‏إظهار الرسائل ذات التسميات صحافة عربية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات صحافة عربية. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، مايو 15، 2020

ما فعله الإيراني حسن نصرالله هو أسوأ بكثير مما فعله الإسرائيلي انطوان لحد.

ليس من حق أحد أن ينزع عن حسن نصرالله لبنانيته. هو مواطن لبناني إذا كان مبدأ المواطنة لا يزال قائما في لبنان. ذلك امر مشكوك فيه. 
فما يقوله نصرالله وما يفعله ينفي وجود ذلك المبدأ بل ويجتثه من جذوره ولا يبالي به إلا على مستوى نيل المكاسب السياسية.
لا حاجة لي هنا إلى التذكير بأن زعيم حزب الله كان قد سبق وأن صرح بأنه يعمل جنديا لدي الولي الفقيه الإيراني وهو يقبض راتبه الشهري من إيران التي تمول كل صغيرة وكبيرة من احتياجات الميليشيا التي يقودها.
في ذلك ما يتناقض مع مفهوم "المواطن" في القانون.
فـ"نصرالله" في ما يقوم به يشبه انطوان لحد. كلاهما لبنانيان من جهة الولادة والانتساب العائلي غير أنهما ليسا كذلك من جهة المواطنة بما ينص عليه القانون.
كان لحد مواطنا اسرائيليا فيما نصرالله هو مواطن إيراني.
نصرالله ليس عميلا إيرانيا بل أنه زعيم لجيش احتلال إيراني. ذلك ما فعله لحد حين صار زعيما لجيش احتلال اسرائيلي في جنوب لبنان.
دخل الرجلان في صراع مسلح فوقف لبنان كله مع نصرالله مخدوعا بشعار المقاومة والتحرير غير أن كل شيء انتهى إلى الاحباط بعد أن تبين أن انتصار المقاومة قد  ذهب إلى رصيد إيران ولم يحصد لبنان منه شيئاً سوى الأغاني.
كان الصراع إسرائيليا ــ إيرانيا فيما لبنان لم يكن سوى ملعبه وحجته.
لم يضحك أحد على أحد. كان هناك غباء إعلامي عربي غطى على الحقيقة وأفقد الرأي العام العربي وعيه بحيث لم يتعرف أحد على حقيقة ما جرى.
كانت العاطفة أقوى من العقل.
فلو إنتبه اللبنانيون عام 2000 إلى أن المعطف الوطني الذي كان يرتديه نصرالله ما هو إلا غطاء لمشروع احتلال إيراني لما تمكن حزب الله من إشعال حرب 2006 المدمرة أو احتلال بيروت عام 2008 ومن ثم الهيمنة على الحياة السياسية.
كان انهيار دولة لبنان قد بدأ منذ اللحظة التي صعد فيها نجم نصرالله باعتباره سيد المقاومة. وتلك واحدة من أعظم الأكاذيب التي صار على لبنان أن يدفع ثمنها من سيادته واستقلاله السياسي وكرامة مواطنيه وحريتهم بل ومصيرهم الذي صار موضع سؤال.
فالبلد الذي كان يراهن على حريته صار مستعبَدا.
لذلك فقد وجد اللبنانيون أنفسهم مضطرين إلى إعلان رفضهم لما آلت إليه بلادهم. ذلك الرفض الذي ينطوي بين ثناياه على مقاومة الإحتلال الإيراني الذي يرتدي ثوب المقاومة.
وإذا ما كان نصرالله يسعى في خطاباته إلى أن يذكر اللبنانيين بما أنجزته مقاومته عام 2000 فإن في إمكان اللبنانيين في المقابل أن يذكروا نصرالله بإن اسرائيل كانت قبل عام 2000 تحتل جنوب بلادهم أما في ما تلى تلك السنة فإن بلادهم كلها وقعت تدريجيا تحت الاحتلال الإيراني.
ما فعله الإيراني حسن نصرالله هو أسوأ بكثير مما فعله الإسرائيلي انطوان لحد. لذلك فليس من حق نصرالله أن يفاخر بإنهاء احتلال اسرائيلي وهو الذي أحل محل ذلك الاحتلال الجزئي احتلالا إيرانيا شمل كل الأراضي اللبنانية، بل أنه صار يتحكم بمصائر اللبنانيين بدءا من لقم عيشهم.
ما فعله حزب الله لم يكن في إمكان دويلة انطوان لحد المزعومة ان تفعله.
حين أقامت إسرائيل دويلة لحد في الجنوب فإنها رغبت في أن تكون تلك الدويلة حاجزا يحول دون تعرض مناطقها الشمالية إلى هجمات متوقعة أما دولة حزب الله فهي مشروع إيراني يهدف إلى ابتلاع لبنان كله، أرضا وبشرا، حاضرا ومستقبلا، سياسة واقتصادا وثقافة.
من حق اللبنانيين في سياق كل تلك المعطيات أن يقاوموا "المقاومة" بعد أن يعلنوا ندمهم على ما فعلوه حين وقفوا وراءها.

الجمعة، فبراير 07، 2020

رندة برّي مثابرة على ملاحقة منتقديها: محاكمة موسى عاصي

يمثل الصحافي موسى عاصي، الأربعاء 5 شباط الحالي، أمام الحاكم المنفرد الجزائي في بيروت، القاضية لارا عبد الصمد، لاستجوابه في الدعويين المقامتين ضدّه من السيّدة رندة عاصي برّي، حرم رئيس مجلس النواب نبيه برّي، ومن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بجرم القدح والذم، على خلفية تعليقات له على صفحته على موقع "فايسبوك"، تضمنت انتقادات على لأدائهما واتهامهما بالفساد.

مفارقتان.. وتحمل الجلسة مفارقتين. الأولى، تتمثّل بإحالة صحافي على محكمة جزائية، بدلاً من محكمة المطبوعات المتخصصة بمحاكمة الصحافيين والإعلاميين، على أي جرم ناشئ في معرض ممارسة المهنة، أو الآراء التي يبديها الإعلاميون، وتشكل ضرراً للمدعي. والثانية، أنها تأتي في صميم حملة الملاحقات الأمنية والقضائية التي تطال إعلاميين وناشطين، بلغت ذروتها في الأشهر الثلاثة الأخيرة التي رافقت نشاطات الثورة، والتي نجحت في تعرية السلطة الفاسدة.
ولم يعد خافياً على أحد، أن ثمة تركيز على الناشطين من الطائفة الشيعية، الذين كسروا حاجز الخوف، وأسقطوا المحرمات وتجرؤهم على مهاجمة رئيس مجلس النواب نبيه برّي وعقيلته، ورموز الشيعية السياسية. وهو كان أشبه بالمستحيل قبل اندلاع الثورة. لكنّ يبدو أن هذا الفريق لن يقبل بالتسليم لإرادة الناس، فعمد إلى مواجهة الناشطين بالقوة، في ساحات صور وكفرمان والنبطية وبعلبك وبيروت وحتى الضاحية الجنوبية، والاعتداء عليهم. وعندما فشلت هذه الوسيلة في إخضاع الناس، عمد إلى استخدام القضاء، وتحويله عصاً غليظة في ملاحقة "المزعجين".

أمام قصر العدلالزميل موسى عاصي ليس حالة فريدة، بل حلقة في مسلسل ترويض الإعلاميين والناشطين، وكلّ من يحاول خرق جدار الصمت في البيئة الشيعية، والأمثلة على ذلك تطول. إذ استخدمت السيدة رندة بري نفوذها الواسع بالاستمرار بتوقيف الذين أحرقوا استراحة صور أسابيع طويلة، ولا يزالون قيد المحاكمة. كما نجح النافذون في حركة "أمل" و"حزب الله" بتحويل الضحايا المعتدى عليهم بالضرب والتنكيل في النبطية وصور إلى جلّادين، حين جرى الادعاء عليهم بالخيانة والعمالة، واستدعائهم إلى المفارز الأمنية للتحقيق معهم ساعات طويلة لإذلالهم وترويضهم.
ويفترض أن تشكل جلسة محاكمة موسى عاصي محطة في مسار طويل، لكنها ستقع تحت مجهر ناشطي الثورة، ومئات الإعلاميين الذين يواكبون المحاكمة في اعتصام حاشد أمام قصر العدل، بدءاً من الثامنة صباحاً. وأوضح الزميل موسى، أنه "تبلّغ بإقامة الدعاوي القضائية ضدّه عبر وسائل الإعلام". وأكد لـ"المدن" أنه "سيحضر جلسة المحاكمة مع وكيله المحامي عبد الكريم حجازي، ويطلب من المحكمة إعلان عدم اختصاصها للنظر في هذه الدعوى، كون الصلاحية تعود لمحكمة المطبوعات". وقال "أينما دوّن الصحافي رأيه، وحتى على وسائل التواصل الاجتماعي تكون وسيلته الإعلامية، وبالتالي يفترض إحالة القضية على محكمة المطبوعات". ورأى أن "هذه الدعاوى لها هدف وحيد، هو منعنا من التعبير عن رأينا"، مذكراً بأن "المجلس الشيعي الأعلى والسيدة رندة برّي يعملان بالشأن العام، وكل من يعمل بالشأن العام هو موضع انتقاد".

السمعة والكرامة!وتحاول الأوساط القضائية التقليل من أهمية الموضوع، إذ دعا مصدر قضائي إلى عدم تحميل القضية أكثر مما تحتمل، ولا تندرج في سياق استهداف الإعلام وحرية الرأي. وأوضح المصدر لـ"المدن"، أن "هناك دعوى قضائية تقدّم بها أشخاص، وسجّلت في قيود النيابة العامة وأحيلت على المرجع القضائي المختص". وقال "يمكن للمدعى عليه أن يتقدّم بدفع شكلي، بعدم اختصاص القاضي المنفرد الجزائي للنظر في القضية، وحينها قد ترتأي القاضية عبد الصمد إعلان عدم صلاحيتها، وتحال إلى المرجع الصالح"، مذكراً بأن الدعوى القضائية التي تحركها النيابة العامة بالاستناد إلى ادعاء شخصي، لا تسقط ولا تنتهي إلّا بقرار أو حكم قضائي".
وكان وكيل الجهة المدعية أوضح في نص الشكوى التي تقدّم بها، أن المدعى عليه موسى عاصي "ذاع صيته بالافتراءات وكيل النعوت للآخرين نتيجة حقده الدفين، وكتب على صفحته غلى فيسبوك ما حرفيته المفتي الجعفري الممتاز الشيخ احمد قبلان منتقداً طرح الزواج المدني: يجب على السلطة والمجتمع والأفراد حماية الأسرة وتأمين سلامتها واستقرارها وذلك عن طريق حماية الاخلاق والتربية والآداب العامة ومنع الفساد السياسي والأخلاقي والعاطفي". متابعاً "عشوي كان انتقد التوريث السياسي والافتائي.. بيذكرني برندة بري بس تنتقد الفساد". ثم عاد وكتب تعليقاً قال فيه "نحن بيت عاصي شلناها (رندة عاصي) من العيلة، وصارت بري بس".
واعتبرت الدعوى أن أفعال المدعى عليه أساءت إلى المدعية وطالتها بشرفها وسمعتها وكرامتها وألحقت بها أشد الأضرار المعنوية".

الخميس، فبراير 06، 2020

تباعد متزايد: هل ينفجر تحالف عون وحزب الله؟

حال النكران التي يعيشها المسؤولون اللبنانيون في تعاطيهم مع أزمات البلد، ليست وليدة تعاملهم مع ثورة 17 تشرين فقط. وليست نتاج أزمة مالية واقتصادية يلجأون إلى الالتفاف عليها بضخهم كماً هائلاً من الأكاذيب والإشاعات.

ثنائيات وملتحقونالتركيبة اللبنانية بكليتها، هي عملية تعايش مع النكران الذي تغلِّفه عبارة الوفاق أو التوافق الوطني، الذي لم يتحقق يوماً بخلاف كل السرديات الشائعة. فصيغة لا غالب ولا مغلوب التي يتغنّى اللبنانيون بها، لم تكن قائمة في يوم من الأيام. ومنذ الاستقلال كانت تحالفات ثنائية أو ثلاثية تدير لبنان، ويلتحق بها الراغبون في الالتحاق والتبعية.
في العام 1943 كانت ثنائية بشارة الخوري ورياض الصلح. وانكسرت هذه الثنائية بمعادلة "كمال (جنبلاط) وكميل (شمعون)". وهذه بدورها كسرتها  في ما بعد معادلة الشهابية المتحالفة مع الجنبلاطية والكتائبية. وفي عشايا الحرب الأهلية وفي أثنائها، بدأ نشوء الأحلاف الواسعة: المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية في مواجهة الجبهة اللبنانية.

حروب أحلاف وتصفيات وانقسمت بيروت في الحرب إلى شرقية وغربية. تكريساً لمنطق الثنائيات. وبعد ما سُمّي انتفاضة 6 شباط 1984، دخل الحزب الاشتراكي الدرزي النواة والقيادة، وحركة أمل الشيعية، في حرب تصفية المرابطون في الشارع السني. فتسيد الاشتراكيون وأمل بيروت الغربية، ثم اقتتلوا في شوارعها، حتى عودة الجيش السوري الأسدي إليها في العام 1987. وهذا، قبل ذهابهما إلى عقد ما عُرف بـ"الاتفاق الثلاثي" مع القوات اللبنانية بقيادة إيلي حبيقة، وبرعاية سورية أسدية.
في مواجهة هذا الثلاثي ورعايته السورية، نشأت ثنائية مسيحية قوامها قائد الجيش ميشال عون وقائد القوات اللبنانية سمير جعجع، بعد عزل حبيقة عن قيادتها وطرده من المناطق المسيحية وإقامته في زحلة برعاية المخابرات السورية.

طائف وتفاهم وتسويةفي حقبة ما بعد الطائف أدار البلد تحالف ثلاثي (الحريري وأمل نبيه بري ووليد جنبلاط، برعاية مخابراتية أسدية) وبمشاركة بعض المستلحقين. وكانت محطة الفصل في العام 2005، بعد اغتيال الحريري. تسلم السلطة ثلاثي المستقبل والاشتراكي والقوات اللبنانية. وعارض حزب الله وحلفاؤه هذا الثلاثي، ومنعه من الاستقرار في الحكم، وبدأ التأسيس إلى ما سُمِّي التفاهم، وهو ثنائية جديدة بين حزب الله والتيار العوني، وتُوّج باتفاق 6 شباط 2006  في كنيسة مار مخايل.
حكومات الوحدة الوطنية التي تشكّلت بعد ذلك لم تكن حقيقية. بل حكومات للصراع وتقاسم المغانم، تحت شعار التوازن والتوافق، وصولاً إلى مرحلة كسر هذا التوازن، في تسوية 2016. وعلى الرغم من أن طرفي تلك التسوية هما سعد الحريري وميشال عون، فقد حكمت لبنان بعدها ثلاثية، والأحرى ثنائية عون وحزب الله، التي استلحق بها سعد الحريري، الذي خرج من المشهد أثناء انتفاضة 17 تشرين.

الثنائي المنتصراليوم يقف التحالف الثنائي بين حزب الله والتيار العوني أمام محطة مفصلية، في ظل قراءات ومراجعات متعددة للمرحلة السابقة. فالتحالف الثنائي هذا نجح في السيطرة على السلطة، والوصول إلى رئاسة الجمهورية، وتشكيل الحكومة التي يريدها، ومن لون واحد. لكن خلافات جذرية وجوهرية لا تزال قائمة بين هذا الثنائي حول الرؤية إلى البلد. وهذا موضوع نقاشات ومباحثات تدور داخل كل طرف منهما. فالتحالف الذي بنى أمجاده بوصوله إلى السلطة، بدعاية الإصلاح ومحاربة الفساد (العونية) والمقاومة والتحرير (الحزب اللهية)، قد انتهت صلاحيتها على الأرجح. ذلك أن البلد انفجر في وجه هذا الثنائي عملياً. وهو كان يتذرع بفساد قوى أخرى يطلق عليها "قوى الطائف"، هي اليوم خارج الحكومة. والمشاكل لا تزال تعتري العلاقة بين الحليفين، خصوصاً في ما يتعلق بالسياسات المالية والاقتصادية. الاختلاف لا يقتصر على التيار العوني وحزب الله، بل ينسحب أيضاً بين الحزب وحركة أمل. وهذا سينعكس أكثر في الطروحات المالية والإصلاحية للخروج من الأزمة في المرحلة المقبلة.

أزمة كبرىيواجه التحالف الحاكم اليوم أزمة كبرى في ما يتعلق بإدارة البلاد، فتتجاذبه وجهات نظر متضاربة. قد لا يكون هناك خلاف كبير على القضايا الخارجية، ولكن في الداخل الخلافات كبيرة. ويجد التحالف نفسه أمام تحدّ كبير. وإذا لم يتوصل إلى تفاهم على كيفية إدارة الملفات الداخلية، فسيكون أركان التحالف أمام مشكلة حقيقية مع جمهورهم. وتحتاج الأزمة الراهنة إلى معالجات جذرية وحقيقية، ولا بد من اتخاذ قرارات مؤلمة. وفي حال عدم الذهاب إلى مثل هذه القرارات، فإن الوضع سينفجر، وقد ينفجر التحالف نفسه.
لم يعد من مجال للإبقاء على العلاقة في صيغتها التي كانت عليه بين حزب الله والتيار العوني. لقد صار ضرورياً تطويرها للحفاظ عليها وفق ما يقول مسؤولون عونيون. يعتبرون أنه لا بد من توحيد الرؤى مع حزب الله، خصوصاً في ما يتعلق بمستقبل النظام والدولة. ولا بد من إيجاد إجابات عن أسئلة ما بعد انتهاء اتفاق الطائف، وكيفية تركيب بنية جديدة للنظام.
حزب الله يبدو أكثر هدوءاً في التعاطي مع الوقائع. أما أركان التيار العوني فمتحمسون ومستعجلون لاستغلال  الفرصة التي يعتبرونها مواتية للإطاحة بتركيبة النظام التي أرسيت في العام 1989. يعتبرون أن الوقت قد حان للانتقام والثأر من تلك اللحظة، تحت شعار "استعادة الصلاحيات" (إحياء الهيمنة المارونية السياسية).

الأربعاء، يناير 29، 2020

احتضار ساحة النور: الثورة تخسر جغرافيتها

منذ اندلاع الانتفاضة الشعبية، في 17 تشرين الأول 2019، تحولت ساحة النور في وسط طرابلس إلى أرض للثوار، يتوافدون نحوها، نظرًا لوسطيتها ومركزيتها بين مختلف المناطق الشمالية. ومنذ ذلك التاريخ، لا تزال الساحة مقفلة بكامل مساربها واتجاهاتها بالعوائق، فتحولت من ساحة مركزية للمرور إلى مستقر للتظاهرات والاعتصامات وخيم الناشطين. وهو ما جعلها تكتسب رمزية مركزية في جغرافيا الثورة.
"ساحة النور" ومحيطها، لم يعد حالهما يشبه ما قبل 17 تشرين. المحلات التجارية تأثرت حكمًا بواقعها الجديد، ووسطها تحوّل لاحقًا إلى مساحةٍ فارغةٍ لمدّ البسطات وتجوّل بائعي القهوة والمرطبات. مع تقدّم الشهرين الأوليّن، وبعد أن شهدت طرابلس تحولات كبيرة في ثورتها، إن لجهة خرق ساحتها أمنيًا وسياسيًا، أم لجهة مقاومتها الدائمة على المضي في ثورتها مع مواجهة المندسين والمشبوهين والمخبرين، أصبحت قضية "إغلاق ساحة النور" مسألة جدلية كبرى في المدينة، بين مؤيدين ومعارضين للإغلاق، نظرًا لكونها عقدة المواصلات في الشمال.

تبدل المجتمع الطرابلسيمن واكب ثورة طرابلس في بداياتها، حين كان يتوافد إلى الساحة يوميًا عشرات الآلاف من الثائرين والثائرات، ومن مختلف المناطق الشمالية واللبنانية، يدرك الفرق الذي أنجزته في إعادة خلق نسيج اجتماعي جديد، أكثر انفتاحًا ومزجًا بين مختلف الطبقات والشرائح، حتّى كاد المجتمع الطرابلسي ومحيطه يعيد انتاج منظومته الاجتماعية من جديد، خارج عباءة الأحزاب والطوائف والأيديولوجيات. هذا الدور الذي لعبته ساحة النور، أزعج لاحقًا السلطتين السياسية والأمنية، وشكّل استفزازًا كبيرًا لهما. وبما أنهما لم يُحسنا قطع الطريق على الثوار باتجاه ساحة النور، لجأت بعض "الجهات" إلى خلق خلايا وشبكات من المندسين والمشبوهين وحتّى "الزعران"، فنصّبوا بعض الخيم وأوكلوا أدوارًا لـ"شبيحتهم"، كي يركبوا موجة الثورة مقابل تأدية "واجب" ضربها وتفريغها من ناسها وتشويه سمعتها، لدرجة أصبحوا يتصدرون المشهد الإعلامي والشاشات اللبنانية!
مع تقدّم الأيام، انسحب جزء كبير من أبناء المدينة من الساحة، ولم يستمروا بالتردد إليها، وكان لسان حالهم "لم تعد تشبهنا". جزءٌ آخر، ورغم صعوبة التحديات بإعادة الزخم إلى أيامه الأولى، لم يغلبه اليأس، فاستمرت مجموعات مدنية ناشطة في لعب دور تنشيط الساحة من جهة، والمواظبة يوميًا على عقد حلقات الحوار داخل الخيم عند هامش الساحة من جهة أخرى.

سجال والتباسالسجال حول مصير "ساحة النور"، فتحًا أو إغلاقًا، لم ينفصل عن الأحداث التي شهدها وسط بيروت صباح الثلاثاء، مع ما أبداه عناصر الجيش والقوى الأمنية من إصرار على إعادة فتح ساحة الشهداء، في محاولة صريحة من قِبل السلطة للقضاء على الثورة وإنهائها في الشارع. ففي الوقت نفسه، وقع إشكال في "ساحة النور" نتيجة الإلتباس بمحاولات إزالة البلوكات لفتح الساحة. لكن، سرعان ما تبيّن لاحقًا أنّ الأمر ليس صحيحًا، وأنّ ما جرى هو قيام أحد متعهدي شركات الباطون باستقدام شاحنة لفكّ الدعامات الحديدية التي سبق أن نصّبت لتثبيت المنصة الشهيرة في مبنى الغندور فوق بنك لبنان والمهجر.

وقد أوضح عضو بلدية طرابلس المنهدس جميل جبلاوي أنّ "أحد أبناء طرابلس تبرع بكلفة إيجار الدعامات على أساس شهرين، ولكن الآن قطعنا 3 أشهر ونصف. وتمّ تركيبها من قبل أحد متعهدي شركات الباطون في طرابلس، وهي ملك شخصي للشركة".
وبينما تمرّ الثورة على مستوى لبنان في مخاضٍ صعبٍ وعسير، في ظلّ تعنّت السلطة وبطشها، يبقى السؤال الأكثر جدلًا في طرابلس: هل نعيد فتح ساحة النور أم نبقيها مغلقة؟ وهل فتحها يعني إنهاء الثورة والقضاء على آخر رموزها في عاصمة الشمال؟

الأدوات الثوريةيعتبر الصحافي والناشط المدني يحيى الصديق، أنّ إشكالية الساحات المغلقة في لبنان، ترتبط بطريقة تعاطي السلطة مع الثورة، سياسيًا وأمنيًا، وهي تسعى إلى إنهائها والقضاء عليها بطريقة تدريجية. يقول: "في البدء، حاولوا الضغط لفتح المدارس والجامعات، وبعدها حاولوا افتعال المشاكل لمنع قطع الطرقات، وهم حاليًا يسعون إلى فتح ما تبقى من ساحات مغلقة، من أجل القضاء على الأدوات الثورية التي يملكها الناس، ومحاصرتهم بكل قدراتهم على المواجهة، حتّى لا يمدّوا من عمر الثورة". ويشير الصديق أنّه بعد فتح الطرقات تدريجيًا وعودة الطلاب إلى الدراسة، بدأت الحياة تستعيد طبيعتها كأن شيئًا لم يكن. و"إذا فتحنا ساحة النور، يصعب علينا إعادة إغلاقها، لأنها قد تكون من آخر الأدوات الثورية في طرابلس، وقد اكتسبت رمزية وطنية كبرى من الشمال إلى الجنوب، وأصبحت أيقونة الثورة في لبنان"، يضيف الصديق: "فلنعتبر أنّ هذه الساحات معطلة بسبب متعهد لم ينهِ عمله، بينما هي في واقع الحال معطّلة من أجل صيانة الوطن".
من جهته يعتبر عضو بلدية طرابلس ورئيس لجنة التنمية المحلية والجمعيات باسل الحج أنّ ثمّة محالات تجارية كثيرة في محيط الساحة تضررت من إغلاق الساحة، ولحق بالكثيرين ضرر اقتصادي، ناهيك أنّ اغلاق الساحة يلعب دورًا في ازدحام السير، مع إصراره الحفاظ على استمرارية الثورة. يقول: "جزء كبير من العاملين في محيط الساحة يرغبون بإعادة فتحها، مع تنظيم حركة العربات. ويمكن أن نلجأ إلى فتح الساحة جزئيًا في الصباح، وبعد الظهر حتّى الليل يُعاد إغلاقها لتنسيق التحركات والأنشطة الثورية والمسيرات، ورأيي مبني على رصد آراء معظم المحيطين في الساحة".
لكنّ الناشط والمحامي فهمي كرامي، يعتبر أنّ "ساحة النور" اكتسبت رمزية كبيرة، وإعادة فتحها هو بمثابة دفع الناس للإحباط، واعتبارهم أنّ الثورة قد انتهت. ويقترح إبعاد الخيم للجهة الخالية من المحالات، من أجل تخفبف الضغط. يؤيده الناشط والباحث قاسم الصديق بالقول: "الساحة صارت رمز الثورة، فتحها يعني حجب الصورة المشرقة للمدينة وإمكانية إعادة بث تلك الصورة المشوهة عنها. ولكن يبقى أن ضمانة الساحة بناسها، ومتى انكفأ عنها الناس، خفت دورها الثوري الجامع. فللذين يتمسكون بالساحة: هلموا إليها وأحيوها".
أمّا الناشط علاء خضر، فيختصر موقفه قائلًا: "فتح ساحة النور يعني إطلاق رصاصة الرحمة على الثورة في كلّ لبنان".

الثلاثاء، يناير 28، 2020

الحريري وجنبلاط وبرّي على الضفة: بانتظار جثة الحكومة

لم يكن خيار الرئيس سعد الحريري المشاركة في جلسة مجلس النواب لإقرار الموازنة العامة أمس الاثنين 27 كانون الثاني الجاري، أمراً سهلاً عليه وعلى كتلة وليد جنبلاط، اللقاء الديمقراطي.

بؤس المواقفلقد رُجم الطرفان في بيئتيهما. وثمة من صوّب على المستقبل الذي كان جمهوره يشارك في التظاهر رفضاً للحكومة الجديدة والموازنة، بينما اختار هو المشاركة في الجلسة. وهناك من أضاء على ارتباك المستقبل في مواقفه: يلوم القوات اللبنانية على تصويتها ضد الموازنة التي أعدها الحريري، ليشارك نواب المستقبل في الجلسة النيابية ويصوتون ضد الموازنة نفسها.
وفيما اتُّهمت القوات والثورة بتحركهما ضد الحريري حصراً، وتراجعهما بعد تكليف حسان دياب تشكيل الحكومة، قامت القوات بمقاطعة جلسة الموازنة، واستمرت التحركات في الشارع في محاولة لمنع النواب من الوصول، بينما حضر نواب المستقبل.

دعماً لبريالانتقادات كلها جائزة في حق المستقبل وارتباكه، وحال الضياع التي يمرّ بها. وهذا ينعكس سلباً على وضعيتيه السياسية والشعبية. لكن الحريري شارك في جلسة الموازنة من باب محاولته حصر الخسائر، والحفاظ على حدّ أدنى من العلاقات والترابط السياسي مع كل من نبيه بري ووليد جنبلاط.
فمشاركة الحريري كانت غايتها دعم نبيه برّي والوقوف إلى جانبه، لتأمين انعقادها، فلا يتكرر سيناريو تطييرها، ويصبح موقع بري في المجلس مهدداً بالعرقلة والتعطيل. لا سيما أن لدى الحريري وجنبلاط قناعة أن برّي مستهدف من بعض القوى الأمنية - السياسية التي تريد إضعافه بعد إضعافهما وإبعادهما عن الحكومة. لذا، لا بد لهما من الوقوف إلى جانب بري، تحضيراً للمرحلة المقبلة.

نسيان باسيلستتركز جهود هذا الثلاثي في المرحلة المقبلة على تنسيق الجهود فيما بينهم لمواجهة الهجمة المرتدة التي يريد أن ينفذها فريق رئيس الجمهورية ضدهم.
لديهم نقاط عديدة يمكنهم المراهنة عليها: أولها استبعادهم جبران باسيل كلياً عن خطاباتهم ومواجهاتهم السياسية. لأن أي مواجهة معه ستعيد تعويمه، فيما هو بعيد حالياً عن واجهة الأحداث. وهذا يعني أن أي تنسيق بينهم يجب ألا يقوم على قاعدة استفزاز الطرف الآخر أو استهدافه. بل عليهم المواجهة الهادئة والذكية، خصوصاً أن مقومات تفجير الحكومة من داخلها متوفرة، ومن دون الحاجة إلى تدخل أي طرف منهم.

حتى الانطفاءلن يتحمل باسيل الغياب عن الواجهة السياسية. سيحاول حتماً استفزاز كثيرين ليعيد تعويم نفسه. صحيح أن حصته كبيرة في الحكومة. لكن أطراف كثيرة سواه عززت حضورها. وقد يبرز نجمها على حسابه. وهذا ما لا يحتمله. لذا سيلجأ إلى هجمات متعددة على خصومه خارج الحكومة، ليستدرجهم إلى الرد عليه، فيستعيد شعبيته وينتهز كل فرصة وثغرة للتسلل منها والعودة إلى المشهد.
هنا تشير المعطيات إلى أن التيار العوني يتحضر في المرحلة المقبلة إلى إثارة بعض الملفات ليتهم الحريري ويصوّب عليه من باب الفساد. وقد بدأ بهذه الحملة عدد من النواب. والهدف من ذلك استدراج باسيل لمشكلة تأخذ طابعاً سنّياً - مسيحياً. والحملة ستتوسع لتشمل وليد جنبلاط ونبيه بري. ذلك لأن ما يريده باسيل هو أن يتكون تحالف بين الحريري وبري وجنبلاط، يتخذ طابعاً إسلامياً ضد العهد المسيحي القوي.

الحريري - القواتلذلك، يمكن لهذا الثلاثي التعاطي بطريقة التفافية على ما ينصبه باسيل من أفخاخ، وترك الحكومة تتخبط بين مكوناتها، في صراعهم على مكامن قوتهم ونفوذهم فيها. كمحاولة البعض تطويق بري وفرنجية. وإشعال خلاف بين بري ورئيس الحكومة، وبين رئيس الحكومة وجبران باسيل.
أما دخول عناصر من خارج الحكومة في مواجهات معها، فسيعيد شدّ أواصر القوى المتجمّعة فيها. والمسألة الأهم لدى الحريري والمستقبل في هذه المرحلة، هي العمل على تراكم سياسي وتراكم شعبي، عبر الاستفادة من موقعه في المعارضة. هذا إلى جانب الإقلاع عن أي تفكير "صبياني" في العلاقة مع القوات اللبنانية، وعدم الاستمرار في معاداتها. على العكس من ذلك يجب على الحريري التركيز على إعادة نسج العلاقة الاجتماعية، قبل السياسية، مع القوات اللبنانية، لإحباط ما يسعى إليه باسيل: إظهار الصورة بأنها تحالف إسلامي في مواجهة المسيحيين.

الأحد، يناير 26، 2020

بعد "أمل" و"حزب الله".. المستقبل" عدو جديد لـ"الجديد"

هاجم أنصار تيار "المستقبل" مساء الجمعة قناة "الجديد" وحطموا شعارها على مدخل المبنى، في أحدث موجة عنف ضد القناة، بالتزامن مع الكشف عن عقارات تمتلكها شخصيات في السلطة، بينها عقارات يمتلكها رئيس الحكومة السابق سعد الحريري. 

وتجمع عدد من الشبان أمام قناة الجديد حيث أطلقوا شعارات ضدّ القناة، كما حطموا شعار القناة على مدخلها قبل مغادرة المكان. وردد الشبان في الفيديو المتناقل: "بالروح بالدم نفديك يا سعد". 



وانضم أنصار الحريري أخيراً الى المعترضين على القناة، بعد أنصار "حركة أمل" و"حزب الله" الذين حظروا ترددات القناة عن شبكات توزيع الكابل لفي مناطق نفوذهم، كما تعرضت لهجمات من قبل أنصار "الحزب التقدمي الاشتراكي" العام الماضي.
وجاء الهجوم على القناة ليل الجمعة على خلفية بث حلقة جديدة من برنامج "يسقط حكم الفاسد"، أعلنت فيه مراسلة المحطة ليال بو موسى، عن عدد العقارات والشركات التي يملكها أربعة زعماء سياسيون، هم: جبران باسيل، سعد الحريري، وليد جنبلاط، ونبيه بري.

وقالت ان رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل يمتلك 48  عقارًا (7 منهم في البترون - سمار جبيل). كما قالت ان الرئيس سعد الحريري يمتلك 71 عقاراً تتوزع في جزين، وصيدا، وعاليه، وعقار واحد في بيروت. 

كما يمتلك 6 شركات ما عدا سوليدير، اما رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط فيمتلك  505 عقارات موزعة على البقاع الغربي، وراشيا، وجزين، والنبطية، وبيروت، والشوف، وعاليه، وبعبدا.كما يمتلك 32 شركة. اما رئيس مجلس النواب نبيه بري فيمتلك 15 عقاراً موزعة على صيدا، وبنت جبيل، وبيروت، وبعبدا. كما يمتلك 4 شركات.

أدوار جبران باسيل "التخريبية" في السلطة وخارجها

غالباً ما يستند جبران باسيل على دعم مسبق، بعضه ظاهر وآخره خفي، في كل مواقفه التي يأخذها. دائماً يتشبث الرجل بمواقفه، التي تبدو "غير منطقية" بنظر القوى السياسية مجتمعة، ومع ذلك يصل دوماً إلى مبتغاه. ففي سبيله تعطّلت حكومات. وعندما كان يتحدث بيقينية عن وصول ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية، كان الجميع يعتبرونه يهذي. صحيح أن باسيل خرج من الحكومة، لكنه احتفظ بحصة وازنة وأساسية له فيها، وإن قدّم تنازلاً بالرضوخ لمطالب سليمان فرنجية بالحصول على وزيرين.

إرضاء المجتمع الدوليكان حزب الله يعرف أن أي حكومة يجب تشكيلها، عليها أن تحظى بغطاء دولي. وهذا سرعان ما ظهر بموقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي يمكن وصفه أنه الراعي الرسمي لاستمرار تسوية ميشال عون وعهده، والحريص على العلاقة بحزب الله، ومن خلفه إيران. والذي شدد على بذل فرنسا لجهودها لمساعدة لبنان. لذا، جرى العمل على تشكيل الحكومة لتكون صندوق بريد توجيه الرسائل إلى الغرب والعرب معاً. وعبر بعض الوزراء الذين لديهم علاقات معينة وبنسب متفاوتة مع الأميركيين. فعندما جلس المخططون للتركيبة الوزارية، كان أمامهم جملة أفكار، أولاً بإظهارها بصورة جيدة، مغايرة بالنتائج لحكومات التحاصص الطائفي، وتقديمها بشكل مقبول إلى المجتمع الدولي، وبضمّها وجوهاً لديها تواصل مع هذا الغرب.

احتفظ باسيل بدوره كلاعب أساسي في عملية تشكيل الحكومة وصياغتها، وإن كان خارجها. فهو إلى جانب الوزارات الأساسية التي حصل عليها، شريك مضارب في حصص الآخرين، كوزير الاتصالات وفي حقائب طلال ارسلان. ولبنان الذي يرضخ إلى الضغوط الاقتصادية والسياسية، وشخصيات عديدة فيه كانت معرّضة لإدراجها على لائحة العقوبات، من بينها باسيل، هل يجرؤ على تشكيل حكومة مواجهة مع المجتمع الدولي؟ حتماً الحكومة ستكون للمواجهة السياسية مع القوى اللبنانية، لكنها تريد التواصل مع القوى الدولية وخصوصاً مع الولايات المتحدة الأميركية. هكذا، تم تقديم شخصيات فيها على أنها محسوبة على الأميركيين، صحّة ذلك ستظهر في الممارسة وفي النتيجة السياسية.

نظرية المؤامرةباسيل الذي كان اسمه قابلاً للطرح على لائحة العقوبات الأميركية، يسعى إلى تجنّب ذلك. ومن كان ينتظر صدور العقوبات بحقه يتساءلون عن السبب وراء تأخيرها. فلا بد بالنسبة إليهم أن يكون هناك أمر أو رهان يحول دون ذلك. وهو يرتبط حتماً بما قادر باسيل على تقديمه. طبعاً، هنا لا يقدّم شيئاً باسمه.

وإذا ما استخدم المرء نظرية "المؤامرة الدولية" في تخريب المنطقة ودولها، قد يصل إلى وجود حسابات تفرض أداء باسيل هذا، والذي لم يبدأ اليوم، إنما منذ سنوات، بتعزيز النزعة العنصرية والطائفية مسيحياً، وباستفزاز أبناء البيئات الأخرى، سنة وشيعة ودروزاً، إن في مشاكله مع الرئيس نبيه بري، أو استفزازه للدروز خلال زيارته إلى الجبل، وصولاً إلى استفزاز السنّة في طرابلس، وقضم صلاحيات رئاسة الحكومة، ما أدى إلى توترات في الشارع. جزء من هذه الاستفزازات كانت تفيد حلفاء باسيل، أي حزب الله. ومنذ أشهر، أجمعت قوى سياسية على وصف باسيل بأنه صاحب دور تخريبي في لبنان، قالها برّي بشكل أو بآخر، وكذلك جنبلاط، وفرنجية، فيما الحريري قالها على طريقتها عندما حمّل باسيل مسؤولية تعطيل كل شيء في لبنان لتلبية مصلحته الشخصية.

تغيير الصورة اليوم، هناك من يقوم بجردة حساب لأداء باسيل السياسي، والذي يتجلى مؤخراً بفرض الشروط التي يريدها في عملية تشكيل الحكومة، والتغير في أدائه السياسي، عبر الإيحاء بأنه من خارج النظام والتركيبة السياسية، ويريد تبنّي خطاب المعارضة. لذلك، أصرّ نظرياً في شروطه التي فرضها على حسان دياب، بتشكيل حكومة تكنوقراط تحظى برضى المجتمع الدولي. وهو لا يزال يرفع هذا الشعار لعرقلة الحكومة لغايات في نفسه. لا ينفصل أداء باسيل هذا عن اللقاء الطويل الذي عقد بينه وبين ديفيد هيل، والذي بقي طي الكتمان، لكنه نمّ عن صفحة جديدة من العلاقة وحتماً من التنسيق.

في الموازاة تعاون باسيل مع إحدى الشركات الأميركية الكبرى لإجراء دراسة عن الواقع اللبناني، والبحث عن حلول ومقترحات لتلميع صورته اللبنانية، بعد كل الانتقادات التي تعرض لها في الشارع، وكيفية التعامل مع ذلك، لتقديم صورة مغايرة، كانت قد بدأت في إطلالته التلفزيونية الطويلة. حُمل باسيل مسؤولية تأخير تشكيل الحكومة، لكنه أيضاً أراد أن يكون الشخص الذي عمل على تأليفها، خصوصاً أن حزب الله قد سرّب ظهر الثلاثاء بأنه أوقف كل مساعيه وجهوده في عملية تشكيل الحكومة، وترك الأمر لرئيسي الجمهورية والحكومة المكلف. عندها تحرك باسيل للوصول إلى حلّ، لا يظهر حزب الله كقوة فعلية في التشكيل. وبمعزل عن هذه الحكومة، فإن الأعراف التي تكرست بأدوار باسيل وعون، لن تقف عند حدّ ما تحقق من تحلل في المؤسسات وصراع الصلاحيات. حتماً سيكون مستمراً في المرحلة المقبلة وسيأخذ منحى أوسع وأبعد، لتغيير وجهة السياسة اللبنانية وتركيبتها. 

ديرالزور:الطائرات التي قصفت الميليشيات الإيرانية ليست مجهولة

كشف مصدر عسكري أن طائرة أميركية من طراز "إف- 16"، استهدفت ليل السبت، مواقع للمليشيات التابعة للحرس الثوري الإيراني، في ريف دير الزور الشرقي.

وأوضح أن الطائرة التي أقلعت من قاعدة "إنجرليك" الجوية العسكرية بولاية "أضنة" التركية، حلقت فوق مكان تواجد القوات الروسية في بلدة تل تمر، غربي الحسكة، على علو منخفض، وتابعت طريقها نحو الميادين، حيث استهدفت موقعين للمليشيات المدعومة من الحرس الثوري الإيراني.

وكانت وسائل إعلامية تناقلت أنباء عن استهداف طائرة مجهولة ميليشيات إيرانية قرب الحدود العراقية-السورية في محافظة دير الزور شرق سوريا. وأغارت الطائرة على موقعين في قرى خارج مدينة الميادين.

وحول طبيعة الأهداف المستهدفة، أكد مصدر  استهداف الطائرة مقراً ل"لواء فاطميون" الأفغاني في قرية سلعو، القريبة من الميادين، وآخر ل"حزب الله" العراقي في المنطقة ذاتها، مشيراً إلى أنه ما من أنباء عن حجم الخسائر.

وحسب المصدر، فإن قيام الطائرة بخرق جدار الصوت في منطقة تواجد القوات الروسية، جاء بعيد ساعات من الاحتكاك بين الدوريات الأميركية ودوريات الشرطة العسكرية الروسية بالقرب من بلدة تمر، غربي الحسكة.

كما أشار المصدر إلى تنفيذ القاعدة الأميركية في حقل غاز "كونيكو" في بادية خشام بريف دير الزور الشرقي، ليل السبت، قصفاً صاروخياً لهدف عسكري تابع للمليشيات التابعة للحرس الثوري الإيراني على الضفة الجنوبية لنهر الفرات.

السبت، يناير 25، 2020

العهد بلا شريك و«الحزب» بلا غطاء

مع تشكيل الحكومة دخل لبنان في مرحلة سياسية جديدة على مستوى التحالفات والتقاطعات والتموضعات، في اعتبار انّ هذه المرحلة تشكّل جزءاً لا يتجزأ من محطة 17 تشرين الأول التي فتحت الباب أمام منعطف وطني جديد.
لم يفسح وهج الأزمة المالية والانتفاضة الشعبية في المجال للتعمُّق في أبعاد خروج 3 مكونات تمثيلية أساسية من الحكومة واستطراداً من التسوية، أي تيار «المستقبل» و»القوات اللبنانية» و»الحزب التقدمي الاشتراكي»، ومدى انعكاس هذا الخروج على الوضع السياسي برمّته في ظل حكومة تستند إلى فريق واحد وتواجه أدق وأكبر أزمة مالية في تاريخ لبنان، وبروز حالة شعبية من خارج الأطر الحزبية ورفضية لكل الواقع السياسي، وتحديداً للأكثرية الحاكمة.

فما قبل تشكيل الحكومة غير ما بعدها، حيث انّ هناك مشهداً جديداً سيتبلور تدريجاً، إن على مستوى المكونات السياسية التي رفضت المشاركة في الحكومة، أو لجهة الانتفاضة الشعبية، وما بينهما عناوين المرحلة السياسية واختلاف أدوار الثلاثي بين مرحلة ما قبل 17 تشرين الأول وما بعدها. وإذا كان لا يوجد حتى اللحظة رؤية مشتركة بين هذه القوى وغيرها، وهذا طبيعي بفعل تباينات المرحلة السابقة، إلّا انّ التطورات السياسية كفيلة بتقريب المسافات وخلط الأوراق السياسية.

وفي مطلق الحالات وفي سياق جردة سريعة للخسائر على مستوى «حزب الله» والعهد، يتبيّن الآتي:
ـ أولاً، «حزب الله»: بَدّا الحزب تحالفه مع العهد على المساكنة مع تيار «المستقبل» التي وفّرت له الغطاء السني في مرحلة صعود «داعش» والتوتر المذهبي السني - الشيعي، وكانت وزارة الداخلية الترجمة العملية لهذا التفاهم، ومع خروج «المستقبل» من الحكومة فقد الحزب هذا الغطاء الذي لا يمكن للرئيس حسان دياب توفيره.
فـ»حزب الله» كان يستفيد من تحالفه مع العهد من أجل الحصول على الغطاء المسيحي والأكثرية النيابية وطنياً، ويستفيد أيضاً من التفاهم مع «المستقبل» من أجل إبعاد الفتنة المذهبية، وقد نجح في الموازنة بين حاجته للغطاء المسيحي والسني، لأنه بمقدار حرصه على حليف مسيحي وازن وثابت، لا يستطيع ان يفرِّط بجانب أساسي يتصل بإبعاد شبح الفتنة.

وحاول الحزب جاهداً إقناع العهد بضرورة التمسك بالرئيس سعد الحريري، ولكنه اصطدم بـ»فيتو» ورفض كلي من العهد، وبإصرار الحريري على حكومة مستقلين يتّفق على وزرائها مع رئيس الجمهورية من دون ان يكون لأيّ وزير مرجعية سياسية، فيما يدرك الحزب في قرارة نفسه انه كان في الإمكان ان يُستثنى من هذه القاعدة على طريقة اختياراته الحالية للوزراء. ولكنه في المحصّلة، وعندما وجد نفسه أمام حتمية الخيار، اختار الشريك المسيحي الذي تراجعت شعبيته على المساكنة مع المكوّن السني ممثلاً بـ»المستقبل».

وما تقدّم لا يعني انّ «المستقبل» سيشجِّع على التوترات المذهبية لأنه الأحرص على هذا المستوى، ولكن عدم وجوده في السلطة وفي موقع القرار من رئاسة الحكومة إلى وزارة الداخلية سيُفقده قدرة التأثير على ضبط الشارع، فضلاً عن انّ دور «المستقبل» سيختلف بين كونه في السلطة ورأس حربة في الدفاع عن هذه السلطة، وبين كونه في المعارضة، حيث انّ لكل موقع متطلباته، فيما «حزب الله» الذي تخلى طوعاً عن «المستقبل» عليه ان يتحمّل تَبعات خياراته وترجيحاته.

والخطأ الأكبر الذي ارتكبه الحزب أنه انساق وراء العهد بحكومة من لون واحد ربطاً بأجندة العهد الداخلية وحساباته أو تصفية حساباته مع بعض القوى السياسية، فيما كان عليه أن يدفع في اتجاه اي حكومة تحظى بنوع من إجماع وطني إفساحاً في المجال أمامها لإخراج لبنان من أزمته المالية، وذلك بدلاً من أن يتحمّل تبعات الانهيار واتّساع المواجهة بينه وبين الناس، كما ارتفاع منسوب التعبئة ضده داخل بيئته، خصوصاً انّ الأولوية التي كان يفترض عليه رفعها هي إنقاذ لبنان بأيّ وسيلة، لأنه سيكون المتضرر الأكبر من انعكاسات هذه الأزمة، والمستفيد الأكبر من إخراج لبنان من هذه الأزمة.

وعلى رغم البراغماتية التي أظهرها الحزب في محطات عدة، إلّا انه افتقَد هذه المرة للبراعة السياسية، لأنّ رئيس الحكومة الذي يحظى بثقة «المستقبل» و»القوات» يقطع تلقائياً نصف المسافة المطلوبة مع المجتمعين الدولي والعربي، فيما عدم منحهما الثقة في التكليف والتأليف سيصعِّب المهمة جداً على الحكومة من زاويتين: سياسية بوضعها في خانة لون «حزب الله» السياسي، ومالية في اعتبار انّ التجربة مع هذا الفريق غير مشجّعة في ظل النظرة الغربية إليه بأنه غير إصلاحي.

ـ ثانياً، على مستوى العهد: قطع العهد كل مراكبه مع تيار «المستقبل» الذي شَكّل وإيّاه ثنائية تجاوزت علاقته مع «حزب الله»، لأنّ العلاقة في اليوميات السلطوية تتفوّق على العلاقة الاستراتيجية، وهذه الثنائية ارتكزت على شراكة بين مكوّن مسيحي تمثيلي ومكوّن سني تمثيلي وكانت تصبّ في مصلحة العهد بالدرجة الأولى، لأنّ الحريري كان يتحمّل تبعاتها داخل بيئته وعمقه الإقليمي، فيما كان العهد في موقع المستفيد منها كغطاء سني وخارجي وتسهيلات سلطوية. ولكونه لا يستطيع أن يقيم علاقة شراكة فعلية إلّا مع الأقوى منه لم يتفهّم ضرورات الحريري لاستقالة الحكومة، فحصل الطلاق بينهما، والذي يصبّ في مصلحة الحريري لا مصلحته.

وبدلاً من أن يتفق مع الحريري على مرحلة انتقالية يُبقي فيها على علاقة الحد الأدنى، ذهبَ في اتجاه القطع معه فخسر العهد شريكاً سنياً تمثيلياً من دون ان يؤمّن ما يوازيه سنياً، وكان سبق فك ارتباطه مع الشريك السني بفك ارتباط مع «القوات اللبنانية» مسيحياً و»الحزب التقدمي الإشتراكي» درزياً، الأمر الذي أدى إلى انكشافه سنياً وخليجياً ودولياً مع عودته إلى مربّع التحالف مع «حزب الله» حصراً.

وشكل تحالف العهد مع الأقوياء مصدر حماية له، فيما ابتعاده عنهم في ظل انتفاضة شعبية وأزمة مالية غير مسبوقة ومواجهتها تستدعي استنفاراً ووحدة استثنائية وليس انقساماً، وَضعه في موقع حرج جداً إذ بالكاد كان في استطاعته مواجهة هذه الأزمة في مطلع عهده وارتكازه على القوى التي انتخبته، فيما يفتقد اليوم الى الزخم الداخلي والخارجي والغطاء الوطني، وحكومة حسان دياب هي بمثابة الفرصة الأخيرة له في اعتبار انّ فشلها سيضعه أمام 3 احتمالات: تكليف وتأليف خلافاً لإرادته، تحوّله الهدف الأول للثورة، الذهاب إلى انتخابات مدخلاً لإنتاج كل السلطة.

وقد دخل العهد و»الحزب» في مغامرة غير محسوبة، وفي سوء تقدير سياسي سيدفعان ثمنه قريباً، ولكن الثمن الأكبر سيكون من حصة العهد لأسباب عدة ومختلفة.
 الجمهورية

الثلاثاء، يناير 21، 2020

بين انقاذ لبنان وإنقاذ "حزب الله"

حقّق المطلوب من حكومة برئاسة حسّان دياب، تشكّلت مثل هذه الحكومة ام لم تتشكّل. المطلوب، على ارض الواقع، ابلاغ كلّ من يهمّه الامر ان هناك في لبنان مرجعية تحدّد من هو رئيس الحكومة السنّي، تماما مثلما تحدّد من هو رئيس الجمهورية المسيحي. المطلوب اذلال اهل السنّة في لبنان بعد تهميش المسيحيين وبيعهم وهما. يتمثّل هذا الوهم في انّ في استطاعتهم استعادة ما يسمّى حقوقهم، في بلد تتحكّم به ميليشيا مذهبيّة تتلقّى الاوامر من طهران.
كلّ ما عدا ذلك تفاصيل تندرج في لعبة جعل اللبنانيين يتلهّون بمشاكل وحزازات  فيما بلدهم انهار عمليا. لا يدلّ على الانهيار الفعلي اكثر من انّ المواطن لم يعد قادرا على التصرّف بامواله المودعة في المصارف. هل من بلد في العالم، غير لبنان، يعاني من هذه المشكلة التي تعني قبل ايّ شيء انّ تغييرا في العمق طرأ على طبيعة البلد ونظامه السياسي والاقتصادي.
لا بدّ هنا من التذكير بما قاله الرئيس حسين الحسيني، وهو احد آخر رجالات الدولة في لبنان من الذين تجاوزوا الطوائف والمذاهب والمناطق، عن "انّ الحدّ من حرية تصرف المودعين بودائعهم يشكل خرقاً فاضحاً لأحكام الدستور اللبناني الذي ينص في مقدمته على أن النظام الإقتصادي حرّ يكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة. وهو من الأركان الأساسية لميثاقنا الوطني".
لم يتعرّض اللبنانيون لاعتداء، بهذا الحجم، على حقوقهم منذ الاستقلال في العام 1943  وحتّى قبل ذلك، منذ الإعلان عن قيام لبنان الكبير في العام 1920. بكلمات قليلة وصّف حسين الحسيني، رجل الاعتدال والسيّد الحقيقي، الذي كان رئيسا لمجلس النوّاب، جانبا أساسيا من المأساة اللبنانية التي يرفض المسؤولون استيعاب ابعادها. يتلهّى هؤلاء، بدلا من ذلك، بلعبة تشكيل حكومة برئاسة حسّان دياب بغية تصفية حسابات داخلية. لا يمكن لمثل هذه العملية الّا ان ترتدّ عليهم عاجلا ام آجلا.
لماذا سترتدّ هذه الحكومة، في حال تشكيلها، على الذين يقفون خلفها؟ الجواب انّ شخص حسّان دياب لا يحلّ أي مشكلة باستثناء مشكلة "حزب الله"، الذي يرفض الاعتراف بالازمة العميقة التي يمرّ فيها من جهة، ومشكلة جبران باسيل من جهة أخرى. يعتقد باسيل انّ مستقبله السياسي مرتبط بان يكون عضوا في حكومة برئاسة سعد الحريري... والّا لن يصبح يوما رئيسا للجمهورية!
من يعرف ولو قليل القليل عن الوضع في لبنان والمنطقة والعالم، يستطيع تأكيد ان لبنان في حاجة الى حكومة من نوع آخر لا علاقة لها بالاسماء المتداولة ولا علاقة لها بـ"حزب الله" الذي وجد أخيرا سنّيا على استعداد لان يكون رئيسا لمجلس الوزراء بايّ ثمن كان...
لا قيمة لايّ حكومة لبنانية على رأسها شخص مثل حسّان دياب. يتبيّن كل يوم ان ما قاله الزعيم الدرزي وليد جنبلاط صحيح وفي مكانه. قال جنبلاط بالحرف الواحد انّ من يشكّل الحكومة في لبنان هذه الايّام هو جميل السيّد المدير العام السابق للامن العام والنائب الحالي الذي يجسّد في شخصه كلّ احقاد النظام السوري وايران على لبنان المزدهر المنتمي الى محيطه العربي. لم يجد حسّان دياب ما يردّ به على جنبلاط، بل تابع تشكيل حكومته وكأنّ شيئا لم يكن.
في وقت لا يزال المواطنون اللبنانيون في الشارع منذ ما يزيد على ثلاثة اشهر وفي وقت استطاع "حزب الله" مع آخرين من الحاقدين على بيروت ولبنان تحويل التحرّك الشعبي في اتجاه حملة مركّزة على المصارف وعلى رياض سلامة حاكم المصرف المركزي بالذات، يتلهّى المسؤولون اللبنانيون بالقشور وتوابعها. أي بحصص في حكومة حسّان دياب.
ما يغيب عن هؤلاء ان مثل هذه الحكومة ولدت ميتة وان الحاجة الى التصالح مع الواقع ومواجهته بدل الهرب منه. هذا يعني بكل بساطة الاعتراف بانّ كلّ حصل في السنوات الثلاث الأخيرة أي منذ وصول ميشال الى موقع رئيس الجمهورية كان تراكما لسلسلة من السياسات الخاطئة في كلّ المجالات. هذا التراكم لا يمكن عزله عن ممارسات "حزب الله" في الماضي القريب بدءا باغتيال رفيق الحريري ورفاقه في الرابع عشر من شباط – فبراير 2005  وصولا الى انتخاب رئيس الجمهورية الحالي. هذا التراكم لم يستهدف سوى افقار لبنان ونشر البؤس فيه وتهجير خيرة العقول منه.
ما يعيشه لبنان حاليا هو من نتائج ممارسات صبّت كلّها في اتجاه افلاس البلد سياسيا واقتصاديا. هل من افلاس سياسي اكبر من ان يصبح وزير الخارجية اللبنانية صوت ايران في مجلس جامعة الدول العربيّة؟ هل من افلاس اكبر من ان الّا يعود هناك مسؤول أميركي على استعداد لعقد لقاء مع رئيس الجمهورية اللبنانية عندما يذهب الى نيويورك؟
هناك حلّ واحد امام لبنان. هذا الحلّ اسمه حكومة لا علاقة لها لا بـ"حزب الله" ولا بجبران باسيل الذي يعتقد ان طريق بعبدا تحتّم عليه ان يكون في صفّ "المقاومة" و"محور الممانعة". في النهاية، هناك إدارة أميركية لم تعد لديها مشكلة مع افلاس لبنان وهناك دول عربية قادرة على مساعدة لبنان، لكنّها لن تقدم على ايّ خطوة في هذا الاتجاه من دون توافر شروط معيّنة. لماذا، اذا، اللفّ والدوران في حلقة مغلقة من نوع هل تبصر حكومة حسّان دياب، أي حكومة جميل السيّد، النور ام لا؟
لا خيار آخر امام "عهد حزب الله" الذي لعب دوره منذ العام 2016 تحديدا في إيصال لبنان الى الانهيار والافلاس سوى مواجهة الواقع. ما يحصل حاليا في لبنان إضاعة لوقت ثمين ليس الّا. لا يمكن انقاذ "حزب الله" وإنقاذ لبنان في الوقت ذاته. امّا "حزب الله" وامّا لبنان بكل أبنائه من مسيحيين وسنّة وشيعة ودروز وأبناء الطوائف الاخرى. ليس لدى اللبناني سوى لبنان. ليس لدى اللبناني ولدى الشيعة، قبل غيرهم، خيار آخر غير لبنان، وذلك بعيدا عن أوهام "المقاومة" و"الممانعة" التي لم تكن سوى ذريعة لابقاء البلد مجرّد "ساحة" للنظام السوري او لإيران.
آن أوان الخروج من مرحلة الهروب من الواقع، بما في ذلك الواقع الإقليمي. الم يسمع المسؤولون اللبنانيون قبل ايّام بان مصر، وهي اكبر دولة عربية وقعت اتفاقا تستورد بموجبه الغاز من إسرائيل؟ ليس مطلوبا التطبيع مع إسرائيل لبنانيا بمقدار ما المطلوب ان يفكّر لبنان في كيفية حماية مصالحه ومصالح شعبه بدل الغرق اكثر فاكثر في الوحول والعقد ورغبات ايران في اخضاع سنّة لبنان بعد اخضاع مسيحييه ودروزه.

السبت، يناير 18، 2020

حزب الله: "فشّوا خلقكم" بالمصارف.. واتركوا السياسة لي

حزب الله: "فشّوا خلقكم" بالمصارف.. واتركوا السياسة لي يريد حزب الله استهداف المصرف المركزي وجمعية المصارف كمتهمين وحيدين (عباس سلمان)
استعجل حزب الله يوم الثلاثاء تشكيل الحكومة في لبنان. فهو يريد التخفف من الأعباء السياسية الداخلية، للتفرغ لما هو أهمّ. وجود حكومة خاضعة له أفضل من حال الضياع والتجاذب المستمرة. لذا، وفي موازاة الضغط الذي مارسه الحزب على حلفائه للتفاهم على التشكيلة الحكومية، كانت وجهة الاحتجاجات في بيروت تتغير، أو يعمل حزب الله على تغييرها، عبر الاختراقات التي سجّلها في صفوف الثورة.

"كلن.." تعني المصرف فقططبعاً، اللبنانيون موجوعون من إجراءات المصارف، ومن هذا النظام المصرفي والاقتصادي الذي كان فقط في خدمة القوى السياسية. والاحتجاجات ضد المصارف مبررة، بعد الذلّ الذي ألحقته باللبنانيين. ويعرف حزب الله مدى وجع اللبنانيين من المصارف. فاختار النقر عليه بذكاء، لتحييد وجهة الاحتجاجات عن "الستاتيكو" السياسي الذي يتم رسمه، وتحميل مصرف لبنان والقطاع المصرفي مسؤولية كل ما أصاب لبنان.
 يعرف الحزب أن الأزمة الخانقة لا يمكن حلّها بسهولة. وهي تحتاج إلى فترة طويلة. ولذلك، لا يمكن تجنّب الانفجار الشعبي الآخذ بالتوسع، كلما ازدادت الأوضاع الاقتصادية سوءاً. ولذلك، كل محاولاته في إجهاض التظاهرات والاحتجاجات وإنهائها فشلت. ففضل إعادة جمهوره إلى الساحات، لجرف الاحتجاجات وتحويرها أو تركيزها على وجهة واحدة، بدلاً من صيغة "كلن يعني كلن"، والتي تشمل المصارف والقوى السياسية الحاكمة. خصوصاً، أن كل هذه المصارف تابعة للقوى السياسية، وسياسة حاكم مصرف لبنان كانت تصب في خدمة السياسيين.
الاختراقات التي سجلها الحزب في صفوف الانتفاضة، استثمر فيها مساء الثلاثاء أمام مصرف لبنان. وهي عكست التحول الذي يريده الحزب، في أن يضع المصرف المركزي وجمعية المصارف كمتهمين وحيدين بما آل إليه الوضع الاقتصادي السيء الذي يعيشه اللبنانيون. ففي السياسة، يعرف الحزب كيف يستخدم هذه الأساليب. وقد خبره اللبنانيون في مجالات عديدة، كإتهام خصومه بالفساد والادعاء بمحاربته، بينما يتشارك معهم في السلطة، أو اتهام خصومه السياسيين بالعمالة لتحقيق أهداف سياسية، ودفعهم إلى تقديم تنازلات. الآن، اللعبة واضحة. أولاً، هناك من يجب أن يدفع الثمن، لتصفية الحساب معه. وثانياً، ليكون المتنفس الوحيد أمام احتقان الناس الغاضبة.

مواجهة مع الأميركيين!تتوجه الأنظار إلى المصارف فقط، بينما يكون العمل جار على تشكيل حكومة، لن تكون بعيدة عن الحكومات السابقة في مضمونها، إنما بالشكل قد تكون مختلفة. وسيتم تصويرها أنها حكومة تكنوقراطيين. المعركة أصبحت أبعد من الحكومة وتفاصيلها. أصبح الصراع على وجهة لبنان المالية والاقتصادية. ولا يمكن فصل ما يجري عن الموقف الذي أطلقه الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، بعيد اغتيال قاسم سليماني، حول مواجهة الأميركيين وحلفائهم في لبنان. ومعروف أن الحزب لا يريد مواجهة عسكرية، مكتفياً بالمواجهة السياسية المفتوحة. وحاكم مصرف لبنان أحد أبرز المحسوبين على الأميركيين، من دون إغفال ملف العقوبات التي تلتزم بها المصارف على حزب الله. هنا، يبرز بعض التناقض. الحزب يريد تشكيل حكومة ليتعاطى المجتمع الدولي والأميركيين معها بواقعية، علماً أنها بنظرهم ستكون حكومته، وفي الوقت نفسه يريد استهداف الأميركيين أو حلفائهم.
لكن الهجوم على المصرف المركزي وحاكمه لم يمرّ بسهولة في نظر المجتمع الدولي. فكان أول المتحركين المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة يان كوبيتش، الذي حمل مسؤولية ما يجري للقوى السياسية، متهماً إياها بأنها تريد أن تضع رياض سلامة ككبش محرقة. سارع كوبيتش إلى لقاء الرئيس نبيه بري وإجراء اتصالات ولقاءات مع مختلف المسؤولين. وهو تحرك بناء على طلب دولي عاجل لتوجيه رسالة تحذير للبنان. وهذا ما دفع برّي إلى الاستنكار الشديد لما جرى في الحمرا، ودفع الحريري إلى القول إنه لا يريد أن يكون شاهد زور على إجراءات مشبوهة. وأكد كوبيتش بعد لقائه بري أن سلامة هو الوحيد الذي يعمل على معالجة الأزمة الاقتصادية. ما يعني منحه الغطاء الدولي.

حاكم المصرف وقائد الجيش تحرك كوبيتش لم يكن مختلفاً عن تحركات عدد من السفراء، وخصوصاً السفيرين الفرنسي والبريطاني، واللذين يتماهيان في طروحاتهما معاً، ويعتبران أنه لا بد من تشكيل حكومة، لتنقذ الوضع من الانهيار. هنا تدور تساؤلات كثيرة حول إذا ما ستتمكن هذه الحكومة من الحصول على دعم ومساعدات دولية، أم ستتعقد الأمور أكثر. الرأي الفرنسي يتحدث عن إعطائها مهلة ثلاثة أشهر بانتظار ما سيظهره أداؤها. بينما الأساس يبقى لدى الأميركيين وتوجهاتهم. وهذا لا ينفصل عن الاهتمام الفرنسي والبريطاني الدائم بعهد عون وبالحرص على "الستاتيكو" القائم مع حزب الله، أو مع إيران. ومعروف أن الدورين الفرنسي والبريطاني هما أكثر من عمل على إقناع الحريري بالتسوية الرئاسية.
مواجهة حزب الله مع المصرف المركزي سيكون لها تداعيات سياسية. هذا، مع تثبيت حق المعارضة لأداء المصارف والنظام المالي برمّته. والتقاء الحزب مع رئيس الجمهورية على مواجهة رياض سلامة، ستكون خاتمتها، إقالته وتعيين بديل منه. هنا يجب مراقبة الموقف الدولي والأميركي، وهل سيكون موقف كوبيتش هو نفسه وستمنع إقالة سلامة أم لا؟ هذه المواجهة لا تنفصل أيضاً عن مساعي باسيل لفرض تعيين بديل من قائد الجيش جوزاف عون، بعد الحملات التي شنّت عليه. لكن هناك من يعتبر أن الوضع المالي والاقتصادي المنهار قد يسمح بإقالة سلامة. أما الاستقرار الذي يمثل الأساس للبنانيين وللمجتمع الدولي، فسيمنع أي إجراء يمسّ قائد الجيش أو يمس الأمن. في هذه المعادلة، الحكومة التي يسعون لتشكيلها بشكلها ووزرائها وملابسها، ستكون تفصيلاً أمام ما ستفعله في هذا الشأن.

حكومة النظام السوري في لبنان.. حكومة الانتقام من اللبنانيين


حكومة النظام السوري في لبنان.. حكومة الانتقام من اللبنانيين تبقى الأنظار على ثورة 17 تشرين وكيفية تعاطيها مع هذه الحكومة (مصطفى جمال الدين)
إذا ما كانت المعارك السياسية التي خيضت ما بعد التسوية الرئاسية 2016، انحصرت بمعركة "استعادة الصلاحيات" للرئيس المسيحي القوي، ومعركة المحاصصات المذهبية والطائفية التي توجّها رئيس التيار الوطني الحرّ، جبران باسيل، ليكرس نفسه مرشحاً أوحد لرئاسة الجمهورية، عبر تطويق كل الشخصيات والأحزاب المسيحية الأخرى... فإن حكومة حسان دياب، ستكون مرحلة متقدمة من فتح الصراعات على كل الرئاسات مستقبلاً.

صورة التكنوقراطأولاً، رئاسة الحكومة التي انتزعت من سعد الحريري، وسيكون خاضعاً لضغوط كثيرة من خصومه. وثانياً، رئاسة مجلس النواب، بعد الحملات التي تعرض لها نبيه بري، ربطاً بمحاولات إبعاده عن المشاركة الأساسية في الطبخة الحكومية، باستثناء اليوم الأخير من تشكيل الحكومة، حين زاره رئيسها المكلف للتوافق معه. فحاول برّي تحسين شروطه بتعديل بعض الحقائب والوزراء، ما دفع بدياب لإجراء جولة اتصالات أخيرة لإتمامها. وثالثاً، أراد باسيل من هذه الحكومة استعادة لانفاسه، بعد نقمة اللبنانيين عليه في ساحات الانتفاضة. فحفظ حصته في الحكومة من خلال امتلاكه للثلث المعطل، وتكريس نفسه مرشحاً وحيداً للرئاسة.

أريد لهذه الحكومة، أن تأخذ صورة التكنوقراط. لكنها، عملياً، حكومة الفريق الواحد واللون الأوحد. ولا بد من الاعتقاد هنا، ولو مجازاً، أن الاستثناء الوحيد فيها سيكون حضور حركة أمل برئاسة نبيه برّي، الذي أصبحت نقمة النظام السوري عليه واضحة. لكن لا يمكن تجاوزه في لبنان بالنسبة إلى حزب الله. عدا عن برّي، فإن الحكومة برمّتها هي حكومة النظام السوري، وما يعنيه ذلك من تطابق بين الحزب وهذا النظام في لبنان، على قاعدة منح النظام بعضاً من نفوذه في لبنان مقابل احتفاظ حزب الله بدوره وتأثيره ومن خلفه إيران في سوريا.
الصورة التجديدية التي حاول البعض وسم الحكومة بها، كان يراد لها أن تكون حكومة مقنّعة، وأنها خارجة عن الطبقة السياسية التقليدية، على طريقة الترويج أنها استجابة لمطالب المنتفضين اللبنانيين. لذلك كان استبعاد "المستقبل" و"الاشتراكي" و"القوات" ثابتاً بالنسبة إلى باسيل، فكانت هناك حسابات أخرى لبعض رعاة حسان دياب ومساعديه. وهذه جزء من هندسات النائب جميل السيد، في تصفية حسابات كثيرة، مع خصوم ومنافسين.

الانتقام من 14 آذارسينتقم السيد رمزياً وعملياً ومعنوياً من حقبة 14 آذار ورموزها في الدولة. وهو طبعاً يفتح باباً جديداً لمعاركه المستقبلية في الوصول إلى رئاسة مجلس النواب. ولذا، تشبث أكثر في مساعيه لإنجاح دياب، لإثبات قدرته وفعاليته في منافسته التي يفتحها مع اللواء عباس ابراهيم، الذي اعتبر أنه كان أبرز رعاة المرشح سمير الخطيب لتشكيل حكومة.

في المعادلة الجديدة، ومن مفارقاتها، خروج "إبن الشهيد" من المعادلة، ليدخل أحد الذين اتهموا ذات يوم باغتياله. يدخل السيد بقوة مستعيداً دوراً كان يلعبه في حقبة سابقة، ليس مسيطراً على وزارة الداخلية وحسب، بل صانعاً للحكومة بكليتها. في الشكل هي حكومة الانتقام من اللبنانيين، وتحديداً الذين خرجوا منتفضين في العام 2005، أو الأكثر منهم الذين خرجوا في 17 تشرين. حكومة استكمال الإطباق على لبنان وسلطته، وفق مسار الانقلاب الذي بدأ ما بعد العام 2006، والـ 2008، و2011، و2016. إذا ما كانت مشاركة الحريري بالتسوية الرئاسية، مسهلة للانتقام من اللبنانيين بفعل تنازلاته، فإن الانتقام سيشمله في المرحلة المقبلة.
ستكون الحكومة أمام اختبار تحقيق جزء من الاستقرار، والحصول على المساعدات لمنع الانهيار. وطبعاً، من عمل على تشكيلها لا يريد لها أن تخوض مواجهة مع الخارج، لأن غايتها مواجهة الداخل لتطويعه وضربه، بالإستناد على غض نظر من الخارج. معركتها الأساسية ستكون كيفية الحصول على غطاء خارجي. فيما تبقى الأنظار على ثورة 17 تشرين وكيفية تعاطيها مع هذه الحكومة، لا سيما أن هذه الثورة ستكون أمام تحديات كبيرة في المرحلة المقبلة. 

الاستخبارات الاسرائيلية لا تستبعد الاغتيالات..بعد سقوط فرضية الحرب


الاستخبارات الاسرائيلية لا تستبعد الاغتيالات..بعد سقوط فرضية الحرب 
"في المدى الزمني القصير، التهديد الأخطر بالنسبة إلى إسرائيل هو حزب الله، وفي المدى البعيد قنبلة إيران النووية".. هذه الخلاصة التي وصل إليها تقييم الاستخبارات الإسرائيلية السّنوي، توحي بأن "التهديد" العسكري المباشر هذا العام ينطلق من لبنان أكثر من أي مكان آخر مع إسقاط فرضية الحرب الشاملة مع إيران لأسباب ظرفية وموضوعية معلومة.

بالنظرة العامّة، يَظْهرُ هذا التقدير وكأنه يهدف إلى وضع الجيش الإسرائيلي على أهبة الاستعداد وخاصة لأي مواجهة محتملة من جهة لبنان - حتى لو كانت ضئيلة- على الأقل طيلة هذه السنة؛ من باب أن "حزب الله واصل تعاظمه العسكري والسياسي"، وفق الزعم الإسرائيلي.

وترتكز قراءة إسرائيل الأمنية في مخاوفها على ثلاثة دوافع رئيسية؛ الأول: سيناريو "استخدام" ايران لحزب الله من أجل الإنتقام من اسرائيل، بناء على تطورات الصراع الأميركي- الإيراني في المنطقة، لا سيما وأن أمين عام الحزب حسن نصر الله هدد قبل أيام بالرد على اغتيال قائد "فيلق القدس" اللواء قاسم سليماني.

وأما الثاني، فيتعلق بمشروع إنتاج الصواريخ "الدقيقة" في لبنان، وإحتمالات دفع الحزب قدماً بهذا المشروع ولو بإمكانات متواضعة، رغم وضعه المالي الصعب في هذه الأثناء.

بينما يتّصل الدافع الثالث بتعاظم القلق الإسرائيلي من سيناريو أن تدفع الإحتجاجات الشعبية الدائرة في لبنان، حزب الله إلى المجازفة بتصعيد "مهم" مع إسرائيل من خلال الإصرار على ألّا يتيح لهذه الأخيرة إمكانية تغيير معادلة الرد.. لكن هذا السيناريو، ترى الدوائر الإستراتيجية في تل أبيب أنه لا يزال مستبعداً؛ ذلك أن الأوضاع اللبنانية الداخلية تجعل الحزب غير معني بالقيام بأي عملية "طارئة" ضد هدف إسرائيلي ما.

الحال، أن المتتبع لتقرير الاستخبارات يلحظ أنه متناقض بعض الشيء.. فبينما يعتقد أنّ احتمال شن ما وصفها ب"أطراف معادية" حرباً على إسرائيل "ضئيل"، يعود التقرير ويصنّف جبهة لبنان على أساس أنها الأكثر احتمالاً لإندلاع مواجهة مباشرة، بغض النظر عن مستواها وشكلها.

الكاتب الصحافي المتابع للشأن الإسرائيلي سهيل كيوان يرى في حديثه ل"المدن"، أن التقدير الإسرائيلي المذكور ينطلق من أن تطورات متسارعة تحصل في المنطقة قد تقود إلى المواجهة مع حزب الله، بالرغم من أن إسرائيل تعتبر هذه المواجهة "ضئيلة" حتى اللحظة، لكنها مُرجَّحة أكثر من أي جبهة ثانية.. ذلك أن الجبهة السورية لم تعد مُربِكة مقارنة بذي قبل، كما أن إحتمالية إطلاق مجموعات مسلحة مقربة من إيران في العراق لصواريخ تجاه إسرائيل مستبعدٌ على الإطلاق، وقد تم تحييد هذا السيناريو بمساعدة أميركية.

بيدَ أنّ كيوان يعتقد أنّ إسرائيل تُضخّم خطر جبهة لبنان، إيذاناً بتكثيف "عمليات أمنية" ضد حزب الله قد تقود إلى رد من الأخير، وبالتالي تتدحرج الأمور إلى مواجهة نتيجة عملية إسرائيلية ما، إذا ما ردّ الحزب عليها بإطلاق صواريخ اتجاه العمق الإسرائيلي في غضون ثوانٍ.

الواقع، أن ثمة تلميحات إسرائيلية لإمكانية تنفيذ اغتيالات في صفوف حزب الله، لا سيما ما صدر على لسان وزير خارجية إسرائيل يسرائيل كاتس مؤخراً بهذا الشأن.

ولهذا، يقول كيوان إن التقدير الإستخباراتي الإسرائيلي، يندرج في سياق "تحذير" حزب الله، ثم تحميله مسؤولية تسابق الأحداث جراء عملية "استباقية" محتملة ضد الحزب.

لو افترضنا أن التقييم الإسرائيلي المذكور يندرج في سياق التهيئة لعمليات سرية أو علنية قد تقود لرد حزب الله، فإن إسرائيل فعلياً تكثف في هذه الأثناء "جهودها العملياتية" لأي نقل لأسلحة إلى حزب الله من جهة سوريا.

ووفق معلومات خاصة ل"المدن"، فإن القصف الإسرائيلي الذي طاول مطار "تي فور" في ريف حمص الشرقي الليلة قبل الماضية، استهدف مخازن أسلحة إيرانية، وبعضها كان سيُنقل إلى حزب الله في لبنان.

لا أحد من المراقبين يحسم مسألة إن كانت إسرائيل ستقوم بعمليات ما في العمق اللبناني إذا ما ارتأت أن ذلك "َضرورة".. لكن، هناك مطالبات من جهات استراتيجية في تل أبيب، بضرورة القيام بعمليات "استباقية" للحيلولة دون تعاظم قدرات حزب الله العسكرية، وذلك لمنع "الكارثة" في حال نشبت الحرب القادمة.

بالرغم من تأكيد الدوائر الإستراتيجية في الدولة العبرية أن أحداً لا يريد الحرب، إلا أن القلق من التصعيد الذي يقود إلى الحرب في الجبهة الشمالية أمرٌ قائم.. ويرى مختصون بالشأن الإسرائيلي في حديثهم ل"المدن" أن أيّ عمليات إسرائيلية "خاصة" في لبنان لن تكون قبل انتخابات الكنيست المُزمعة مطلع آذار/مارس المقبل.

ويفسر هؤلاء المراقبون تحليلهم هذا، بأن الجيش الإسرائيلي غير معني بالدخول بحرب ستُفهم أنها لأسباب شخصية وحزبية خاصة برئيس الوزراء المنتهية ولايته بنيامين نتنياهو والذي يواجه ملفات فساد متهم بها.. ناهيك عن الأزمة الداخلية الحاصلة في الدولة العبرية بسبب وجود حكومة انتقالية وغير مستقرة منذ أحد عشر شهراً.

وبحسب اعتقاد الدوائر الإستراتيجية في إسرائيل، فإن حزب الله لا يفضل الحرب مع إسرائيل خاصة أنه يواجه أزمة اقتصادية وسياسية في لبنان.. لكن أن أي عملية إسرائيلية قد تقود إلى التصعيد وربما الحرب التي لا يريدها أحد، تماماً كما وقعت حرب تموز 2006 بالرغم من عدم رغبة إسرائيل وحزب الله بها.

في المقابل، هناك من يعوّل في إسرائيل على أن اغتيال سليماني سيؤدي إلى تغير في نهج حزب الله وأسلوبه، فتزداد "صبغته المحلية والوطنية"، وبالتالي تقليل هامش تأثره بالسياسات الإيرانية... وهذا يعني أن الحزب ما بعد سليماني بات تحت "المجهر الإسرائيلي" بشكل أكبر، ومروراً بانعكاسات التطورات الداخلية في لبنان وكذلك الإقليمية عليه.

لا يُمكن فصل تركيز التقييم الإستخباراتي الإسرائيلي على حزب الله، عن منطلق أنه الوحيد الذي تبقى بالمنطقة من ناحية امتلاكه لقدرات عسكرية تقلق إسرائيل، وهو ما يجعل من أي خطأ في الحسابات شرارة لانطلاق حرب مؤذية ومدمرة للطرفين.

انكشفت صلته بمقربين من حزب الله.. فانسحب من الثورة!

انكشفت صلته بمقربين من حزب الله.. فانسحب من الثورة! يقول الزين أنه تعب من التخوين.. فانكفأ 
ربيع الزين انسحب من الثورة! نقطة لصالح الثوار ومن معهم في طرابلس وكل لبنان.
هذا ما أعلنه الزين ظهر أمس بتسجيل صوتي عمّمه على مجموعات التواصل المشتركة، لكونه لم يعد قادراً على التحمّل. عاجل المحتفلين بخبر انسحابه بتسجيل آخر: "أنا متريّث لبضعة أيام". تنقصه فقط عبارة "معتكف" ليدخل نادي رجال السياسة، وليحكي لغة الكبار. لا يريد تبرير نفسه ولا الإجابة عن التساؤلات المتواصلة حول ارتباطاته المختلفة والشبهات التي تشوب حركته الدائمة. 
تعب من التخوين، فانكفأ. جيد، فهذا يعني تلقائياً أنّ كل البلبلة التي كان يصيرها أينما حلّ ستزول، أو على الأقل ستهدأ. في طرابلس طوّر إشكالاً مع الجيش. في عين الرمانة كاد يشعل فتنة أهلية بجذور طائفية. في جل الديب عمل خضّة لا ترحم. في شارع ويغان في بيروت، افتعل مواجهة مع القوى الأمنية. عند جسر الرينغ سقط منه سلاحه الفردي وأوشك على نقل الصراع بين الثوار والشبيحة إلى مستوى آخر. وبين صراع هادي حبيش-غادة عون وغيرها من الأحداث، جال الزين ومعه مجموعة من "الطيّيبة". ربيع الزين، لما كل هذه الجلبة؟ مجموعة من الأفراد الذين يندهون له "قائد". هو ينفي كل ذلك، لكن حجم هذه الاتهامات يجعل منها سهاماً فاضحة لا بد وأن تكشف الزين وارتباطاته.

اجتماع مع حزب الله؟بعد صولات الزين العديدة، وصلت صولاته إلى اتّهامه بالاجتماع مع مقرّبين من حزب الله في منزل الناشط أحمد الدندشي في منطقة القبة في طرابلس. وحسب الناشطين، حضر الاجتماع الدندشي والزين وعلي دمّر المقداد. واسم الأخير كفيل برسم الشبهات لا بل تأكيدها. كل ما هو مرتبط باسم دمّر المقداد متعلّق بحزب الله. وهذا ما يقوله هو أساساً في مقابلة صحافية. هو مع "المقاومة وفداها". يقف أمامها في الصفين الدفاعي والهجومي الأول. يقول إنه منها وهي منه، في حين أن حزب الله لا يعلّق. 

وتقول رواية عدد من الثوار في طرابلس، إنّ الزين والدندشي اجتمعا مع المقداد وهو مقرّب من حزب الله، ويمثّل حالة موجودة في ساحتي بيروت، ترفع شعار العفو العام. وبينما تصطدم هذه المجموعة بشعارات العدالة والقانون والمؤسسات في بيروت، يبدو أنّ مهمّة الزين كانت توسيع رقعة نشاطه. فالرجل يبحث دائماً عن تبني القضايا والعناوين تحت لواء الدفاع عن المظلومين والمحرومين. فيمكن لقضية مماثلة أن تتماشى بشكل كامل مع سياق جولاته والبلبلة التي يحدثها، بحثاً عن التغطية الإعلامية حيناً والبروز في صورة الثائر الشامل حيناً آخر.

وتقول رواية أخرى إنّ المقداد مقرّب من جهاز أمني، وهو ما يرسم علامات استفهام أخرى عن سبب هذا اللقاء وعلى التنسيق فيه. وسارع الزين قبل ساعات من إعلان انسحابه من الثورة، إلى تبرير الاجتماع، مع تأكيد عدم علمه بهوية الحاضرين، ولا ارتباطاتهم. وهو الأمر الذي يثبّت وجود التباس في "لقاء القبة". موضحاً أنّ الاجتماع جاء في إطار تنسيق التحرّكات وتفعيل التواصل بين مجموعات الثوار في المناطق. كل هذا لا ينفع، فشيوع لقائه مع شخصيات مرتبطة بحزب الله أو مقرّبة منه، أصابه في مقتل. فتريّث.

عروس مسورةبعيداً عن "لقاء القبة"، وعن وجود ممثلين أو مقربين من حزب الله أو عدمه، سرّ القسم الأكبر من الناشطين في طرابلس أمس بخبر "اعتزال" الزين مهنة النضال. بدا وكأنهم تحرّروا من هذا العبء الجاثم على صدورهم. هو في الأساس، بحركاته البهلوانية والتحريضية، عنصر غير منضبط يعمل وفق أجندة مجهولة في الشكل، لكن معلومة في المضمون: زعزعة وحدة من هم على الأرض، علّ من على الكرسي يعيد ترتيب صفوفه. ويبقى القلق لدى الثوار الطرابلسيين من ردود فعل انتقامية يقوم بها الزين ومن معه، لتخريب ساحة الاعتصام في ساحة النور. وهو أمر ليس بعيداً عن أي مخرّب مغتاظ، ولو أنه يكشف تماماً مهمة الزين ومجموعته في ساحات الثورة.

هو اليوم منكفئ، فخفتت كل الضوضاء التي أثارها منذ تشرين الأول 2019، عساه يعتكف بجد، حتى تلفظ ساحات الثوار المخرّبين وعملاء السلطة و"عواينيتها". ربيع الزين، لما كل هذه الجلبة؟

انتقام حزب الله من أميركا: بداية حرب الأشباح


انتقام حزب الله من أميركا: بداية حرب الأشباح يواجه حزب الله خصماً من طراز ترامب في الولايات المتحدة لا يمكن التنبؤ به
لا تزال الصحافة ووسائل الإعلام الأميركية منكبة على تحليل عواقب اغتيال قائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني. والحديث بات يتكرر أن لبنان قد يكون واحداً من المسارح التي يمكن أن تلجأ إليها إيران في الرد على الأميركيين. ما يجعل كل الاحتمالات واردة، خصوصاً أن هذا الاغتيال جمّد كل نشاط سياسي في بيروت وطغى على خطاب حزب الله بعيداً عن الأولويات اللبنانية.

تنفيذ استراتيجية إيرانرغم أن الأولوية يجب أن تُعطى للانكباب على معالجة أزمات الناس الاقتصادية والمعيشية، ووضع لبنان على سكة النهوض، وإعادة ضخ الحياة في العروق، إلا أن معهد " أتلانتيك كاونسيل" الأميركي يرى أن حزب الله لن يخضع لضرورة الركون الجدّي والفاعل في اعتماد سياسة النأي بالنفس عن صراعات المحاور.
قبل حوالى عامين، ألقى قاسم سليماني خطاباً في حفل أقيم في طهران بمناسبة مرور عشر سنوات على مقتل عماد مغنية، القيادي البارز في حزب الله. متوجهاً لجمهور من كبار المسؤولين الإيرانيين، فضلاً عن ممثلي الميليشيات الإيرانية في العراق ولبنان والأراضي الفلسطينية وسوريا واليمن، أشاد سليماني بمغنية "الأسطورة" المسؤول عن جميع إنجازات ما يُسمى محور المقاومة الإيراني، والتي شملت تأسيس حزب الله وحركة  "حماس" وتفجير شاحنة عام 1983 في مجمع لمشاة البحرية الأميركية في بيروت، والذي تسبب بمقتل 241 من أفراد الخدمة العسكرية الأميركية.
نفذ سليماني ومغنية وأمين عام حزب الله حسن نصر الله، حسب المعهد، إستراتيجية إيران في الشرق الأوسط تحت قيادة المرشد الأعلى علي خامنئي. ولذلك، فمن الصعب وصف وتقدير حجم الضربة التي أحدثها موت سليماني. وكما هو الحال بالنسبة لمقتل مغنية، فإن الرد على مقتل الجنرال الإيراني لن يقتصر على هجوم صاروخي وحيد أو ضربة متبادلة، فإيران لن تتوقف عند هذا الحد بعد هذه الضربة القاسية.

حرب الأشباحفي صيف عام 2012، قتل مهاجم انتحاري من حزب الله خمسة سياح إسرائيليين وسائق بلغاري في هجوم في مدينة بورغاس البلغارية. واشتبه المسؤولون الأميركيون والإسرائيليون حينذاك أن هذا الهجوم الذي وقع بعد مقتل مغنية بأربع سنوات، كان انتقاماً لاغتيال القائد العسكري لحزب الله، وكذلك لاغتيال العلماء النوويين الإيرانيين، الذين اتُهمت إسرائيل بتصفيتهم.
يشير المعهد أنه وبسبب المشاكل التي تعاني منها إيران، فمن المرجح أن تركز في المدى القصير، على تقييم تأثير مقتل سليماني، وسد الثغرات ومواطن الضعف في جهاز الاستخبارات والأمن، وإعادة تقييم استراتيجيتها ونهجها، وتبسيط عملياتها في جميع أنحاء المنطقة. كما ستحاول طهران التقرب من المملكة العربية السعودية، والعرب السنّة في المنطقة، الذين تفاقم العداء معهم، بعد أن تعاونت مع الرئيس السوري بشار الأسد لسحق انتفاضة سوريا.
ومع مرور الوقت، ستواجه الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفاؤها، وجميع الذين يُنظر إليهم على أنهم يضرون باستراتيجية إيران الإقليمية، الانتقام، في شكل عمليات وأفعال سرية يكون من الصعب نسبها إلى طهران. إذ ستعود، بطريقة ما، إلى الأعمال "التقليدية" كالتفجيرات والاغتيالات وأساليب حرب الأشباح المنسوبة منذ فترة طويلة إلى مغنية.

حملة الاغتيالات والتفجيراتأكد الأمين لحزب الله حسن نصرالله، في مناسبة ذكرى الأسبوع على اغتيال قاسم سليماني، أن الردّ على اغتيال سليماني ليس عملية واحدة بل مسار طويل. وانطلاقاً من خطاب نصر الله، يرى المعهد الأميركي، أن الحزب لن يخجل من القيام بعمليات ضد الولايات المتحدة وحلفائها، بل وربما يلجأ إلى حملة الاغتيالات والتفجيرات التي شهدها لبنان ابتداءً من عام 2005، عندما شعر بالحصار واضطر للدفاع عن وجوده.
وعلى الجانب المقابل، يمكن لطهران بعد المصالحة مع حماس، إثر الخلاف حول دعم إيران للأسد، اللجوء إلى هذه المجموعة لتصعيد المواجهة مع إسرائيل في غزة. وفي سوريا، ستسعى إيران وحزب الله إلى الحفاظ على وجودهما ونفوذهما. فالأسد يعرف أن بقاءه يتوقف على رعايته من إيران وروسيا؛ وتنظر طهران إلى سوريا كثاني أهم بلد في محور مقاومتها، بعد إيران نفسها. أما في العراق، فإن "الميليشيات العميلة لإيران" لديها ما يكفي من الإمكانات والخبرة لتصعيد الوضع وتسديد ضربات مؤلمة للولايات المتحدة. ويمكن أن تركز على حشد فرق الاغتيالات وشن عمليات خاصة أخرى، بدلاً من شن الهجمات التقليدية على القوات الأميركية.

جيل يواصل القتالروى سليماني باعتزاز، في مقابلته التلفزيونية الأخيرة في شهر تشرين الأول 2019، كيف سافر في عام 2006 عبر الطرق الوعرة للوصول إلى بيروت من دمشق خلال حرب تموز، التي استمرت 33 يوماً بين إسرائيل وحزب الله، وكيف أشرف على المعركة مع مغنية ونصر الله من الضاحية الجنوبية لبيروت.
ويذكر المعهد في الختام بما ألمح إليه سليماني في المقابلة ذاتها، بقوله أنه حتى لو فارق الثلاثي الذي قاد معركة حرب تموز الحياة، فإنه قد أعد جيلاً كاملاً لمواصلة القتال، في حرب غير متماثلة، محذراً من أنه لا توجد جبهات تقليدية، وأنه يجب على العدو أن يتعامل مع مجال واسع وذكي من الألغام الأرضية.

الرد في لبنان؟من جهتها، رأت مجلة "فورين أفيرز" الأميركية، أن الحزب قد يجد نفسه مضطراً للرد خشية استعداد الولايات المتحدة وإسرائيل لمهاجمته، وقد تتخذ حملة الحزب ضد الولايات المتحدة أشكالاً كثيرة، من المحتمل أن تتكون من سلسلة من أعمال العنف المحسوبة التي تتصاعد بمرور الوقت.
يمكن للحزب، وفق المجلة، استخدام الأدوات العسكرية والمخابراتية والإلكترونية، ويمكنه القيام بذلك بشكل علني أو سري، عبر مجالات متعددة، اعتماداً على أهداف المراسلة الاستراتيجية أو الحاجة إلى إمكانية الإنكار المعقولة.
من المرجح أن تبدأ مثل هذه الهجمات على أرض الحزب في لبنان، حيث يوجد عشرات الجنود الأميركيين في قواعد متعددة، في جميع أنحاء البلاد، لتدريب ومساعدة الجيش اللبناني. وبدلاً من مهاجمة هذه القوات مباشرة والتعرض لرد فعل مدمر، يمكن للحزب أن يستخدم الصواريخ التي يُنكر علاقته بها لتعطيل العمليات الجوية الأميركية، واستخدام العبوات الناسفة، التي يمكن اتهام الجماعات المتشددة بزرعها، لتقييد التحركات الأميركية على الأرض.
إضافةً إلى ذلك، يمكن أن تُستخدم الهجمات الإلكترونية للتشويش على الاتصالات الأميركية وفضح هويات مسؤولي المخابرات الأميركية ومصادرهم في لبنان. كما يمكن للحزب محاولة خطف أو اغتيال مسؤولين أميركيين، إذا تصاعدت التوترات بشكل كبير.

سوء التقدير
 وتوسعاً في تحليل مجالات الرد، تضيف المجلة الأميركية، أنه يمكن للحزب أن يختار الانتقام في الشرق الأوسط أو خارجه، حيث يمتلك عشرات الخلايا في القارات الخمس. وتذكّر بتقييم مجتمع الاستخبارات الأميركي العام الماضي، الذي أشار لاحتفاظ الجماعة اللبنانية بالقدرة على تنفيذ مجموعة من خيارات الهجوم ضد المصالح الأميركية في جميع أنحاء العالم.
قد يكون الحزب مُحفزًا بشكل خاص على الانتقام، لاحباط الاحتجاجات التي شارك فيها مئات الآلاف من المواطنين اللبنانيين، اعتراضاً على دوره ودور الطبقة السياسية الحاكمة في تفكك اقتصاد البلاد. لذلك توجه "فورين أفيرز" تحذيراً للحزب بأنه يواجه خصماً في الولايات المتحدة لا يمكن التنبؤ به. إذ أنه من غير المعروف ما إذا كانت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ستلتزم بالقواعد غير الرسمية للعبة بين الحزب وإسرائيل. بالتالي أي سوء تقدير حول استعداد الولايات المتحدة لاستيعاب الهجمات، يمكن أن يؤدي إلى تصعيد سريع يهدد مصالح المجموعة في لبنان.

ديوان القضاء والمظالم:داعش سار على نهج النظام السوري


ديوان القضاء والمظالم:داعش سار على نهج النظام السوري 
نشر المركز السوري للعدالة والمساءلة تحليلاً بعنوان: "الخصم والجلاد والحكم: ديوان القضاء والمظالم في تنظيم داعش"، بعد دراسته ل277 نسخة من وثائق داخلية للتنظيم حصل عليها من ناشط محلي، غير تابع لأي مجموعة مسلحة، تم جمعها من مكاتب إدارية مهجورة ل"داعش" في الطبقة، في محافظة الرقة، داخل مقر الخلافة التي أعلنها التنظيم.

تشير الوثائق إلى أنه على غرار سلفه من المحاكم الإدارية ذات الإشراف الواسع في القرن السابع للميلاد، فإن اختصاص هذا الديوان كان واسعاً إلى حدٍ كبير. 

ولكن السابقة التاريخية لم تتضمن أبداً الاختصاص الجنائي أو المدني أو الرقابة الإدارية على حياة المواطنين. لذلك، فإن إعادة إحياء هذا الديوان في يومنا هذا في ظل "داعش" توضّح قطيعة نهائية للتقاليد عندما وسّع اسمه من ديوان المظالم إلى ديوان القضاء والمظالم، وهو اسم يدل على زيادة سلطته وسيطرته، بما في ذلك الاختصاص الجنائي والمدني والتنظيم الإداري للحياة في ظل التنظيم.

وبحسب المركز، كان الدور المعلن لديوان القضاء والمظالم هو سماع الشكاوى ضد المسؤولين العامين في التنظيم ومقاتله. غير أن المراجعة التي أجريت على الوثائق تشير إلى أن هذا الديوان لعب دوراً أكثر مركزية في حوكمة التنظيم، إذ أشرك نفسه في جميع أشكال اتخاذ القرارات التي تنطوي على مسائل إدارية ومدنية وجنائية. 

وشمل ذلك تنظيم تكنولوجيا الاتصالات والاحتفال بالأعياد الدينية وكذلك تحرير محاضر الاستجواب وفرض أحكام الإعدام. وعلاوة على ذلك، فإن موقعه في التراتبية الهرمية أعلى من هيئات مثل المحاكم الإسلامية ومحاكم الشريعة يشير إلى وجود اختصاص أوسع من ذلك الذي سبق أن ادّعاه التنظيم. 

وفي هذا الصدد، يبدو أن "داعش" قد سار على النهج التنظيمي للحكومة السورية التي عزّزت السيطرة داخل أجهزتها الأمنية من خلال التغلغل في جميع مجالات الحياة السورية.  وتُعتبر هذه الاستنتاجات مهمة لفهم تنظيم "داعش" كمنظمة إجرامية ولإسناد المسؤولية عن الجرائم الدولية التي ارتكبها أفراد من هذا التنظيم.

وأوصي المركز السوري للعدالة والمساءلة بأن تعطي وحدات جرائم الحرب المتخصصة أولوية التحقيق مع أعضاء ديوان القضاء والمظالم وملاحقتهم قضائياً بالنظر إلى الدور الهام الذي لعبوه في منظومة الانتهاكات الخاصة بتنظيم داعش.

الأحد، يناير 12، 2020

قرر باسيل الخروج من الحكومة بعد تأكده من أن الفيتو الدولي المفروض عليه حاسم

لم يكن إدراج الخزانة الأميركية لاسم "مسيحي" على لائحة عقوباتها ضد حزب الله، مجرد تفصيل عابر. الأهمية ليست في الإسم و"تهمته" ودوره وموقعه، بل في رمزيته. وهي دليل على أن هناك أموراً كثيرة تتغير لدى الإدارة الأميركية في التعامل مع الملف اللبناني. إذ أن العقوبات كانت سابقاً تقتصر على أبناء الطائفة الشيعية.

مصالح المسيحيين ومصلحة باسيلفرض عقوبات على لبناني مسيحي، سيكون له وقع مغاير لدى مختلف الشرائح اللبنانية، وخصوصاً لدى المسيحيين، لا سيما أن المعلومات تفيد بلائحة من 25 اسماً لبنانياً من مختلف الطوائف، قد تعلن الخزانة الأميركية إدراجهم على لائحة العقوبات تباعاً، وعندما تختار "التوقيت السياسي المناسب". كذلك، ليس تفصيلاً أن تصدر هذه لائحة المعاقبين الجدد، التي أدرجت طوني صعب فيها، في غمرة الانهماك اللبناني بالحديث عن تشكيل الحكومة اللبنانية، لا سيما أن المعلومات المتوافرة عن صعب أنه قريب من الوزير جبران باسيل والتيار الوطني الحرّ. ما يعني أن الرسالة الموجهة إلى باسيل واضحة. وقد تكون هذه الخطوة تمهيد لخطوات أخرى. ولذا، لا تنفصل هذه الإشارة عن إعلان باسيل الخروج من الحكومة، والاتجاه إلى المعارضة هو وتياره معاً.
قرار باسيل بالخروج من الحكومة، يأتي بعد تأكده من أن الفيتو الدولي المفروض عليه حاسم، ولا يمكن تجاوزه حالياً. وكأن هناك من يقول له "أن إصرارك على المعاندة والاستمرار في الحكومة، قد يؤدي إلى إجراءات أقسى دولية، أميركية بالأخص، ستطال الدولة اللبنانية برمتها". وما يعنيه ذلك من إصابة لمصالح المسيحيين. لذلك، أيقن باسيل أن الخروج من الحكومة لا بد منه، على الأقل بانتظار أن يجد السبيل لتسوية وضعه دولياً، ربما قبل أن تتشكل الحكومة.

حكومة عون ونصراللهقد يعني هذا أن باسيل أعلن استعداده للخروج من الحكومة. لكنه وضع جملة شروط لها، إذا أضفنا إليها الشروط التي يفرضها رئيس الجمهورية ميشال عون حول عدم المشاركة في حكومة يترأسها سعد الحريري، وإذا ربطناها أيضاً بشرط حزب الله أن لا تشكيل لحكومة لا تضم كل القوى، وفق صيغة "الوحدة الوطنية" والتي تضم كل القوى السياسية الأساسية بما فيها التيار الوطني الحرّ.. فإن ذلك كله يعني إطالة أمد عملية التشكيل، إلى حين ترتيب تفاهم إقليمي دولي يعيد إنتاج هكذا حكومة. وطوال هذا الوقت المديد ستحاول كل القوى الاستثمار بـ"الوقت الضائع" لتحسين شروطها. وهذا بالضبط ما سيحاول باسيل أن يفعله.
 لو لم يكن باسيل متأكداً من أن الضغط الدولي عليه كبير، لما أقدم على هذه الخطوة، معلناً الذهاب إلى المعارضة. فرمى الكرة في ملعب الحريري ووضعه في مواجهة مع الناس والشارع. وسيستكمل باسيل نشاطه على الأرض عبر تحركات عديدة تجاه مرافق أساسية محسوبة على "الحريرية السياسية"، وتحميلها مسؤولية الفساد والهدر. بينما في المقابل، سيكون الحريري أسير معادلة باسيل في ضوء شروط عون وشروط نصر الله معاً. فعون لن يشارك في حكومة يترأسها الحريري، وطبعاً التيار الوطني الحرّ كذلك. حزب الله رفض هذه المعادلة، ووضع خيارين أمام القوى السياسية، حكومة برئاسة الحريري تضم كل القوى، وهذه تعني التزام الحريري بشروط باسيل ورئيس الجمهورية، وما يقتضيه ذلك من مساعدة باسيل لتجاوز الفيتو والعقوبات. أما الخيار الثاني فهو تشكيل حكومة تضم كل القوى السياسية برئاسة شخصية يختارها الحريري ويكون تياره مشاركاً فيها.

"تأهيل" جبران باسيليمكن اختصار هذه الواقع بأنه استمرار لمعادلة باسيل المعروفة، رأسه مقابل رأس الحريري. وطالما هو سيخرج من الحكومة، يريد إخراج الحريري معه، ولن يسمح له بالبقاء، في ظل شروط عون وحزب الله. هنا يصبح النقاش في تفاصيل التكليف والاستشارات مسألة عابرة، لأن الأساس سيكون للتأليف. وحتى لو كلّف الحريري الإثنين بتشكيل الحكومة، فلن يتمكن من التأليف من دون شروط عون وباسيل وحزب الله. على هذا المنوال، سيطول أمد التشكيل بانتظار تسوية خارجية ما، تنتج حلاً، لا يستثني أحداً.
هذا الحلّ، سيرتبط بما سيتمكن باسيل من إنجازه على المستوى الشخصي تأهيلاً لإعادة توزيره وضمان مستقبله السياسي دولياً. لذلك سيكثف من تحركاته لتجديد شرعيته دولياً. وهو يعلم أن لا شيء دولياً ثابت أو يدوم، وعلى يقين أن كل الضغوط الأميركية الممارسة على إيران وحزب الله وحلفائهما لها غاية واحدة هي التفاوض. لكنّه بالتأكيد لم يعد قادراً على تحمّل كل هذه الضغوط الدولية. وكل المكابرة التي كان يتمسك بها في السابق، لم تعد مجدية حالياً. فإذا ما أصدر الأميركيون عقوبات جديدة بحق أشخاص مسيحيين، فإن باسيل سيخسر كثيراً، وسيخسر الصورة التي حاول بنائها لذاته، بأنه الرجل الذي يعيد "الحقوق" للمسيحيين ويمنحهم القوة. فقد يجدهم ينفضون من حوله خوفاً من العقوبات وتأثيراتها.
صحيح أن الرجل لا يستسلم ولا يستكين. وهو بالتأكيد في أمس الحاجة للوصول إلى تفاهم أميركي إيراني، كان يراهن عليه سابقاً ويجد نفسه فيه، ليحظى بحمايته ورعايته، بل ولطالما كانت له مواقف دولية عديدة تشير بوضوح إلى هذا الرهان، إضافة إلى رهانه على "التحالف المشرقي"، وما بينهما "نقطة وصل" أساسية أعلن عنها صراحة أن لا خلاف ايديولوجي مع إسرائيل، ولها الحق بالسلام، شرط أن لا تعتدي على أحد.

المشهد الليلي
انتقل صراع القوى السياسية على الحكومة العتيدة، تكليفاً وتأليفاً، من أروقة التفاوض إلى الشارع. وشاهدنا صورته الأولى في خروج مجموعات الخندق الغميق نحو اللعازارية، فيما كانت صورته الثانية أمام مجلس النواب حين انقضت القوى الأمنية بعنف مفرط ضد المتظاهرين، هي عينها القوى التي لا تتجرأ على مواجهة مجموعات الخندق.
المشهد بصورتيه، يكشف سلوك السلطة، في محاولة جناح منها الاستيلاء على الساحات ومحاولة جناح آخر قمع المتظاهرين السلميين. وقد يدخل على المشهد يوم الأحد خروج التيار الوطني الحر إلى الشارع بمؤازرة من بعض حلفائه السنّة في بيروت والبقاع (فؤاد مخزومي وعبد الرحيم مراد وآخرين..) بهدف قطع الطريق على موعد الاستشارات يوم الاثنين، وربما أيضاً لتوريط القوى الأمنية بالمزيد من الصدامات العنيفة، على نحو يتحول فيه الحريري ووزيرة الداخلية ريا الحسنّ إلى عدوين للثورة وللشعب، وبتهمة أن الحريري يريد القضاء على الثورة بعدما ضمن عودته بالأصوات اللازمة لتسميته وتكليفه.
وهذا يدل أن المواجهة بين أقطاب السلطة باتت - ويا للمفارقة- تتم في ساحة الثورة وباسمها!

الخميس، يناير 02، 2020

كيف تعرّف طلال سلمان على “نقار الخشب” حافظ الأسد؟

في الشهور الأربعة الأخيرة من 2016، كنا على موعد أسبوعي مع رئيس تحرير جريدة "السفير" طلال سلمان في إطار التحضير لفيلم وثائقي. ينسحب من مكتبه في الطابق السادس ويوافينا إلى "غرفة الاعترافات" كما أسماها، ليحكي قصة شاب لبناني فقير استطاع تأسيس واحدة من أهم الصحف في الوطن العربي... وقرّر أن يقفلها بعد 43 عاماً. ندر أن تمر جلسة من جلسات "إعترافات" طلال سلمان، إلا وكان يأتي فيها على ذكر سوريا ورئيسها الراحل حافظ الأسد، الذي التقاه سلمان على مدى سنوات حكمه التي قاربت الثلاثين نحو 10 مرات، وكانت لقاءات تمتد لساعات طويلة أتاحت له الاطلاع عن قرب على شخصية هذا الرجل "الاستثنائية" كما يصفها.
نقّار الخشب
التعلّم الدائم ميزة لمسها طلال سلمان بنفسه منذ اللقاء الأول الذي خرج منه موافقاً على الوصف الذي كان كثيرون قد أطلقوه على الأسد بأنه “نقّار خشب”. يصفه سلمان بأنه “رجل بسيط في ثيابه وسلوكه، بعيد عن مظاهر الثراء، يهتم كثيراً بمعرفة الشخص الذي يجلس قبالته خصوصاً في المرة الأولى، وكان محدّثاً لبقاً جداً، ولديه عادة مميزة هي أن يعطي ضيفه نحو ربع ساعة أو نصف ساعة ليقول ما عنده في بداية اللقاء، ثم يبدأ هو في الكلام عن الشؤون العامة. قد تعتقد أنه نسي ما قلته له في بداية الحديث، لكنه يعود ليردّ على كل الكلام نقطة نقطة. لذا كنت أقول إن الذاكرة عنده مؤلفة من طابقين، ذاكرة تخزّن وذاكرة يستعين بها حين يحكي”.
في اللقاء الأول الذي قاربت مدته الساعتين، كان سلمان متهيّباً، خصوصاً أنه أشار أمام الأسد إلى ممارسات الوحدات الخاصة، او الجيش الأحمر بحسب التسمية اللبنانية، التي كان شقيقه رفعت الأسد قد أطلقها في بيروت. لم يمرّ الرئيس على هذه الإشارة مرور الكرام، بل أصرّ على الاستفسار عن الموضوع ممطراً سلمان بالأسئلة. “لقد غضب الله عليّ وجعلني أشير إلى الجيش الأحمر. لم يعد التراجع ممكناً لأنه توقف عند هذه المعلومة وصار مهتماً بمعرفة كل تفاصيلها”. صار الأسد يسأل وسلمان يدور حول الإجابة، من دون أن يستطيع الهروب منها. “من يكونون؟، “لا أعرف”، “هل هم جيش؟”، “يعني هم ليسوا جيشاً، ولكن يقولون عنهم الجيش الأحمر”. “لماذا؟”، “نراهم في شارع الحمرا”،  “كيف تعرف أنهم هم؟”، “هم يعرّفون عن أنفسهم من خلال تصرفاتهم”. “لمن يتبعون؟” هنا تردّد سلمان قليلاً قبل أن يجيب “تابعون لرفعت الأسد”. “أنت متأكد؟”، “هذا ما يتردّد”. “هل يسيئون التصرّف؟”، “نعم”.
الأسد يحاول التخلص من كيسنجر
من خلال هذه المقابلة التفت سلمان إلى أنه كان أمام “شخص مختلف عن الصورة التي كنا قد كوناها عنه في بيروت نتيجة دخول الجيش السوري عام 1976″، وهو انطباع سيتعزّز مع مرور السنوات وتعدّد اللقاءات التي تجاوزت العشرة، والتي سمع سلمان خلالها من الأسد أشياء مهمة جداً لم يكن قادراً على نشرها كلّها أبرزها ما أخبره إياه عن زيارة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون إلى دمشق في العام 1974.
كانت المفاوضات تجري على قدم وساق في المنطقة بعد حرب تشرين التي شاركت فيها سوريا مع مصر. وقد استطاع الأسد إجبار نيكسون على زيارة دمشق، برفقة وزير خارجيته طبعاً هنري كيسنجر. خلال هذه الزيارة لم تتح للأسد فرصة الانفراد بنيكسون في اليوم الأول، لأن كيسنجر كان حريصاً على أن لا يتركهما لحظة. في صباح اليوم التالي، خلال عقد الجلسة الختامية لإقرار البيان الرسمي عن الزيارة، كان كيسنجر يستعجل الانتهاء، مرة بداعي أن الصحافيين ينتظرون اللقاء معهم، ومرة ثانية بداعي أن الطائرة جاهزة. هذا التجاوز من قبل كيسنجر استفزّ الأسد فقال له “الصحافيون ينتظروننا حتى ننهي جلستنا فلا تقلق، موجبات مهنتهم تقتضي منهم ذلك”. وفي المرة الثانية رفع صوته قائلاً له “إنها طائرة الرئيس وهو من يقرّر موعد قيامها، اهدأ قليلاً حتى ننهي محادثاتنا في جو طبيعي”. تابع الأسد محدّثاً سلمان: “في هذا الوقت كنت أفكر طريقة للتخلص من كيسنجر والانفراد بالرئيس الأميركي ولو لدقائق، إلى أن انتبهت الى أن ثمة باباً جانبياً بعد الباب الرئيسي. دفعت الرئيس نيكسون الى داخل المكتب الخاص، ودخلت خلفه، ثم أغلقت الباب، من الداخل، بالمفتاح، بينما كيسنجر يقرع على الباب من الخارج، ويقول: افتحوا لي”.
المفاجأة كانت ردّة فعل نيكسون، إذ اقترب من الأسد وقال له هامساً وهو يتلفت حوله: “انتبه، إنه يهودي”. بدا الاستغراب واضحاً على ملامح وجه سلمان، فعلّق الأسد: “حتى الرؤساء في أميركا يخافون من اليهود. وعلينا ألا ننسى أبداً مدى التغلغل الصهيوني في الإدارة الأميركية وتأثيره على قرارها”.
السادات يقضي على الإنتصارات
في هذه المرحلة أيضاً، كانت لقاءات كثيرة تجمع الأسد بالرئيس المصري أنور السادات. مرارة كبيرة سببها الأخير للأسد منذ قراره المنفرد في العام 1973 بوقف الحرب من جانبه مع اسرائيل ما كشف الجيش السوري أمام العدو الاسرائيلي، “قال لي الأسد إنهم خسروا حوالي 3000 دبابة بعدما انفرد بهم الاسرائيلي فكانت نكسة كبيرة للجيش السوري بعدما كان قد وصل إلى طبريا، ونجح في عملية الإنزال على قمة الجولان وأخذ المرصد الاسرائيلي فيها، أي أن السوريين حققوا انتصارات باهرة عسكرياً قضى عليها قرار السادات المنفرد”.
ولم تنته معاناته مع السادات هنا، بل تعدّتها إلى اتخاذه قرار توقيع معاهدة الصلح مع اسرائيل. يذكر سلمان أنه في كل لقاءاته مع الرئيس الأسد كان الهدوء سمته “إلا مرة واحدة عندما تحدّث عن تجربته مع السادات، انفعل ووصفه بالخائن وألحقها بشتيمة، ثم اعتذر عن الشتيمة لكن الأسد اعترف لي أنه فكر مرة باعتقال السادات  خلال  واحدة من زياراته إلى سوريا. قال لي: “فعلاً، وأنا أرافقه إلى المطار صرت أفكر بيني وبين نفسي ماذا سيحصل إذا اعتقلته؟ هو خائن للأمة وخائن للقضية، لكني سألت نفسي أيضاً كيف سيتلقاها المصريون؟ وكيف سيتلقاها العالم، أن أعتقل رئيس دولة كان يزورني؟ هي أفكار دارت في راسي بينما كنت أودّعه”.
المدمرة الخارقة
ومن القصص التي تكشف صبر الأسد، الموقف الذي حصل بينه وبين جنرال أميركي متقاعد كان يتردّد عليه دائماً، وكان الأسد يستقبله رغم أنه كان يعرف أنه لا يزال يعمل مع المخابرات الاميركية. سأله الأسد مرة عن المدمرة “نيوجرسي” التي وصلت إلى سواحل بيروت، فأخبره الجنرال أنها الأولى من نوعها في العالم، هزّ الأسد رأسه وقال “مضبوط”. صار الجنرال يستطرد في سرد مواصفاتها، كأن يقول للأسد إنه إذا كان طول المدمرة العادية 50 متراً فهذه المدمرة طولها 80، وإذا كان عرضها 25 مترا، فهذه 50 متراً، وعند كل معلومة كان الأسد يهزّ رأسه إعجاباً. مرة لدى الحديث عن التصفيح، ومرة عن طول المدفع، ثم عن حجم فوهته، وعن حجم القذيفة ووزنها. وبينما كان الجنرال يجلس في المقعد الوثير مسترخياً، وصل الحديث إلى المدى الذي تبلغه القذيفة قبل أن تصيب هدفها وحجم الحفرة التي قد تسببها، عُمقاً وعرضاً، هنا سأل الأسد ضيفه بهدوء شديد: “لكنك تعرف جنرال أن الأرض تبقى في مكانها في حين أن المدمرة لا يمكن أن تبقى في بحر ليس بحرها”… هنا، انتفض الجنرال الأميركي، وشعر كأنه وقع في فخ، وأعاد ترتيب طريقة جلوسه في المكتب الرئاسي السوري.
بين عبد الناصر والأسد
هل يمكن القول بعدما اكتملت تجربة الرئيس حافظ الأسد، ومن خلال المواقف التي يذكرها سلمان عنه، إنه معجب به؟
يجيب طلال سلمان من دون تردّد: “بحدود معينة.. نعم”. يذكر أن رئيس الوزراء السابق الراحل صائب سلام قال له مرة عبارة بقي يفكر بها. “قال لي صائب سلام: ربما تكون أنت معجباً بجمال عبد الناصر أما أنا فمعجب أكثر بحافظ الأسد، وأعتبره أذكى من عبد الناصر”. بالنسبة إلى سلمان، قد يكون هذا الكلام صحيحاً “ما أستطيع قوله إن عبد الناصر كان قائداً تاريخياً، هو رئيس لبى مطلباً جماهيرياً وشعبياً عمّمه على الأمة العربية ككل. أما حافظ الأسد، فقد كان قائداً دؤوباً، صنع من الضعف قوة، حوّل سوريا الفقيرة والمحدودة المساحة إلى دولة كبرى في المنطقة، دولة لها كلمة عليا في الجامعة العربية، في الخليج، في السعودية، يعني كانت المقارنة دايماً بينه وبين رئيس مصر، مصر الدولة التي تعدّ الكبرى والأساسية في القرار العربي صارت سوريا أهم منها بكثير. كما أنه استطاع أن يحكم سوريا ثلاثين عاماً مديراً اللعبة الداخلية بذكاء كبير”.
باني الدولة الحديثة
قبل أن يتسلّم الأسد السلطة “كانت “المانشيت” المألوفة عن سوريا هي “انقلاب عسكري”، فأن يأتي شخص ويجعل من هذه الدولة الفقيرة دولة كبرى يحسب لها حساب في العالم، وأن يبني علاقاته بهدوء وبصبر ويوازن بينها، وأن يحكم لبنان؟ هذا إنجاز كبير. وأعتقد أن وجوده في لبنان كان واحداً من أخطر الإنجازات التي قام بها، لأن لبنان بلد صعب. هو مجموعة دول، تجد فيه أميركا وفرنسا وأوروبا وروسيا وإيران و.. لذلك عندما دخل الأسد إلى لبنان اصطدم به الجميع، وحُورب، وكل قوة في لبنان كانت تقف خلفها دول، وغالباً ما تكون هذه الدول من خصومه، وبالتالي كان لبنان مختبراً مهماً جداً بالنسبة له بمعنى أن لبنان كان دائماً كأنه محمية دولية أو غربية، فتعلّم منه الكثير”.
أما في سوريا، فقد انصبّ جهده على عملية بناء الدولة “حظي التعليم باهتمام كبير، وتابع الاهتمام بالجيش، ومنهما إلى سائر القطاعات، فصار المواطن السوري يشتري الدواء صناعة سورية، ويستشير الطبيب السوري، أسّس لنهضة زراعية فزرع ملايين أشجار الزيتون في أراض بور، أعاد خلق سوريا جديدة مستفيداً من كامل إمكاناتها وأقفل الأبواب في وجه الاستيراد والتصدير إلا بحدود ضيقة جداً، طبعاً ساعده الروس والصينيون، صار لديه اكتفاء ذاتي بالأسلحة العادية ما عدا الطيران والدبابات. يعني على امتداد 30 سنة نجح في تغيير سوريا التي ازدهرت واتسعت، صار في حركة وشغل، رب العمل الأكبر هو الدولة. حافظ الاسد اذا أردنا الاختصار: نقول هو باني الدولة السورية الحديثة”.

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية