، والأكثر اندماجا مع المنظومة الغربية فكريا وثقافيا، مقابل أردوغان وحزبه الذي اعتمد على الشرق "الأناضولي" المحافظ في غالبيته، والمنتمي لثقافة أكثر شرقية، ونسبة المواليد لديهم عالية جدا مقارنة بسكان الغرب، وقد خلق أردوغان نخبة شرقية "أناضولية" جديدة، وجعلها تقود البلد سياسيا، واقتصاديا، وبالتالي تدين بالولاء المطلق له، وهو أحد أهم أسباب الصراع مع خصومه.
الخاتمة:
في هذا البحث أسهبت كثيرا في توضيح الفرق بين الإسلام السياسي التركي ونظيره العربي، حيث أننا عندما نناقش كلا التجربتين يعلق في ذهننا واقعنا ونسقطه على الواقع التركي المغاير تماما لتجربة الإسلام السياسي العربي.
  • تركيا بحكم العامل الجغرافي، والتاريخي، والمصالح والصراعات المتداخلة معها بلد هام جدا للعرب، ولا يمكن تجاوزها، أو حصر العلاقة معها في حالة الصراع الدائم، والعالم العربي لا يتحمل حصار من تركيا بالشمال، وإيران بالشرق، وعلاقة غير مستقرة مع باكستان، وصراع حول الماء والحياة جنوبا مع إثيوبيا، وإسرائيل في القلب، ولا حل لدينا سوى التوافق معها، وهذا التوافق متاح وليس مستحيل، والمشكلة الرئيسية تكمن في ضعف سياساتنا، وغياب التنسيق العربي ولو بحده الأدنى، وعدم إدراكنا لأبسط أبجديات الأمن القومي، وفهم العلاقات الدولية بطريقة شديدة السذاجة والسطحية، القانون الدولي، ومجلس الأمن، وميثاق الأمم المتحدة، ودور الدول الكبرى، وكل هذه الأمور ما هي إلا خرافات صدقها البعض، وتعامل معها كمسلمات وأساس للعلاقات الدولية، بينما العلاقات الدولية قائمة على القوة حصرا، ومالم تمتلك القوة، والقوة لا أعني بها فقط الجانب العسكري، فلن يحترمك أي طرف أو يلتفت إليك، ونحن الأن نعرف ماذا تريد منا تركيا، يبقى أن نعرف من نكون، لنعرف ماذا نريد، وعلى هذا الأساس نفرض شكل من العلاقات المتوازنة بيننا وبين تركيا، ونخلق آلية لعلاج المشكلات فيما بيننا، ونفس الأمر نحن بحاجة إليه مع إثيوبيا، وإيران، وباكستان، وإن شئنا الحديث بوضوح أكثر نحن بحاجة لمشروع عربي، وهذا المشروع يتقدم بمبادرة من مركز قوة لخلق رابطة شرقية تجمع هذه المنطقة تحت مظلتها، وهو ما يضمن مصالح الجميع وتشبيكها دون الحاجة للدخول في صراع حولها.
  • الإسلام السياسي في تركيا هو إسلام حضاري، يتحدث عن هوية، وتعاون بين الدول الإسلامية، وليس أيديولوجية قائمة على تحكيم الشريعة الإسلامية، أو قيام ما تسمى "الخلافة الإسلامية" وكل هذه الحوارات العبثية التي ضيع الإسلام السياسي العربي وقتنا فيها، وما يتم ترويجه من شعارات ما هي إلا أدوات للتعبئة واجتذاب العامة والدهماء، وليست واردة بأي شكل من الأشكال في حسابات صناع القرار الأتراك، الذين يعرفون حزبهم على أنه حزب تركي محافظ قومي.
  • التعويل على سقوط أردوغان، أو خروجه من السلطة بأي شكل، ومجيء نظام مختلف تعويل في غير محله، فإما سيكون البديل من نفس ذات الطيف السياسي بتكتيكات مختلفة، ولو كان حزب أخر حتى لو كان حزب الشعب الجمهوري الأتاتوركي فقد تغيرت المعادلة في تركيا، وأصبحت ملفات مثل ليبيا، والعراق، وسوريا، وغاز شرق المتوسط جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي التركي، ولا يمكن لأي حزب سياسي تجاوزها، وبعد شيوع سياسات حزب العدالة والتنمية في الشارع التركي، لا يمكن لأي حزب معارض يتسلم السلطة غدا أن يفرط فيها، وينسحب هكذا من سوريا أو العراق، أو يقرر إغلاق القاعدة العسكرية في قطر، أو التخلي عن مصالح تركيا في قبرص وغاز المتوسط، وبالتالي على العرب أن يوطنوا أنفسهم على أنهم أمام تركيا جديدة بغض النظر عن الحاكم فيها وإيجاد صيغة التفاهم والتعامل معها.
  • نحن بحاجة ماسة عربيا للتفرقة بين تطلعات وطموحات الكثير من الشباب، وقطاع عريض لا يمكن إنكاره من الجمهور بوجود أحزاب ذات هوية إسلامية، وبين تنظيم مغلق يشكل خطر على الدولة، ولديه الاستعداد والمبررات للتآمر عليها تحت دعاوى مواجهة "الظلم" أو السلطة "الكافرة" أو التعاون مع "بلد إسلامي شقيق" مثل الإخوان المسلمين، وعلينا فتح حوار مع هؤلاء حول شكل الدولة، وانعكاسات التصورات الإسلامية لديهم عليها وعلى المجتمع، وخلق توافق معهم على قواعد عامة تتيح لهم العمل السياسي بحرية.
  • أتمنى أن أكون وفقت في فتح المجال للمهتمين بالشئون التركية على وضع قدمهم على أول الطريق ليصلوا بأنفسهم، وبعد توسعهم عبر ما تم توفيره من مراجع لشكل وطريقة التعامل مع تركيا، بعيدا عن سياسات التحشيد اللاعقلانية الحالية، وهذه المقالات بجانب سلسلة إيران، وما سيعقبها من سلسلة باكستان تهدف بالأساس لوضع أولى لبنات تصور عام لمن يهمه الأمر، حول إمكانية خلق منظومة شرقية تجمع شعوب المنطقة تحت مظلتها بعيدا عن تدخلات الغرب، واستقواء كل طرف به على الأخر.


الجمعة، يناير 03، 2020

الحقيقة العارية ..أفغانستان ليست فيتنام

أفغانستان ليست فيتنام أو حتى العراق,. جورج دبليو بوش لم يكذب على أمريكا بشأن  الحرب هناك , كما  لم يخف هو وباراك أوباما ودونالد ترامب وجنرالاتهم ودبلوماسيوهم التحديات والإخفاقات التي كانت تواجهها الولايات المتحدة , والوثاق التى كشفت عنها الواشنطن بوست ليست جديدة سوى للأشخاص الذين نسوا أخبار صفحتها الأولى منذ بضع سنوات. فضلاً عن كونها ليست مستندات البنتاغون ،مع أن البعض  يود أن تكون كذلك.
دخلت الولايات المتحدة الحرب في أفغانستان في أعقاب الهجوم الإرهابي الأكثر تدميراً في التاريخ ، والذى تم الإعداد له من ذلك البلد. كان الدعم بأغلبية ساحقة من الحزبين. وجرت الموافقة على قانون الإذن باستخدام القوات المسلحة الأميركية لمكافحة الإرهاب فى 2001 وسط  دعم الشعبي للحرب في أكتوبر تجاوز  88 في المئة.
لم يكن هذا الدعم قائمًا على كذبة أو معلومات استخباراتية مشكوك فيها أو بعض حوادث خليج تونكين الحديثة.  بل استند إلى فيديو لأنقاض الدخان المتصاعدة  من مركز التجارة العالمي وإلى المعلومات  ، التي لم يُسأل عنها أبدًا منذ ذلك الحين ،والتى يمكن إيجازها فى  أن القاعدة نفذت الهجوم من ملاذ آمن في أفغانستان.
بوش لم يتسرع في الحرب. فقد أصدر إنذاراً لطالبان ، التى دعت  أسامة بن لادن إلى الإقامة و قاعدته في أراضيهم في التسعينيات وكان يستضيفه عندما شن هجومه ,وطالبهم بوش بتسليم بن لادن أو مواجهة الحرب. رفضت طالبان ، واصطففت مع بن لادن حتى بعد هجوم 11/9 وأوضحت أنها ستستمر في استضافته وحمايته بينما كان يعد هجمات أخرى من هذا القبيل. عندها فقط أمر بوش الجيش الأمريكي بالعمل مع شركاء أفغان محليين لإسقاط نظام طالبان وحرمان القاعدة من ملاذها الأفغاني.
سارت العمليات العسكرية الأولية بشكل جيد نسبيًا ، حيث حققت أهدافها في أوائل عام 2002: لقد انهارت حكومة طالبان ، وتم تدمير قوات القتال التابعة للقاعدة أو تفريقها ، وفرت قيادتها إلى باكستان.
بعد ذلك واجهت الولايات المتحدة مأزقًا يتمثل فى كيفية تخليص نفسها من أفغانستان دون إعطاء القاعدة الفرصة لإعادة بناء ملجأها واستئناف التخطيط لشن هجمات على الوطن الأمريكي. ركض بوش في عام 2000 على منصة معارضة لبناء الدولة والحروب الطويلة (كان يفكر في البلقان) وهرع لتسليم المشكلة الأفغانية إلى المجتمع الدولي وحلف شمال الأطلسي. لقد كان ذلك خطأ – ولكنه خطأ ولد من الرغبة في الخروج من أفغانستان بسرعة ، وليس لجعله خنجراً  في هندو كوش.

شهدت السنوات التي تلت ذلك أخطاء متزايدة . لقد صرفت حرب العراق الانتباه عن أفغانستان ، التي سمحت لها إدارة بوش بالانجراف,  الرئيس أوباما ، الذي خاض الانتخابات على منصة لإنهاء حرب العراق لإعادة التركيز على أفغانستان ، أمر بزيادة عدد القوات العسكرية لمحاربة تمرد طالبان المتصاعد الذي كان يهدد بإعادة تموضع تنظيم القاعدة في أفغانستان. كانت تلك الزيادة ضرورية وحققت مكاسب مهمة. كما أمر بزيادة هائلة في إعادة الإعمار ، وإنفاق الدولارات على نظرية أن بناء الحكم الأفغاني وتخفيف المظالم الاقتصادية كان على الأقل بنفس أهمية العمليات العسكرية لتأمين مكاسب أمريكا ، ومرة ​​أخرى ، السماح للولايات المتحدة بالخروج من أفغانستان بأسرع ما يمكن., كان هدفه المستمر.
ومع ذلك ، فإن زيادة الإنفاق على إعادة الإعمار وممارسات التعاقد العسكري الخاطئة التي تدعم زيادة القوات قد غذت الفساد الهائل بالفعل الذي كان يفعل أي شيء آخر أكثر من دفع التمرد.
هذا الفساد والمشاكل التي تسبب بها لم تكن سرا. الجنرال ستان ماكريستال ، الذي تولى القيادة في أفغانستان في عام 2009 ، حدد الحكم السيء بما في ذلك الفساد على أنه متكافئ مع طالبان باعتباره التهديد الرئيسي لنجاح العمليات الأمريكية في تقريره إلى الرئيس أوباما. تم تسريب هذا التقرير ونشره ومناقشته على نطاق واسع في البيت الأبيض وفي وسائل الإعلام. أنشأ الجنرال ديفيد بترايوس ، خلفه ، فرقة عمل شفافية تحت قيادة ماكريستال  بشكل صريح لمكافحة الفساد في الحكومة الأفغانية حتى بينما كثف الجهود التي بدأها ماكريستال لمعالجة الممارسات السيئة في التعاقد العسكري. تم الإعلان عن كل هذه المشاكل والجهود ومناقشتها علنًا.
هل حاول القادة المدنيون والعسكريون الأمريكيون في بعض الأحيان تصوير وجهات نظر إيجابية مفرطة بشأن الوضع في أفغانستان؟ بالطبع بكل تأكيد. ظاهرة الدوران ليست جديدة ، ولا تقتصر على الحروب. إنها عنصر محزن ولكن لا مفر منها في خطابنا الاجتماعي والسياسي حول أي شيء تقريبًا.
لكن هل كذب القادة الأمريكيون بشكل منهجي على الشعب الأمريكي بشأن الوضع في أفغانستان ، أو أخفوا عنه المشكلات التي نواجهها هناك ، وحتى المشكلات التي تسببت فيها أخطائنا ، أو منعوه بطريقة أخرى من فهم ما كان يحدث بالفعل؟ بالطبع لا.

أفضل دليل على ذلك هو التآكل المطرد للدعم الشعبي ومعارضة الكونغرس للحرب التي بدأت بتأييد واسع النطاق من الحزبين. لم يكن هذا التآكل ناتجًا فقط عن إرهاق الحرب أو التشكيك الفطري ، بل عن التدفق المستمر للبيانات والتقارير التي أدلى بها المسؤولون المدنيون والعسكريون في كابول وواشنطن ، والتقارير الصادقة للصحفيين الذين سافروا بحرية إلى أفغانستان وفي أغلب الأحيان ، حول الأخطاء التي يتم ارتكابها والتحديات التي تواجهها. عرف الأمريكيون بالمشاكل والأخطاء عند حدوثها ، حتى لو نسينا أننا فعلنا ذلك.

أفغانستان اليوم بالكاد هي فيتنام في عام 1972. القوات العسكرية الأمريكية هناك ستنخفض إلى أقل من 10الآلآف  – وهذا العدد القليل منخرط فقط في توفير الدعم الجوي والاستخباراتي وغيره من أشكال الدعم المحدودة لمئات الآلاف من الأفغان الذين يقاتلون طالبان والقاعدة و داعش ، فضلاً عن وجود القوات الأمريكية الخاصة  والتى تواصل محاربة الإرهاب.
تغذي الهستيريا التي تطلقها سلسلة الوشنطن بوست الآن تحت شعار “نهاية الحروب التي لا تنتهي” أولئك الذين يريدون فقط سحب تلك القوات المحدودة من أفغانستان دون التفكير في العواقب (أو إنكار وجود عواقب).
ومع ذلك ، ستكون هناك تداعيات لذلك  ,لعل أبرزها التخلي جانباً عن المكاسب الهامة التي حققناها في عام 2002 ولم نخسرها بعد في أفغانستان ,  لذا  فإن تدميروطرد المجموعة التي هاجمت وطننا في عام 2001 ، وإنشاء قاعدة يمكن من خلالها مواصلة استهداف قادتها في باكستان ، وحرمانهم من ملاذ أفغاني من خلال أشقائهم الأيديولوجيين يعد أمراً حيوياً

المصدر : فريدريك دبليو كاغان – معهد امريكان انتربرايز

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية