‏إظهار الرسائل ذات التسميات شعر وادب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شعر وادب. إظهار كافة الرسائل

الأحد، سبتمبر 22، 2013

من أوصل السارين إلى سوريا؟

لم تستبعد موسكو احتمال مشاركة خبراء روس في العمل على إعداد عملية وضع السلاح الكيميائي السوري تحت السيطرة الدولية، وفي غضون ذلك يدور الجدل ما إذا كان الاتحاد السوفياتي السابق كان زوّد سوريا بغاز (السارين) القاتل.
 
تشير التقارير إلى أن الترسانة السورية تضم كمية كبيرة من صواريخ عيار 122 ملم معبأة بغاز السارين. وقال تقرير نشر في لندن، الأحد، إن معلومات يتم تداولها الآن تشير إلى أن لدى روسيا "دليلا" جديدا عن الهجوم، يتضمن تواريخ تصدير صواريخ معينة استخدمت، والأكثر أهمية، البلدان التي بيعت لها أصلا.
 
ويقول الكاتب البريطاني روبرت فيسك في تقرير نشرته صحيفة (إنديبندانت) إن هذه الصواريخ مصنعة على ما يبدو في الاتحاد السوفياتي في عام 1967 وباعتها موسكو إلى ثلاثة بلدان عربية هي اليمن ومصر وليبيا إبان حكم العقيد القذافي.
 
ويشير الكاتب إلى أن هذه المعلومات لا يمكن التحقق منها في وثائق رسمية، وأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لم يكشف عن السبب وراء قوله للرئيس الأميركي باراك أوباما إنه يعرف أن جيش الأسد لم يطلق صواريخ معبأة بغاز السارين، ولكن إذا كانت هذه المعلومات صحيحة، ويعتقد أنها جاءت من موسكو، فأن روسيا لم تبع ذلك النوع من الذخيرة الكيميائية إلى سوريا.
 
سيناريو افتراضي
 
ويرسم تقرير (الإنديبندانت) سيناريو افتراضيا بناء على هذه المعلومات، يقول فيه إن كميات كبيرة من الأسلحة السوفياتية الصنع وقعت بعد سقوط نظام القذافي في عام 2011 في أيدي جماعات متمردة ومسلحين قريبين من تنظيم القاعدة، وظهر العديد منها لاحقا في مالي وفي الجزائر وسيناء.
 
ويضيف أن كثيرا ما يقول السوريون إن كميات مهمة من الأسلحة السوفياتية الصنع قد وصلت من ليبيا إلى أيدي المعارضة المسلحة في سوريا التي تعيش حربا أهلية، وذلك بمساعدة من قطر التي دعمت المعارضين الليبيين في انتفاضتهم ضد القذافي وتقوم اليوم بدفع أموال شراء شحنات الأسلحة للمعارضة المسلحة في سوريا.
 
ويخلص تقرير الكاتب البريطاني إلى القول، إنه ليس ثمة شك في أن سوريا تمتلك كمية كبيرة من الأسلحة الكيميائية وأن الترسانة السورية تضم كمية كبيرة من صواريخ عيار 122 ملم معبأة بغاز السارين، إلا أنه إذا كان الروس قادرين فعلا على تحديد العلامات على قطع حطام الصواريخ التي عثر عليها في الغوطة، وإذا كانت تلك فعلا من ذخائر لم تصدر إلى سوريا، فأن ذلك سيعطي دفقة قوية لنظام الأسد للدفاع عن نفسه والقول ببراءته.
 
خبراء روس
 
إلى ذلك، أعلن وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، أنه لا يستبعد إحتمال أن يشارك خبراء روس في وضع الترسانة السورية تحت الاشراف الدولي. وأضاف شويغو في مقابلة أجراها معه التلفزيون الروسي  السبت: "بعد ذلك سيتم تقرير ما إذا  سيدمر هذا السلاح ميدانيا (في الأراضي السورية) أو ينقل أو تفرض الحراسة المشددة عليه. ونحن جميعا في بداية الطريق".
 
وبحسب قوله فإن الاقتراح الروسي الذي طرح خلال محادثات وزيري الخارجية الروسي سيرغي لافروف والأميركي جون كيري في جنيف الأسبوع الماضي انحصر أولا في تسليم السلاح الكيميائية السوري ليكون تحت السيطرة الدولية. ولم يتم الاتفاق (مع الجانب الأميركي أو الأممي) على دور الخبراء الروس في هذه العملية".
 
وتابع قائلا: "في حال تم تحديد دورنا في السيطرة الدولية على هذا السلاح أو نقله أو تدميره، فبطبيعة الحال ستشارك روسيا وقواتها المسلحة الخاصة في هذه العملية".
 
مدة الاتلاف
ومن جهته، رأى سيرغي إيفانوف، رئيس ديوان الرئاسة الروسية، بدوره، أن المدة والتكلفة والتكنولوجيا المطلوبة لعملية إتلاف مخزون السلاح الكيميائية السوري ستتضح بشكل نهائي بعد شهرين أو ثلاثة.
 
وقال إيفانوف ذلك لدى مشاركته في جلسة حوار ضمن فعاليات  المؤتمر العاشر اليوبيلي لمعهد الدراسات الإستراتيجية الدولي باستوكهولم  السبت. ووصف ممثل الكرملين قيام السلطات السورية بتقديم المعلومات الكاملة حول حجم ترسانتها الكيميائية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية بأنه "دليل واضح على أن الرئيس السوري بشار الأسد ملتزم بتعهداته".
 
ودعا إيفانوف في الوقت ذاته إلى إجراء تحقيق دقيق وموضوعي في حالات استخدام الكيميائي في سوريا، مشيرا إلى أن "هيئة الأمم المتحدة هي التي تحدد الجهة المذنبة، ويتعين على المفتشين الأمميين العودة إلى سوريا بأسرع وقت ومواصلة عملهم على التحقيق في حالات أخرى  لاستخدام  السلاح الكيميائية بما في ذلك في خان العسل".
 
وختم إيفانوف قائلاً: إنه "حتى لو تمكن المجتمع الدولي من إتلاف  السلاح الكيميائية السوري بالكامل، فهذا لا يعني أن النزاع في هذا البلد سينتهي بذلك. ولكنني على قناعة تامة بأنه حتى تنفيذ الهدف المتمثل في إزالة مخزون السلاح الكيميائية السوري سيعتبر نتيجة إيجابية وهامة جدا بالنسبة للمجتمع الدولي".

الجمعة، سبتمبر 20، 2013

"صبرا وشاتيلا".. على أطلال المجزرة


هي المجزرة التي كانت
ثلاثة أيامٍ للموت
ثلاثة آلاف شهيدٍ
وأكثر
بكل هدوءٍ تمت المذبحة
في العتم تمت الجريمة
.. لم تكن الفضائيات قد أتى زمنها بعد

***

الليل بالنهار اتصل
بسواعد الإسرائيلي طُوق المخيم
بالمضئ من قنابله أُنير الليل للأشقاء احتفاءً بالموت
.. بيد الأخ صُفيَ العُزل
سكاكينٌ عربيةٌ تكفلت بما تبقى:
ثلاث فرقٍ
ثلاثمائة شقيقٍ قاتلٍ فضوا بكارة المخيم
بحثوا عن مقاتلين ما كانوا هناك
لم يكن في المخيم أكثر من «مدنيين»
.. وهل من فارقٍ بين فلسطيني مقاتلٍ وآخر أعزل؟!

***

غادر القتلة
صحت بيروت على الفاجعة
كانت حفلة سادية:
أطفالٌ غرقوا في دمائهم
بطون الحوامل بُقرت
نسوةٌ اغتصبن ثم أُهدين للموت
شيوخٌ ذُبحوا
.. لم يكن للهروب من الموت مكان

***

أرادوا قتل المخيم
وأد الحلم بالعودة
فـ«رحل الرجال الى الرحيل
والحرب نامت ليلتين صغيرتين،
وقدمت بيروت طاعتها وصارت عاصمة..»(1)

***

صبرا اُغتصبت
ماتت
رجالاً
نساءً
شيوخاً
أطفالاً
ضمائر الإنسانية ماتت أيضاً
جرافات العدو تكفلت بقتل الحجر
جرفت المخيم
هدمت المنازل
.. و«العودة» ما مات
ومن لم يمت بالدم لن يوأد بالمحادثات

***

حقق العدو في المجزرة
«كاهن» (2) لامت شارون وبيغن وشامير
والشقيق ما حقق ولا اعتذر
.. ولا استفاق ضميره

***

نسينا «دير ياسين» و«كفر قاسم»
فذهبت صبرا أدراج المجاز
مرت «قانا» وأخواتها لبنانياً
«جنين» و«غزة» وما سبق وما لحق فلسطينياً
ليأتي ما بعدها سورياً:
«البيضاء»
«القبير»
«الحولة»
«التريمسة»
«داريا»
«حلفايا»
«تلبيسة»
«الغوطة»
.. والقائمةٌ تطول
ولا تبدو لها نهاية

***

واليوم إذ احترف سلاحنا الوطني نحرنا
لم تعد «صبرا» أكثر من «ذكرى مجزرة»!

السبت، نوفمبر 03، 2012

القدر يُنصف جُندياً مُقعداً ويحيي شقيقه الشهيد بعد 20 عاما

مأساة عائلة الياس لا تشبه مآسي العائلات اللبنانية التي عانت إبّان الحروب اللبنانية، فهي بالإضافة إلى تعليق أوسمة الشهادة وصور شهدائها على جدران منازلها، لم تكن تدرك أنها ستكون على موعد مع قدر مختلف الطعم واللون يحيي الحياة في أروقة غرفها المظلمة ويبعث الأمل مجدداً في دارتها، وفي قلب الأم الثكلى التي فقدت أيّ معنى لهذه الحياة منذ إصابة ابنها البكر الجندي في الجيش اللبناني منذ 20 عاماً في أسواق بيروت برصاصتين أقعدتاه مدى الحياة أمام عينيها، وباستشهاد مفاجئ لأخيه الأصغر ضابط المدفعية في حرب نهر البارد لتنسف هذه الفاجعة ما تبقى لديها ولدى العائلة من حب للحياة وأمل في المستقبل. فهل يخبئ القدر لهذه العائلة مزيداً من المفاجآت؟. حكاية المأساة بدأت عندما التحق أنطوان جرجس الياس عام 1984 في صفوف الجيش اللبناني، فأُصيب أثناء تأديته خدمته في أسواق بيروت، وفي حيّ البرجاوي تحديداً أو Primo حسب ما يروي طوني لـ"الجمهورية"، بطلقتين من بندقية معادية أصابتاه مباشرة، الأولى تحت الإبط والثانية في اسفل الظهر ليصبح مشلولاً مدى الحياة وهو لم يكمل الـ 19 من العمر. اما مشوار حياته فيرويه طوني، بصوت خافت ونظرات ثاقبة استرجع فيها ذكريات أليمة عانى فيها من قسوة القدر ونظرة المجتمع وحال صحية تدهورت بفعل الجلوس سنوات على كرسي متحرك، على رغم بضعة نوافذ أمل ساعدته على الابتسام أياماً، ولكنها لم تنسه سواد الليالي الأليمة والطويلة التي أمضاها على مدى 20 عاما. اليوم طوني في الأربعين من عمره، يروي لـ"الجمهورية" كيف نُقل يوم أُصيب الى غرفة العناية الفائقة في مستشفى "اوتيل ديو" ليبقى هناك نحو 4 اشهر. ولم يكن ينفع التحقيق آنذاك، على حد قوله، "لأن الخطوط كانت خطوط تماس والجهات التي اطلقت النار كانت معروفة في حينها". لذلك لم يفضِ التحقيق الى تحديد الجاني، إذ اعتُبرت إصابتُه إصابة حرب. حاول الأطباء والأهل اخفاء الامر عليه في بادئ الامر بطلب من الطبيب المعالج. لكنه علم وبعد ثلاثة اشهر انه لن يتمكن من السير مجدداً، إثر وقوع تقرير طبيب العائلة في يده وقد تركه في غرفته من غير أن يتنبّه لهذا الأمر، هنا أصيب انطوان بالخيبة والإحباط، خصوصاً حين نقل الى "بيت شباب" لاجراء التمارين الفيزيولوجية بحجة المساعدة. لكنّ التقرير النهائي جزم بأن إصابته في الفقرتين السادسة والسابعة من عموده الفقري أبعدتا الامل في قدرته على المشي مجددا. ويقول طوني بابتسامة حزينة وخاصة: "أعطوني أملاً مش موجود". ويضيف: "وصلت الى بيت شباب، فوجدت المعطوب والمعاق عقلياً، والذي لا يستطيع الحراك إطلاقا ينظر اليّ من دون أن ينبث ببنت شفة، وآخر لا يستطيع تناول طعامه بمفرده. فقلت في نفسي "منيح كتّر خير الله أنا بعدني احسن منهم". وبعد شهرين من المعالجة، بدأت أتأقلم في حياتي الجديدة تدريجاً إلاّ انّ العقور التي اُصبت بها نتيجة الجلوس الطويل والقروح التي كانت تلتهب وتتفاعل أدخلتني المستشفى مرات عدة للمعالجة. وكنت أصاب أيضاً بالتهابات في البول نتيجة كسل في كليتيّ بسبب عدم الحراك، وفي امعائي نتيجة تلك المضاعفات، فدخلت غرفة العناية الفائقة وكدت افقد حياتي لولا تدخّل القدر مجدداً وكأنه يقول لي "مهلاً إنّنا نخبئ لك المزيد". ◄مساندة العائلة والأصدقاء ويروي طوني كيف ساعده أقرباؤه "خصوصاً اهلي ورفاقي في بيت شباب على قبول مشيئة الله والقدر والتأقلم معهما. وقد تعافيت نفسيا ورضخت وتأقلمت مع واقعي الجديد، وقد ساعدني أخي الاصغر جان في إعادة الإبتسامة الى وجهي حين كان يَحضُر مع رفاقه ليسامروني ونشرب "كأس عرق" ونحضِّر المشاوي نهاية كل اسبوع في ضيعتي حردين، وأحياناً في منزلنا في البترون. وكنت انتظر نهاية كل اسبوع بفارغ الصبر إستعداداً لحفلة الشواء مع أصحابي الذين كانوا يقصدونني دائما في بيت شباب لدى عودتي مجدداً الى منزلي للاستقرار فيه، ومع رفاق أخي جان الذي اعاد الابتسامة الى المنزل لشدة ظرفه وتحلّيه بروح النكتة بشهادة من جميع الأقرباء وكل من جالسه". ويتابع طوني: "غير ان اخوتي ووالدتي لم يستوعبوا حالتي الجديدة حتى بعد مرور السنوات، لكنني أصرّيت على افهامهم أنني ارفض الشفقة التي اراها على الوجوه، ولطالما ردّدت أنني لن اسمح لأي كان بعد الآن بقول كلمة "حرام". ولكنّ القدر كان يترصد لعائلتنا، اذ فوجئنا بموت صهري، زوج اختي الكبرى، وهو في مقتبل العمر تاركاً وراءه عائلة صغيرة وأبناء في ربيع الطفولة. وقد شكل هذا الصهر السند المعنوي الأكبر لاختي ولجميع افراد عائلتي بعد موت والدي وبعد اصابتي، ليزيد حزني و"يهدّ حيلي"، لكن القدر كان لي في المرصاد، كأنه يقول "أرني قدرة تحملك!" ◄الإستشهاد المُر ويتابع طوني وقد اغرورقت عيناه بالدموع: "اللحظة القاتلة في حياتي كانت عندما اتخذ أخي الصغير جان قراراً بالالتحاق في صفوف الجيش اللبناني وفي فوج المدفعية الثاني تحديدا. فلم تنفع توسلات والدتي التي لم تلملم جراحها بعد، ولم تثنه نظراتي وأنا اتأمل كرسيَّ المتحرك، فقلت له "تروّى يا اخي الم يكفنا ما حصل لي؟ الا ان حماسة جان وحبه للوطن كانا اكبر، فلم يصغِ لنداء والدته ولم يفهم الرسالة التي حاول اخوه الشهيد الحي ايصالها له. وكان اصحابه قد التحقوا قبله وحمّسوه على اللحاق بهم، فالتحق بفوج المدفعية الثاني عن إقتناع وهو في سن الثامنة عشرة". ويروي طوني أن جان تعرّف إلى فتاة وخطبها، فنصحه باستدانة قرض من مصرف الاسكان ليشتري بيتا في المستقبل بعدما مضى على خدمته العسكرية 16 عاماً، واصبح معاشه يخوله استدانة القرض. فكان له ما أراد واستحصل على قرض سكني، فاشترينا شقة في مستيتا (جبيل) قبل سنتين من نهاية خدمته في مؤسسة الجيش بغية الاستقرار فيها بعد زواجه". هنا، يصمت طوني طويلاً محاولا اخفاء غصة: "إلاّ انّ القدر كان للعائلة بالمرصاد مجدداً، لقد بدأت حرب نهر البارد وكنت حينها أُعالَج في بيت شباب نتيجة عقور كبيرة المّت بي. فزارني جان قبل يومين للاطمئنان الى صحتي محاولا اخفاء نيته في الذهاب الى مخيم نهر البارد وذلك من خلال التلهي بسرد النكات، لكنّ قلبي أنبأني بنيته في الذهاب الى هناك. فقلت له حرفياً: "اياك والذهاب اذا لم تتلقَّ امراً مباشراً"، فضحك وطمأنني... لكن الفاجعة وقعت وأصابت قلبي وقلب امي واخوتي، استشهد اخي جان ضابط المدفعية البطل وهو يقود الدبابة في ارض المعركة وهو في سن الثلاثين، وكم كنت أريد معاقبته وأنا اعالَج في فراشي بعدما علمت أنه ذهب من تلقاء نفسه، فكان هول الفاجعة اكبر من ان يوصف على العائلة وعلى ضيعتي واقربائنا في الوطن والمهجر. وأقيمت لأخي احتفالات في كل ارجاء الوطن وعززت شهادته مؤسسة الجيش فوهبته أوسمة الشرف من رتبة ضابط وكان له عرس الاعراس لكن ليس العرس الذي حلم به". يتوقف طوني عن سرد حكاية البطولة وتغص فتاة أوسترالية من اصل لبناني جالسة بقربه وتدمع عيناها وهي تمسك بيديه مع انها لم تفهم اي كلمة من الحكاية ولكنها فهمتها في قلبها ومن خلال نظرات طوني التي من أجلها تركت استراليا "بأمها وأبيها" إذا جاز التعبير. ترتسم على محيا طوني هذه المرة اشراقة امل فيقول: "اتريدين ان تعرفي ما خبأته لي الحياة وفاجأني به القدر بعد استشهاد أخي البطل وكيف عادت الضحكة الى منزلنا المتصدع من ثقل الاحزان؟ وهنا تتولَى كاترين الفتاة الجالسة بقربه الكلام، فتروي بلهجتها العربية الثقيلة حكايتها مع ابن عمتها طوني لتستعين غالباً بعبارات انكليزية خوفاً من ان تخذلها لغتها العربية فلا تتمكن من التعبير عن صدق مشاعرها، فتقول: "اردت المجيء الى لبنان عام 2007 للتعرّف الى اقربائي في لبنان وقد علمت ان لي قريباً أصيب في الحرب اللبنانية لكنني لم اقابله يوماً، حتى انني لم اشاهد صورة له قبلاً مع الأقارب في اوستراليا. لكنني فوجئت في العام نفسه بنبأ استشهاد اخيه جان، وعلمت أنه الابن الاصغر في عائلة عمتي، فعدلت عن فكرة السفر الى لبنان وارجأتها الى العام المقبل، لم يكن في نيتي ملاقاة عمتي والتعرّف الى ابنائها في مثل تلك الظروف الاليمة". كاترين سعود ولدت في استراليا من والدين لبنانيين لكنها لم تتعرف الى لبنان بسبب الاحداث التي توالت عليه. وبعد عام على استشهاد ابن عمتها جان الياس، وصلت الى بلدة برسا الكورانية تروي: "أقمت في منزل خالي وبعد اسبوعين طلبت منه مرافقتي الى منزل عمتي في قرية حردين (جبال البترون) للتعرف اليها والى العائلة. حين وصلت ووقعت عيناي على طوني الذي كان مقعداً على كرسيه وابتسامته لا تفارق ثغره، احسست بشيء ما لا ادري ما هو ولكن في اعماقي شعرت انني ارتاح الى هذا الانسان، وان في داخله شيئاً ينقصني". من جهته يقول طوني إنه فرحٌ بملاقاة احد افراد اسرته الذي لم يتعرف عليه قبلاً، وقد تهكم كثيراً على طريقتها في التعبير وهي تحاول التكلم بالعربية، وكانا يضحكان معا وهما يرويان لي كم كانا فرحين في تلك الايام. يصف طوني مشاعره قائلا: "لم اكن احلم بعلاقة عاطفية ولم اجرؤ على التفكير في الزواج اساساً لعلمي أن من في حالة كحالتي يستحيل عليه تأسيس عائلة. كما ان صحتي التي كانت تتدهور بصورة متواصلة منعتني من التفكير في الامر. فاكتفيت بعائلتي الكبيرة، اي امي واخوتي ورفاقي وذكرياتي الجميلة مع أخي البطل". لكن "كاتي"دغدغت مشاعر كانت نائمة في جسد طوني الياس وقد دفنها منذ 20 عاما، فعرف أن القلب والعين يعشقان ايضاً وليس الجسد وحده. وتروي كاتي كيف عرّفها طوني على لبنان بعدما تعلّم القيادة خلال السنين الماضية واشترى سيارة مجهزة لحالته، ومن اجمل لحظات حياتها كانت تلك التي اأمضتها معه في التعرف على جمال لبنان وآثاره وطبيعته وسهراته. حاولت "كاتي" التهرب من مشاعرها كما تقول، فعندما عادت الى اوستراليا اقنعت نفسها بانها استرالية وستتزوج استرالياً. الاّ ان اهلها لاحظوا ان ابنتهم تركت شيئاً ما منها في لبنان لم يدركوا ما هو، الاّ انها وحدها علمت بانه تركت قلبها هناك. وتُخبر "كاتي" ضاحكة ان فاتورة هاتفها بلغت 1000 دولار، ليضحك طوني بدوره لافتاً إلى ان فاتورة منزله فضحت علاقتهما بعدما بلغت 600 ألف ليرة لبنانية. ◄القرار الصعب وقررت كاتي العودة الى لبنان عام 2010 والارتباط الرسمي بطوني واستكشاف امكان بقائها في لبنان برفقته. اما قرارها بالزواج منه، فقد لاقى اعتراضات كثيرة لدى العائلتين، والاسباب معلومة من دون شرح. فطوني الياس الشهيد الحي مصاب بشلل كامل وهو غير قادر على ممارسة حياته الزوجية وغير قادر على الانجاب، فهل يثبت الطب عكس ذلك؟ وهل يتلاعب القدر مرة أُخرى بمصير عائلة جرجس الياس ومستقبلها؟! زواج كاترين وطوني كان مثل قصص الف ليلة وليلة، لكنه حقيقة شارك فيها اشقاء طوني وابناء قريته ورفاقه في بيت شباب وحملوه على الاكتاف وهو على كرسيه محاولين مراقصته لتمتزج دموع الفرح بضحكات رنانة يستحيل تصديقها، ولكنها شاهدة على قيامة الحياة أخيراً في قلوب افراد هذه العائلة المناضلة. ◄الشهيد الحي الى منزل اخيه الشهيد الحدث المبكي والمفرح في آن، أن طوني العريس انتقل الى العيش في منزل اخيه الشهيد جان في مستيتا، بعدما تكفلت مؤسسة الجيش اللبناني متابعة دفع نفقاته الشهرية حتى تسديد القرض كاملاً للبنك المكلّف، وذلك على رغم الصعوبة التي واجهها في بادئ الأمر. ◄بريق الأمل في مسيرة عائلة الياس اثبت الله دائماً بأنه على كل شيء قدير، وذلك بعد محاولة طوني وكاترين الانجاب على رغم تأكيد الطب والعائلة والمجتمع بأن شلله النصفي منذ 20 عاما سيؤدي حتماً الى عجزه الجنسي الكامل. قصد طوني وكاترين الطبيب ر. س. في منطقة جبيل وبعد فحوص مخبرية ظهر بصيص امل. "الجمهورية" إلتقت الطبيب المعالج، فأوضح ان اصابة طوني في الدودة الشوكية في سلسلة الظهر نتج عنها قصور جنسي، أي "لا حياة جنسية لديه وليس لديه بذرة في البويضة". وقد حاول هذا الطبيب بمساعدة زميله الطبيب ش. ب إجراء عملية لطوني عن طريق شق البويضة وسحب بذرة منها ولحسن الحظ وبعد هذه السنين الطويلة، يقول الطبيب المعالج، "وجدنا بذرة ما زالت تعيش داخل البويضة. فتم تجهيز طوني بواسطة عقارات مقوية ومعالجته، وكذلك فعلنا مع زوجته كاترين، وذلك عن طريق تلقيها بعض العقارات الهرمونية لتحافظ على كل البذور الحيّة المتبقية. وقد تم تلقيح بويضاتها بالبذرة الخاصة بزوجها ولحسن الحظ حصلنا على "أجنّة" فنقلناها الى داخل بيت الرحم بعد دعمها بأدوية لتثبيت الحمل ومضادات حيوية وغيرها من الأدوية اللازمة. وقد تم الحمل بنحو جيّد بعد طول انتظار". ويضيف الطبيب: "لسوء الحظ اجهضت كاترين بعد شهر من حملها بسبب كيس دم بجانب المبيض، فلم نتمكن من علاجه بالأدوية اللازمة مخافة من التداعيات". ◄أمل في محاولة جديدة لم يخف الطبيب ان الماديات تلعب دورها، وطوني جنديّ في الجيش اللبناني "عانى كثيرا في المستشفى العسكري لتخليص الاوراق المطلوبة منه. وهو الآن في انتظار تحصيل ما يستحقه من قيمة الأدوية الباهظة الثمن". وفي هذا الإطار أشاد كما الطبيب بقائد الجيش الذي سمح للمرأة بمحاولات أربع جديدة لطفل أنبوب وذلك حتى سن الـ42، مؤكداً أنه سيقف إلى جانب طوني وزوجته وسيحضّهما على المحاولة مجدداً بعد ان تتيسر اوضاعه. أما الزوجان طوني وكاترين، فهما متحمسَان بدورهما للمحاولة مرة أخرى، خصوصاً بعد القرارات الجديدة التي اتخذها الجيش لتأمين الادوية المماثلة لجميع العسكريين من غير ان يتكبد الجند ي بدفعها ليحصّلها لاحقاً. وفي هذا السياق وجه طوني نداءً عبر "الجمهورية" الى قيادة الجيش، مطالباً بالسماح له بالدخول في سيارته الى ثكنات الجيش برفقة والدته في اعتبارها والدة الشهيد، موضحاً ان زوجته لا تقرأ العربية لتنجز الاوراق اللازمة للعملية التي ينوي اجراءها لوالدته المريضة، وللفحوص التي ينوي هو اجراءها. الشهيد الحي طوني الياس صارع الموت والقدر في مسيرة حياته البطولية، فهل يثبت القدر أنه غيّر مساره مع هذه العائلة؟ وهل تبث الحياة روحها منزله وتحيي روح أخيه الشهيد جان فيبتسم من عليائه الى ابن أخيه جان طوني الياس!؟. الجمهوريّة - مرلين وهبه

الجمعة، يونيو 08، 2012

ياشيــخ


مريم الراوي

إستل قلمه من محبره الدم.. تقدم الصفوف، شهر الكلمات رصاصاً بوجه النازحين، المتعبين.. اولئك الذين قتلوا غدراً وعلانية بلا رحمة.. اولئك الذين أشفقنا عليهم بخيمة، وبكوب ماء وخبز قديم.. بقبح خائن، وخبث مرتزق عميل، لبس العقال وعلت جثته العباءة المخملية..أزاح الكافيار من على شفتيه المثقله بالخمر والكذب.. وصاح بجمع الخانعيين" لم نستطع أن نتواصل بالشكل الصحيح معهم"!!" لم نزل في خطوتنا الأولى،ولم نبادرهم المودة والترحاب كما يجب"!!!!!

من المؤكد إنه لايوجد معنى لعلامات التعجب هنا.. لكنها لم توضع إعتباطاً مني، بل كانت سيفاً ذا نصل تعلوه الشمس، تلفحه الرياح بلا هوادة، لكنه أبداً لم يصدأ..وبقي يغرز فكرته جمراً على رؤوس المطأطئين والصامتين.. فأخبروني الآن،كيف لنا أن نعجب بـ هذا "الغاندي" الجديد، وهو يمزق بسكاكين حروفه ماتبقى من وطن حزين؟! كيف مرت سحابه كلامه دون أن تثير زوبعة، حتى وإن كانت بسيطة في أرجاء هذه الأمة؟! فقط لنضحك على من تفتحت جراحهم تحت أنقاض بيوتهم ولم يعودوا .
ليودعوا النور ولو لدقيقة أخرى، كما غاب آخرين يشابهونهم على منصات المشانق، معلقي الأحلام ونصل السياف ينحر الأعناق الممتدة الى حدود الوطن المذبوح..آآه أيها الصامتون، لم يكتب عليكم الركوع للجلاد، فلِم تغطى عيونكم بأعلام الغريب، ولم تعودا تبصروا سوى ناطحات رؤوس الصغار؟! أيها الصامتون الواقفون على حدود المنفى، إقتربوا، لاتبكوا عند مشارف النهار، لازال بالإمكان أن تهاجروا الحزن الى الغد، اليوم الى الفرح.. أيها المشاهدون المذبحة، لستم كراماً بعد الآن، إن لم ترسموا برمشكم الخنادق.. أيها الحاملون القضية، هذه قضيتكم في جعب السلاطين والملوك والشيوخ وبيد الراقصات والغانيات، وأصحاب المتاجر الفخمة، وتحت أقدام الشعوب العربية.. أيها الحالمون بالغد، وبأرض عربية، تأريخنا تأريخكم محض مؤامرات والأعيب بإسم الفقراء والجوعى، ومن خلف الأبواب ينتفخ جيب الحاكم بالدنانير الذهبية!! ياأيها الحاملون للقلم ولمشكاة الكلمة، من منكم كان نبيه غسان؟! ومن إتبع حنظلة منكم ولم يكن للقاتل دمية خشبية؟! أيها الملتحون بالنفاق والكذب، إحلقوا شواربكم لغزكم بات مفضوحاً، فقد سقطت الأعجمية من موازين الإنسانية..أبعدوا كروشكم عن وجوه جوعنا، أغربوا بقصوركم عن شرفات أزقتنا، أزيحوا شعاراتكم عن جدران بيوتنا.. أنتم.. أنتم، أيها الراكعون لغير وجه الوطن، من فرش لكم البساط لتركعوا؟! أيها الظلال الواقفة خلف السلاطين، لم البكاء على القضية؟! وأنتم من عبدتم الشوارع لتمر جنازير الدبابات كضفائر طفلة تحلم بالحرية.. أنتم أيها الخانعون، الصامتون، الخائفون، الحالمون بلا حلم، أنتم أيها الأغلبية، من خنتم البندقية.. ياشعب قهوته من " ستارباكس" ومثلجاته من " باسكن روبنز" لايمكن له إلا أن تكون منه ياشيخنا ، فكيف أعتب عليك؟! فــ عذراً ياشيخ العرب، وياملك القلوب.. كنت خير رسول لنا، وسط جماهير العيون الزرقاء الأجنبية.. والعذر موصول لتلك المدللة، والتي بقدرة شعوبنا أصبحنا بلا إستثناء الـ "بيبي ستر" لها.. فعذراً ، لازلنا نتعلم منكم أبجديات الديمقراطية والحرية!!!!

الاثنين، أبريل 23، 2012

شيخي أحبك في الرحمن



قَصيدَةٌ مُهْداةٌ إِلى شَيْخِنا ، شَيْخِ الْأَقْصى وَبَيْتِ الْـمَقْدِسِ وَأَكْنافِهِ ، الشَّيْخِ رائِدَ صَلاحٍ ، حَفِظَهُ الله وَحَـمـاه ، وَعَجَّلَ فَكَّ قَيْدِهِ وَأَعَزَّهُ وَنَصَرَهُ نَصْرًا مُؤَزِّرًا .

*****

اَلْفَجْرُ دانٍ وَجَيْشُ اللَّيْلِ مُنْدَحِرُ ** ما دامَ مِثْلُكَ فينا أَيُّها الْقَمَرُ

أَنَرْتَ عَتْمَتَنا بِالنُّورِ فَانْصَدَعَتْ ** لِلْبَغْيِ أَعْمِدَةٌ وَانْهَدَّ ما عَمَروا

حَـمـاكَ رَبُّكَ ، حُرًّا ، رائِدًا ، أَسَدًا ** أَنْتَ الْأَعَزُّ وَمَنْ عاداكَ مُنْدَثِرُ

ظَنُّوا بِسَجْنِكَ صَوْتُ الْـحَقِّ يَرْهَبُهُمْ ** وَجاءَ رَدُّكَ كَالْاِعْصارِ فَانْعَقَروا

الله أَكْبَرُ دَوَّى الصَّوْتُ ، أَرْعَبَهُمْ ** وَانْظُرْ إِلَيْهِمْ فَقَدْ غَشَّاهُمُ الْكَدَرُ

وَالْقُدْسُ تَضْحَكُ وَالْأَقْصى وَصَخْرَتُها ** هَبَّتْ قِيامَتُها تَـمْحو لِـمـا سَطَروا

فَباطِلُ الْبَغْيِ مَهْزومٌ وَمُنْخَسِفٌ ** وَما يُشادُ بِبَغْيٍ واهِنٌ نَخِرُ

قالوا : الْعَدالَةُ تُرْجى فـي مَـحاكِمِهِمْ ** قُلْنا : الْعَدالَةُ تَقْضي نَسْفَ ما بَذَروا

فَالْـخُبْثُ طينَتُهُمْ وَالْـمَكْرُ شيمَتُهُمْ ** وَالْـجَوْرُ ميرَتُهُمْ ، وَالْفَرْعُ مُقْتَفِرُ

وَذاكَ دُسْتورُهُمْ يَـحْكي مَفاخِرَهُمْ ** قَتْلًا وَتَشْريدَ مَنْ بِالْـحَقِّ قَدْ جَهَروا

وَالْـحَقُّ يَقْضي بِأَنَّ الْقُدْسَ باقِيَةٌ ** لِأَهْلِها ، لا لِـمَنْ يَسْطو وَيَسْتَطِرُ

وَالْـحَقُّ يَقْضي بِأَنَّ الْقُدْسَ عائِدَةٌ ** حَتْمًـا لِأُمَّتِنا ، وَالْـحَقُّ مُنْتَصِرُ

يا دَوْلَةَ الْـجَوْرِ جوري جَوْرَ فَرْعَنَةٍ ** سَيَعْصِفُ الْـحَقُّ لا يُبْقي ولا يَذَرُ

يا دَوْلَةَ الْـجَوْرِ هٰذي الْقُدْسُ مُذْ خُلِقَتْ ** تَنْفي وَتَطْرُدُ لِلْمُحْتَلِّ فَاعْتَبِروا

كَمْ قَدْ هَدَمْتُمْ بِلا حَقٍّ مَنازِلَنا ** وَكَمْ طَرَدْتُمْ مِنَ الْأَهْلينَ ، فَادَّكِروا

وَكَمْ قَتَلْتُمْ صِغارًا دونَ مَرْحَـمَةٍ ** وَكَمْ فَتًى وَفَتاةٍ ، فَالثَّرى نَظَرُ

وَكَمْ سَجينٍ قَضى فـي السِّجْنِ مُـحْتَسِبًا ** وَأَسْلَمَ الرُّوحَ ، لَيْسَتْ تَكْذِبُ الْـجُدُرُ

تِلْكَ الْبُيوتُ الَّتي فـي الْقُدْسِ قَدْ هُدِمَتْ ** بِغَيْرِ حَقٍّ ، فَأَيْنَ الْعَدْلُ يا أَشِرُ

أَوامِرُ الْـهَدْمِ تِنِّينٌ بِلا شَبَعٍ ** بَعْضُ الْبُيوتِ هَوَتْ وَالْبَعْضُ يَنْتَظِرُ

وَصارَتِ الْأَرْضُ فَرْشًا وَالسَّمـاءُ غِطًا ** وَالسِّجْنُ قَدْ ضاقَ وَالتَّغْريمُ يَعْتَصِرُ

يا دَوْلَةَ الْـجَوْرِ بِالْاِرْهابِ قَدْ رُفِعَتْ ** زَمانُ عِزِّكِ وَلَّـى فَهْوَ مُنْبَتِرُ

اَلْعَبْدُ فيكِ عَلا وَالْـحُرُّ فيكِ هَوى ** وَالْأُسْدُ قَدْ بُقِرَتْ وَاسْتَأْسَدَ الْبَقَرُ

وَذي بَشائِرُ وَالْأَيَّامُ شاهِدَةٌ ** وَشِدَّةُ الْعَتْمِ تُنْبي أَنْ سَيَنْدَحِرُ

*******

يا رائِدَ الرَّكْبِ بِالْقُرْآنِ فـي زَمَنٍ ** باعَ الزَّعامَةُ قُرْآنًا وَقَدْ كَفَروا

وَشُوِّهَ الدِّينُ مِنْ جِلْفٍ فَقيرِ حِجًى ** وَبِالرَّذائِلِ وَالْفَحْشاءِ يَأْتَزِرُ

عَدُوِّ بَأْسٍ وَتَـحْريرٍ وَرايَتِهِ ** حَليفِ كَأْسٍ وَمِزْمارٍ وَمَنْ زَمَروا

يَنْهى وَيَأْمُرُ ما تُـمْلي بِطانَتُهُ ** وَبِالْـحَليفَةِ خَلْفَ الْبَحْرِ يَأْتَـمِرُ

وَلا تُقَصِّرُ فـي وَعْظٍ حَليفَتُهُ ** وَمِنْ مَواعِظِها ، ذا الشَّرْقُ يَنْتَحِرُ

سِوى اللَّقيطَةِ ما حَلَّ الْـمَساسُ بِها ** فَهْيَ الْـمُدَلَّلَةُ الْـمِغْناجُ وَالسَّمَرُ

وَلَيْسَتِ الْقُدْسُ وَالْأَكْنافُ غَيْرَ ثَرًى ** وَلا قَداسَةَ لِلْأَقْصى كَمَنْ حَفَروا

قَدْ ضَيَّعَ الْقُدْسَ وَالْأَقْصى وَقَبْلَهُمـا ** ضاعَتْ فِلَسْطينُ وَاسْتَعْلى بِها التَّتَرُ

وَلَـمْ يَزَلْ سادِرًا فـي الْغَيِّ مُعْتَجِرًا ** ثَوْبَ الْـخِيانَةِ ، لا حِسٌّ وَلا خَبَرُ

لٰكِنَّ رَبَّكَ بِالْـمِرْصادِ يَرْقُبُهُ ** وَسَوْفَ يَـجْزيهِ ، لا وَهْمٌ وَلا هَذَرُ

يا رائِدَ الْـخَيْرِ وَالْاِصْلاحِ ما فَتِئَتْ ** مِنَّا الْـجَوانِحُ تَدْعو الله ، تَفْتَخِرُ

بَأَنَّكَ الشَّيْخُ وَالْأَقْصى عِمـامَتُهُ ** مَنْ كانَ مِثْلَكَ فَهْوَ الصَّادِقُ الْـخَبِرُ

بَذَلْتَ كُلَّ نَفيسٍ فـي سَبيلِ رِضَى ** رَبِّ الْبَرِيَّةِ ، لَـمْ تَبْخَلْ كَمَنْ قَدِروا

وَعانَقوا الْبُخْلَ شُحًّا وَالنَّجاةَ هَوًى ** كَأَنَّهُمْ قَصَبٌ فـي أُسِّها الْـخَوَرُ

شَيْخَ الْبِلادِ وَقُدْسُ الله دُرَّتُها ** تَفْدي الْـمُقَدَّسَ إِيمـانًا ، وَذا قَدَرُ

يَـجْزيكَ رَبُّكَ جَنَّاتٍ وَمَغْفِرَةً ** وَأَنْ يُنيلَكَ ما تَرْجو وَتَبْتَدِرُ

ما ضَرَّكَ السِّجْنُ وَالسَّجَّانُ غَيْرَ أَذًى ** إِذْ أَنْتَ زاجِرُ وَالسَّجَّانُ مُنْزَجِرُ

شَيْخي ، أُحِبُّكَ فـي الرَّحْـمٰنِ أُعْلِنُها ** يا شَيْخُ ، فَلْيَشْرَبوا ما قَدْ حَوى الْبَحَرُ

ـ شعر : محمود مرعي

الجمعة، أبريل 20، 2012

التعايش مع الذل .. ذلٌّ أكبر


شكى لي أحد عمال الأبراج في غزة معاملة ربه في العمل, ومما أخبرني به أنه يعمل منذ أن كان طفلاً بأجر لا يتعدى ال 600 شيكل شهرياً, وبدوام يومي مفتوح وبدون إجازات.

سألته ولماذا لم تتخلص من الظلم الواقع عليك حتى الآن؟!, فأجاب بأن المحاولات لن تؤدي لأي تغيير نحو أفضل بل قد تفقده مصدر رزقه, فغالباً لن يجد عملاً آخر, وإن وجد فلن يكون أفضل. وعندما سألته وهل حاولت فعلا وفشلت؟! فقال لا لم أحاول!

مصيبة هذا الرجل الذي يعمل بنظام السخرة _وما أكثر أمثاله_ هي مصيبة الأمة منذ سقوط آخر معاقلها في غرناطة عام 897 هـ _1492م.

هناك مرحلة ثانية يتحدث عنها علماء النفس يدخلها الإنسان الذي يتعرض للهزيمة وهي مرحلة التعايش مع الصدمة وتقبلها, وهي حالة وإن كانت ذات إيجابيات نفسية آنية فإنها ذات نكسات ثقافية وحضارية خطيرة على المستوى البعيد.

سقوط الأمم من بعد صعود سُنَّة من سنن الكون التي لا انفكاك عنها, فما علا طير وارتفع إلا كما طار وقع, وللصعود وللهبوط عوامل لا تحابي سيداً ولا عبداً, ولكن ما هو أنكى من السقوط هو استمراء السقوط والقنوع به, وتطويع النفس على تقبله, وفقدان الأمل في المحاولات كما حدث مع ذاك العامل, وكما هو حاصل في الأمة منذ السقوط المدوي.

يروى أن أهل قرية عانوا الأمرين من سوء معيشتهم, فقرروا أن يهبُّوا للتغيير فاعتصموا عند باب حاكمهم المعظم, وبعد ساعة من الاحتجاج تحت أشعة الشمس اللافحة في رابعة النهار, خرج لهم مولاهم المعظم وفاجأهم بخبر مذهل وهو بأنهم بعد عام فقط لن يتألم أحد منهم وسيعيشون جميعاً في رغد من العيش, ففرح الجمع واعتبروا أن انتظار عام ثمن زهيد مقابل حل مشكلاتهم, وعادوا أدراجهم يجرون أذيال الأمل, إلا رجل واحد بقي في أرض الاعتصام, فسأله الحاكم المعظم: ولماذا لم تغادر مع المغادرين؟!, ألديك طلبات أخرى؟!, فقال لا, ولكني أريد أن أسأل: هل فعلا بعد عام ستُحَلّ مشاكل القرية جميعاً؟! فقال أنا لم أقل ذلك, بل إن أهل القرية بعد عام سيعتادون على آلامهم!

قال مالك بن نبي: "إن خلف كل قصة استعمار شعب يهوى الاستحذاء", فقبل سقوط الأمة وقبل احتلال أراضيها وقبل نهب ثرواتها أنجبت الأمة نفوساً تستمرئ الخنوع للغريب فعبدَّت لدباباته وجنوده الطرقات.

في حادثة تاريخية مدهشة في عهد "المعتضد العباسي" اقترض أحد المتنفذين في الدولة مالا من عجوز ضعيف في بغداد, وعندما طلب العجوز ماله من القائد المتنفذ رفض أن يرد المال.

حاول العجوز استرجاع حقه مرات كثيرة ولم يستطع، عندها أرشده أحد الناس إلى خياط بسيط، حيث قيل له: إنه الوحيد الذي يستطيع أن يعيد لك مالك.

ذهب العجوز للخياط وأدهشه أنه بلا حراسة ولا خدم أو حشم, فقال له اجلس هنا وسآتيك بمالك حالاً, ثم بعث الخياط إلى بيت الضابط، وطلب منه أن يأتيه على الفور ومعه مال الرجل. وما هي إلا ساعة من نهار حتى جاء القائد وسلم الرجل العجوز ماله معتذرا له، وبعد أن ذهب الضابط قال العجوز للخياط مندهشاً: كيف لرجل بسيط مثلك سلطة على هؤلاء؟!, فأجابه الخياط: إن لي قصة مفادها أنني كنت جالساً في شرفة بيتي ذات ليلة وإذا بي أرى أحد القادة يمر وهو على فرسه، وفي الوقت نفسه كانت هناك امرأة جميلة تمر بهدوء وحشمة، وفجأة ترجل القائد من على ظهر جواده، وحمل المرأة بالقوة على الجواد وانطلق بها نحو بيته بينما كانت المرأة تصرخ مستغيثة. فنزلت من بيتي، وجمعت بعض الرجال، وذهبنا نتشفع في قضيتها، ولكن الضابط أمر الشرطة فضربونا ضرباً مبرحاً فرجعت إلى البيت، لكني لم أذق طعم النوم، وفيما أنا أفكر في ذلك، جاءتني فكرة أن أذهب إلى مئذنة المسجد وأؤذن للصبح، وبالطبع فإن الضابط سيظن أن الصبح قد حان، فيتركها لشأنها حتى لا يطلع عليه الصباح وبذلك نفك أسر الفتاة.

وفعلاً بدأت أؤذن بصوت عال وما أن أنهيت الأذان حتى رأيت الشرطة وقد أحاطوا بالجامع، وطلبوا مني أن أذهب معهم إلى قصر الخليفة (المعتضد) وأفادوني أنه بانتظاري فذهبت إليه، وكان ممتلئا بالغضب فبادرني قائلا: ما هذا بوقت أذان؟ أليس للبلد أحكام؟!

فقلت له: أطال الله عمر الخليفة إن أحكام البلد قد ديست بالأقدام يوم ترك للكبير أن يفتك بأعراض النساء ولا من رادع. ثم قصصت عليه ما جرى. فأمر بإحضار الضابط والمرأة وبعد أن تأكد من الأمر، أمر بقتل القائد، وأفرج عن المرأة, وطلب مني أن أؤذن كلما رأيت انتهاكا لحقوق الناس, وبما أن الخبر شاع بين الضباط والرؤساء فإنهم يهابونني.

معلوم أن الإقدام لا ينقص من عمر المتقدم, وأن الإحجام لا يزيد في عمر المستأخرأأخأخر, والحقوق لا تمنح ولا تهدى بل تنتزع عبر نضال مطلبي وجهاد حثيث, وليس ذلك للأمم فحسب بل للمرأة أمام زوجها المتسلط, والعامل أمام ربه الظالم, والموظف أمام مديره الجائر..

إن بإمكان المحاولة مهما كانت بسيطة أن تصنع المعجزات, فإن الجبال من الحصى, ومعظم النيران من مستصغر الشرر, والمياه الراكدة تحركها حصاة صغيرة, وفي حال فشل المحاولة فإن لصاحبها شرفاً عظيماً ليس للقاعدين مثله, فشرف الوثبة أن ترضي العلا غلب الواثب أو لم يغلب.

هذا سمت الحياة, الكفاح والنضال, ولا مكان فيها للضعاف ومن لم يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر, والله تعالى لا يمنح النصر لليائسين بل للعاملين والمدافعين عن حقوقهم, وتكفي منك خطوة واحدة للأمام نحو الكوب لتشرب المال الزلال يقول تعالى:" .. ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23) المائدة
بقلم/ سامي عبد الرؤوف عكيلة

رئيس نادي صناع الحياة _غزة

الأحد، أبريل 15، 2012

الهمالايا على كورنيش النيل


م. زياد صيدم



ضاق به المكان حتى كاد يطبق على أنفاسه .. خرج يتمشى الهوينى على كورنيش النيل، بعد نهار مضن أمضاه في العمل.. رآها تمر محاذية له غير منتبهة، توقف فجأة، استدار إلى الخلف يحدث نفسه: هي! إنها هي بذاتها.. زميلتنا في العمل، نادي..توقفت تستدير باتجاه مصدر الصوت باستغراب، ابتسمت ملوحة بإشارة تساؤل من أصابع يدها، تقترب منه، تساله وما تزال أصابعها تتحرك باستهجان: ماذا تفعل هنا؟

- أنا ماذا افعل هنا! يبتسم.. يجيبها: وماذا تفعلين أنت هنا ؟ تساؤل تكرر فيما بينهما بطريقة أوحت بالسذاجة والعفوية، مما أطلق عنان ضحكاتهما..

يتنهد احمد.. يتحسس جيب سترته يخرج علبة سجائره.. تباغته بقولها: لماذا السجائر هنا أيضا ؟ ألا يكفيك ما تنفثه علينا في المكتب طوال اليوم ، ستتسبب في خرق طبقة الأوزون، اتبعتها بقهقهة خفيفة، يخجل من قولها وان بدا مزاحا، يعيد علبته إلى مكانها، يبتسم على مضض منها، فهو يعرفها حق معرفة، إنها زميلته الحشرية حنان ، يعملان معا في المؤسسة الحكومية منذ سنوات طويلة، يعلم أيضا بعدائها للسجائر ومن يدخنوها !.



يسيران باتجاه كرسي خشبي أسفل شجرة زينة فيجلسان.. تفتح حقيبتها وتخرج منها كيس من النايلون الأبيض وقد امتلأ من بزر البطيخ المقلي والفول السوداني المحمص، يبدأ الاثنان بالتقاط حبيباته بنهم.. يصدران تلك الفرقة التي تخرج من بين الأسنان، حيث يلتقطان نواته الصغيرة بشهية وإقبال متتالي،ويلفظون خارجا قشوره مباشرة على الرصيف !.. تتسارع حركة أناملهما بوتيرة عالية في إيصال الحبيبات إلى ما بين أسنانهما، ليستمر العمل دون كلل أو ملل، فقد تحولت إلى ما يشبه الملقط ؟..فجأة قُطع صمتهما :

- ما رأيك في رحلة إلى الهمالايا ؟ سألها.

- لم افهم، هل أوضحت أكثر ؟

- لا توضيح، فالأمر في غاية السهولة ! سأمر عليك الليلة !.. جهزي حقيبة صغيرة، فلا داعي لحاجيات كثيرة، رحلتنا لن تستمر أكثر من أسبوع، كان يحدثها بجدية تامة بدت على وجهه.

- الهمالايا مكان جميل لاشك، يعبأ بمعتقدي بوذا.. وتفوح روائح البخور في كل مكان، على مرتفعات هي الأعلى في العالم لكن: ألا يوجد مكان ابعد منه ؟ سألته مقهقهة..

- إذا ننطلق منه إلى الصين، المهم أن نبتعد عن ضجيج الناس وكآبة روتين العمل والحياة وصخبها.

- تنهدت بصوت مسموع ، معك حق فعلا، نحن نكاد أن نجن من روتين قاتل ،يعصف بنا طوال اليوم، لا يميز بين الأمكنة فكلها على حد سواء.

- اتفقنا إذا.. ستكون رحلتنا على دراجة نارية ! فلا عربة، ولا طائرة املكها،نريد تغيير الروتين بكل أشكاله، كان منفعلا لدرجة لم تعد تميز مزاحه من جديته .. ويضيف: ستكون مغامرة، كأننا قد عدنا بالزمن إلى الوراء إلى سنوات شبابنا الأول.

- تضحك حنان بمليء فيها ، فيتناثر البزر من بين أسنانها البيضاء المصطفة كعقد من اللؤلؤ.. لكن: أسبوع يكفى ؟ موتور ورحلة إلى الهمالايا، كيف تستوي الأمور ؟ هل أفهمتني ؟ تقهقه بصوت مسموع..

- نعم أسبوع إقامة، وشهر في الطريق كي نصل إلى هناك، يقهقهان معا بجنون .. يلتفت إليهما المارة على الكورنيش، يرمقونهما بازدراء واستهجان غريب..

- ما بك يا احمد تبدو غريبا جدا هذا اليوم! فقد أضحكتني كثيرا، وربك يسترها، لأنه في آخر مرة ضحكت فيها من قلبي، وقعت في حادثة كادت أن تنقلب إلى كارثة، لولا ستر ربك.. فلا أحب الضحك بهذا الشكل، لأنهم يقولون: فاله نحس وشؤم !.

- أصبتي حقا يا حنان، كانت أحلام يقظة، مجرد أحلام.. عبارات لا واقع لها زميلتي الغالية ! فقد أحببت أن أفضفض عن نفسي وأجلو عنا قليلا من هموم الحياة وثقل أعباءنا وروتين قهرنا اليومي ..

- شعرت بهذا يا احمد .. وكدت أن اصعق بداية، لاعتقادي بأنك قد تكون ثملا، مما أفقدك السيطرة على منطق الكلام.. فبدأت تهذى.. لكنى تداركت الأمر سريعا وانغمست معك في الأحلام...



انتهى كيس البزر المخلوط مع الفول السوداني، وصمتت فرقعاته.. وشارف حديثهما العفوي على نهايته، ولقائهما الجميل على غير ميعاد أن ينفض .. استودعا بعضهما بعضا، فهي تعود إلى أسرتها قبل مغيب الشمس، لظروفها الخاصة في مجتمع لا يرحم !.. بينما يعود هو إلى بيته لينتظران يوم جديد من الروتين.



و يبقى حديثهما على كورنيش النيل، مجرد رحلة أحلام عابرة.. يتكرر وقعها على مسامعهما بكل حيثياتها، وملابساتها، وضحكاتها و.... حتى بدأت مؤخرا، تؤرق مضجعهما في كل ليلة !!.



إلى اللقاء.

السبت، أبريل 14، 2012

اللى مايتسمـّـاش


هى حكاية ستحتل سطورا بين صفحات الجرائد لعدد أو عددين على الأكثر، وسوف ترددها الألسن بضعة أيام، بعدها تتوارى كأنها ما حدثت، أخذة خطوات إلى الوراء تقبع فى مساحات الذاكرة المعتمة.. لكن الأمل أن مثلها من الحكايات لا تمحوه السنون وأن حتما لعودتها أوان..
هو شاب تتشمم فى صورته التى نشرتها الصحف رائحة الورود رغم أن التراب كان رفيقه طيلة حياته القصيرة جدا، فهو لم يمتلك أبدا رفاهية اللعب وسط الحدائق ولا نام فوق الأسرّة الناعمة ولا جلس فوق مقعد أنيق داخل فصله، لكنه طالما لعب وسط التراب ونام فوق أرض الحجرة الترابية وجلس فى فصله فوق تراب الأرض مستخدما من ركبتيه منضدة يسند كراسته عليهما ممسكا بأصابعه المتسخة بالتراب قلم رصاص يخط حروفا تشكل عبارات تقول: اسمى أحمد شعبان أحمد جابر، قريتى اسمها عزبة محمد على تابعة لمركز أهناسيا فى محافظة بنى سويف، وبلدى مصر هى جزء من وطن واحد اسمه الوطن العربى يعيش فوق أراضيه شعب واحد اسمه الشعب العربى، يقول التاريخ إن أراضيه فى الأصل واحدة، جاء الاستعمار وقسمها إلى بلدان وصنع بينها حدودا.. والتاريخ والحاضر يقولان إن هذا الوطن العربى له عدو واحد اسمه العدو الصهيونى يحتل أرضاً منه هى فلسطين، ويطمع فى احتلال المزيد..
هكذا تعلم أحمد من مدرس التاريخ الذى مازال يطبق دور المعلم الذى كاد أن يكون رسولا، فى زمن سمعنا فيه عن رجل قضاء أقتحم مدرسة ممسكا بحذائه ليضرب به المعلم أمام تلاميذه وهم ينشدون بلادى بلادى لك حبى وفؤادي..!!
وهكذا يكتب أحمد بين سطور كراسته، ويحفظ ما كتبه داخل عقله، ويجلس كل مساء بجانب أبيه الفلاح الفقير صاحب السبعين سنة، ملتصقا بأمه الفلاحة المصرية الصعيدية الطيبة التى حفر الفقر والكد والجهد فوق وجهها خطوطا عميقة تتشابه وتشققات الأرض العطشى لماء لم ترتوى منه.. أحمد وهو الأخ الحادى عشر يجلس بين إخوته العشرة، جميعهم يفترشون تراب أرض الحجرة، يقرأ عليهم أحمد ما علمه إياه مدرس التاريخ، ويزيدهم أبوهم مما عاشه وشاهده وسمعه وشارك فيه على مدى عمره داخل هذا الوطن..
وينتهى أحمد من سنوات الدراسة ويأتى اليوم ويصبح أحمد شعبان أحمد جابر جنديا فى جيش مصر يؤدى واجبه العسكرى فى موقع من فوق برج عال يصعد درجاته كل صباح ليقف حارسا حدود مصر مع مدينة غزة الفلسطينية..
أحمد صغير العمر (22 عاما) وفقير نعم، لكنه ثرى العقل والوجدان بفضل مدرس التاريخ وحكايات أبيه، وهو قد لاحظ فى الآونة الأخيرة من موقعه فوق برج الحراسة أن هناك معدات وآلات ضخمة وأعدادا غفيرة من البشر، وفهم من حكايات زملائه أن هناك شيئا ما سيتم بناؤه بين مصر وغزة، ولأن الحكايات والمسميات التى يسمعها من زملائه مختلفة، ولأن ما يصل إلى سمعه من تصريحات للمسئولين فى مصر خلال اللحظات القليلة التى يشاهد فيها التليفزيون فى فترة راحته غير مفهوم، كل هذا جعله محتارا وعاجزا عن فهم حقيقة ما يحدث، فقرر تحمل عدم الفهم هذا حتى موعد إجازته وسفره، وهناك سيفهم كل شيء من أبيه كما العادة..
وجاءت إجازته وسافر أحمد إلى قريته وقبل كل شيء قام بمصاحبة أبيه فى زيارة لأسرة خطيبته لتحديد موعد عقد القران، وتحدد الموعد وودع أحمد عروسه وقلبه يتراقص فرحا فهو بعد شهرين سيزف وعروسه وبعد أقل من سنة سيكون أباً..
وفى منزلهم وعلى نفس أرض الحجرة الترابية جلس أحمد وأبوه وأمه وأخوته العشرة ـ حتى من تزوج منهم ـ والتفوا حول الطبلية الخشبية يأكلون (الوليمة) التى أعدتها أمهم بمناسبة فرحة وجود أحمد معهم ومناسبة تحديد موعد زفافه، كانت الوليمة فقيرة كما هى ولائم الفقراء لكن القلوب كانت غنية عامرة بحب وفرحة ورضاء وقناعة..
وبعد الطعام ومع تناول حلوى الفقراء التى هى أكواب من الشاى المغلى الأسود المحلى بكمية من السكر حرصت الأم أن تكون زائدة هذه المرة رغم أن تعويض هذه الزيادة سيرهق (الميزانية) لأيام.. ـ لكن كله فى حب أحمد والفرحة بوجود أحمد يهون ـ هذا ما رددته فى سرها وهى تقلب الملعقة بشدة وقوة داخل الأكواب لتتأكد من ذوبان السكر تماما حتى آخر حبة ـ سأل أحمد أباه (إلا قوللى يا ابا.. ما هى حكاية هذا الشيء الذى يبنونه على الحدود بين مصر وغزة؟ فى البداية يا ابا شاهدت وزير الخارجية فى التليفزيون ينفى أن هناك شيء يبنى لكنى بعينى اللى حايكلهم الدود دول أنا شاهدت الآلات والمعدات والناس ـ وبسرعة البرق صرخت الأم: بعد الشر عليك إن شاالله عدوينك ـ وسمعت من زميلى أن خاله الصحفى بيقول إنها معدات وأجهزة أمريكية وأنه ده جدار عمقه 18 متر تحت الأرض حيتبنى بأمر الأمريكان وبطلب من الصهاينة علشان يقضوا على الأنفاق اللى بيتم تهريب الأكل والشرب والدواء والأغطية والملابس وكل شيء لأهل غزة عبر الأنفاق دى، بس الغريب يا ابا إن الوزير والمسئولين فى الحكومة بعدما نفوا علنا فى التليفزيون والجرائد أن هناك حاجة بتتبنى رجعوا وقالوا أيوه ده صحيح وهذا من حق مصر ولأمن مصر وليس من حق أحد التدخل فى شأن يمس سيادة مصر.. واللى قالقنى قوى يا ابا إنهم مطلعين الناس اللى بتكتب ضد البتاع اللى بيبنوه ده كأنهم خونة لمصر ومش هاممهم أمن بلدهم.. إيه الكلام الماسخ ده!! معقول يا ابا فيه حد مايهموش أمن بلده؟ طيب ما هو أمن بلدى هو أمنى أنا ذات نفسي.. الناس بتحتج على البناء يا ابا علشان صعبان عليهم عذاب أهل غزة ودول عرب زينا زيهم، دول مش إسرائيليين يا ابا، يعنى مش أعدائنا.. فين الخيانة الوطنية هنا بقي؟! ـ وكانت ابتسامة الأم تتسع وتفترش وجهها كلما زاد أحمد فى استخدام كلمات الفصحى ولا تمسك نفسها عن احتضانه وتقبيل خده قائلة يا حبيبى ربنا يحفظك ويزيدك علم ـ ويرد أحمد قبلة أمه بقبلة فوق جبينها ويستطرد: هى صحيح الأنفاق دى بتستخدم علشان توصيل الأكل والدواء وحليب الرضع لأهل غزة المتحاصرين من الصهاينة، ولا زى مابنسمع اللى بيقولوه الكُبارات فى الحكومة فى التليفزيون أن الأنفاق دى بيهربوا منها المخدرات والقرف ده اللى اسمه ستات روسيا لأهل غزة؟.. طيب هم أهل غزة فى إيه ولا فى إيه.. حد مهدود بيته وجعان وعريان وعياله الرضع بيموتوا من الجوع ويدور على مخدرات وستات من روسيا؟!.. الصح إيه يا ابا نورنى الله ينور دنيتك؟.. أصل يا ابا لو الأنفاق فعلا علشان الأكل والشرب والأدوية والحليب تروح للناس فى غزة وتيجى الحكومة هنا وتقفلها يبقى دى حاجة خطيرة قوى يا ابا، دول كده يا ابا كأنهم بيولعوها نار!!.. إزاى بس ناس عرب زينا زيهم ومتحاصرين من العدو هناك ومش لاقيين لا الأكل ولا الدواء ولا الهدمة ولا حليب الرضع ونيجى إحنا هنا كمان فى مصر ونقفلها عليهم؟! ده إحنا كده بنخنقهم خنق يا ابا، بنقولهم مفيش قدامكم غير الموت ليكم ولأولادكم!!.. يا ابا دول متحاصرين خالص هناك والصهاينة مطلعين عنيهم، وناس منهم نايمين فى عز البرد اللى هناك فى بيوت مفيهاش لا أسقف ولا حيطان، ومن الشتاء اللى فات لما الصهاينة دكوا غزة بصواريخهم، ما إحنا يا ابا شوفنا ده بعنينا فى التليفزيون، دول بردهم صعب قوى يا ابا اكتر مننا وعندهم تلج فى الشتاء موش مطرة بس زينا.. طيب دول بقى منتظر منهم يعملوا إيه لما إحنا كمان نمنع عنهم اللى كان بيروحلهم من أكل ولا لبس ولا دوى ولا حليب؟ منتظر إنهم يقفوا ساكتين مستنين الموت؟ حيستحملوا صريخ الأطفال الجعانة والمريض منهم اللى بيتألم لحد ما يموتوا؟ يا ابا ده اللى عنده قطه لو جه يوم وطقت فى دماغه ومسكها هى وولادها وحبسها فى زنق صغير ومنع عنهم الأكل والله يا ابا فى أى لحظة القطة دى لو لقت فرصة لتنط فى وشه وتقطعهوله حتت بضوافرها وتعميله عينيه كمان..
بصراحة يا ابا أنا فيه حاجات كتير مش فاهمها وعاوزك تفهمهالي.. وكمان نفسى تعرفنى هو ليه أحمد أبوالغيط وزير الخارجية لما بينطق اسم فلسطين وشه بيسود ويطفح غل وكره ويجز على سنانه وصوته يتحشرج مع أن صوته فى الأصل مسرسع.. هو فيه بينه تار شخصى وبين حد من فلسطين يا ابا، حد فيهم أذاه ولا حاجة؟ أصله بيفكرنى ببوش لما كان بيتكلم عن العراق ووشه كله كره وغيظ وانتقامه الفظيع بعد كده من العراقيين، وطلع فعلا إن بينه وبين صدام حسين تار شخصى، واتقال إن صدام كان عمل خطة يتقتل فيها أبوه بوش الكبير لما كان رئيس.. وبعدين فيه حاجة تانيه يا ابا: هو اللى بيبنوه على الحدود بين مصر وغزة ده إيه بالضبط؟ أصل وزير الخارجية والناس الكبيرة فى الحكومة بشوفهم فى التليفزيون زعلانين وبيتخانقوا مع أى حد يكتب أو يقول إنه جدار عازل، ويردوا يقولوا لا موش جدار عازل، يقولولهم طيب ده حائط، يردوا لا موش حائط، يقولولهم ده سد مانع يردوا ولا سد مانع.. وقال إيه بعد كل الخناق ده قالوا دى إنشاءات!! هو فيه حاجة اسمها إنشاءات وبس يا ابا ؟!.. إيه الكلام اللى مالوش طعم ده!!)
كان أحمد يتحدث بتدفق ويسأل بلا توقف وكأنه كان متعطشا منذ زمن إلى الكلام أو كأنه كان يعلم أنها فرصته الأخيرة فى أن يتحدث بلا خوف وسط أحبابه..
وصمت أحمد منتظرا إجابات أبيه، لكن الأب ظل صامتا ناظرا إلى ابنه وفى عينيه حكمة سبعين عاما عاشها فى الحياة، شاردا مسترجعا ماضيا يراه هو جميلا رغم ما كان فيه من كد وجهد وقلق، ماض كان فيه مجندا فى جيش مصر كأحمد، لكنه كان مجندا لا يحرس حدودا بين مصر وغزة ولا يرى منشأ خرسانيا يقف حائلا أمام حق أهل غزة فى الحياة.. كان جنديا مشاركا فى حروب بين مصر والعدو الصهيونى، بدأت فى 1956 بعد العدوان الثلاثى على مصر، ثم العدوان الصهيونى على مصر 1967، ثم لما يقرب من أربع سنوات من حرب وانتصارات متواصلة فى حروب الاستنزاف منذ 1967 وحتى 1970، وأخيرا فى الانتصار العظيم لمصر فى أكتوبر 1973.. لحظات قليلة مر فيها شريط السنوات الطويلة أمام عينى الأب يستعيدها فى صمت وهو ينظر إلى أحمد الذى عاد من خدمته العسكرية محتارا يفتش عن إجابة لعدد كبير من الأسئلة وجهها لأبيه، دون أن يدرى أنه قد أجاب عليها هو نفسه بالفعل وهو يسألها..
كانت الأم تنظر بقلق للأب الصامت وبقليل من الزعل لأنه ترك أحمد دون أن يجيبه.. ولأن قلبها يكاد ينفجر من كم الحب الذى يحمله لأحمد، ولأنها خافت أن يكون صمت الأب قد أحرج أحمد أمام إخوته، فقد قررت أن تجيبه بنفسها.. وحيث أنها لم تعتد حديث السياسة هذا بتشعباته، فإن أكثر ما استوقفها فى كلام أحمد واختزنه عقلها من الحديث، كان هذه الخناقة حول اسم الشيء الذى يبنى بين مصر وغزة.. ووسط صمت انتظار إجابات الأب، انطلق صوت الأم قائلا بحماس وثقة العارف: وهم بيتخانقوا ليه على الاسم؟ وعلى رأيك يا أحمد ده كلام ماسخ.. هو فيه حاجة اسمها إنشاءات دى ولا معرفش إيه؟.. عارف يا أحمد.. يمكن يا ابنى ده حاجة وحشة ومش عايزين ينطقوا اسمها بلسانهم؟ إحنا هنا فى الفلاحين مابننطقش اسم المرض الوحش وبنقول عليه اللى مايتسماش، وحتى لو فيه راجل وحش ولا ست مش ولابد بنقول اللى مايتسماش.. أنا عاوزة أقولك حاجة كويسة يا أحمد ويمكن يكونلك فايدة فيها: إنت بعد ماترجع المعسكر تروح للظابط ده اللى بتقول عليه القائد بتاعك وقوله يبعت جواب للوزير يقوله فيه بدل موش عاوزين يقولوا اللى بيبنوه ده اسمه إيه، خلاص يسموه اللى مايتسماش.. ما هم موش فلاحين زينا يا أحمد وميعرفوش الكلام ده نوره إنت يا ابنى وقوله، يمكن يديك ترقية، ولا يمكن ينزلك إجازة تانية قريبة مكافأة يعني..
وانطلقت الضحكات من الأبناء وانهالت التعليقات فى مزاح مع الأم التى تتصور أن القائد فى المعسكر فاضى يسمع أحمد ولا حتى لو سمعه سيرسل إلى المسئولين باقتراح تسمية ما يبنونه لعزل غزة عن مصر بـ(اللى مايتسماش).. وضحكت الأم معهم بلا زعل، لكن أحمد لم يضحك بل نظر إليها نظرة طويلة عميقة وكأنه يتشرب ملامحها بعينيه ويحتضن صورتها داخل قلبه ويختزنها فى ذاكرته ويمزج روحها بروحه.. كأنه كان يعلم أنها النظرة الأخيرة..
وسافر أحمد إلى معسكره وصعد درجات البرج ووقف فى مكانه يحرس حدود مصر مع غزة ويشاهد الآلات الضخمة والمعدات المنتشرة والأعداد من البشر التى أتت كى تقيم (اللى مايتسماش) كى تساهم مصر فى مزيد من الخنق لأهالى غزة ومزيد من الحصار والجوع والمرض وأنين الأطفال والمرضي.. وقف أحمد يستعيد جلسته الأخيرة مع أمه وأبيه وإخوته فى أرض الحجرة الترابية فيبتسم، ثم ينظر حيث توجد المعدات والآلات لبناء (اللى مايتسماش) فيشعر بأن قلبه يكاد أن يتوقف من آلام جراح تنزف دماء غير مرئية داخله.. وفى لحظة تتدفق الدماء حقيقية من جرح فى جسد أحمد بعد أن اخترقته رصاصة جاءته حيث يقف فوق برج حراسته.. ويتوقف قلب أحمد..
ويعود (أحمد شعبان أحمد جابر) صاحب الـ(22 ربيعا) يعود أحمد ابن أمه وأبيه وابن مصر وابن وطن عربى كان واحدا وخططوا لتمزيقه وساعدنا فى نجاح ما خططوا له.. يعود إلى قريته عزبة محمد فى مركز أهناسيا بمحافظة بنى سويف، يعود لا لكى يزف إلى عروسه التى كانت تنتظره حاملا الفرحة، فأتاها محمولا تغرقه دماؤه وفى داخل جسده رصاصة قد أطلقها وشارك فى إطلاقها كثيرون يحمل كل منهم لقب (اللى مايتسماش)..
عاد أحمد إلى منزله وفى عودته هذه المرة لم يأت حاملا أسئلة فهو الآن يمتلك كل الإجابات، عاد مكشوف عنه حجابه..
ولآخر مرة لامس جسده أرض الحجرة الترابية.. ناظرا إلى أبيه وقد انحنى ظهره حتى كاد الرأس أن يلامس تراب الأرض الذى تحول إلى طين بفعل أمطار دموع الأب..
مستمعا إلى صرخات وعويل أمه، يشاهدها تجمع تراب الأرض بين كفيها وتلقيه فوق رأسها فى مشهد قاس قسوة طقوس الحزن الصعيدية..
وبصوت لم ولا يسمعه سوى الأم ـ ومن غير الأم قادر على سماع حديث الروح؟ ـ تحدث أحمد إلى أمه محتضنا إياها قائلا: اذرفى يا أمى الدمع أنت وأبى على فراقى كما تريدان، فالتوقف عن البكاء لفقد فلذة الكبد شيء يفوق طاقة البشر، وقد كان فوق طاقة رسول الله نفسه عند فراق ابنه إبراهيم.. لكن يا أمى لا تطلقى الصرخات ولا تلطمى الخدين ولا تغبرى رأسك وشعرك بالتراب فالتراب قد غبر كل جسدك طيلة حياتك، واعلمى أن ابنك شهيد وأنك الآن أم الشهيد مثلك مثل أمهات الشهداء من فلسطين الذين هم الآن حولى يزفوننى عريسا بينهم عوضا عن زفافى الذى لم يتم.. واعلمى أن أرض الحجرة الترابية التى أنهكت جسدك الناحل قد عوضك الله عنها بقصر فى الجنة اسمه قصر الرحمة يا أيتها الأم الصابرة المحتسبة.. المهم أن تتمسكى بصبرك واحتسابك حتى نلتقي.
>> وسلام على أحمد وسلام على كل الشهداء فى فلسطين..
>> وسلام على سبعة من أبناء مصر، سبعة مواطنين مسيحيين معهم أخ لهم جندى مسلم.. قتلتهم رصاصات الإرهاب فى نجع حمادى وهم خارجون فرحون من صلاة العيد متوهمين أنهم آمنون فى ظل حراسة رجال أمن نظام مصر.. لكنهم كانوا واهمين حقا، فرجال أمن نظام مصر نسوا أن دورهم الحقيقى هو حماية الوطن من أعداء الوطن الذين يسعون لتفتيت وحدته الوطنية ـ حتى يتحقق الجزء الخاص بتفتيت مصر كما جاء فى (نشرة التفكيك الصهيونية) ونسوا أن دورهم هو حماية أبناء الوطن (كل أبناء الوطن) من غدر الإرهاب.. وليس ضرب وسحل عدد من أجانب جاءوا يحملون داخلهم قدرا غير مسبوق من الإنسانية والرحمة.. أتوا مصر تضامنا مع فلسطين وشعب فلسطين، تضامنا مع أهل غزة وتنديدا بممارسات عدو صهيونى محتل.. وليس أبدا تنديدا بمصر الوطن أو بشعب مصر العربي.

الأحد، أبريل 01، 2012

صمت الفراشات وبريق قلم اهتز...

وحده القلم الصامت بين أنامل تهتز، وحروف تتراكض كالفراش المبثوث هيبة ووقاراً، جعلني أفكر بصمت!.. وأتساءل مُربّ ام معلّم؟!.. وكل ما فيه ينساب بانسجام حديثاً وحركة وانفعالاً مدروساً لا يخلو من اتزان وحكمة تنطرح بهاء وسخاء من خلال كلماته التي تتأنّى وتترفّق بلطف وهي تخرج من بين شفاه لم تهدأ خلال عمر مثمر قطفت منه الثقافة جزءًا كبيراً، فأينعت سراجاً مستنيراً وفكراً فلسفياً جوهره العلم...
وحدها تلك اللمعة الشاردة في عينيه جعلتني أشعر بالذكريات المنطوية داخله، وذاك الغنى الروحي العميق الذي أورثه ذاك الهدوء والصبر وحسن الاستماع...
تركت القلم مغشيّاً عليه مُمدّداً على ورقتي وأمسكتُ برواية واحة الغروب لعلّني أهرب من التفكير في مسيرة حياة رجل لم أحدثه كثيراً لكنه طبع فيّ تساؤلاً زاد فضولي في معرفته أكثر وأنا مؤمنة أننا في عصر عولمة سريع التطور، فكيف استطاع ان يكون معجماً متنقلاً وهو في جهاد نفس وفكر مملوء بالحداثة...
أمسكتُ القلم من جديد وكأني أمسكتُ كوناً لأكتب ما حدثني عنه بهدوئه وصمته بين نفس ونفس وتنهيدة عمر كاستراحات روح ظامئة الى العلم...
ربما!... تكوَّن كشرنقة وأصبح فراشة ملونة وزرع حرفاً واحداً في عقل كل من مرَّ بين يديه ليجمع أبجديته على أفق لبنان والعالم، جلستُ أمامه وشعرت بهدوء غريب وكأني أمام نبع ماء يبلّلني بالندى، فثقل المعاني كالعشايا كالشمس!.. كالقمر المضيء في ذكرياته...
متناقضات كثيرة حملتني على أجنحة فراشته وهو يتكلّم عن الأم، عن المدرسة الأولى العفوية في حياة الطفل والتي تستمر حتى رحيله عن دنيا أبدع فيها عقلاً وثقافة وتعبيراً...
دمعة هي بسمته، وقطرة ماء هي حاضره ومستقبله، حبّه ترجمات لغات وحزن هي كلمته، يتألق الحرف بين شفتيه حين يترجم حرفاً فرنسياً قاله، فأذنه تأبى الايقاع الغربي رغم إتقانه لغات كونية فانية، فإشارات يديه تدل عنه بكل تفاصيل لغته خاصة وفلسفته..
ربّما!... فلسفة رهبان، او فلسفة روحية مختومة بالإيمان، رغم أننا نتعدّد في الأديان إلاّ ان الايمان نقطة ماء تجعل كل شيء حياً من حولها...
لم يحدودب ظهره رغم السنين المتعاقبة، على جسده إلاّ ان القلم ترك رجفة على يده، فالحروف التي مرّت على يديه تركت أثراً في أنامل من ضوء كسفن فنيقية أبحرت...
بحر يفيض ملوحة فيطهّر كل فكر شارد رغماً عنه، ليصبح موجاً ذا تنهيدات من مدّ وجزر وهو يصمت حيناً ويتكلم حيناً. شعرتُ للحظات كأن الأرض تضيق وتتسع والسنونو يرحل ويجيء والفصول تتعاقب وأنا جالسة أنصت لينبوع كلماته كالقوافي التي تستقر في قلوب العشاق..
نظر نظرة استغرقت ثوان، وكأنه ينظر الى الأفق المملوء بالأسرار، وهو يحدّثني عن طفولته التي منها انطلق ليكتب في ضوابط اللغة ما استقر في قلبي قبل ذاكرتي ولا أظن أني سأخطئ بعد ذلك بفعل مضارع او فعل أمر، فعلامات التعجب في لغته علامات ناطقة تجعلك تدرك سرّ أي تساؤل تطرحه على نفسك وأنت تحدثه...
يداه مرميتان فوق بعضهما على رجليه وعيناه تحت النظارات تتأملان ببصيرة ذاك العالم الدفين في داخله، وكأن الحياة صندوق مقفل يفتحه ليخرج الجواهر التي تضيء معاني شتى احتفظتُ فيها في جلسة منحني إياها القدر، وجعلتني أتأهب من جديد كي أحتفظ بما سمعته منه وجعلني أشعر وكأنني ما تعلمت شيئاً في حياتي وأنا التي قرأت آلاف الكتب الدينية والأدبية، لكن كتابه كتاب فريد أتمنى ان يكون كتابي....
لم يبق إلاّ عشر دقائق....
يا ليت الزمن يتوقف هنا، فلا يسير بثوان تائهة ولا دقائق تهرول فينتهي الوقت. همس كالنسيم قائلاً: «ربما هؤلاء المعلمون يتحملون ذلّ جهلهم فيستمرون في ترويض العقول التي بين أيديهم». جملة جعلتني أستفيق من غفلة وتساؤل أمضيت فيه سنين، لماذا لم نُتقن كمدارس إسلامية فن الإبداع؟.. في التعليم؟!...
هل لأننا حفظة.. فقط حفظة لا نتغلغل في عمق المعنى؟!.. فقد توارثنا «الببغائيات» بطريقة هزلية تقليدية بعيدة عن أي فن إبداعي لنفس وروح أبدعت يد الله في خلقها، ولأرواح تمتلك بوادر حسية دقيقة، فتلتقط ما تلتقط من خير وشر وحسن وقبيح....
هل بات قضيب الرمان دليل حديث «واضربوهم عليها وهم أبناء عشر»؟!... ربما!.. أكون جاهلة فيما فعلت إلاّ أنني لا أذكر أني أمسكت قضيباً لإرهاب طفل، او هويت بكفّ يدي على خدّ طفل لأن خدي لا زال يشعر بألم لامس وجهي وأنا طفلة يلقونني الحرف كما يلقنون الميت الشهادة ومن بعدها أعلنوا أنني غبية، فدفعوا بي الى الرهبان لأنني لست من حفظة القرآن..
ذكريات مرّت رغماً عني وهو يحدثني مرات ومرات عن كوادر التعليم التي قادها ما جعلني أشعر بدمعة تدغدغ عيني التي تنظر اليه كمربّ وضع بذرة في روحي ستُربّى وتكبر وتُزهر كما أزهرت الساعة التي التقيته بها، فالعلم غذاء الروح وقنديل مُضاء بلا زيت يضيء أعمارنا، فترتوي أزهارنا بضوء يظلّلها لتكبر...
ربَّت بأنامله قبل ان ينتهي الوقت وكأنه ربَّت على كتفي وأنا جالسة على مقعد دراسة مختلف نجلس تلميذة وأستاذ على مقعد واحد، فاشتاقت نفسي الى تلاميذي الصغار والحنين للعودة اليهم ولكن بفكر جديد وقلب سليم وعقل لا يقبل الترويض، فهل سأستطيع هذا بعد ما باتت مدارسنا أشبه بدكاكين الوراقين قديماً؟!...
ربما تلاشى شعوري بالرهبة منه، لكنه جعلني أقبع في زاوية أفكاره أنتظر شرارة ضوء لا زال يتلمسها من قلب أمه وهو يراها كفراشة تطير روحاً وما زالت تحيا في روحه. أيهذي الوقت!... بعدما أغلقت أبواب المكاتب في المبنى ليته يوشوش الزمان ليضيء فجر الأماني لأركض في حقول البيان ليهزج كياني قصصاً أكتبها لأبنائي ليسرجوا طريق العلم كما أسرجه هذا اللسان العربي الناطق بلغات كونية تنسج للغة الضاد رداء لتتوجها كملكة اللغات، فمخارج الحروف تستريح بين شفتيه تارة، وتتأرجح مع نسمات أنفاسه تارة أخرى، وقف شامخاً ونظر بعين الشمس فزادتها إشراقاً وأنا أتمايل بنشوة عطر فاض علماً ويقيناً أننا لا زلنا في الحياة أطفالاً...
لملمت خطواتي وسمعي يُعري كلماته، فتزداد المعاني سراً أمسكت القلم وكأن بيني وبينه رحلة طويلة، فالحروف هنا زهور لم تفه عطرها حقاً، ورحلتي معه بدأت ولن تنتهي شعراً ونثراً حتى يختمني بختمه وربما لن أستطيع معه صبراً...
مع تحياتي وتقدير لأب روحي،
وأستاذ جلست معه ساعة خلّدها الزمان بين وحي وحضور طاف، فأضحى حباباً وهديلاً أينع معرفة جعلتني أكثر ثراء، الى... أستاذي كمال خوري.


بقلم ضحى عبدالرؤوف المل


الثلاثاء، مارس 27، 2012

حرمت أحبك يا بهية..آه يا بهيه

آه....آه يا بهيه

يا أم طرحة وجلابيه

وشبشب زنوبه

وإيد مكنسة لهلوبه

تعبنا وإتزقلنا فيكى

بميت طوبة وطوبه

أرحمينا بقا يا بهيه!

من عيالك الهمجيه

ومن إيد البلطجيه

و لسان السرسجيه

آه...آه تعبنا كفايه!

آه... آه يا بهيه!

***

أه يا أم ملاية لف

خدنا من عساكرك

ميت كف وكف

كفاية يا أم ملاية لف

كفاية من العبايه

ميت صنف وصنف

وكفاية دولارات متهربه

وكفاية تهليب وخطف

ولا أتكتب عليكى

خفة الإيد والظُرف!

***

آه...آه يا أم التعابنين

خلاص قربوا يدونا

بدل الإسبريين كوكايين

وبدل فنجان القهوه

سم الحيات والتعابين

آه... أتكلمى وأصرخى

يا أم الآرامل و المدبوحين

***

آه... يا بهية النصابين!

حرمت أحبك يا بهيه

وهأحبك حب الملاعين

حب اللى يسرق فلوسك

ويهرب على بلاد

الأبالسة والشياطين

***

آه ...آه يا بهيه

يا أم ملاية لف مخبيه

تحتها ميت حية وحيه!

آه.... آه يا بهيه

***

هأتفوقى إمتا؟

يا أم الناس الطيبين!

فوقى بقة قبل ما

تلاقينا كلنا ميتين!

وتصبح ثورتنا

ثورة المنسيين!

زهرة الشمس محمد

السبت، مارس 26، 2011

ترى العربان تحسبهم ملوكا


شعر: محمد إسحاق الريفي



ترى العُرْبانَ تَحسبهمْ مُلوكـاً

وقد أعطوا عدوَّهُـمُ البُروكـا

تراهم عند "أوباما" دجاجـاً

وعند الشعبِ تحسبُهم دُيوكـا

يوالي الغربَ من في الملْك كانوا

له ذنَبـاً وأسوأهـمْ سُلوكـا

أماتوا الشعبَ من أجل الكراسي

ومالِ السُّحْتِ إذْ مَلؤوا البنوكا

يجافون الأعزةَ عـن حِماهـم

ويُدنـون المنافـقَ والهَلُوكـا

وأعراضُ الملوكِ تُـلاكُ جهـراً

بما فجروا وأأنـفُ أنْ ألُوكـا

ومِن حول الملوك ترى كِلابـاً

بهزُّ الذيـلِ يرضـون الملوكـا

يُضلون الملـوكَ بمـا أشاعـوا

مِنَ الأوهام واجترّوا الشُكوكا

يسمّون ابـن عاهلهـم أميـراً

ولو أبدى لهم فِسقـاً ونُوكـا

يُكالُ المـدحُ للأمـراء كيـلاً

من الأوغاد كي يجنوا الصُّكوكا

إذا السلطانُ خاف الخلعَ يومـاً

جميعَ الشعبِ أقسمَ أنْ يَدُوكـا

وما يدري الملوكُ متـى يموتـوا

ولا ما الدهرُ أوشك أن يحوكا

وقد يهدي الإلهُ ملوكَ قومـي

وقد يلقون ما هابـوا وشيكـا

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية