‏إظهار الرسائل ذات التسميات صحافة اجنبية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات صحافة اجنبية. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، أغسطس 26، 2020

سليم عياش يقود الوحدة 121 المتخصصة بالاغتيالات


كشفت صحيفة واشنطن بوست الأميركية أن سليم عياش المتهم من المحكمة الدولية الخاصة باغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري عام 2005، هو أحد عناصر فرقة اغتيال متخصصة، تدار بأوامر مباشرة من قيادة حزب الله ونفّذت أقله أربع عمليات اغتيال في لبنان سابقاً. ونقلت عن مسؤولين أمنيين الحاليين وسابقين ومحللين أمنيين خشيتهم من أن قادة حزب الله قد يشعرون بالحاجة لشن هجمات جديدة، تستهدف قادة سياسيين وخصوماً محتملين في لبنان أو خارجه. 

عيّاش ليس وحيداً
ونشرت الصحيفة تقريراً أحدث مفاجأة من شأنها إعادة خلط الأوراق في قضية اغتيال الحريري. ولفتت إلى أن عياش لم يكن وحيداً، بل كان جزءاً من الوحدة المعروفة باسم "الوحدة 121"، الخاضعة لسيطرة القيادة العليا لحزب الله، وأن عياش كان نشطاً في الوحدة، وعمل بأسماء وهويات مختلفة قبل سنوات من اغتيال الحريري. 

وحصلت الصحيفة على معلوماتها حول فرقة الاغتيالات من مسؤولين أمنيين حاليين وسابقين من الولايات المتحدة وثلاث دول أوروبية وشرق أوسطية، اشترطوا عدم كشف هوياتهم.

وأوضح المسؤولون أن الاتصالات التي تم اعتراضها، وغيرها من الأدلة غير المدرجة في الإجراءات العلنية للمحكمة الدولية، تؤكد جميعها وجود وحدة اغتيالات متخصصة كانت وراء سلسلة من التفجيرات بسيارات مفخخة، استهدفت قادة عسكريين وسياسيين وصحافيين لبنانيين، على مدى عقد من الزمن على الأقل. 

وقال مسؤولان أميركيان سابقان لمعدي التقرير، إن بعض المعلومات الاستخباراتية تمت مشاركتها بشكل خاص مع أعضاء المحكمة الدولية، ولكن لم تستخدم بشكل علني لما يحمله ذلك من خطورة عالية على حياة المصادر السرية.

ووفق الصحيفة، كان عياش جزءاً من الوحدة المعروفة باسم "الوحدة 121" الخاضعة لسيطرة القيادة العليا لحزب الله والمختصة بتنفيذ عمليات الاغتيال وعلى الرغم من التغييرات الدائمة في بنية فرقة الاغتيالات؛ فإن عياش كان القاسم المشترك الدائم، قبل أن يصبح قائداً للوحدة.

وأدانت المحكمة الدولية عياش، وهو ناشط في حزب الله يبلغ من العمر 56 عاماً، ولم يُعرف مكان وجوده، بشكل غيابي في 18 آب، بعد تحقيق دام 11 سنة. وقال أعضاؤها في جلسة النطق بالحكم إنهم لم يتمكنوا من العثور على دليل قاطع على أن القتل كان بأمر من قادة حزب الله.  

وبحسب مصادر الصحافيين الأمنية، فإن وجود فريق الاغتيال من شأنه أن يقوض نهائياً محاولات حزب الله نفي صلته بالاغتيال. وفي هذا السياق قال مسؤول أميركي كبير سابق في الأمن القومي، سبق له المشاركة في جهود جمع المعلومات الاستخباراتية بعد مقتل الحريري: "ليس هناك شك" حول سيطرة حزب الله على فرقة الاغتيال، "حزب الله منظمة شديدة الانضباط".

وحدة 121 السرية
وعن الوحدة 121 تقول مصادر الصحيفة، "إنها وحدة سرية للغاية تضم عشرات الناشطين من الحزب، المنفصلين تماماً عن أي نشاط آخر، وتتلقى أوامرها من حسن نصر الله بشكل مباشر". وذكرت المصادر أن مصطفى بدر الدين كان من الدائرة الضيقة المطّلعة على عمل الوحدة وعملياتها، ويُتهم بدر الدين بأنه أحد المخططين المزعومين لاغتيال الحريري. وقد قُتل في سورية عام 2016، وبنتيجة ذلك أسقطت لائحة الاتهام التي تشير إلى أنه مشتبه به".

الأوامر من نصرالله
الوحدة سرية للغاية وتضم عشرات العناصر المنفصلين تماماً عن أي نشاط آخر، وتتلقى أوامرها من حسن نصر الله مباشرة وفي هذا السياق يقول ماثيو ليفيت لواشنطن بوست، وهو محلل مكافحة الإرهاب السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة الخزانة، ومختص بعمليات حزب الله، "إن لدى الجماعة صانعي قنابل من أصحاب الخبرة العالية، وهيكل قيادة معقد مصمم لإبعاد كبار المسؤولين عن اللوم". ويضيف ليفيت، "أعدّ حزب الله وحدات متخصصة للقيام بمهام فريدة، بعضها محدد زمنياً، وبعضها الآخر يتعلق بمجموعة مهارات معينة أو نوع من المهام". وتعد الوحدة 121 مثالاً حياً على ذلك. 

كما أكّد اللواء أشرف ريفي، المدير العام السابق لقوى الأمن الداخلي اللبناني، في مقابلة مع الصحيفة، علمه بوجود "مجموعة داخل حزب الله مسؤولة عن العمليات والاغتيالات"، بما في ذلك مقتل الحريري وتفجير السيارات المفخخة التي استهدفت قادة آخرين. وأضاف ريفي أن عياش "كان جزءاً من تلك المجموعة".

ضحايا الوحدة
وحددت الصحيفة أربع ضحايا مفترضين للوحدة 121، هم:

-العميد فرانسوا الحاج، مدير العمليات في أركان الجيش اللبناني، والذي كان مرشحاً ليصبح قائداً للجيش حال انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية. وقد اغتيال مع مرافقه في 12 ديسمبر/كانون الأول 2007، في انفجار ضخم في منطقة بعبدا.

-النقيب في فرع المعلومات التابع لقوى الأمن الداخلي، وسام عيد، الذي اغتيل بعبوة ناسفة عند مرور سيارته في منطقة الحازمية قرب بيروت، برفقة أربعة مدنيين آخرين بتاريخ 25 يناير/كانون الثاني 2008. وينسب له فضل اكتشاف شبكة الهواتف الخليوية الحمراء والزرقاء والصفراء والوردية التي اعتمدتها المحكمة الدولية في إدانة عياش، وتبرئة باقي المشتبه بهم. 

- العميد وسام الحسن، قائد أمن الحريري، ورئيس شعبة المعلومات التابعة لقوى الأمن الداخلي، والذي اغتيل بتفجير وقع في منطقة الأشرفية ببيروت في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2012، أودى بحياة ثمانية أشخاص آخرين. وينسب للحسن الدور الأبرز في توقيف الوزير ميشال سماحة، وضبط قيامه بنقل المتفجرات من سورية إلى لبنان، في شهر آب من العام نفسه.

-السياسي والاقتصادي اللبناني ووزير المالية الأسبق، محمد شطح، والذي كان من أبرز قيادات تيار المستقبل، ومن أبرز السياسيين اللبنانيين المؤيدين للثورة السورية والرافضين للهيمنة الإيرانية، وقد قتل في تفجير سيارة مفخخة استهدفه يوم 27 ديسمبر/كانون الأول 2013 في بيروت، وأسفر الانفجار عن مقتل 7 أشخاص آخرين.

التحضير لاغتيالات جديدة
أعرب عدد من المسؤولين الأمنيين الحاليين والسابقين والمحللين الأمنيين المختصين بحزب الله، عن خشيتهم من أن قادة الحزب قد يشعرون بالحاجة لشن هجمات جديدة، تستهدف قادة سياسيين وخصوماً محتملين في لبنان أو خارجه. وبحسب الصحيفة، فإن المحللين يرون أن الأوضاع المضطربة والفوضى التي تعيشها البلاد وخاصة بعد انفجار مرفأ بيروت، قد تشكل فرصة مناسبة للحزب لإسكات منتقديه، أو من يحاولون ربطه بالتفجير. 

ويرى روبرت باير، الضابط السابق في وكالة المخابرات المركزية الأميركية والمختص بحزب الله، أن "أي شخص يحاول توريط حزب الله في انفجار المرفأ سيكون هدفاً للاغتيال". ويضيف "إنهم أذكياء للغاية ويعرفون أعداءهم".

الجمعة، يناير 10، 2020

البرلمان البريطاني يوافق على بريكست بعد انقسامات مريرة


لندن - أعطى النواب البريطانيون أخيراً الضوء الأخضر لرئيس الوزراء بوريس جونسون لاستكمال خطته الخاصة ببريكست والخروج من الاتحاد الأوروبي في 31 كانون الثاني/يناير، وذلك بعد أزمة استمرت لثلاث سنوات ونصف.
ويشكل التصويت انتصارا لرئيس الوزراء، المدافع الشرس عن بريكست، ولكن سيتوجب عليه الانكباب على مفاوضات صعبة بشأن العلاقة الجديدة، وبخاصة التجارية، بين لندن والاتحاد الأوروبي، بدءا من شباط/فبراير.
وبعد نقاش امتد لبضع جلسات، صادق النواب البريطانيون بغالبية 330 نائبا (مقابل 231) على النص الذي يترجم قانونيا الاتفاق المكوّن من 535 صفحة والذي توصل إليه بوريس جونسون مع الاتحاد الأوروبي في الخريف.
ويتوجب حاليا أن يصادق مجلس اللوردات عليه، ثم تصدره الملكة في إجراءات شبه شكلية.
وبعد ذلك، سيقع على عاتق البرلمان الاوروبي أن يصادق عليه لتصبح المملكة المتحدة في 31 كانون الثاني/يناير عند الساعة 23:00 (توقيت لندن وتغ) أول دولة تغادر الاتحاد الاوروبي، بعدما استغرق الأمر ثلاثة إرجاءات، إذ كان الخروج مقررا في آذار/مارس 2019.وشدد وزير بريكست ستيف باركلي أمام النواب على أن "الوقت حان للمضي قدما".
وأضاف أنّ "هذا النص سيضمن مغادرتنا للاتحاد الأوروبي بوجود اتفاق يمنح ثقة للشركات، يحمي حقوق مواطنينا ويكفل استعادتنا للسيطرة على أموالنا، حدودنا، قوانيننا وسياستنا التجارية". كما تعهد بالبدء "سريعا" بالمفاوضات مع الاتحاد الأوروبي للتوصل إلى اتفاق للتجارة الحرة قبل حلول نهاية العام.
وسيطوي تاريخ 31 كانون الثاني/يناير صفحة من الفوضى السياسية التي شهدتها بريطانيا منذ استفتاء حزيران/يونيو 2016 الذي حصل فيه مؤيدو خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي على 52 بالمئة من الاصوات.
وخلال الثلاث سنوات ونصف التي تلت الاستفتاء انقسم البريطانيون حول الامر، ورفض البرلمان اتفاقا ابرمته رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي دون اقتراح سيناريو بديل، ما أثار مخاوف من حدوث خروج عنيف او حتى التخلي عن بريكست.غير أنّ الغالبية البرلمانية التي حصل عليها جونسون في انتخابات 12 كانون الأول/ديسمبر، قللت المخاوف، ولكن يبقى أنّ التحديات التي يواجهها جونسون الذي وصل إلى السلطة في شهر تموز/يوليو، لم تنته.
فاتفاق بريكست الذي تم التفاوض بشأنه مع بروكسل ينظم الخطوط العريضة للطلاق، خصوصا من خلال ضمان حقوق المواطنين وتسوية معضلة الحدود الايرلندية. ويهدف تحديدا الى ضمان المرور بسلاسة الى علاقة مستقبلية بين الطرفين، ما زال يتعين تحديدها.
 
وتبدأ في 31 كانون الثاني/يناير فترة انتقالية تستمر حتى نهاية 2020 بغرض تمكين بروكسل ولندن من الاستعداد لإنشاء علاقة مستقبلية. وسيستمر البريطانيون خلالها في تطبيق القواعد الاوروبية دون المشاركة في المؤسسات الاوروبية ودون الحق في القرار داخلها.
وتبدو الفترة الممتدة حتى نهاية 2020 قصيرة جدا للتفاوض حول اتفاقات تبادل حر أو اتفاقات أمنية تحتاج عادة إلى سنوات.
ويرفض جونسون أي تمديد للفترة الانتقالية لما بعد 2020، وهي امكانية واردة في اتفاق بريكست.
وكرر ذلك الاربعاء لرئيسة المفوضية الاوروبية اورسولا فون دير لاين التي استقبلها في لندن.
لكن ازاء ضغط الجدول الزمني، ألمحت رئاسة الحكومة البريطانية الى امكانية الاكتفاء باتفاق جزئي اذا تعذر التوصل الى اتفاق شامل بحلول نهاية 2020.
ونبهت رئيسة المفوضية الاوروبية الى ان المباحثات ستكون "صعبة" وأنه سيكون من المستحيل الاتفاق على "الصعد كافة" دون تمديد فترة المباحثات، وقالت "علينا اختيار الاولويات".
وحذرت من أن الاتحاد الاوروبي سيبقى حازما بشأن مبادئه: "دون منافسة منصفة في مجالات البيئة والعمل والضرائب ومساعدات الدولة، لا يمكن الوصول على مستوى رفيع إلى أكبر سوق مشتركة في العالم".

السبت، نوفمبر 30، 2019

موسى الصدر: ما الذي يجعل من قضيته ملفاً لا يغلق؟

لا تغيب الساعات الأخيرة قبل مغادرة موسى الصدر لبيروت باتجاه العاصمة الليبية طرابلس الغرب عن ذاكرة الصحفي اللبناني واصف عواضة الذي كان حاضرا في الغرفة المجاورة لمكان الاجتماع بين الصدر وأعضاء المكتب السياسي في حركة أمل. "كان نقاشا محتدما" كما يقول لبي بي سي عربي، مضيفا أن الفريق المعارض للزيارة تمسك برأيه حتى النهاية في مواجهة فريق مؤيد لها يقوده محمد يعقوب، وهو رجل دين اختفى مع الصدر في رحلته الأخيرة إلى ليبيا ومعهما الصحفي عباس بدرالدين.
قبل يوم فقط من هذه المشادة التي انتهت بتغليب رأي يعقوب على آخرين نشر الصدر مقالته الداعمة للثورة الإيرانية في صحيفة لوموند الفرنسية تحت عنوان "نداء الأنبياء".
كانت هذه المقالة آخر شيء سمعه العالم من الصدر الذي تحول إلى لغز كبير لم يستطع أحد بعد حله. فرجل الدين الشيعي كان فاعلاً على جبهات عديدة في تلك المرحلة. البداية كانت مع الحركة التي كان يقودها ضد إسرائيل بعد غزوها للبنان للمرة الأولى في ١٤ مارس/ أذار ١٩٧٨، والدور التي لعبته جماعته في الحرب الأهلية اللبنانية وخلافاته مع اليسار اللبناني والعلاقة المعقدة بين تنظيمه وحركة فتح، فضلاً عن نشاطه في الثورة الإيرانية من استضافة شخصيات "ثورية إيرانية" في لبنان من أمثال مصطفى شمران وإبراهيم يزدي وصادق قطب زاده وأحمد الخميني، وصولاً إلى صلاته على المفكر الإيراني المعروف، علي شريعتي، بعد وفاته المثيرة للجدل في بريطانيا، وسحب الجنسية الإيرانية منه على يد سفير طهران في بيروت آنذاك منصور قدّر.

الصدر وبهشتي والقذافي

كان جليا أن للصدر أعداء كثيرين، وبعض هؤلاء ليسوا بأعداء مباشرين، إنما أعداء بالواسطة، لذا فلائحة المستفيدين من غيابه أو تغييبه طويلة لدرجة تجعل الكثيرين متواطئين محتملين مع الزعيم الليبي معمر القذافي، المتهم الأول بإخفاء الصدر، في القضية.
خلال السنوات الأربعين الماضية حيكت الكثير من القصص حول مصير الصدر ورفيقيه وكيف اختفوا بغمضة عين. كاتب هذه الكلمات استمع إلى بعضها من رواتها، وبعضها الآخر قرأها أو سمعها بالواسطة. آخر رواية تلك التي ذكرها الكاتب الأميركي كاي بيرد في كتابه "الجاسوس النبيل" والتي كررها أندرو سكوت كوبر في كتاب "سقوط الجنة" عن الأسرة البهلوية، ومما جاء فيها أن المسؤول عن قرار تصفية الصدر كان رجل الدين الإيراني محمد حسيني بهشتي الذي أوعز للقذافي بالقيام بذلك.
وبحسب الرواية فإن القذافي دعا الصدر وبهشتي معا إلى لقاء تحت رعايته في ليبيا لحل الخلافات بينهما في شأن قيام دولة دينية في إيران (ولاية الفقيه). وقد استنكف بهشتي عن القدوم إلى ليبيا، وطلب إلى القذافي احتجاز الصدر لديه، لأنه عميل للغرب.‬
الرواية التي ينقلها بيرد عن عميل وكالة الاستخبارات الأمريكية، روبرت إيمز، والتي نقلها بدوره عن قناة اتصاله بحركة فتح الفلسطينية علي حسن سلامة، تنتهي بمحاولة ياسر عرفات التوسط لإطلاق سراح الصدر. لكن القذافي يتصل ببهشتي عارضاً عليه الأمر، فيصر الأخير على أن الصدر يشكل خطراً مباشراً، لا على الثورة في إيران فحسب، بل على حياة مؤسس الثورة آية الله الخميني أيضاً، ويعدم الصدر ويدفن في مكان مجهول.
"خطر الشيوعيين والجنبلاطيين"‬
‬لكن رسالة اطلعت عليها بي بي سي عربي وترد ترجمة بعض ما جاء فيها في هذا النص تضعف الرواية. فكل من بهشتي والصدر كان ينظر إلى الزعيم الليبي كخصم، لا سيما وأنه كان يدعم اليسار اللبناني الذي كان في تلك المرحلة مناوئا لنشاطات الصدر.
يضاف إلى الرسالة لقاء أخير بين الرجلين في ألمانيا الغربية قبل أشهر قليلة من اختفاء الصدر وثّق له في كتاب مذكراته صادق طبطبائي، ابن شقيقة الصدر وأحد رجال الدائرة الضيقة المحيطة بالخميني في السنوات الأولى للثورة. كما أن مساعداً سابقاً للصدر، حسين شرف الدين، كان قد تحدث لبي بي سي في وقت سابق عن خلوات سنوية عقدها الرجلان في بلدة جباع اللبنانية لتنسيق جهودهما في إطار الثورة الإيرانية والعمل على الساحة اللبنانية.
بالعودة إلى الرسالة المؤرخة في عام ١٩٧٧، يشكو فيها الصدر لبهشتي من أخطار "الشيوعيين والجنبلاطيين وأعوانهم من العرب الليبيين والعراقيين الذين يضعون المقاومة في معرض أخطار عالمية كبيرة"، مضيفا أن "المقاومة في العقود الأخيرة رتبت وضعها الداخلي فحركة فتح أخرجت من صفوفها محور أبو صالح وأبو موسى وحتى محور أبو إياد تم تنحيته جانبا".
ويختم الصدر "على الرغم من عمق جراح الماضي التي تسببوا بها لنا إلا أنهم يحاولون وعلى الخصوص " أبو عمار وأبو جهاد" من خلال الإجراءات مراعاتنا بلطف وأن يعوضوا عن الماضي".
الرسالة واحدة من عشرات الرسائل بين الرجلين، ويقول نجل الصدر، صدر الدين الصدر، لبي بي سي إن والده وبهشتي كانا روحا واحدة والأكثر عجباً طرح اسم القذافي كمصلح بينهما مع معرفة موقفهما منه، مضيفا "كل الشواهد أثبتت أن الإمام الصدر وأخويه كانوا لدى القذافي، ومن بعده بيد فلوله ولا شيء في كل هذه الفترات يثبت أن سوءا وقع لهم، بل العكس، حتى الروايات المتشائمة، مثل رواية مسؤولية أبو نضال، تؤكد نظريتنا أنهم على قيد الحياة".

ماهي رواية أبو نضال؟
في نيسان/ أبريل من عام ٢٠١١ كنت في ليبيا لتغطية أحداث الثورة على نظام العقيد معمر القذافي، وهناك التقيت بوزير الداخلية الليبي المنشق عبد الفتاح يونس، الذي كان حينها قائداً عسكرياً للثوار وسألته عن مصير الصدر فكان جوابه أن الصدر ورفيقيه قتلا بعد وصولهما إلى ليبيا بأيام على يد صبري البنا، المشهور بأبي نضال، وهو مؤسس وقائد "حركة فتح المجلس الثوري"، وأضاف حينها يونس أن أبو نضال دفن الثلاثة في حديقة منزله في طرابلس، ثم قال "إن أردت المزيد من المعلومات حول هذا الأمر عليك بالتواصل مع موسى كوسا، فهو يعرف تفاصيل ما جرى في ذلك الوقت".
تقاطعت رواية يونس مع رواية كانت تتردد في لبنان سابقاً من خلال بعض الصحفيين المقربين من ليبيا حول ذات الأمر. لكن مراجعة تاريخ علاقات المجلس الثوري وتقاطعاته العربية تظهر أن أبو نضال وإن كان على علاقة سطحية بالقذافي حينها، لكنه لم يكن قريباً إلى درجة أن ينفذ عمليات في ليبيا بحرية تامة، لا سيما أنه كان مقيما في بغداد وتحت رعاية الرئيس العراقي آنذاك، أحمد حسن البكر. لكن معاوناً سابقاً لأبي نضال وهو عاطف أبي بكر ذكر في دردشة مع الكاتب أن المجلس الثوري "نال الحظوة عند القذافي على مرحلتين الأولى بين ١٩٧٧ و ١٩٧٨، والثانية وهي الأهم لأنها انطوت على دعم كبير وكانت بين ١٩٨٤ و ١٩٩٣. وفي تلك المرحلة كان المجلس أداة القذافي ومخابراته وكانت جماعته قد غادرت العراق نهائيا أخر عام ١٩٨٣".
رواية مسؤولية أبو نضال بدت وكأنها الرواية غير الرسمية لنظام القذافي. وكان سيف الإسلام القذافي أول من لمّح إليها في لقاء تلفزيوني في تشرين أول/ أكتوبر من عام ٢٠٠٢ مع تلفزيون المستقبل اللبناني حين قال إنه لا يستبعد تورط مجموعات غير ليبية في الجريمة. ويضيف أن "أبو نضال كان واحداً من هذه المجموعات، لأنه عاش مدة في ليبيا حيث عثرنا في بيت كان يقيم فيه على بقايا جثث لأشخاص قام بتصفيتهم ودفنهم، وبعضهم من المقرّبين منه، كما كان هناك أشخاص آخرون قتلهم على ما يبدو".
نفى المجلس الثوري أن يكون متورطا في الحادثة مؤكدا أنه لم يكن له وجود في ليبيا وقت الحادثة. وجاء النفي على لسان القيادي فيه خالد عوض، فتصريحات القذافي جاءت بعد شهرين فقط على الموت الغامض لصبري البنا (أبو نضال) في بغداد.

ثم تكررت الرواية على لسان أكثر من مسؤول ليبي وآخرهم عبد الله السنوسي، الرئيس الأسبق للاستخبارات العسكرية الليبية في عهد القذافي، الذي قال خلال التحقيق بحسب ما نقلت صحيفة الرأي الكويتية أن القذافي سلّم الصدر لأبي نضال الذي تولى إعدامه فورا.

رواية السجن

لا تتوافق رواية القتل الفوري مع ما يقوله القاضي اللبناني حسن الشامي، الذي يرأس لجنة بلاده لمتابعة قضية اختطاف الصدر ورفيقيه. وأكّد الشامي، الذي نشر قبل فترة على صفحته على فيسبوك صورة يقول إنها لإحدى الزنازين التي مرّ فيها الصدر، لبي بي سي أنه وبحسب المقابلات التي أجراها في ليبيا مع عشرات الأشخاص خلال السنوات الماضية وصل إلى شبه يقين أن الصدر مرّ في ثلاثة سجون في ليبيا حتى أواخر التسعينات. ويقول إن كل الروايات التي تتحدث عن سيناريو القتل ليست متكاملة، "الرواية الكاملة تعني تفاصيل مثبتة، أدلة وتواريخ وقرائن وتسلسل وأسماء، وهذا ما لم يتوفر في كل ما تم تداوله".
ويرسم الشامي خطاً زمنياً للصدر ورفيقيه في ليبيا، ويرى أن المصادر المتقاطعة لديه تؤكد أنهم "منذ أغسطس/آب ١٩٧٨ تاريخ الاختطاف وحتى ١٩٨١ وضعوا معا في بيت في مدينة جنزور قرب طرابلس، في منطقة أمنية مخصصة لاحتجاز السجناء السريين، ولم يكن يُسمح لأحد بالاقتراب من هناك. وهناك ثلاثة مصادر أكدت هذا الأمر، وأحد هؤلاء كان هانيبال القذافي، الذي أكد هذه الرواية ولكنه رفض أن يكمل أكثر من ذلك مشترطا إطلاقه لتقديم المزيد من المعلومات"، كما يقول.
ويضيف القاضي اللبناني "المرحلة الثانية كانت مكتب النصر، وهو سجن سري للسياسيين عبارة عن جناح في سجن أبو سليم الضخم، هذه المرحلة تمتد من منتصف الثمانينيات وحتى منتصف التسعينيات، والمرحلة الثالثة إلى عام ٢٠٠٠ على الأقل في القاعدة العسكرية الجوية في سجن سري تابع لها في سبها".
ويختم الشامي حديثه بأن السلطات الليبية الحالية لم تلتزم مع لبنان في مجموعة من الوعود التي تعهدت بها ومنها "الوعود العلنية الرسمية من قبل القيادات التي جاءت بعد الثورة باعتبار ملف الإمام الصدر أولوية وطنية، ونوع ثان من الوعود هو الالتزام الخطي بمذكرة التفاهم التي لم ينفذوا منها واحداً بالمئة، ونوع ثالث من الوعود المحاضر التي تم توقيعها مع مكتب النائب العام في عام ٢٠١٦ والتي تم توقيعها في تونس وليبيا، ولم يلبوا أي طلبات لنا منذ عام 2016".
أما هانيبال القذافي، ابن الزعيم الليبي الراحل الذي استشهد به الشامي، فهو موقوف في لبنان منذ عام ٢٠١٥ بعدما قامت مجموعة باختطافه بعد استدراجه من سوريا التي كان لاجئاً فيها. حينها وجهت التهمة بالمسؤولية عن العملية للنائب السابق في البرلمان اللبناني حسن يعقوب، نجل الشيخ محمد يعقوب الذي اختفى مع الصدر.
ونشرت صحف لبنانية إفادة هانيبال الذي كرر ما ذكره الشامي ولكنه برأ والده من الاختطاف ملقيا بالمسؤولية على عبد السلام جلود، الشخصية الثانية في نظام القذافي.
وكان احتجاز القذافي الإبن في لبنان قد أثار أيضاً الكثير من الجدل لا سيما مع تصريحات محامي عائلة القذافي خالد الزايدي، الذي قال إن استمرار اعتقال هانيبال القذافي في لبنان رغم تبرئته في القضايا التي حوكم بسببها، إجراء "ظالم وغير قانوني"، ويسيء إلى سمعة القضاء اللبناني.
هذا الجدل دفع بوزير العدل في حكومة تصريف الأعمال اللبنانية لتحويل القضية لرئيس هيئة التفتيش القضائي للتأكد من خلوه من أي مخالفات أو تجاوزات للنصوص المرعية وضمانات المتقاضين و"تبيان الفوائد التي يجنيها لبنان من الابقاء على هانيبال القذافي موقوفاً في سجونه لمعرفة حقيقة تغييب إمام السلام والاعتدال ورفيقيه".

الصدر وسط صراع الأجنحة الإيراني

وبالتوازي كانت تصريحات مفاجئة تخرج من طهران على لسان رجل الدين المنتمي للتيار الإصلاحي محمد موسوي خوئينيها يتهم الصدر بأنه لم يكن مؤيداً للثورة ضد الشاه بأي شكل من الأشكال على حد تعبيره. وقال إن الصدر التقى بالشاه ولم يكن مهتماً حتى بالمساعدة في إنشاء مجلة لتغطي أخبار الثورة.
وتأتي تصريحات خوئينيها بعد أقل من عام على تصريح جلال الدين الفارسي أحد الشخصيات الإيرانية التي كانت في لبنان خلال فترة حكم الشاه، والذي قال في مقابلة مع وكالة أنباء فارس في فبراير/شباط ٢٠١٨ إن الصدر كان "يجب أن يقتل" لأنه كان قريباً من الشاه وبعيداً عن الثورة وكانت لديه أفكار حول توحد الأديان والمذاهب. ويضيف أن الصدر كان يقول إنه "يجب أن نتوحد مع المسيحيين ويجب أن يذهب الشيخ إلى الكنيسة والقس يجب أن يحضر إلى المسجد. هذا الكلام صدر منه وكان "يستوجب الوقوف ضده" وأن القذافي قتله.
في مقابلته هذه أكد الفارسي الذي كان من أوائل المرشحين للرئاسة في إيران بعد الثورة ورفض ترشيحه بسبب أصوله الأفغانية، أن القذافي كان شخصية كبيرة وكانت له علاقة معه ويفتخر بها.

تسلط تصريحات خوئينيها الأخيرة والفارسي السابقة الضوء مجدداً على موقع الصدر ضمن صراع الأجنحة داخل الثورة الإيرانية قبل انتصارها في فبراير/ شباط ١٩٧٩. فالفارسي مثلاً، إلى جانب شخصيات كمحمد منتظري نجل نائب الخميني المعزول حسين منتظري، ومحمد صالح الحسيني، كانوا أقرب إلى جبهة اليسار في لبنان وعلى علاقة مميزة بحركة فتح والنظام الليبي، بينما كان الصدر راعياً لحركة "نهضة إيران" التي كان يقودها أول رئيس وزراء بعد الثورة مهدي بازركان ووزير الخارجية السابق إبراهيم يزدي ووزير الدفاع مصطفى شمران الذي قتل خلال الحرب الإيرانية-العراقية.
وانعكس هذا الصراع قبل الثورة على اتجاهات الدولة الإيرانية الجديدة، وتجلى ذلك بقيام الفريق القريب من ليبيا بدعوة عبد السلام جلود إلى طهران التي زارها في أبريل/ نيسان ١٩٧٩ على رأس وفد من ٥٥ شخصاً. وقابل الخميني، الذي وبحسب جلود، سأله عن الصدر فكان جوابه له بأنه غادر ليبيا إلى إيطاليا. مع خروج حركة "نهضة إيران" من الحكم بدأت العلاقة الإيرانية الليبية بالتطور بشكل كبير لا سيما في ظل الحصار على إيران واحتدام الحرب مع العراق حيث قام القذافي بتزويد إيران بصواريخ سكود، وساهم في تمتين هذه العلاقة الفريق الذي كان يقوده محمد حسين منتظري.
ونقلت حينها صحيفة "النهار" اللبنانية عن منتظري تبرئة ليبيا من اختطاف الصدر حيث قال إن العلاقات مع ليبيا جيدة، "وفي ما يتعلق بموضوع الإمام الصدر فالأيادي التي أخفته كانت صهيونية أمريكية من أجل ضرب الدور الليبي" وأضاف منتظري "لو كانت ليبيا حقا تريد موسى الصدر لكانت استهدفته في صيدا أو صور أو بيروت أو أي مكان آخر خارج ليبيا".
تبع ذلك تصريح لوالد منتظري، آية الله حسين منتظري، الذي كان رئيسا لمجلس قيادة الثورة حيث قال في رسالة للخميني في أبريل/ نيسان ١٩٨٠ "في الظروف الحالية، طرح قضية الإمام موسى الصدر ستؤذي العلاقة مع ليبيا، وستكون لمصلحة الولايات المتحدة الأميركية".

هل قُتل الصدر؟

في يونيو/ حزيران القادم سيبلغ العمر الفعلي لموسى الصدر ٩١ عاماً، وهو ما يجعله عجوزاً طاعناً في السن، وبغض النظر عن العوامل الطبيعية أو غير الطبيعية، ليس هناك ما يُثبت أنه فارق الحياة، هكذا تقول عائلته. لذلك فأبناؤه وبناته يتمسكون بالأمل في أنه في مكان ما على قيد الحياة. المكان هذا برأي عائلة الصدر كان يعرفه العقيد معمر القذافي والدائرة المقربة منه، إلا أن العقيد قُتل والدائرة المحيطة مبعثرة.
مع ذلك ورغم التعقيدات التي تحيط بالقضية من أكثر من جانب، إلا أن خيوطها إن جمعت يمكن أن تساعد على الأقل في كتابة رواية أقرب إلى الدقة. وهذا ما قد يكون مفيداً لمعرفة جزء من حقيقة لغز هو الأكثر غموضاً في التاريخ السياسي الحديث لمنطقة الشرق الأوسط، والذي كانت له تداعيات حولت مسارات دول كإيران والعراق ولبنان وبلا أدنى شك ليبيا، التي تستمر بدفع ثمن اختفاء موسى الصدر ورفيقيه على أراضيها.

السبت، نوفمبر 02، 2019

كيف أفشل "صقور" إدارة ترامب خطط الانسحاب من سوريا؟

كشف تقرير مطول لفورن بولسي عن الفوضى التي لحقت باستراتيجية إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وذلك عقب استقالة وزير الخارجية السابق، ريكس تيلرسون، ومستشار الامن القومي، هربرت ماكماستر، وذلك بناء على لقاءات أجريت مع عدد كبير من المسؤولين الأمريكيين.

تم تعيين جون بولتون كبديل لماكماستر، ومدير الاستخبارات الامريكية، مايك بومبيو، كوزير للخارجية، فيما تم تعيين جيمس جيفري وجويل رايبورن للعمل على الملف السوري، خطوة أدت إلى طغيان ما يعرف باسم صقور إيران على قرار البيت الأبيض.

وقال مسؤول كبير في الخارجية الامريكية: "بسبب الفوضى في الإدارة، أصبحت الإرشادات العامة للسياسية مبهمة للغاية خلال هذه الفترة.. لقدا بدا الأمر وكأنه فوضى عارمة".

مع وصول صقور إيران، تحولت سياسة ترامب في سوريا بالتوازي مع حملة الضغط القصوى التي فرضتها إدارة ترامب على إيران. بدأ جيفري العمل لوضع خطط للبقاء شمال شرق سوريا لأجل غير مسمى لمنع الأسد من الاستلاء على البلاد، وعمل فريقه على حرمان النظام والإيرانيين من حقول النفط عبر العمل مع قسد.

ولأن الولايات المتحدة كانت قد بدأت حملة الضغط القصوى، تم الإيعاز لقسد بضرورة وقف المفاوضات مع النظام، وقالوا لهم سنسحب كل الدعم إذا ما وصلتم لتسوية مع النظام.

سوء تقدير الموقف
تعارضت استراتيجية صقور إيران مع رغبة ترامب المعلنة بالانسحاب من سوريا. وقال عدد من المراقبين، إن هذا سيؤدي إلى صدامات كارثية لسبب مهم، لا تستطيع الولايات المتحدة البقاء في سوريا لأجل دون مسمى دون مساعدة من قسد وتركيا لن تلتزم الصمت بعد إعلان النصر على داعش.

في هذه المرحلة، يقول المسؤولون، إن جيفري أخطأ التقديرات. كان يرى أن تركيا تفضل وجود الولايات المتحدة وقسد على طول الحدود ولأجل غير مسمى على أن ترى على حدودها نظام الأسد وإيران.

وقال المسؤول: "أساء جيفري فهم الموقف تماماً وأساء تقدير الموقف التركي على طول الطريق.. أسائنا فهم موقف تركيا بشكل كبير. لم ندرك أولويات المصالح التركية والنتائج المقبولة لها في سوريا".

وأشار إلى أن الموقف الأمريكي كان مبنياً على موقف سابق لتركيا تراجعت عنه بشكل كبير خلال السنوات الماضية، خصوصاً مع انتخابات إسطنبول التي أجريت هذا العام.

كشف تقرير مطول لفورن بولسي عن الفوضى التي لحقت باستراتيجية إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، وذلك عقب استقالة وزير الخارجية السابق، ريكس تيلرسون، ومستشار الامن القومي، هربرت ماكماستر، وذلك بناء على لقاءات أجريت مع عدد كبير من المسؤولين الأمريكيين.

تم تعيين جون بولتون كبديل لماكماستر، ومدير الاستخبارات الامريكية، مايك بومبيو، كوزير للخارجية، فيما تم تعيين جيمس جيفري وجويل رايبورن للعمل على الملف السوري، خطوة أدت إلى طغيان ما يعرف باسم صقور إيران على قرار البيت الأبيض.

وقال مسؤول كبير في الخارجية الامريكية: "بسبب الفوضى في الإدارة، أصبحت الإرشادات العامة للسياسية مبهمة للغاية خلال هذه الفترة.. لقدا بدا الأمر وكأنه فوضى عارمة".

مع وصول صقور إيران، تحولت سياسة ترامب في سوريا بالتوازي مع حملة الضغط القصوى التي فرضتها إدارة ترامب على إيران. بدأ جيفري العمل لوضع خطط للبقاء شمال شرق سوريا لأجل غير مسمى لمنع الأسد من الاستلاء على البلاد، وعمل فريقه على حرمان النظام والإيرانيين من حقول النفط عبر العمل مع قسد.

ولأن الولايات المتحدة كانت قد بدأت حملة الضغط القصوى، تم الإيعاز لقسد بضرورة وقف المفاوضات مع النظام، وقالوا لهم سنسحب كل الدعم إذا ما وصلتم لتسوية مع النظام.

سوء تقدير الموقف
تعارضت استراتيجية صقور إيران مع رغبة ترامب المعلنة بالانسحاب من سوريا. وقال عدد من المراقبين، إن هذا سيؤدي إلى صدامات كارثية لسبب مهم، لا تستطيع الولايات المتحدة البقاء في سوريا لأجل دون مسمى دون مساعدة من قسد وتركيا لن تلتزم الصمت بعد إعلان النصر على داعش.

في هذه المرحلة، يقول المسؤولون، إن جيفري أخطأ التقديرات. كان يرى أن تركيا تفضل وجود الولايات المتحدة وقسد على طول الحدود ولأجل غير مسمى على أن ترى على حدودها نظام الأسد وإيران.

وقال المسؤول: "أساء جيفري فهم الموقف تماماً وأساء تقدير الموقف التركي على طول الطريق.. أسائنا فهم موقف تركيا بشكل كبير. لم ندرك أولويات المصالح التركية والنتائج المقبولة لها في سوريا".

وأشار إلى أن الموقف الأمريكي كان مبنياً على موقف سابق لتركيا تراجعت عنه بشكل كبير خلال السنوات الماضية، خصوصاً مع انتخابات إسطنبول التي أجريت هذا العام.

وقال، إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تعرض لـ "ضغط سياسي هائل" وكان عليه أن يعالج وجود ملايين اللاجئين السوريين في تركيا، ولكن مع كل هذه التغيرات أخطأ الأمريكيون فهم الموقف التركي، وظنوا أن تركيا لن تغامر بعملية عسكرية في سوريا.

فخ منبج
كانت الولايات المتحدة تتطلع لدور تركي في الحملة المناهضة لإيران. ولتخفيف التوتر بين واشنطن وأنقرة تم التوافق في تشرين الثاني 2018 على تسيير دوريات مشتركة في منبج التي سيطرت عليها قسد في 2016.

كان وجود قسد في منبج انتهاكاً للخط الأحمر التركي، ونقطة خلاف بين الطرفين. وقال أحد ضباط الجيش الأمريكي الذي كان في سوريا: قالوا لنا أن خريطة طريق منبج لمنع تركيا من المطالبة بالمزيد" وأضاف "كانت طريقتنا لإيقاف تركيا إلى أن يتمكن النظام وروسيا وقسد من التوصل إلى تسوية سياسية.. عندما أنظر إلى الوراء، أرى أنها كانت وسيلة تشتت انتباه قسد لتركز على معركة داعش بدل من أن تقلق حول الوجود التركي".

لحث أردوغان على عدم الدخول في سوريا قال له جيفري إن الولايات المتحدة ستسحب جميع قواتها من البلاد وتترك أنقرة لمواجهة روسيا وقوات النظام بمفردها. كانت هذه غلطة ارتكبها جيفري، بحسب المسؤولين، إذ كشف عن المخطط الأمريكي الذي عمل أردوغان بناء عليه لينطلق داخل سوريا بعد 10 أشهر.

في 14 كانون الأول 2018، أتصل أردوغان بترامب وأخبره أنه سيدخل إلى سوريا. قرر ترامب سحب جميع القوات خلال 30 يوماً. وراء الكواليس كان جيفري يخطط لاحتواء الضرر، قال بحسب شخص قريب منه، إنه ضغط على قسد لمنعهم من التفاهم مع روسيا والنظام. قال لهم "سنعطيكم صفقة أفضل".

الفرصة الأخيرة
وقال جيفري للكونغرس في 22 تشرين الأول: "قدمنا لهم ضمانات بالوقوف معهم عسكرياً ضد النظام وضد المرتزقة الروس وغيرهم ولكن ليس ضد تركيا، حليفنا في الناتو.. في الواقع، معظم محادثاتنا مع الأكراد كانت لحثهم على إيجاد نوع من التسوية السياسية مع تركيا لأنهم لا يستطيعون الاعتماد علينا لإبعاد تركيا".

نجح المسؤولون بإقناع ترامب بالبقاء وعكس قراره جزئياً، حيث قرر الإبقاء على قوة عسكرية صغيرة تضم 200 جندي شمال شرق سوريا و200 آخرين في التنف، كحاجز ضد النفوذ الإيراني. ولكن هذه الخطة كانت مرهونة بوجود قوات أوروبية تنشأ منطقة عازلة تحول بين الأكراد وتركيا.

وقال المسؤول الأمريكي البارز: "أخبرنا الرئيس أن الخطة لا تعمل.. لم يكن لترامب أي نية للتخلي عن القتال شمال شرق سوريا. ظن أنه يستطيع فعل ذلك من خلال وجود تحالف شامل على الأرض" وعندما فشلنا قال "حسناً، سنحتفظ بالقوة المتبقية".

بحلول صيف 2019 بدأ الاتراك ينفذ صبرهم، وقال أردوغان إنه سيبدأ بعملية عبر الحدود، وبينما كان المسؤولون الامريكيون يقولون، إن "الآلية الأمنية" تعمل بشكل جيد، بمن فيهم وزير الدفاع مارك إسبر، كان أردوغان يعبر عن غضبه من الإجراءات بشكل علني. وأعلن صراحة عن "الفرصة الأخيرة" لإقامة المنطقة العازلة.
ويعمل حالياً صقور إيران على إقناع ترامب بالاحتفاظ بوجود دائم في سوريا كطريقة لمنع النظام وداعش من السيطرة على حقول النفط، طريقة تبدو جذابة أكثر ومقنعة بالنسبة لترامب. وقال، إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تعرض لـ "ضغط سياسي هائل" وكان عليه أن يعالج وجود ملايين اللاجئين السوريين في تركيا، ولكن مع كل هذه التغيرات أخطأ الأمريكيون فهم الموقف التركي، وظنوا أن تركيا لن تغامر بعملية عسكرية في سوريا.

فخ منبج
كانت الولايات المتحدة تتطلع لدور تركي في الحملة المناهضة لإيران. ولتخفيف التوتر بين واشنطن وأنقرة تم التوافق في تشرين الثاني 2018 على تسيير دوريات مشتركة في منبج التي سيطرت عليها قسد في 2016.

كان وجود قسد في منبج انتهاكاً للخط الأحمر التركي، ونقطة خلاف بين الطرفين. وقال أحد ضباط الجيش الأمريكي الذي كان في سوريا: قالوا لنا أن خريطة طريق منبج لمنع تركيا من المطالبة بالمزيد" وأضاف "كانت طريقتنا لإيقاف تركيا إلى أن يتمكن النظام وروسيا وقسد من التوصل إلى تسوية سياسية.. عندما أنظر إلى الوراء، أرى أنها كانت وسيلة تشتت انتباه قسد لتركز على معركة داعش بدل من أن تقلق حول الوجود التركي".

لحث أردوغان على عدم الدخول في سوريا قال له جيفري إن الولايات المتحدة ستسحب جميع قواتها من البلاد وتترك أنقرة لمواجهة روسيا وقوات النظام بمفردها. كانت هذه غلطة ارتكبها جيفري، بحسب المسؤولين، إذ كشف عن المخطط الأمريكي الذي عمل أردوغان بناء عليه لينطلق داخل سوريا بعد 10 أشهر.

في 14 كانون الأول 2018، أتصل أردوغان بترامب وأخبره أنه سيدخل إلى سوريا. قرر ترامب سحب جميع القوات خلال 30 يوماً. وراء الكواليس كان جيفري يخطط لاحتواء الضرر، قال بحسب شخص قريب منه، إنه ضغط على قسد لمنعهم من التفاهم مع روسيا والنظام. قال لهم "سنعطيكم صفقة أفضل".

الفرصة الأخيرة
وقال جيفري للكونغرس في 22 تشرين الأول: "قدمنا لهم ضمانات بالوقوف معهم عسكرياً ضد النظام وضد المرتزقة الروس وغيرهم ولكن ليس ضد تركيا، حليفنا في الناتو.. في الواقع، معظم محادثاتنا مع الأكراد كانت لحثهم على إيجاد نوع من التسوية السياسية مع تركيا لأنهم لا يستطيعون الاعتماد علينا لإبعاد تركيا".

نجح المسؤولون بإقناع ترامب بالبقاء وعكس قراره جزئياً، حيث قرر الإبقاء على قوة عسكرية صغيرة تضم 200 جندي شمال شرق سوريا و200 آخرين في التنف، كحاجز ضد النفوذ الإيراني. ولكن هذه الخطة كانت مرهونة بوجود قوات أوروبية تنشأ منطقة عازلة تحول بين الأكراد وتركيا.

وقال المسؤول الأمريكي البارز: "أخبرنا الرئيس أن الخطة لا تعمل.. لم يكن لترامب أي نية للتخلي عن القتال شمال شرق سوريا. ظن أنه يستطيع فعل ذلك من خلال وجود تحالف شامل على الأرض" وعندما فشلنا قال "حسناً، سنحتفظ بالقوة المتبقية".

بحلول صيف 2019 بدأ الاتراك ينفذ صبرهم، وقال أردوغان إنه سيبدأ بعملية عبر الحدود، وبينما كان المسؤولون الامريكيون يقولون، إن "الآلية الأمنية" تعمل بشكل جيد، بمن فيهم وزير الدفاع مارك إسبر، كان أردوغان يعبر عن غضبه من الإجراءات بشكل علني. وأعلن صراحة عن "الفرصة الأخيرة" لإقامة المنطقة العازلة.

ويعمل حالياً صقور إيران على إقناع ترامب بالاحتفاظ بوجود دائم في سوريا كطريقة لمنع النظام وداعش من السيطرة على حقول النفط، طريقة تبدو جذابة أكثر ومقنعة بالنسبة لترامب.

السبت، سبتمبر 14، 2019

كيف تحولت مصراتة من عاصمة المال إلى عاصمة السلاح؟

تلعب مدينة مصراتة الليبية، الواقعة على بُعد 200 كيلومتر شرق العاصمة طرابلس، دوراً محورياً في المشهد الليبي منذ اندلاع ثورة فبراير (شباط) في العام 2011، ولا يزال الكثيرون يعتبرونها اللاعب الأهم والمدينة صاحبة الدور الحاسم في معركة طرابلس الفاصلة، التي اندلعت قبل أسابيع، عقب إعلان القائد العام لـ "الجيش الوطني" خليفة حفتر، إطلاق عملية عسكرية لدخول العاصمة.
 
النفير والمواجهة
 
وفور تحرك قوات "الجيش" نحو طرابلس، تحركت جميع التشكيلات العسكرية في مصراتة لتشارك في صد الهجوم على العاصمة. وكان ذلك متوقعاً من مدينة رفعت لواء العداء لمشروع حفتر، منذ انطلاقه في بنغازي في العام 2014، وأرسلت من مينائها مراكب محملة بالسلاح والمسلحين، لمساندة مجموعات تقاتل "الجيش الوطني" في بنغازي ودرنة (شرق). كما خاضت قوات مصراتة معارك ضد "الجيش" للسيطرة على الهلال النفطي، لم تحقق بها النجاح على الرغم من تكرار المحاولات.
وأسهم في تنامي العداء بين "الجيش الوطني" وقائده ومدينة مصراتة، تمركز تيارات إسلامية منوّعة سياسية ومسلحة في المدينة، حتى باتت مقرهم الرئيس. ويقع في مصراتة مقر حزب الإخوان المسلمين وعدد كبير من الكتائب المسلحة التي تدور في فلكه، كما تضم المدينة تشكيلات ينتمي مسلحوها إلى تنظيم "القاعدة" المتطرف.
 
دور حاسم
 
وتعتبر قوات مصراتة عمود القوات الموالية لحكومة الوفاق التي يترأسها فائز السراج في طرابلس، ولعبت حتى الآن الدور الأكبر في تأخير بسط سيطرة "الجيش الوطني" على العاصمة، لكثرة عديدها وعتادها وجودة تسليحها وتدريبها وخبرتها في حرب المدن، بعدما خاضت معارك شرسة ضد تنظيم "داعش" في مدينة سرت وسط البلاد، كانت بدأت في العام 2016 واستمرت سنة كاملة.
وأدركت مصراتة حتى قبل إعلان "الجيش الوطني" انطلاق عملياته العسكرية في طرابلس، رغبة حفتر في السيطرة على طرابلس تحديداً، بعدما أنجز معارك الجنوب، وتفرغ للعاصمة التي يعلم هو وخصومه، أن دخولها يعني التحكم بليبيا كلها. وقبل شهر من معركة طرابلس، أصدرت الألوية العسكرية والمدنية في مصراتة، بياناً استباقياً عبرت فيه عن رفضها أي مشروع عسكري للسيطرة على البلاد. وكانت مفردات البيان حادة وتنذر بما هو آتٍ قبيل تحرك الجيش في اتجاه الغرب. ورفض البيان "العودة إلى حكم الفرد وعسكرة الدولة"، معرباً عن رفض مطلق للوسائل التي يتخذها من وصفه بـ "المنقلب على الشرعية المدعو حفتر"، للوصول إلى الحكم والسيطرة على مفاصل الدولة. وجاء في البيان "لن نسكت على ما اقترفه هذا المجرم من ظلم وعدوان، ولن نسمح بعودة الدكتاتورية".
 
تسليح كتائب المدينة 
 
وسيطرت كتائب مصراتة وميلشياتها، بعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي، على أهم مخازن السلاح في ليبيا، بسبب تمركزها في المنطقة الغربية التي وقعت كلها آنذاك بيد مسلحيها، فتحولت بذلك من عاصمة التجارة والمال كما كان يُعرف عنها، إلى عاصمة للسلاح والمسلحين، حتى وصِفت "بدولة داخل الدولة". وأمنت لها قوتها العسكرية هيمنةً كاملة على مفاصل القرار السياسي والاقتصادي في العاصمة، ولم تنازعها عليها إلا قوات مدينة الزنتان، التي عمدت قوات مصراتة إلى طردها من طرابلس بعد معارك شرسة في العام 2013، نجمت عنها حادثة حرق أكبر مطارات البلاد.
 
دفاعاً عن المكاسب
 
لهذا يرى مراقبون أن مصراتة تدافع اليوم في طرابلس عن المكاسب والامتيازات التي حققتها، وهي تعلم أن حفتر يسعى إلى انتزاعها منها، ويخوض مسلحوها "معركة دفاع متقدمة" عن مدينتهم، على بعد 200 كيلومتر منها، وهم يملكون القوة العسكرية التي ستطيل أمد حسم معركة العاصمة. 
وتشير التقارير إلى اعتماد مصراتة على قوة من 32 ألف رجل ومئات الدبابات والمدافع المتنوعة وآلاف الآليات العسكرية التي تحمل أسلحة متوسطة من النوع المضاد للطائرات. كما تملك طائرات عدلت موازين القوى مع "الجيش الوطني"، الذي كان متفوقاً جوياً على خصومه، مع العلم أنها حجّمت دور طائرات "الجيش"، بامتلاكها مضادات أرضية أسقطت إحدى هذه الطائرات قبل أيام.
 
"عاصمة الإخوان" والدعم التركي
 
ولجأ تنظيم الإخوان المسلمين - فرع ليبيا، الى توثيق علاقته بمدينة مصراتة، عقب سقوط نظام القذافي باتخاذه إياها مقراً رئيساً للحزب، على الرغم من أن مصراتة ثالثة أكبر مدن ليبيا بعد طرابلس وبنغازي. ويرى مراقبون أن السبب يعود إلى رغبة التنظيم في الاستفادة من القوة العسكرية التي حازتها المدينة، وتوجيهها ضد خصومه في ليبيا، وهو ما حدث بعد ذلك.
وتمكن "الإخوان" في فترة وجيزة من مد جسر العلاقات المتينة بين مصراتة وتركيا، تعزيزاً لسيطرتهم عليها. ولم تتأخر تركيا في دعم مصراتة عسكرياً واقتصادياً، لتؤمّن موطئ قدم لها في ليبيا وتالياً الاستفادة من ثرواتها الضخمة ومشاريعها المستقبلية. وسهّلت لها الأمر عودة أصول نصف سكان المدينة إلى العنصر التركي الذي احتل ليبيا مئات السنوات إبان العهد العثماني. واستغل الأتراك مصراتة لصد مشروع حفتر المعادي لتيار الإسلام السياسي في ليبيا.
 
الدعم الآتي من روما
 
في سياق متصل، ذكرت قناة "راي نيوز" الحكومية الإيطالية قبل أسابيع أن "قوام القوة الإيطالية في قاعدتها في مصراتة هو 400 جندي و130 آلية عسكرية ومركبات بحرية وجوية، كما أنها تقدم الرعاية الصحية والدعم والتدريب والتعليم لقوات الأمن والمؤسسات في المدينة".
ويثير التعاون العسكري بين إيطاليا، المستعمر السابق لليبيا، ومصراتة، حنق الشارع الليبي، في حين يعتبر مراقبون أن روما تستغل المدينة الليبية لحماية مصالحها ومشاريعها النفطية وتعزيزها في البلاد، لعلمها بسيطرة المصراتيين على العاصمة الليبية ومفاصل القرار فيها.
وأظهرت تقارير عدة تجدد هذا الدعم بإرسال ليس أسلحة فحسب إلى مصراتة، بل أيضاً مسلحين إيطاليين يشاركون سراً في المعارك ضد "الجيش الوطني" في طرابلس، وفق ما أعلن الناطق باسمه اللواء أحمد المسماري.

الاثنين، يوليو 23، 2018

صحيفة روسية: هل سينسحب الأسد من حلب ويسلمها لتركيا؟

نشرت صحيفة "سفابودنايا براسا" الروسية تقريرا، تحدثت فيه عن تخبط سوريا في وضع صعب لم تعهده من قبل، وانقسامها إلى ثلاث أجزاء واقعة تحت سيطرة جهات مختلفة.

وقالت الصحيفة، في تقريرها  إن الأسد يسيطر على الجزء الأكبر من الأراضي السورية، بينما تسيطر وحدات حماية الشعب الكردية على الجزء الثاني، أما الجزء الثالث فيقع تحت قبضة تركيا بمساعدة حلفائها داخل سوريا، بما في ذلك الجيش السوري الحر.

وأضافت الصحيفة أن الأسد وجد نفسه أمام خيار جد صعب، يتمثل في ضرورة طرد الأطراف الأجنبية التي أقحمت نفسها في الشؤون السورية. ويعتبر التخلي عن المعركة من طرف الأسد بمثابة اعتراف بعدم جدارته وفشله في انتشال سوريا من أزمتها وتحقيق الاستقرار. ناهيك عن ذلك، سيحرمه إقراره بانهيار الدولة من فرصة استمراره في الحكم ورئاسة سوريا. ومن المرجح أن يهدد ذلك الوحدة الإقليمية لسوريا، ويؤدي لظهور دولة ضعيفة وفقيرة، خاصة في ظل سيطرة الأكراد على أكبر موارد النفط السورية.

وذكرت الصحيفة أن استمرار الأسد في خوض هذه الحرب وعدم التخلي عن السلطة سيؤدي إلى تحويل سوريا إلى أفغانستان ثانية. في الأثناء، يعد الضغط واستعمال القوة ضد الأكراد من أجل الانسحاب من بعض المناطق أمرا محفوفا بالمخاطر، لا سيما أن الولايات المتحدة تعتبر الداعم الرئيسي للجماعات الكردية. وقد اكتسب الأكراد بما في ذلك العراقيون مكانة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، جعلت منهم قوة هائلة في المنطقة.

وبينت الصحيفة أن تواصل الحرب في ظل الظروف الراهنة من ضمن الأمور التي تهدد الأسد وتنذر بهزيمته، علما وأن قوته الرئيسية متأتية من مساعدة روسيا له، بالإضافة إلى مساهمة المستشارين المختصين في تقديم التوجيهات العسكرية والدبلوماسية.

وأوردت الصحيفة أن روسيا قد تنسحب من الحرب التي لا نهاية لها، بينما ولأسباب أمنية ستضطر تركيا للبقاء، نظرا لأن سوريا من البلدان المجاورة لها. وبالتالي، ستؤثر الأحداث الواقعة فيها بشكل كبير على البلاد، الأمر الذي قد يستوجب منها البقاء لسنوات طويلة داخل الأراضي السورية. ووفقا لوسائل الإعلام التركية، لا ينوي الأسد الدخول في مواجهة مع تركيا.

وأوضحت الصحيفة أن الرئيس السوري أشار في وقت سابق إلى أن المبلغ المطلوب لإعادة بناء سوريا يقدر بحوالي 400 مليار دولار. ويعد هذا المبلغ متواضعا جدا مقارنة بحجم الخسائر التي تكبدتها سوريا، حيث تم تدمير أكثر من نصف المباني في البلاد. ومع ذلك، لم يتمكن الأسد من الحصول على المبلغ المطلوب لإعادة البناء، إلى أن تلقى في الآونة الأخيرة عرضا مغريا، يتمثل في إعلان الجانب التركي عن استعداده لإعادة بناء مدينة حلب السورية.

وأشارت الصحيفة إلى أنه قبل اندلاع الحرب الأهلية، كانت حلب تضم حوالي 11 بالمائة من مجموع سكان سوريا، لتضم اليوم أكثر من نصف مليون نسمة، نتيجة نزوح السكان من المدينة بسبب الحرب ولجوء معظمهم إلى الجارة تركيا. لهذه الأسباب، تهتم تركيا بإعادة بناء المدينة، وتوفير الظروف اللازمة وجعلها مناسبة لعيش ملايين من السوريين. في الأثناء، يستعد الجانب التركي لتخصيص المبلغ المطلوب لإعادة بناء المدينة وتوفير مستلزمات الحياة للساكنين، إلا أن هذه الصفقة لا تحمل أبعادا إنسانية بحتة.

وأفادت الصحيفة أن أنقرة مستعدة لتولي شؤون حلب، لكن شريطة تقديم بعض التنازلات من قبل الجانب السوري على غرار سحب الأسد لجيشه، وسيطرة تركيا وبشكل كامل على المدينة. ووفقا لما تداولته وسائل الإعلام التركية، لن يشارك الأسد في المفاوضات بشأن إعادة بناء حلب، بل سيوكل المهمة إلى موسكو، الأمر الذي قد يؤدي إلى نشوب بعض الخلافات بين الجانب التركي والروسي. وقد شكك الخبير التركي تانر بكسوي، في فرص نجاح هذا الاتفاق، إلا أنه أكد على إمكانية إجراء هذه المفاوضات على أرض الواقع.

وأوضحت الصحيفة أن مسألة إعادة بناء حلب من الأمور المهمة بالنسبة لتركيا، لا سيما في ظل عدم رضا سكان العديد من المدن التركية إزاء تزايد عدد اللاجئين، ما يخلق صعوبات كبيرة. وفي حال نجحت تركيا في إعادة اللاجئين إلى ديارهم، سيكون ذلك بمثابة إنجاز عظيم نجحت السلطات التركية في تحقيقه. لكن من المرجح أن تظهر في إطار تنفيذ هذا المشروع العديد من العقبات، بما في ذلك الاقتصادية وذلك وفقا لما توصل إليه بكسوي.

والجدير بالذكر أن عملية إعادة بناء حلب تتطلب مبالغ طائلة من المال، في حين لن يثمن المجتمع التركي الاستثمارات الضخمة في المدينة السورية، خاصة وأن البلاد تعاني من العديد من المشاكل الاجتماعية، التي لم تحل بعد.

وفي الختام، نوهت الصحيفة إلى أن الأسد لن يوافق على الدخول في مثل هذه الصفقة، كما أن استخدام القوة ضده في مثل هذه الحالة أمر غير ضروري، وذلك حسب الخبير التركي.

الأحد، يوليو 22، 2018

مصر: وسائل الإعلام ستعيش على وقع أيام صعبة بالمستقبل

نشرت مجلة "لوبوان" الفرنسية تقريرا بينت فيه كيف ساهمت سلسلة القوانين الجديدة التي تبناها البرلمان المصري، في تقييد العمل الصحفي في مصر، ليصبح بذلك انتهاك الدولة لحرية التعبير مقننا.

وقالت المجلة، في هذا التقرير  إن أغلبية الثلثين من البرلمان المصري قد صادقت على ثلاثة نصوص قانونية متعلقة بوسائل الإعلام، تهدف جميعها إلى "مكافحة المعلومات المضللة"، وذلك حسب بيان نشر عن مجلس النواب.

وفي مقابلة له مع وكالة أسوشيتد برس، علق رئيس نقابة الصحفيين السابق، يحيى قلاش، عن سلسلة القوانين الجديدة التي أقرها البرلمان المصري قائلا "هذا يوم حزين بالنسبة للصحافة، وقد تحدث مطولا عن تأثير هذه القوانين.

وأوردت المجلة أنه يومي 10 و11 حزيران/ يونيو الماضي، صادق البرلمان على هذه القوانين مؤقتا، وستكون سارية المفعول رسميا بعد مصادقة الرئيس عبد الفتاح السيسي عليها. وقد تم عرض بيان للمطالبة بتعديل العديد من البنود المثيرة للجدل، بناء على طلب من نقابة الصحفيين ومجلس الدولة.

وذكرت المجلة أن قلاش نشر تغريدة قال فيها "تم تمرير قانون اغتيال مهنة الصحافة وهامش حرية التعبير... والقتلة والمشاركون في الجريمة يستكملون دورهم بكتابة بيانات التهنئة والتبريكات!! حرية الصحافة معركة طويلة وممتدة وخسارة جولة ليست كلمته الختام. إنه يوم حزين وعار سيلحق بكل الذين باعوا ضمائرهم وخانوا مهنتهم".

وأكدت المجلة أنه تم إجراء مفاوضات بين نقيب الصحفيين عبد المحسن سلامة، ورئيس مجلس النواب علي عبد العال، ووزير شؤون مجلس النواب عمر مروان، ورئيس مجلس إدارة الشركة المصرية لمدينة الإنتاج الإعلامي، أسامة هيكل. وحسب ما أفاد به عبد المحسن سلامة، "توصل الجميع إلى أرضية مشتركة [...] بطريقة سلمية ومتحضرة".

وبينت المجلة أن مشكل يكمن في أن عبد المحسن سلامة لا يحظى بتأييد جميع أعضاء النقابة بشأن ما توصل له خلال الاجتماع الأخير مع الشخصيات المذكورة آنفا. وقد أعرب ستة من أعضائه عن رفضهم العميق لهذه النصوص معتبرين أن التعديلات لن تغير شيئا من الآليات التي تنص عليها القوانين الجديدة.

وأشارت المجلة إلى أنه تم التصويت على القوانين الجديدة بعد ثلاثة أسابيع من النقاش. ويتمثل القانون الأول في "القانون الوطني لوسائل الإعلام" الذي يتطلع إلى تركيز منصات إعلامية خاصة ومراقبة نشاط الإعلام الخاص والحكومي. أما القانون الثاني، تحت عنوان "القانون المفروض على السلطة الوطنية للصحافة" فيشتمل على تنظيم الصحف والمواقع الإلكترونية وإخضاعها لإدارة الدولة". أما القانون الثالث، "السلطة الوطنية على الإعلام"، فهو يهدف إلى تنظيم القنوات التلفزيونية ومحطات الراديو التابعة للدولة.

وتجدر الإشارة إلى أن مجلس النواب صادق مجلس النواب على قانون يكافح الجرائم الإلكترونية ويعطي السلطات الحق في حجب المواقع والمدونات التي يمس محتواها من الاقتصاد الوطني أو من الأمن القومي. وسيكون أصحاب أو مستخدمي هذه المواقع عرضة للسجن ودفع غرامات مالية.

وأضافت المجلة أن بعض الإجراءات المترتبة عن هذه النصوص ستمكن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، من مراقبة أي ناشط على الإنترنت لديه أكثر من خمسة آلاف متابع أو مشترك في صفحته أو على موقعه الشخصي أو مدونته أو عبر أي حساب على شبكات التواصل الاجتماعي، مع إمكانية معاقبته.

ويحق للهيئة إيقاف أو إغلاق أي حساب ينشر "أخبار خاطئة" أو معلومات "تحرض على خرق القانون، أو تدعو إلى العنف أو الكراهية". وتعد المادة 29، التي تعنى بتنظيم الصحافة والإعلام، من أكثر المواد المثيرة للجدل.

وأفادت المجلة بأنه وفقا للنص المعتمد يوم الاثنين، "لن تُفرض عقوبة على منشورات الصحفيين، إلا في حالات التحريض على العنف"، كما حُذفت كلمة "إيقاف" من البنود. في هذا السياق، أفاد أسامة هيكل بأنه "على الرغم من ذلك، تم المحافظة على العقوبات التي تقيد حرية الصحافة"، ولم يحدد هيكل بالضبط طبيعة هذه العقوبات. وإلى حد الآن، لم يتم بعد تحديد ما تعتبره الدولة بمثابة إهانة أو بمثابة "معلومات مغالطة".

من المتوقع أن تعزز هذه القوانين الجديدة الجهاز التشريعي الذي لا يضيق الخناق على الصحفيين ويقيّد حريتهم فحسب، وإنما يسلب المواطنين المصريين أيضا حرية التعبير. وتحتل مصر اليوم المرتبة 161 عالميا في حرية الصحافة من أصل 180 دولة، بحسب إحصاء نشر سنة 2018 عن "منظمة مراسلون بلا حدود".

وذكرت المجلة أنه ورد في بيان صادر عن منظمة العفو الدولية أنه "من الواضح أن مشاريع القوانين الجديدة هي عبارة عن وسيلة لتقييد حرية الصحافة والتعبير، وفيها انتهاك صارخ للمعايير الدولية والدستور المصري. وتهدف هذه القوانين إلى حجب المواقع الإخبارية بحجة حماية الأمن القومي والأخلاق العامة". وخلال هذه السنة، تم إغلاق 500 موقع إخباري بتهمة "الإرهاب" أو نشر "معلومات مضللة". ويبدو أن هذا الرقم سيرتفع أكثر بما أن التشريع الجديد يمنع إنشاء مواقع إعلامية عبر الإنترنت دون الحصول على ترخيص حكومي.

وفي الختام، قالت المجلة إنه من المؤكد أن هذه القرارات لن تطمئن 34 صحافيا ومدونا قابعين حاليا في السجون المصرية، على غرار محمود أبو زيد، المصور الصحفي الذي قام بتغطية مجزرة ساحة رابعة العدوية يوم 14 آب/ أغسطس من سنة 2013. وقد وجهت لأبي زيد تهمة الانتماء إلى الإخوان المسلمين عند اعتقاله، وإلى حد الآن، لازال محبوسا بين جدران زنزانته وهو معرض لعقوبة الإعدام.

إيكونوميست: الإمارات تسابق للسيطرة على موانئ شرق إفريقيا

نشرت مجلة "الإيكونوميست" البريطانية تقريرا، حذرت فيه من أن الطموحات الإماراتية بالسيطرة على موانئ شرق إفريقيا، والاستفادة منها تجاريا وعسكريا، ينذر بدخولها في مواجهة مع دول أخرى مثل الصين وقطر، تسعى بدورها للاستفادة من الفرص المغرية التي تقدمها هذه المنطقة الاستراتيجية.

وقالت المجلة، في تقريرها  إن شركة موانئ دبي العالمية خلال سنوات التسعينيات، كانت قد بدأت بشكل مفاجئ بضخ استثمارات ضخمة في القرن الإفريقي، حيث قامت ببناء ميناء كبير في جيبوتي، وهي تعمل الآن على إنشاء آخر في جمهورية أرض الصومال. وعلى الرغم من أن الناتج الداخلي الخام في هذين البلدين أقل من جمهورية مولدوفا على سبيل المثال، فإن الشركة الإماراتية ترى في هذه المنطقة أرضا للفرص الواعدة.

وأوضحت المجلة أن الإمارات واحدة من عدة دول خليجية تسعى للفوز بموطئ قدم استراتيجي في شرق إفريقيا، من خلال استغلال الموانئ، إذ إن السيطرة على هذه النقاط يوفر أسبقية تجارية وعسكرية، إلا أنه ينذر أيضا باندلاع التوترات في المنطقة.

وذكرت المجلة أن أولى خطوات شركة موانئ دبي في شرق إفريقيا كانت في سواحل جيبوتي، وكان الإماراتيون حينها من المستثمرين القلائل المهتمين بتلك المستعمرة الفرنسية السابقة الصغيرة والفقيرة. وقاموا ببناء ميناء لشحن الحاويات يحمل اسم دوراليه، ساهم في تمويل مشاريع البنية التحتية، واليوم يمثل ميناء دوراليه أكبر مشغّل للعمال وأهم مصدر دخل للحكومة، حيث تمر عبره حوالي 800 ألف حاوية سنويا، أغلبها تسافر عبر خط السكة الحديدية الصيني من العاصمة الأثيوبية أديس أبابا.

وأشارت المجلة إلى أن أهمية جيبوتي تزايدت بعد الهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة في 11 أيلول/سبتمبر 2001، حيث أنشأت واشنطن قاعدة عسكرية هنالك. كما تمتلك فرنسا والصين قواعد في البلد نفسه، وهنالك دوريات بحرية تتحرك قبالة سواحلها لردع القراصنة الصوماليين.

وأضافت المجلة أن مساعي الإمارات لافتتاح قاعدة بحرية خاصة بها في جيبوتي، تم رفضها بسبب علاقات أبو ظبي مع الخصم الإريتري، إذ إنه في 2015، شرعت الإمارات ببناء قاعدة عسكرية في منطقة عصب في جنوب إريتريا، وتم استخدام هذه القاعدة في الحرب التي تقودها السعودية ضد الحوثيين في اليمن.

وأضافت المجلة أن شركة موانئ دبي فازت في 2016 بعقد مدته 30 عاما، لتشغيل ميناء بربرة في جمهورية أرض الصومال التي أعلنت انفصالها في 1991. ويرى المنتقدون أن هذا الاتفاق يكرس تفكيك الصومال، كما أن جيبوتي منزعجة منه لعدة أسباب، حيث إن ميناء بربرة الذي تبلغ طاقته التشغيلية 1.25 مليون حاوية، يمكن أن يضع حدا لاحتكار جيبوتي للشحنات الأثيوبية.

واعتبرت المجلة أن هذه الصفقة ستعزز أيضا حضور الإمارات في هذه المنطقة الاستراتيجية، إذ إن أبو ظبي من بين كل الدول العربية، تسعى لفرض قوتها العسكرية خارج حدودها، وكل موانئ القرن الإفريقي توجد قرب مضيق باب المندب، الذي يمثل نقطة حيوية في مدخل البحر الأحمر، مر منه 4.8 مليون برميل نفط يوميا في 2016.

وأكدت المجلة أن المنافسة في هذا الصدد باتت قوية، حيث إن قطر وحليفتها تركيا تقومان ببناء موانئ في السودان، كما أن السعودية دخلت في محادثات لإقامة قاعدة عسكرية في جيبوتي. وهذه الدول الثلاث الخليجية تتسابق للاستفادة من الأراضي الزراعية في شرق إفريقيا، في إطار مساعيها لضمان الاحتياجات الغذائية في ظل معاناتها من التصحر، وبالتالي فإن الموانئ التي تعمل عليها الإمارات يمكن أن تستخدم في يوم من الأيام لتصدير المحاصيل التي تنتجها شركات إماراتية.

وحذرت المجلة من أن هذه الدول الخليجية مع تزايد تدخلها في غرب إفريقيا، أحضرت معها مشاكلها إلى منطقة تعاني أصلا من التوتر، إذ إن قطر ساهمت في إنهاء الاشتباكات بين جيبوتي وإريتريا، وأبقت على قوات حفظ السلام هنالك لحوالي عقد من الزمن، ولكن إثر ذلك جاءت أزمة 2017، عندما فرضت أربع دول عربية حصارا على الدوحة، وقد وقفت الدولتان المتنازعتان في صف دول الحصار، وهو ما دفع قطر لسحب قوات حفظ السلام، وإثر ذلك سارعت إريتريا للاستحواذ على المناطق المتنازع عليها مع جارتها جيبوتي.

وأشارت المجلة إلى أن دول الخليج يمكن أن تجد نفسها أيضا في مواجهة مع الصين. رغم أن الإمارات تأمل أن تكون جزء من مبادرة الحزام والطريق الصينية، وهي خطة استثمارية بمئات مليارات الدولارات في مجال البنية التحتية، مثل الطرقات والموانئ.

وأوضحت المجلة أن جبل علي يمثل أكثر الموانئ نشاطا خارج آسيا، وهو يؤدي حاليا دورا محوريا في التجارة مع إفريقيا. ولكن الصين ربما ترغب في الاستغناء عن دور الوساطة. وفي سنة 2014، كانت جيبوتي قد حاولت طرد شركة موانئ دبي، حيث اتهمتها بدفع رشى لضمان عقد استغلال ميناء دوراليه، إلا أن لجنة التحكيم الدولي في لندن لم تأخذ بهذه الاتهامات.

وأضافت المجلة أن جيبوتي قررت في شباط/ فبراير الماضي تجاوز الشكليات القانونية، حيث أقدمت على السيطرة على الميناء، واتهمت شركة موانئ دبي بالفشل في إجراء أشغال توسعة الميناء في الموعد المتفق عليه. ولكن بحسب شركات النقل البحري، فإن جيبوتي استعادت ميناء دوراليه حتى تقدمه إلى الصين لتغطية ديونها الضخمة.

وفي تموز/يوليو، كانت جيبوتي قد افتتحت المرحلة الأولى من مشروع منطقة تجارة حرة بكلفة 3.5 مليار دولار، من المنتظر أن تكون الأكبر في إفريقيا عند الانتهاء منها. هذه المنطقة التي يتم إنشاؤها على يد شركات مملوكة للدولة الصينية، تاجد بالقرب من ميناء دوراليه، ولذلك اعتبرت شركة موانئ دبي هذا المشروع خرقا لبنود عقد استغلالها لهذا الميناء، وهددت بالتوجه نحو القضاء.

وفي الختام قالت المجلة إنه من عجيب الأقدار، أن الإمارات التي ساهمت في وضع دولة جيبوتي على الخريطة، تجد نفسها الآن غير مرغوب فيها في هذا البلد.

المواجهة الاستخبارية بين حماس وإسرائيل

يعكف المتحدثون الإسرائيليون باسم الحكومة والجيش على امتداح الدور الكبير والحاسم الذي قامت به الأجهزة الاستخبارية في الحروب الأخيرة على قطاع غزة؛ لأنه لولا المعلومات الاستخبارية التي وفّرتها هذه الأجهزة، لما استطاع أن يحارب قوى المقاومة في غزة.

يدور الحديث عن أبرز الأجهزة الأمنية الإسرائيلية التي أدارت حروب غزة، وهي جهاز الأمن العام "الشاباك"، وشعبة الاستخبارات العسكرية "أمان"، وجهاز الأمن الخارجي- الموساد، وهذه الأجهزة اضطلعت وما تزال بالدور الحاسم في الحروب ضدّ غزة وقوى المقاومة؛ لأنها تتولَّى عبر شبكات العملاء التي تحتفظ بها تزويد المستوى السياسي بالمعلومات التي ساعدته على اتخاذ القرارات الحاسمة.

وبحسب مراقبين، فقد شكلت حروب غزة نماذج صارخة على فداحة الأخطاء الاستخبارية، والثغرات الأمنية التي وقعت فيها مختلف الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بمختلف مسمياتها، ولعل الإخفاق الأكبر الذي وقع فيه الجيش يكمن في نجاح المقاومة الفلسطينية، وهي منظمة تخوض حرب عصابات، في "خطف دولة بأكملها" بعد سنوات عديدة من التسلح والتخفي، بحيث استفاق الإسرائيليون ليجدوها أكثر تنظيما، وأكفأ قتالية وتدريبا مما كانت في جولات القتال السابقة، وأسفر عن تغير الوضع مع مقاتليها في ساحة المعركة.

وأسهمت سلسلة الإخفاقات الأمنية والاستخبارية في بروز شروخ أولية في الإسناد الذي تمنحه القيادة السياسية العليا للجيش منذ بداية كل حرب في غزة. وعبّرت محافل سياسية ووزراء في الحكومة، في محادثات مغلقة، عن قصور الاستخبارات في جمع المعلومات عن تعاظم المقاومة الفلسطينية، والاستعدادات المكثفة التي أعدّتها للمواجهة مع الجيش الإسرائيلي.

وأشارت الوقائع اليومية لحروب غزة، كما يذكر متابعون، إلى أن أحدا ما غفي في "الحراسة"، وهي أجهزة الأمن، رغم أنها حذّرت بأن حماس تستعد للمواجهة، لكنها فشلت في قدرتها على التسلل داخل الحركة لإعداد قائمة أهداف نوعية لهجوم يكسرها، وربما رأى رجال الاستخبارات "الغابة"، لكنهم بالتأكيد لم يلاحظوا الأشجار! لأنهم أعطونا الإحساس بأنهم منشغلون بمنح إنذارات باختطاف جنود فقط، ولكن طوال الوقت تعاظمت حماس إلى حجم جيش.

ثم تمثلت سلسلة من الإخفاقات الأمنية والاستخبارية بالمفاجآت التي قدمتها حماس خلال المعارك، لتثير تساؤلات مقلقة في ضوء عدم تزود الجيش بمعلومات من الاستخبارات بأن لديها صواريخ وأسلحة بهذه القدرة.

وهناك الشواهد التي تشير إلى أن العقبات التي واجهها الجيش في الجبهة العسكرية أمام حماس لم تكن فقط متعلقة بالناحية اللوجستية، وإنما بصورة أساسية شكلت إخفاقا استخباريا شموليا في فهم الواقع الفلسطيني في غزة، وبات من الواضح أن المعطيات الميدانية تشير إلى أن الجيش لم يُجهّز نفسه لكل السيناريوهات، ويبدو أن إحدى المشكلات في هذه الحروب هي مستوى التوقعات العالية من الجيش، بفضل التقارير الأمنية المغلوطة.

وضمن تكتيكات الحرب الاستخبارية التي قادتها المقاومة في غزة، جاء الفشل الاستخباري للجيش الإسرائيلي بعجزه عن جمع المعلومات عن منصات الصواريخ والأنفاق، وأماكن اختفاء قادة وكوادر المقاومة، وطبيعة القدرات القتالية لها، فيما أثبتت كتائب القسام قدرات استخبارية لافتة، من خلال جمع المعلومات عن المواقع العسكرية الإسرائيلية في محيط قطاع غزة، والمناطق والبلدات الجنوبية.

وبلغت القدرات الاستخبارية لدى المقاومة حدّ جمع المعلومات عن مواقع ومنشآت إستراتيجية، مثل مبنى وزارة الحرب في تل أبيب، التي تمكنت من رصدها عبر تسيير طائرات استطلاعية دون طيار فوقها، فضلا عن توفير معلومات دقيقة حول عمليات هجومية إسرائيلية قبل حدوثها، مثل عملية التسلل البحري قبالة شاطئ السودانية شمال مدينة غزة.

كما تمكنت المقاومة استخباريا من تحديد أماكن الحشود العسكرية الإسرائيلية في المناطق الحدودية قبل وأثناء عملية الاجتياح البري، ما سمح لها بإدامة قصفها، والاشتباك معها.

ولذلك جاءت التحذيرات الإسرائيلية من مستويات قيادية من مغبة تعمق الجيش داخل المناطق المكتظة في غزة، لمخاطر احتمال خطف جنود، فحماس تنتظر الفرصة لاختطاف عدد منهم، والتلويح بهم كصورة النصر النهائية في الحرب، فلديها التفوق على المستوى الأرضي، وحولت أرض القطاع "مترو أنفاق" يختفي مقاتلوها من مناطق المواجهة، ويخرجون خلف خطوط القوات ليهاجموهم.

وسادت المخابرات الإسرائيلية حالة من القلق عقب مؤشرات تدلل على أن حماس تتعمد استهداف قادة ألوية النخبة والوحدات المختارة في الجيش، بناء على معلومات استخبارية مسبقة، وجاء نصب "كتائب القسام" كمائن لوحدات إسرائيلية مختارة في طريقها لتنفيذ عمليات خاصة في عمق غزة يؤكد هذه المخاوف، ونجاحها باستهداف ضباط كبار منحها القدرة على الادعاء بأن عمليات التسلل التي قامت بها هدفت لقتل ضباط كبار، وليس لاستهداف المدنيين، كما يفعل الجيش.

وأثارت القدرات الصاروخية لحماس وقصفها غالبية المدن الإسرائيلية الذهول لدى المسؤولين الأمنيين، وأوجدت حالة من الرعب في صفوف الإسرائيليين، باعتبار ما جرى فشلا استخباراتيا كبيرا بشأن معلومات الأمن حول قدرات حماس الصاروخية، وأكثر المتشائمين في المؤسسة الأمنية توقع أن تصل فقط إلى شمال تل أبيب، وملايين الإسرائيليين لم يتوقعوا أن تصل صواريخ غزة لمناطق سكناهم شمال الكيان.

وبدا واضحا أن حماس تعلمت في حرب غزة الأخيرة أن تكون أكثر حذرا، ففي مواجهات سابقة كان بارزا استهداف خلايا الإطلاق خلال مرحلة الإعداد، لكن هذه المرة تشير شرائط الفيديو إلى أن قسما من منصات الإطلاق موجودة داخل تحصينات تحت الأرض، في حين يحافظ طاقم الإطلاق على بعد آمن من مكان الإطلاق، وهذا تطور استخباري بالدرجة الأولى.

وكشفت الاشتباكات العسكرية مع مقاتلي حماس عن إخفاق استخباري باكتشاف منظومة القيادة والتحكم لديها، والعثور على أمكنة قادتها، فكتائب القسّام واصلت التحكم بقواتها، وإطلاق الصواريخ، والهجوم على القوات المتوغلة على مشارف غزة. وفي ظل غياب المعطيات الاستخبارية، اختار الجيش استخدام النيران الكثيفة ضد المناطق المأهولة، وتعريض المدنيين الفلسطينيين للقتل والتشريد.

حرب ضد إسرائيل آخر ما يحتاجه نصر الله

حدثت صحيفة إسرائيلية عن الأمور التي يحتاجها الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، من أجل ضمان بقائه، في حين ارتبط مصير مليون لاجئ سوري بالمفاوضات الائتلافية على تشكيل الحكومة اللبنانية القادمة.

وأوضحت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، في تقرير أعده محللها للشؤون العربية، تسفي برئيل، أن أكثر من مليون لاجئ سوري في لبنان ينتظرون العودة لديارهم، عاد عشرات الآلاف، والباقون عالقون؛ بسبب صراعات القوى السياسية اللبنانية".

ولفتت إلى أن "الوضع الصعب للاجئين لا يهم كثيرا الحكومة المؤقتة في لبنان"، موضحة أن "مصير اللاجئين متعلق بمسألة رئيسية وهي؛ هل الحكومة اللبنانية ستجري مفاوضات مباشرة مع نظام بشار الأسد حول عودة اللاجئين، كما يريد حزب الله والرئيس ميشيل عون، أم أن عودتهم ستتم تحت مظلة الأمم المتحدة، كما يطلب رئيس الحكومة سعد الحريري ومؤيدوه؟".

وأشارت الصحيفة إلى أن "الاحتمال الأول؛ وهو المدعوم من إيران وقطر، سيمنح الأسد اعترافا لبنانيا بشرعيته، وبذلك ستكسر المقاطعة التي فرضتها عليه الدول العربية عندما طردوا سوريا من جامعة الدول العربية".

وبحسب مقاربة الحريري المؤيد من السعودية والولايات المتحدة، "يجب الانتظار حتى نهاية الأزمة السورية، وتشكيل نظام متفق عليه قبل أن يمنح لبنان الأهلية السياسية لنظام الأسد"، وفق الصحيفة التي أكدت أن "تشدد الطرفين المتخاصمين يحول لبنان إلى صاحب دور سياسي هام".

وقدرت "هآرتس" أن "المناطق الواسعة التي نجح الأسد في استعادتها تمكن من عودة جماعية للاجئين"، معتبرة أن الأمر "غير المنطقي أن مصيرهم مرهون بتعقيدات الاعتبارات السياسية التي تتضمن الخلاف حول عدد الوزراء ودور كل واحدة من القوى السياسية في لبنان".

وبينت أن هناك العديد من الخطوات التحضيرية لعودة اللاجئين، التي قام بها حزب الله ووزير الخارجية جبران باسيل، رئيس الحزب المسيحي الأكبر الذي أقامه الرئيس عون، الذي يجري مفاوضات مباشرة مع سوريا بوساطة رئيس المخابرات اللبناني، لكن الأمر يبقى متعلقا بالمعابر الحدودية التي تسيطر عليها الحكومة اللبنانية، والتي بيديها قرار السماح للاجئين بالعودة".

وزعمت الصحيفة أن من "مصلحة كل الأطراف التخلص من اللاجئين الذين يتسببون بعبء مالي وإداري كبير على الحكومة اللبنانية"، مؤكدة أن "اللاجئين السوريين في لبنان تحولوا إلى رهائن للنضال السياسي".

ولفتت إلى أن "حزب الله وبغض النظر عن موقف من اللاجئين السوريين، يحاول أن يطرح نفسه كجهة محايدة في الخلاف على تشكيل الحكومة، علما أن الحسابات السياسية التي تنبع من نتائج الانتخابات تمنحه في كل الأحوال ثلاثة وزراء على الأقل".

ونوهت الصحيفة بأن "الهدف الأكثر أهمية لحزب الله كي يصبح "الكتلة المانعة" أن يحقق لنفسه تحالفا يتكون من ثلث أعضاء الحكومة زائد واحد، وهو ما يمنحه القدرة على إحباط كل قرار، وتحييد قدرة الحكومة على الأداء؛ لأن أي قرار أساسي يحتاج إلى مصادقة ثلثي أعضاء الحكومة".

وتحدثت الصحيفة حول الحسابات السياسية المختلفة للأحزاب اللبنانية، وكيف يسعى حزب الله أن تكون في يديه "قوة كافية من أجل إملاء سياسة الحكومة القادمة"، منوهة بأن الموقف "موقف اللامبالي ظاهريا" لحزب الله حيال حقائب الحكومة توزيعها بين الأحزاب.

وقالت بلغة ساخرة من موقف حزب الله: "فجأة حسن نصر الله الذي لم ينته سياسيا، يقف كمخلص للتوازن الوطني، لا توجد له مصالح طائفية أو تنظيمية، طاهر ونقي لم يتلطخ بالوحل السياسي"، موضحة أن "نصرالله يدير مقابل ذلك محادثات ومشاورات مع خصومه السياسيين، منهم الحريري الذي يدرك أنه بحاجة إلى تأييد نصر الله إذا كان يريد أن يستكمل تشكيل الحكومة قريبا".

لكن السؤال: "ما هو الثمن الذي يتوجب عليه دفعه لحزب الله مقابل ذلك؟"، وفق الصحيفة التي أضافت: "في الوقت ذاته لا يدور الحديث عن علاقة تبعية أحادية الاتجاه بين الحريري ونصر الله، حيث إن نصر الله يفضل الحريري على مرشحين آخرين".

ولما كان حزب الله يجيد التعامل مع الساحة اللبنانية من أجل الحفاظ على قوته، فإن الساحة السورية التي عملت فيها إيران وحزب الله في السنوات الأربع الأولى للحرب للمساعدة على الحافظ على نظام الأسد، هي الآن التي "تلقي بحزب الله في وضع عدم اليقين"، وفق "هآرتس" التي أكدت أن "التدخل الروسي في سوريا نهاية 2015 ابتلع كل أوراق الإيرانية".

وأكدت أن "السعي إلى تشكيل جبهة ضد إسرائيل في جنوب غرب هضبة الجولان تم إحباطه من قبل إسرائيل بمساعدة روسيا"، مشددة على أن وضع حزب الله في سوريا "تجبره على البدء في سحب قواته...، والتصرف بحذر زائد لضمان بقائه".

وفي ظروف كهذه، ذكرت الصحيفة العبرية أنه "يجب على حزب الله المناورة بين خصومه السياسيين، وأن يهتم بتشكيل حكومة لصالحه، مع التأكد أنه سيواصل أن يكون ذخرا استراتيجيا لإيران"، مؤكدا أن "الحرب ضد إسرائيل ليست هي العملية التي ستساعده على ذلك، وهو الأمر الأخير الذي يحتاجه نصر الله".

السبت، يوليو 21، 2018

"ساعدني.. إنهم يغتصبوني".. قصة مُهرِّب أشهر فتاة أزيدية الذي لا يعرفه أحد

روت مجلة "التايم" الأمريكية تفاصيل قصة فرار نادية مراد، أشهر فتاة أزيدية عرفَ بها العالم وحشيةَ داعش، لكنها منحت المزيد من الضوء إلى الشاب الذي أنقذها من قبضة التنظيم.
قصة نادية، 25 عاماً، غدت معروفةً لدى آلاف الناس، كما أصبحت سفيرة النوايا الحسنة للأمم المتحدة، ورُشِّحَت لجائزة نوبل للسلام عام 2017.

وربما كانت محظوظة أكثر عندما طرقت باب منزل عمر عبد الجبار وليس باباً آخر. إلا أن سيرة النجار الشاب، الذي غامر بحياته من أجلها كانت على النقيض، حيث تجمع ما بين الجسارة والشجاعة والمأساة لما آل إليه حاله وأسرته.
وتقول "التايم" إن الرجل الذي قدم المساعدة لأشهر لاجئة فارة من داعش يحتاج إلى المساعدة.

ليلة صيف مُرعبة

كان منتصف الليل تقريباً، عندما سمع عمر عبد الجبار قرعاً على باب منزله في مدينة الموصل العراقية، تجمدت عائلته من صوت الطرق على البوابة.
كان ذلك أواخر صيف 2014، أي بعد 3 أشهر من استيلاء تنظيم داعش على المدينة. حينها، كان الزوار نادراً ما يتحركون في الليل، خشيت العائلة من أن يكون طارق الباب مسلحاً، إلا أن الطرق تكرر مجدداً.
وقبل بضعة أشهر فقط، عاش عمر حياةً طبيعية نسبياً في ثاني أكبر مدن العراق. كان يعمل نجاراً ويشارك بيتاً بسيطاً مريحاً من طابقين في حي للطبقة الوسطى في الموصل مع ابنه وأولياء أموره وأربعة من الأشقاء الصغار، وزوجته التي كانت حاملاً في طفلها الثاني.
لكن في يونيو 2014، استولى "داعش" على الموصل ومناطق واسعة من شمال العراق، لا سيما مع فرار آلاف الجنود العراقيين من مواقعهم، حيث كانت الثقة منعدمة في الحكومة التي يقودها الشيعة من بغداد، في حين أن سكان المدينة من الأغلبية السنية.
آنذاك، هربت آلاف العائلات، لكن عمر وذويه بقوا، مثل العديد من العائلات العربية السنيّة الأخرى، يعلل "لم يكن لدينا أيُّ مكان نذهب إليه".
في تلك الليلة الصيفية، فتح عمر ووالده بوابة المنزل ببطء ليجدا فتاةً صغيرة خارجه، مرتدية نقاباً أسود من الرأس حتى أخمص القدمين، وتردد مُتوسلة "من فضلك ساعدني... إنهم يغتصبونني" فسحبها عمر إلى داخل البيت آملا ألا يراه أحد.
تحدثت الفتاة بهدوء وخوفٍ يرعشُ صوتها، قائلةً إن اسمها نادية، من كوجو، بلدة أيزيدية تقع على الطرف الجنوبي لجبل سنجار، وكان داعش يسيطر عليها.
أخبرتهم أنَّ مسلحين ألقوا القبض عليها، ثم أحضروها إلى الموصل وباعوها في سوق العبيد مع معظم النساء والفتيات من قريتها. ابنة الـ19 عاماً كانت قد تعرضت للاغتصاب والضرب وبيعت عدة مرات خلال أسابيع قبل أن تهرب من المنزل الذي احتُجِزَت فيه، بفضل باب غير مقفل.
في كتابها "الفتاة الأخيرة: قصتي مع الأسر، ومحاربتي ضد الدولة الإسلامية"، روت نادية مراد تفاصيل مثيرة عن اغتصابها وبيعها وإساءة معاملتها من قبل أعضاء التنظيم ومحاولاتها الهروب.
وفي الإصدار، أشادت نادية بعمر عبد الجبار وعائلته، متسائلةً "لا أعرف لماذا كان جيداً، بينما كثيرون آخرون في الموصل كانوا فظيعين للغاية".
ربما كانت الفتاة محظوظة في اختيارها الطرق على باب هذا البيت دون غيره، وقتها كان داعش محل تعاطف من عدد كبير من أهل المدينة السنَة الذين عانوا لسنوات من سوء تعامل الشرطة العراقية الشيعية، ولم يكن داعش قد أظهر وجهه الإجرامي بعد ضد السكان أيضاً.
سارت نادية لساعات في شوارع الموصل قبل أن تقرع باب البيت ذا اللون البرتقالي المشابه لبقية المنازل المجاورة له، لكنها حسمت خيارها بالطرق عليه.
كانت مخاطرة، خاصة أن داعش أعلن مكافأةً قدرها 5 آلاف دولار للمواطنين الذين يعيدون الفتيات الهاربات إلى التنظيم.
"لم نفكر قط بالمكافأة" يقول عمر الذي اعتبر أن فعل الصواب كان واجب عائلته وقتها، لكن إخفاءها في المنزل محفوف بالمخاطر مثلما كان إخراجها من الموصل أكثر خطورة. فاتصلوا بشقيق الفتاة المتواجد في مخيم للاجئين على بعد 80 ميلاً، ووضعوا خطة لتهريبها.
منحتها العائلة اسماً وبطاقة هوية تحمل اسم عربي سنيّ، مواليد كركوك، في حين كان داعش يسيطر على جميع الطرق داخل وخارج الموصل. فاعتزموا إخبار مسلحي التنظيم أنها زوجة عمر، وأنهم سيزورون والديها في كركوك.
تتذكر نادية، في كتابها، كيف قضت ليلتها في حفظ هويتها الجديدة، اسمها العربي السنيّ، واسم والدها، وتاريخ ميلادها وتفاصيل عن كركوك، التي لم تزرها من قبل، لأن خطأً صغيراً واحداً قد يكون قاتلاً.
وعند نقطة التفتيش الأولى خارج المدينة، سحبَ مقاتلو داعش سيارتهم الأجرة وبدؤوا في تفتيشها. كاد قلب عمر عبد الجبار أن ينخلع من الخوف، فإذا قُبض عليهم، ستعود نادية إلى العبودية، ويُعاقب هو على محاولة الفرار، ومن المرجح أن يكون مصيره أسوأ بكثير.
كانت الفتاة تجلس بهدوء في المقعد الخلفي، فقط عيناها تظهران من تحت النقاب، بينما أخذ عمر يجيب على الأسئلة.
أخذ المسلحون بطاقات الهوية وبدؤوا استجوابه: إلى أين هم ذاهبون؟ لماذا إلى كركوك؟ متى سيعودون؟ عندها "شعرت بالرعب" يقول عمر.
ومن السيارة، شاهدت نادية صورةً مُعلقةً لها إلى جانب صور امرأتين أيزيديتين أخريين في مركز الحراسة "إن رؤيتي لصورتي أكدت أنهم يبحثون عني بنشاط".
في النهاية سمح مقاتلوا التنظيم لهم بالمرور، ولم يطلبوا من مراد رفع النقاب وإظهار وجهها. كانت محظوظةً للغاية لأنه يمكن لمعظم العراقيين تحديد الفرق بين لهجة عربية من كركوك ولهجة أيزيديين من كوجو "لم يكن لدي أية فكرة عن كيفية الحديث بلهجة شخص من كركوك" تحكي نادية.
مرّوا بعدة نقاط تفتيش أخرى يديرها داعش قبل أن يوقف سائق الأجرة السيارة ويطلب منهم الخروج. كانوا يسيرون حول الحاجز وعلى الطريق الفاصل بين آخر نقطة تفتيش تابعة للتنظيم وأخرى تسيطر عليها القوات الكردية.

نهاية سعيدة للفتاة.. وثمن باهظ لعمر وعائلته

ودع عُمر نادية في فندق في أربيل. وفي اليوم التالي لعودته إلى الموصل كان القرع على الباب ثقيلاً. هذه المرة كان مسلحو داعش.
قراره سينعكس عليه وأسرته بثمن باهظ، ومصيره سيسلط الضوء على العشوائية القاسية لسياسات التعامل مع اللاجئين.
بعد أكثر من ثلاث سنوات على الواقعة، زارت محررة مجلة "التايم"، ريبيكا كولارد، منزل الشاب في الموصل.
"لقد قفز إلى هناك" يتحدث والد عمر عن لحظة هروبه، مشيراً إلى سقف أحد الجيران. وفي الأسابيع التي تلت فراره من الموصل، تم استجواب عائلته من قبل داعش، لكنه تمكن من إقناع المقاتلين بأن الشاب قد تصرف من تلقاء نفسه، ووعدت أسرته بالتبرؤ منه.
وخلال تحرير الموصل، تعرض منزل العائلة لضربة جوية، أدت إلى مقتل شقيقة عمر وعائلتها بأكملها.
وقتها، اقترض عمر حوالي 7 آلاف دولار من عمه وصديق له، وفر وزوجته الحامل وابنه من الموصل في ناقلة غاز.
كان هدفه بلوغ أوروبا، بحيث لا يتمكن داعش من الوصول إليه، لكن الرحلة ستكون صعبة للغاية بالنسبة لابنه وزوجته الحامل، رندة، التي عادت إلى الموصل في نوفمبر 2014.
وبعد عدة أسابيع في تركيا، توجه عمر إلى الحدود البلغارية. وفي صوفيا، اعتقل مع غيره من طالبي اللجوء العراقيين والسوريين، وظل لثلاثة أشهر في زنزانة سجن بلغاري.
عمر هو الشخصية الرئيسية في كتاب نادية مراد، تحت اسم مستعار (ناصر)، هي تفضل التركيز على المستقبل، وعلى نقيض ذلك، قصة جبار لا يعرفها أحد تقريباً.
عام 2015، كانت مراد واحدة من ألف امرأة تم اختيارهن للانتقال إلى ألمانيا من خلال برنامج تديره حكومة بادن- فورتمبيرج الإقليمية، لمساعدة بعض الذين عانوا من داعش.
وفي ديسمبر 2015، روت قصتها خلال جلسة للأمم المتحدة في سويسرا في محاولة لرفع مستوى الوعي بجرائم داعش.
وفي مارس من العام نفسه، كان عمر قد وصل إلى ألمانيا وتقدم بطلب لجوء، وبعد مرور أكثر من 3 سنوات لم يمنح وضع اللاجئ. لديه صيغة من الحماية المؤقتة التي أعطته تأشيرة للبقاء في ألمانيا حتى مايو 2018.
وحالياً، تقدم بطلب للحصول على تجديد لكن السلطات الألمانية طلبت جواز سفره العراقي، الذي ليس بين يديه.
"اللاجئون العراقيون يواجهون المزيد من الرفض.. تتراجع ميركل عن سياساتها الداعمة للمهاجرين" يقول عمر الذي يعيش في شقة من غرفة واحدة، يغطي حوائطها صور أطفاله، في مدينة "تورجاو".
ويخشى البعض إعلانَ الحكومة العراقية خلوَّ العراق من داعش، لأن ذلك سيؤدي بدفع العراقيين مثل عمر للعودة، لكن بالنسبة له، الرجوع إلى العراق ليست خياراً.

أقوال جاهزة
شارك غردمجلة "التايم" الأمريكية تروي قصة فرار نادية مراد، فتاة أزيدية عرفَ بها العالم وحشيةَ داعش، لكنها منحت المزيد من الضوء إلى الشاب الذي يحتاج المساعدة اليوم.
شارك غردعمر عبد الجبار، هو الشخصية الرئيسة في كتاب نادية الأزيدية، النجار الشاب الذي أنقذها من داعش ودفع ثمن ذلك باهظاً..
يقول إنه تلقى اتصالات وتهديدات عبر الإنترنت من أنصار داعش، حتى غير رقم هاتفه وكل حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي.
وتؤكد عائلته أنها حتى وقت قريب تتلقى مكالمات في الموصل تهدد ابنها إذا عاد. يعلق عمر "أخبرني صديقي ألا آتي حتى إلى تركيا.. يمكنهم الوصول إلى هنا".
حتى في ألمانيا، لا يشعر جبار بأمان تام. وفي العام الماضي، قال إنه تلقى رسالة مجهولة يؤكد مصدرها أنهم يعلمون وجوده في ألمانيا وأنهم سيأتون إليه "لا أغادر المنزل كثيراً.. في الغالب، أذهب إلى الفصل الدراسي وأعود إلى المنزل".
رغم كل ذلك، هو غير نادم على ما فعل وعائلته لنادية "كان يجب أن ترى السعادة على وجوه أفراد أسرتها... أي شخص سيفعل ذلك".

"خريطة ‘الممر السنّي’ تتضح"... صحيفة تركية تتحدث عن سعي أنقرة لتولي ملف حلب

"
هل ستتولى تركيا ملف حلب؟". بهذا العنوان، نشرت صحيفة "يني شفق" التركية المقرّبة من حزب العدالة والتنمية الحاكم خبراً في 20 يوليو عن مفاوضات تجري بين تركيا وروسيا وتهدف للتوصل إلى صيغة تنحسب بموجبها قوات النظام السوري من حلب لتنتقل السيطرة على المدينة إلى الجانب التركي.
ونقلت الصحيفة عن "مصادر مطلعة" أن المفاوضات بين الوفود التركية والروسية لا تزال مستمرة من أجل انتقال الإشراف على حلب.

وبحسب الصحيفة، فإن التوصل إلى اتفاق حول هذه المسألة سيؤدي إلى إعادة إعمار حلب، وتشرح: "من المقرّر أن تتولى تركيا مهمة الإشراف على إعادة إعمار المدينة التي كانت في وقت من الأوقات أكبر مركز صناعي في الشرق الأوسط، ثم ستنقل السيطرة في المدينة إلى تركيا والجيش السوري الحر لتنسيق عودة أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ يعيشون في تركيا وأوروبا إلى سوريا".

"الممر السنّي"

وبرأي عضو ائتلاف قوى المعارضة السورية فؤاد عليكو، إن "طريقاً طويلاً قد قطع من الناحيتين السياسية والعسكرية بشأن السماح لتركيا بالإشراف على حماة وحلب وإدلب، على أن تبدأ عودة أكثر من ثلاثة ملايين مدني من تركيا وأوروبا إلى حلب مع انسحاب قوات النظام والميلشيات الشيعية من المنطقة".
وقال عليكو لـ"يني شفق" إن "ملامح خريطة ‘الممر السُنّي’ قد اتضحت"، وهي مكونة من حماة وحلب وإدلب بعد إخلاء بلدتي الفوعة وكفريا الواقعتين في المحافظة الأخيرة.
وأشار إلى أنه اعتباراً من النصف الثاني من العام الجاري سيتم "تشكيل مناطق نفوذ لصالح أمريكا وبي كي كي (يقصد قوات حماية الشعب الكردية التي تتهما أنقرة بأنها تابعة لحزب العمال الكردستاني) في الشرق، وتركيا والجيش الحر في المنتصف، وروسيا ونظام الأسد في المناطق الغربية والجنوبية".
وأوضح: "سيبسط تحالف النظام – روسيا – إيران سيطرته على اللاذقية وطرطوس وحمص ودمشق ودير الزور، وأما أمريكا وبي كي كي فستسيطران على الحسكة والرقة وريف دير الزور الواقع شرق الفرات، وأما تركيا فستكون مسؤولة عن مدن حماة وإدلب وحلب في المنتصف والتي يسكنها أغلبية من السنة".

"ثورة"

وفي حوارات أجرتها الصحيفة مع شخصيات سورية حول الخبر الذي نشرته، قال والي حلب السابق عبد الرحمن ددم: "الحدود التي بيننا هي مصطنعة، فنحن نشعر بأننا ننتمي إلى تركيا. وربما لو تولت تركيا إدارة حلب لن يتردد مئات الآلاف من العودة إلى وطنهم ومنازلهم. إننا قادرون على إعادة حلب إلى أيامها الخوالي بالتعاون مع تركيا في غضون عامين".
وقال رئيس المنتدى الاقتصادي السوري تمام البارودي إن "تولي تركيا ملف حلب يعني إنقاذ استثمارات بقيمة 30 مليار دولار بشكل كبير. وهو مما لا شك فيه سيكون أكبر حدث خلال السنوات السبع الأخيرة".
وقال رئيس المجلس المحلي السابق في حلب بريتا حاجي: "تركيا هي البوابة الوحيدة لسوريا على العالم. ولو نجحت هذه المبادرة، فستفتح صفحة جديدة بشكل فعلي".

مباحثات جانبية

وتعقد تركيا مباحثات مع الروس لكي تتولى إدارة بلدة تل رفعت التابعة لحلب، كما تشارك في تطبيق خريطة طريق اتفقت عليها مع واشنطن من أجل تغيير الوضع في منبج، أكبر مدن حلب.
ومن جانب آخر، يتواصل الأتراك مع الإيرانيين لحل قضية بلدتي نبّل والزهراء، اللتين تتواجد فيهما ميلشيات شيعية مدعومة من طهران، على طريقة حل قضية بلدتي كفريا والفوعة في إدلب، واللتين أخليتا في الأيام الماضية.
وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد عرض على نظيره الأمريكي دونالد ترامب في هلسنكي خطة لعودة النازحين السوريين إلى بلادهم، دون أن تنتشر تفاصيل وافية عن الخطة.
ولكن بحسب وزارة الدفاع الروسية، فإن الحديث يجري عن خطة مشتركة بين روسيا والنظام السوري، تشمل تشكيل مجموعة مراقبة روسية أميركية أردنية في عمّان، ومجموعة مماثلة في لبنان، وتسمح بعودة 890 ألف لاجئ في لبنان، إلى جانب 300 ألف من تركيا، ومئتي ألف من دول الاتحاد الأوروبي.
ولكن لا يزال الحديث عن خطة لنقل السيطرة على حلب إلى أنقرة أقرب إلى تمنيات تركية، ومن غير المعلوم كيف يمكن أن تتفاعل روسيا معها. فالمسألة الأساسية بالنسبة للروس حالياً، وكذلك بالنسبة إلى النظام السوري، هي تغيير الوضع في محافظة إدلب التي لا تزال خاضعة لسيطرة مجموعات معارضة أبرزها القاعدة وحركة أحرار الشام.
وفي مقال بعنوان "هل تنجح تركيا في تجنيب إدلب مصير درعا؟" نشره موقع "ترك برس"، قال الكاتب والباحث السياسي محمود عثمان إن "إدلب سوف تشكل أول امتحان جدي للعلاقات التركية الروسية، و(الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين أمام خيار صعب، إما أن يستجيب للرئيس (التركي رجب طيب) أردوغان فيمنع النظام (السوري) والإيرانيين من مهاجمة إدلب، وهذا لا يوافق توجهاته بالحسم العسكري، وتصفية المعارضة السورية عسكرياً، أو يذهب إلى نهاية المطاف مع طهران، بإعادة إنتاج نظام الأسد وفرضه بالقوة، بعد أن فشل في مقايضته مع الأمريكيين".

إندبندنت: كيف وصلت الأسلحة البوسنية إلى حلب؟

نشرت صحيفة "الإندبندنت" البريطانية مقال رأي للصحفي، روبرت فيسك، كشف من خلاله عن خفايا دعم بعض الدول العربية المناهضة للنظام السوري، للمعارضة السورية بالأسلحة.

وقال الكاتب في تقريره ، إنه اكتشف هذه المعطيات خلال زيارته لمخزن الأسلحة الذي تم تفجيره شرق حلب السنة الفارطة، حيث عثر على أدلة تؤكد أن هذه الأسلحة صُنعت في البوسنة، وتم تصديرها ضمن شحنة أسلحة إلى المملكة العربية السعودية.
وذكر الكاتب أن كتاب استخدام الأسلحة الذي وُجد في مبنى تخزين الأسلحة يحمل اسما مكتوبا بخط اليد لأحد كبار المسؤولين ويدعى، إيفيت كرنجيتش. وقد أكد هذا المسؤول للصحيفة لاحقا أن شركته قد أرسلت شحنة تتكون من 500 مدفع هاون عيار 120 ملم إلى المملكة العربية السعودية في كانون الثاني/ يناير سنة 2016. كما أكد أن السعوديين قاموا بزيارة المصنع لتفقد الأسلحة في مطلع سنة 2016.

وذكر الكاتب أن كرنجيتش، المسؤول عن مراقبة الأسلحة الذي يبلغ 64 سنة والمتقاعد حديثا من مصنع الآلات والهيدروليك "بي أن تي" في مدينة نوفي ترافينك، لم يقر بتوقيعه على الكتاب فحسب، بل أكد كذلك على زيارات المسؤولين السعوديين لتفقد قذائف الهاون قبل أن يتم شحنها إلى الرياض. كما أصر المسؤول على أن جميع هذه المبيعات تتوافق مع شهادات المستخدم النهائي التي تحصلت عليها الشركة من قبل جميع عملائها، والتي تؤكد بدورها على أن هذه الأسلحة تستخدم فقط من قبل القوات العسكرية للبلدان التي تقوم بشرائها.


وأوضح الكاتب أن شحنة الأسلحة كانت ضخمة وتتكون من 500 مدفع هاون. ويبدو أن جزءا من هذه الشحنة قد انتهى به المطاف في أيدي جبهة النصرة المعارضة لنظام الأسد والمعادية للقاعدة المتواجدة في شمال سوريا، وذلك في غضون ستة أشهر من إرسالهم من البوسنة. وعندما طلبت صحيفة "الإندبندنت" من السلطات السعودية الرد على الوثائق التي بحوزتها وما اكتشفته في شرق حلب، ردت السفارة السعودية في لندن بأن "المملكة لم تقدم دعما لأي من التنظيمات الإرهابية، بما في ذلك جبهة النصرة وتنظيم الدولة، في سوريا أو في أي بلد آخر".
وأضاف الكاتب أن السفارة وصفت ادعاءات صحيفة "الإندبندنت" بأنها غامضة ولا أساس لها من الصحة". كما أكدت السفارة أن المملكة العربية السعودية كانت دائما "صوتا رائدا داخل المجتمع الدولي لدعم الحل الديبلوماسي للصراع في سوريا، وتعمل في الوقت ذاته مع جيرانها وحلفائها لمواجهة نمو قوى التطرف". ولم تعلق السفارة على كتاب الأسلحة وقصاصات مراقبة الأسلحة والصور التي طلبت منها الصحيفة فحصها.

وأشار الكاتب إلى العقيدة الوهابية الصارمة المنتشرة في المملكة العربية السعودية التي ألهمت كلا من جبهة النصرة وتنظيم الدولة وغيرهما من الجماعات المتطرفة في سوريا. وكثيرا ما وقع اتهام المملكة العربية السعودية بتسليح المعارضة في سوريا. كما تم العثور على منشورات دينية قادمة من الرياض في مناطق كانت تحت سيطرة هذه الجماعات. تجدر الإشارة إلى أن المملكة العربية السعودية كانت قد طالبت بالإطاحة ببشار الأسد وحكومته في دمشق.

وتطرق الكاتب إلى أنه خلال المراحل الأخيرة من حصار مدينة حلب في سنة 2016، وبعد أن غادرت معظم قوات المعارضة المدينة بموجب وعد أطلقته الحكومة بشأن تأمين مرور آمن لهم إلى المناطق التي يسيطر عليها المقاتلون في مدينة إدلب، أطلقت قوات المعارضة وابلا من قذائف الهاون على مدينة حلب التي تسيطر عليها الحكومة حينها.

وقال الكاتب إن الأكوام من الوثائق المهملة التي وجدت في البنايات التي كانت تتحصن بها المعارضة، تحتوي على إرشادات لكيفية إطلاق النار من الأسلحة الرشاشة ومدافع الهاون وكانت كلها باللغة الإنجليزية. كما عُثر على وثائق شحن للأسلحة وكتيبات لتعليم استخدامها من البوسنة وصربيا، فضلا عن وثائق شحن أسلحة تتكون من قذائف مدفعية قادمة من بلغاريا. كما وُجد العشرات من الصناديق الفارغة للأسلحة المضادة للدروع المصنعة في شركة طائرات هيوز الأمريكية الواقع مقرها في ولاية كاليفورنيا.

وبين الكاتب أن هذه الوثائق تكشف عن الجهات المنتجة للأسلحة التي استعملت من قبل أكثر خصوم بشار الأسد شراسة. ويبدو أن شحنات الأسلحة تصل إلى سوريا عن طريق بعض الدول الصديقة للغرب.


وقد كشف المدير العام للمصنع الواقع في مدينة نوفي ترافنيك، اديس ايكانوفيتش، أن معظم صادرات شركته موجهة إلى السعودية. كما أكد المدير العام لمصنع زاستافا للأسلحة في صربيا، ميلوجكو برزاكوفيتش، أنه لا يوجد بلد في الشرق الأوسط لم يشتر أسلحة من زاستافا خلال السنوات الخمسة عشر الماضية، من بينهما الإمارات والمملكة العربية السعودية.
وذكر الكاتب أن كرنجيتش أكد أن السعوديون راضون تماما عن هذه الصفقات نظرا لتمتع المصنع بسمعة جيدة جدا منذ وقت طويل، التي لا تقتصر على الأسلحة فقط بل لأن تسليم الشحنات يتم بصفة عاجلة. كما قامت قوات الناتو والاتحاد الأوروبي بإعطاء هذه المصانع الضوء الأخضر للقيام بذلك، نظرا لتميز نوعية مدافع الهاون الخاصة بها.

وفي الختام، أفاد الكاتب أن كرنجيتش سبق وأن عمل في الفرع التابع لمصنع الآلات والهيدروليك "بي أن تي" في العراق سنة 1986، مؤكدا أن المصنع حينها كان أكثر حداثة من المصنع المتواجد في البوسنة حاليا، وكان ينتج قاذفات صواريخ لصدام حسين من عيار 260 ملم يصل مداها إلى 500 كيلومترا.

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية