الجمعة، يوليو 12، 2013

الغنوشي في شبابه: المرأة مِن حبائل الشَّيطان!

تعتبر المسألة النّسويّة نقطة محوريّة تحتدّ فيها تناقضات خطاب حزب النهضة الإسلامية؛ وتتعارض مع مرجعيّاته، بل لعلّها السّبب الرّئيسيّ في هذا التناقض والازدواج. كانت المرأة وحجابها في قلب خطاب النهضة، الذي وجد في مجلّة "المعرفة" منبرا موازيا للدّروس الملقاة في المساجد. كانت مجلّة المعرفة هذه "تباع في الأكشاك وتبشّر بالحجاب الذي بدأ يظهر للمرّة الأولى في تونس مع أواسط السّبعينات".
كان فشل تجربة "التّعاضد" على نحو مأساويّ، وكانت المسألة الاقتصاديّة محور اهتمامات التّونسيّين. فجاءت الحركة الإسلاميّة النّاشئة لتحوّل دائرة الاهتمام من السّياسة الاقتصاديّة إلى ضرب آخر من السّياسة والاقتصاد : سياسة الأجساد النّسائيّة، واقتصاد المتعة، أي كيفيّة تنظيم المتعة والحدّ منها في المجتمع حتّى لا يتّصف بما يعتبره الإسلاميّون انحلالا وفسادا، وسياسة الأدوار الاجتماعيّة، بحيث يبقى المذكّر مذكّرا والمؤنّث مؤنّثا.
ففيما يخصّ اقتصاد المتعة، اعتبر الإسلاميّون المرأة سببا في الفتنة، واعتبروا الفتنة سببا في الإفراط في المتعة، أو في الإفراط الجنسيّ، واعتبروا الإفراط الجنسيّ مؤذنا بخراب الحضارات. وسنقدّم أمثلة دالّة على هذه التّصوّرات التي عبّروا عنها في مجلّة "المعرفة" المشار إليها. ففي سنة 1973 كتب الشّيخ محمّد صالح النّيفر (1902-1993)، وهو كما أسلفنا من "من أبرز المشائخ الذين تتلمذ عليهم شباب الحركة" : "نشأ المثل المشهور في العالم، عند التّحيّر من جريمة نكراء أو ملمّة صعبة: فتّش عن المرأة. بل الأمر أخطر وأشدّ متى درست التّاريخ البشريّ، فإنّك تلمس في طالع أسباب سقوط الدّول وانحلال الأمم، طغيان الشّهوة الجنسيّة وما تجرّ إليه من لهو وترف.
لم يكن الشّابّ راشد الغنّوشيّ آنذاك بعيدا عن هذا التّصوّر شبه الأسطوريّ الذي يتّهم المرأة والمتعة. فقد كتب سنة 1978 في المجلّة نفسها، مقالا عنوانه "طريق العفّة في مجتمع فاسد"، قدّم فيه وصايا وجّهها إلى "الشّباب المسلم"، واعتبر فيه المرأة حبلا من حبائل الشّيطان: "فاللّه أسألكم أن يثبّت أقدامكم على الصّراط المستقيم، وأن يؤتيكم قوّة منه تنتصرون بها على أنفسكم وشهواتكم وعلى حبائل الشّيطان... وحبائل الشّيطان كما ذكر النّبيّ عليه السّلام هم النّساء الكاسيات العاريات المائلات عن الحقّ، المميلات قلوب الرّجال عن طريق اللّه... وكم من شابّ عمّر المساجد وتلا القرآن، فدخل عليه الشّيطان من باب المرأة، فصرعه وأفسد عليه عمله، ولذلك حذّرنا النّبيّ عليه السّلام من التّكالب على المال ومن الجري وراء النّساء، فقال : فاتّقوا الدّنيا، واتّقوا النّساء".
وقد نتج عن هذا المنطلق الأخلاقيّ المتعلّق بالمرأة والمتعة نوع من الإحياء لكلّ الأحكام المتعلّقة بجسد المرأة، والهادفة إلى إخلاء الفضاء العامّ من "الفتنة"، كفرض الحجاب، وإخفاء الزّينة، ومنع المصافحة والاختلاط، ومنع الخلوة المحرّمة، "فما اختلى رجل بأنثى إلاّ كان الشّيطان ثالثهما"، والامتناع عن النّظرة المسترسلة إلى المرأة غير المحرّمة، لأنّ النّظرة كما يقول الغنّوشيّ في المقال المذكور "بريد الزّنا، وهي سهم من سهام إبليس يقذفه في قلب ابن آدم".
أمّا الجانب الثّاني من أدبيّات هذه المرحلة، فهو يتعلّق بالأدوار الجندريّة. فقد عبّر الإسلاميّون عن رفضهم لمبدإ المساواة بين النّساء والرّجال كما تنصّ عليه شرعة حقوق الإنسان، واعتبروا هذا المبدأ متعارضا مع الاختلاف "الفطريّ" الضّروريّ بين الجنسين. ففي سنة 1977، كتب عبد المجيد النّجّار (و1945)، وهو أحد منظّري الحركة، وممّن انتخب بالمجلس الوطنيّ التّأسيسيّ الحاليّ : "المساواة التي تتضمّن العدل لا بدّ أن تكون قائمة على الموازنة بين القدر المعطى وبين طبيعة الأفراد المعطى لهم، وهذه هي المساواة التي أقامتها التّعاليم الإسلاميّة بين أفراد الإنسان عامّة وبين الرّجل خاصّة." واعتبر النّجّار المساواة القائمة على "التّجانس المطلق" مؤدّية إلى "صورة كاريكاتوريّة لا تخرق مبادئ الذّوق والجمال فقط، ولكن مبادئ الحقّ والعدل وقوانين الطّبيعة".
كانت هذه مرحلة البدايات، وقد اتّسمت بالرّفض الكلّيّ للحداثة في المجال الاجتماعيّ، وبالالتزام بمقرّرات الفقه الإسلاميّ. ولذلك يمكن أن نسمّيها بمرحلة "فقه النّساء". بعد ذلك حصل حسب تقديرنا منعرجان كان لهما شأن في تاريخ علاقة النّهضة بقضيّة المرأة. أوّلهما منعرج الثّورة الإيرانيّة سنة 1979، وثانيهما منعرج المغامرة بطلب استفتاء حول مجلّة الأحوال الشّخصيّة، وكان ذلك سنة 1985.
ذكر الغنّوشيّ في محاضرة قدّمها بتونس سنة 1979 دور الثّورة الإيرانيّة في تغيير وجهة نظر النّساء الإسلاميّات ووجهة نظره هو إلى المرأة. فالثّورة الإيرانيّة "وما صاحبها من أصداء عن دور المرأة الإيرانيّة فيها أدّى إلى "تذمّر" الأخوات "من الدّور المحدّد المخصّص لهنّ". كانت صور النّساء الإيرانيّات النّاشطات في الثّورة دافعا إلى القيام بنقد ذاتيّ تبعته مراجعة لأساليب النّشاط الحركيّ المتعلّق بالمرأة. فقد انتقد الغنّوشيّ ضيق الاهتمامات النسائيّة في حلقات الدّرس التي كان يشرف عليها شيوخ الحركة.
وهكذا انتقلنا من مرحلة المناداة بالعودة إلى التّقليد الفقهيّ وبرفض الحداثة الاجتماعيّة إلى مرحلة المناداة بالتّسييس الثّوريّ للمرأة، وبرفض تقليد "عصر الانحطاط" الذي يجعل المرأة جسدا مصونا. المرأة من هذا المنظور جسد حيّ يجب استثماره سياسيّا. ويندرج هذا التّحوّل حسب رأينا في إطار التّعميق السّياسيّ للمطلب الإسلاميّ : فالإسلام "شامل" أو"شموليّ"، أي يتعلّق بكلّ مجالات الحياة بما فيها السّياسة، ولا يقتصر دوره على العناية بتفاصيل جسد المرأة أو بتفاصيل العبادات. من هنا جاءت موضوعة (الإسلام لا يقتصر على الاهتمام بـالحيض أو النّفاس).
ومن هنا نكتشف الإسلام السّياسيّ باعتباره مختلفا عن إسلامين تقليديّين : إسلام الفقهاء، وهو موجود في بطون الكتب، ويجب مع ذلك إحياء جزء منه للتّحكّم في المتعة دون مبالغة، والإسلام الشّعبيّ المعيش الذي يجب الحذر منه لأنّه ربّما يتماشى مع "التّمييع البورقيبيّ" وينسجم معه. فاللّباس التّقليديّ التونسيّ، على سبيل المثال، لا ينسجم مع ما سمّي في السّبعينات بـ"الزّيّ الإسلاميّ"، أي "الفستان الطّويل وغطاء الرّأس"، بل إنّ لباس الحفلات التّقليديّ في العاصمة، على سبيل المثال، كان يتمثّل في "فوطة وبلوزة" تكشفان شيئا من صدر المرأة وشيئا من بطنها.
دور النهضة في ما يخصّ المرأة:
1-تأويل النّصّ القرآنيّ على نحو يحدّ من شيطنة المرأة ويعتبرها غير متسبّبة في "الخطيئة" التي نزل آدم بسببها إلى الأرض، بل مساوية للرّجل من حيث أنّها مكلّفة ومسؤولة. وهذا الموضوع يدخل في باب من أبواب أدبيّات الإسلام السّياسيّ ومن أبواب "النّسويّة الإسلاميّة" هو "تكريم الإسلام للمرأة". وقد نزّل الغنّوشيّ هذا الموضوع في إطار "الوسطيّة" التي يحيل فيها إلى يوسف القرضاوي.
2-فتح الأبواب المفتوحة. ونقصد بذلك أنّ مقرّرات الحركة تأتي لتبرّر بصفة بعديّة أمرا واقعا قرّرته القوى التّاريخيّة والمادّيّة. من ذلك السّماح للمرأة بالتّعليم والعمل، والسّماح لها بالتّرشّح للانتخابات، وتأويل آية القوامة.
3-غلق الأبواب المفتوحة تدريجيّا، إن سنحت الفرصة. ومن ذلك السّماح بتعدّد الزّوجات عند الضّرورة والحدّ من الفتنة في أماكن العمل، والمطالبة بمنع الإجهاض.
4-الصّمت دفعا للحرج. فلا بدّ أن يلفّ الصّمت التّنازلات العمليّة التي قدّمتها النّهضة، كعدم اعتبار الحجاب فريضة. فقد اختفى موضوع الحجاب من واجهة الحزب الرّسميّة، وحلّت محلّه صور غير المحجّبات إلى جانب المحجّبات كما أسلفنا.
لكنّ ما يفاقم هذه العطالة وهذا الازدواج أيضا هو عدم حصول نقلة قيميّة تجعل حزب النّهضة يعترف بالحرّيّة الفرديّة وبالمرأة باعتبارها فردا ذا كرامة، أي غاية في حدّ ذاته. سبق أن رأينا كيف ربط الغنّوشيّ الخروج من دائرة فقه النّساء بما يقتضيه توسّع الحركة وانغراسها في المجتمع. وهذه النّظرة التي تعتبر المرأة وسيلة لا غاية تتأكّد في الكثير من نصوص منظّر الحركة، وتكتسي طابع المنطلقات الإيديولوجيّة التي تتأسّس عليها اعتبارات فرعيّة:
1-تبقى الأسرة أهمّ من المرأة، وتبقى الأمومة المصير الطّبيعيّ المرتقب من كلّ بنت. يقول الغنّوشيّ في سياق الدفاع عن عمل المرأة "هذا مع إلحاحنا أنّ مهمات المرأة الرّئيسيّة التي لا يمكن لأحد أن يعوّضها هي رعاية الطّفولة وإعداد الأجيال القادمة".
2-تبقى الحركة الإسلاميّة أهمّ من الفرد المنتمي إليها، وبما أنّ الزّوج ربّ الأسرة، فإنّ النّشاط الدّعويّ أو السّياسيّ للمرأة هو من باب تضحية الزوج بشيء من زوجته لصالح الدّعوة الإسلاميّة : يقول الغنّوشيّ : "إنّ خروج المرأة المسلمة من بيتها للعمل وملاقاتها لكثير من المتاعب يعتبر تضحية من زوجها لها مقابل لصالح الدّعوة الإسلاميّة (كذا).
4-تبقى الإدارة البراغماتيّة للمشاكل المطروحة على الحركة الإسلاميّة أهمّ من المواقف المبدئيّة، في كلّ ما تعلّق بحقوق المرأة. فالغنّوشيّ يجد هذه الحجّة لإقناع الرّجال بضرورة تمكين النّساء من التّرشّح للمجالس النّيابيّة، وبأنّ ترشّحهنّ لن يجعلهنّ "قوّامات على الرّجال": "عدد النّساء اللائي يرشّحن للمجلس النّيابيّ سيظلّ محدودا وستظلّ الأكثريّة السّاحقة للرّجال".
هذه التّصوّرات تمثّل جزءا من الحاضنة الإيديولوجيّة التي ظلّت حركة النّهضة تدور في فلكها، متأرجحة بين رفض الواقع أو قبوله أو تعديله أو تجنّب النّظر إليه، بحيث أنّ هذا التّأرجح يجعل الحركة أشبه بالكوكبة السّديميّة.
يحلم الإسلاميّون بالصّفاء والطّهارة بعد الدّنس. ويحملون أيضا بالوحدة بعد الانفصال والاختلاف، ولا يحتملونهما رغم أنّهما نسيج الحياة. إنّهم يحلمون بـ"العضويّة الحيّة التي تتفاعل أجزاؤها وتتكامل حتى لا يكون لأيّ جزء منها أيّ معنى إذا انتزع من عضويّته...".

0 comments:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية