
الحديث العاشر
ولا يسكتون...
كلما ضاعت منهم حجةٌ جاءوا بغيرها، وكلما طاش لهم سهمٌ فى الفضاء أسرعوا إلى الجعبة يبحثون عن سهمٍ آخر ويصوبون!
- لقد بادر الولايات المتحدة الأمريكية بالعداء، ولم يعطها نفساً حلواً، ولا طالعها بوجهٍ مبتسم... ما لنا نحن والولايات المتحدة وهى القوة الأعظم القادرة على النفع والضرر... ثم ماذا كانت نتيجة عدائه لها غير انحيازها الكامل إلى جانب إسرائيل وغير ضغوطها علينا تشتد حتى كسرت لنا الضلوع؟!
ونسأل:
- هل فعل جمال عبد الناصر ذلك، وهل اندفع فعلاً كالثور الأحمق إلى معركة غير متكافئة؟
وتقول لنا نظرة واحدة على خريطة أحداث الشرق الأوسط منذ سنة 1952 أن ذلك لم يحدث... بل الغرابة أن ما حدث هو عكس ما يقولون.
لقد بدأ جمال عبد الناصر دوره على الساحة المصرية والعربية وهو يحسن الظن كثيراً بالولايات المتحدة الأمريكية ومبادئها وسياساتها، وكانت الورقة الأمريكية فى ظنه - ذلك الوقت - ورقة محترمة وقوية وحظها فى النجاح أقرب من حظوظ غيرها من أوراق لعبة الشرق الأوسط.
كانت الولايات المتحدة خارجة من الحرب العالمية ضد الفاشية فى مكانة الديمقراطية الكبرى، وكانت الأفلام الأمريكية تعطى صورة مغرية عن مجتمع جديد، ولم تكن هناك بعد وكالة مخابرات مركزية، ولا كان هناك ضغط بالمعونات أو بالحصار الاقتصادى أو بغارات الحرب النفسية. لم تكن صورة الأمريكى القبيح قد رُسمت بعد، ولا كان هناك "خليج خنازير" فى كوبا، أو مذبحة "ماى لاى" فى فيتنام.
وكانت القوة الأعظم الثانية - شريكة انتصار الحرب ضد الفاشية - وهى الاتحاد السوفيتى - ما زالت بعد تحت حكم ستالين.
وكانت بريطانيا هى عدو العرب فى المشرق... وفرنسا عدوهم فى المغرب.
وهكذا كان الخيار الأمريكى يفرض نفسه، لا على جمال عبد الناصر وحده، وإنما على معظم قيادات حركة الثورة الوطنية.
واستعمل جمال عبد الناصر الورقة الأمريكية فى الضغط على بريطانيا من أجل الجلاء، وحاول أن يحصل منها، بعد ثلاثة شهور من الثورة، على سلاح للجيش المصرى، وتلقى وعداً بذلك، ثم حدث تراجع عن الوعد... وقيل له فى تبرير ذلك بالحرف:
- لقد كانت قائمة طلباتكم من السلاح على مكتب الرئيس الأمريكى الجديد - دوايت آيزنهاور - وكان على وشك أن يبت فيها بالموافقة..
- ولكن ونستون تشرشل - رئيس وزراء بريطانيا - اتصل به تليفونياً وقال:
"هل صحيح أنك ستبيع سلاحاً لمصر؟".
وردّ عليه آيزنهاور:
- بأنه على وشك اتخاذ قرار.
وناشده تشرشل أن يؤجل، لأن جمال عبد الناصر يهدد بحرب شعبية فى منطقة القناة لإجبار الجيش البريطانى على الانسحاب.
ثم أضاف تشرشل:
"إنك لن ترضى أن تعطى للمصريين سلاحاً يقتلون به جنود الجيش البريطانى الذين كانوا تحت قيادتك فى الحرب العالمية الثانية".
وتردد آيزنهاور.
حتى ذلك الوقت - فبراير 1953 - كان جمال عبد الناصر يحسن الظن بالأمريكيين ويجد عذرهم فى الاستجابة لحلفائهم - خصوصاً على المستوى العاطفى - عذراً مقبولاً.
وصدق ما قالوه له، واستجاب لنبرة الود المشوبة بالأسف فى اعتذارهم له.
ومن ناحيتهم، فلست أعتقد أن الأمريكيين - فى ذلك الوقت - أحسنوا تقييم وتقدير جمال عبد الناصر، وثورته فى مصر، وصداها فى العالم العربى.
تصوروه انقلابياً من نوع ما عرفوا فى أمريكا اللاتينية أو غيرها..
ضابط شاب، يقفز على السلطة بالدبابة والمدفع، وفى اليوم الأول يعلن على شعبه آمالاً فى التغيير بلا حد..
ولكن اليوم الثانى يجىء، فإذا بطل الأحلام لا يغير، وإنما يتغير. يلبس رداء السلطة ثم يجمد الأمر الواقع ويثبته، وتذهب الأحلام إلى صحارى الضياع... سراباً رأته العيون لحظة، واتجهت إليه الأقدام فى شوق، فلم تجده حيث تصورته، ولم تعثر له على أثر!
ونستطيع القول بأن جمال عبد الناصر لم يقبل على الخيار الأمريكى متصوراً أن الطريق مفتوح والريح رخاء، فلقد قدر منذ البداية أن هناك أسباباً حقيقية لمشاكل مع الولايات المتحدة ترجع فى معظمها إلى ما رآه وقتها، ووصفه بتعبير "المأزق الأمريكى".
والمأزق الأمريكى، كما تصوره وشخصه وقتها:
أن الولايات المتحدة تجد مصالحها كلها مع العرب.
ولكن الولايات المتحدة ترتبط بإسرائيل بأكثر من سبب:
منها الاعتبارات العاطفية، ومنها التأثير الصهيونى فى الحياة الأمريكية، ومنها ما يعتقده راسمو السياسة فى واشنطن من أن صمام الأمن النهائى فى السيطرة على المنطقة هو إسرائيل.
كان يرى ذلك مأزقاً.. وتصور أنه إذا استطاع أن يساعد على إيجاد حل لهذا المأزق، أو حتى صيغة تعامل مقبول - إذن فإن الولايات المتحدة سوف تغلب مصالحها على أية اعتبارات أخرى، خصوصاً إذا نمت ثقة متبادلة بين الطرفين... بالتعامل الحر والحوار المفتوح وحسن النية المسبق.
وفوجئ جمال عبد الناصر بالتجربة، ووقائع التجربة مع الولايات المتحدة، وفى النهاية كانت له عبارة ترسم خيبة أمله فيها كلها، وكان يقولها فى ألم:
- على كل بقعة من جسمى كى بالنار، مما فعلوه بنا، أو حاولوه معنا!
ومع ذلك لا نسبق الوقائع.
* بدأت الواقعة - أو الموقعة - الأولى بين جمال عبد الناصر وبين الولايات المتحدة فى قضية الأحلاف، لوحوا له بأنهم سوف يساعدون فى إقناع الإنجليز بالجلاء، إذا هو انضم فى حلف دفاعى مع الغرب فى الشرق الأوسط.
وحاول أن يشرح وجهة نظره "لجون فوستر دالاس" وزير خارجية الولايات المتحدة عندما جاء إلى مصر فى ربيع سنة 1953.. قال له:
- "لا أتصور أن فى مقدورنا أن نقبل حلفاً دفاعياً تتحول به قوة الاحتلال من عدو إلى حليف، وبدلاً من العلم البريطانى على قواعد القناة، يرفع علم الحلف.
نحن نريد الاستقلال أولاً لكى تكون لنا إرادة حرة نقرر بها إذا كانت الأحلاف فى صالحنا، أو هى فى غير صالحنا.
وربما قلت لك من الآن أننا لا نراها فى صالحنا، فلست أفهم كيف ننضم إلى حلف ضد الاتحاد السوفيتى وهو بعيد عنا لم يبادرنا بعداء، ثم ننسى أن عداءنا الحقيقى هو مع هؤلاء الذين احتلوا أرضنا من أكثر من سبعين عاماً.
ثم إننى لا أعتبر أن الشيوعية خطر علينا، وإذا كانت خطراً فإن مقاومتها لا تكون بالأحلاف العسكرية، لأن السوفيت لن يهاجموا الشرق الأوسط بالجيش الأحمر، وإنما سوف يحاولون - إذا حاولوا - النفاذ من جهات داخلية ساءت أوضاعها بسبب التخلف والاستغلال والتبعية، ومن هنا فإن دفاعنا الحقيقى ضد الشيوعية يكون بالوطنية بمعناها الحقيقى بكونها خلاصاً من التبعية، وعملاً ضد التخلف، وعدلاً يجد فيه المواطن حياته وكرامته.
ومهما يكن فإنى أسلم بأنه قد تكون هناك أخطار علينا، وأول هذه الأخطار إسرائيل، ووسيلتنا فى مقاومة هذه الأخطار هى ميثاق الدفاع العربى المشترك، أما حلف للدفاع عن الشرق الأوسط، فإنى أخشى أننى فيه سوف أجد نفسى حليفاً لإسرائيل التى تعتبرها شعوبنا كلها عدوها الرئيسى فى هذه المرحلة!".
ولم يفهم جون فوستر دالاس.
وصدرت الإشارة بترك القاهرة جانباً، والاتجاه إلى بغداد لتكون نواة حلف الدفاع عن الشرق الأوسط، ثم بدأ الضغط على غير بغداد من عواصم الهلال الخصيب.
واضطر جمال عبد الناصر إلى أن يقاوم.
وقاوم حلف بغداد دون أن يسد طرقاً أو ينسف جسوراً تقطع المواصلات مع الولايات المتحدة.
* وبدأت الموقعة الثانية من قلب تلك الموقعة الأولى، فقد تصور "دالاس" أنه إذا استطاع أن يرتب لصلح بين مصر وإسرائيل، فإن ذلك سوف يزيل أكبر عقبات اشتراك مصر فى حلف بغداد.
وطارت بعثة فى السر إلى القاهرة، يرأسها "روبرت أندرسون" الذى كان وزيراً للخزانة مع آيزنهاور، والتقى مع جمال عبد الناصر، وعرض عليه رغبة الولايات المتحدة فى السعى بصلح بين مصر وإسرائيل، ولم يجادله جمال عبد الناصر، وإنما وضع أمامه شروطه، وكانت:
* حق شعب فلسطين فى تقرير مصيره على أرضه..
* ثم أن تطمئن مصر إلى أن الاتصال البرى بينها وبين بقية العالم العربى فى المشرق مفتوح، ولا يكون ذلك إلا بتراجع إسرائيل عن النقب.
وسافر أندرسون إلى إسرائيل ليقابل "بن جوريون" وعاد يقول لعبد الناصر:
- "إن بن جوريون ذعر عندما سمع اقتراحاته، فمعناها أن لا تكون هناك إسرائيل".
واستطرد أندرسون يقول:
- إن بن جوريون عرض اقتراحاً وجيهاً، وهو أن يلتقى مع جمال عبد الناصر وجهاً لوجه، وأن يجىء إليه هو فى القاهرة - أو أى مكان غيرها يحدده - سراً أو علناً، حسبما يختار.
ورفض جمال عبد الناصر قائلاً لأندرسون:
- لا أستطيع مقابلته لمائة سبب، على الأقل:
- أولها أنه إذا جاء لمقابلتى فى القاهرة فإننى لا أستطيع أن أضمن سلامته.. وإذا ذهبت للقائه خارج مصر، فما أظننى أستطيع العودة إليها".
ولم يفهم أندرسون... ولا فهم دالاس... ولا فهم آيزنهاور.
وبدأت الشكوك من الناحيتين.
* وجاءت الموقعة الثالثة حين ألحّ جمال عبد الناصر فى طلب السلاح من الولايات المتحدة، فلما أحس أنه لن يحصل على ما طلب، توجه إلى الاتحاد السوفيتى، ولم يعقد صفقة سلاح فقط، وإنما كسر احتكار السلاح فى المنطقة إلى الأبد.
وجن جنون دالاس وبعث إلى جمال عبد الناصر بإنذار شفوى:
- "إنه سوف يقطع المعونة الاقتصادية عن مصر (لم تكن هناك بعد معونة، وإنما كان هناك وعد بها).
- ثم إنه سوف يقطع كل تعامل أمريكى مع مصر.
- ثم إنه على استعداد لقطع العلاقات الدبلوماسية مع مصر.
- وأخيراً، فإنه على استعداد لأن يصل إلى حد فرض حصار بالأسطول السادس على الشواطئ المصرية، يمنع وصول السلاح السوفيتى إليها".
ورفض جمال عبد الناصر الإنذار، وقرر دالاس أن يرسل مساعده فى وزارة الخارجية "جورج آلين" بإنذار مكتوب.
وبعث جمال عبد الناصر إلى السفارة الأمريكية يقول:
إنه سوف يقابل جورج آلين، ولكنه إذا اشتم فى كلامه رائحة تهديد أو إنذار، فسوف يطرده على الفور من مكتبه.
وأدرك دالاس أنه أمام خصم مستعداً للمقاومة وقادراً عليها، فترك التهديد إلى الإغراء، وكان قوله:
- "ليكن.. إن الاتحاد السوفيتى يصدر لكم أدوات الموت.. وأما نحن فسوف نصدر لكم أدوات الحياة، وهكذا فقد قررنا مساعدتكم فى مشروع بناء السد العالى الذى تتحدثون عنه وتحلمون ببنائه".
ثم أبدى دالاس بعد فترة تخوفه من استمرار تدفق السلاح على مصر بحجة أن ذلك سوف يستنفذ مواردها ولا يستبقى منها شيئاً للسد العالى، وهكذا طلب وقف مشتريات السلاح من الاتحاد السوفيتى، ثم طلب وقف المقاومة ضد حلف بغداد.
ورفض جمال عبد الناصر.
وكان قرار دالاس بسحب عرض المساهمة فى تمويل السد العالى.
ورد عبد الناصر بتأميم قناة السويس.. وجاء العدوان البريطانى - الفرنسى - الإسرائيلى، ووقف العالم كله على حافة الهاوية.
واضطر دالاس بعد الإنذار السوفيتى إلى التعاون لفك الأزمة الخطرة.
ولكنه لم يغفر لجمال عبد الناصر ما فعل، وكانت تلك هى الفترة التى بحث فيها أمر جمال عبد الناصر فى اجتماع للمخابرات المركزية، وقال جون فوستر دالاس لشقيقه آلان دالاس.. وهو مدير المخابرات المركزية وقتها:
- "ألا تستطيع المخابرات تصفية مشكلة عبد الناصر".
وهز آلان دالاس رأسه، وبدأت وكالته ترسل فرق الاغتيال واحدة بعد واحدة لاصطياد جمال عبد الناصر.
* ثم الموقعة الرابعة... دالاس يحاول تنفيذ أهداف العدوان الثلاثى بوسائل أخرى.
الحصار الاقتصادى، ثم الحصار السياسى عن طريق عزل مصر بمشروع آيزنهاور، ثم الضغط على سوريا أكبر حلفائه بحكم دورها التاريخى فى الحركة القومية.
وأفلت عبد الناصر من الحصار الاقتصادى، ولم ينجح الحصار السياسى فى عزل مصر، وإنما سقط مشروع آيزنهاور، وبدأ التفكير فى غزو سوريا، وإذا قوة مصرية تذهب إلى سوريا، ثم إذا الوحدة تعلن، ثم إذا حلف بغداد ينهار فى بغداد، وجرى الأسطول الأمريكى فاقتحم الشواطئ اللبنانية، ثم اكتشف دالاس أن الولايات المتحدة لن تستطيع إرغام العالم العربى على الركوع بمجرد ظهور بحارة الأسطول الأمريكى السادس على رمال الشاطئ فى بيروت.
وأصبح الموقف شديد التوتر، واضطر دالاس إلى التراجع، ثم عاد آيزنهاور يحاول استرضاء عبد الناصر بشحنات من القمح الأمريكى لمصر، ولكن ما فى القلب بقى فى القلب!
* ومع بداية عصر جون كيندى - 1961- ورئاسته للولايات المتحدة الأمريكية - جرت الموقعة الخامسة.
بدأ كيندى بسياسة تدعو إلى ارتياد "الآفاق الجديدة"، وتصور أن الشرق الأوسط أفق من هذه الآفاق، يستطيع أن يترك عليه بصمات أصابعه، وبدأ مراسلات - استمرت طويلاً - مع جمال عبد الناصر.
وكانت أولى الرسائل عن العلاقات بين مصر وإسرائيل، وأفاض كيندى فى مزايا السلام إذا تحقق على الأرض المقدسة.
ورد جمال عبد الناصر بخطابه المشهور الذى قال فيه عن وعد بلفور "إن من لا يملك أعطى وعداً لمن لا يستحق" وضاعت بذلك حقوق شعب فلسطين.
واتصلت الرسائل ذاهبةً عائدة من واشنطن إلى القاهرة وبالعكس، واكتشف جون كيندى أن الأمر أعقد مما تصور، وصدرت الإشارة إلى المخابرات الأمريكية، فعادت تحاول ضد مصر، وهدفها فى ذلك الوقت كسر الوحدة بينها وبين سوريا.
وتحقق لها ما أرادت، وتصورت أن ضرب الوحدة فى سوريا سوف يعقبه انكسار النظام وسقوطه فى القاهرة.. ولكن جمال عبد الناصر كان يقاوم بشدة وضراوة رغم صدمة الانفصال.
* فى عصر كيندى أيضاً جاءت الموقعة السادسة.
مصر تبنى صناعة طائرات وصناعة صواريخ، وإسرائيل تشكو من نشاط علماء ألمان جاءت بهم مصر لمساعدتها فى مشروعها الطموح.
وكتب كيندى إلى عبد الناصر مستفسراً، ورد جمال عبد الناصر بقوله:
- أريد أن أكون واضحاً وعملياً.
إننا نحاول بناء صناعة طائرات، وبناء صناعة صواريخ، ولكن أمامنا وقتاً طويلاً لتصبح هذه الصناعات عماداً لتسليحنا.
إن هدفى منها بالدرجة الأولى فى هذه المرحلة، هو الحصول على تكنولوجيا عصر جديد.
(من الغريب أن البعض هاجموا جمال عبد الناصر فى صناعة الطائرات والصواريخ، واعتبروا ما صرف عليها فى ذلك الوقت تبديداً لأموال لا داعى لتبديدها.
ومرت الأيام، وجاء الوقت الذى أصبحت فيه هذه المصانع هى نصيب مصر العينى فى إقامة مؤسسة صناعات الأسلحة العربية، وقومت حين قومت فى أصول هذه المؤسسة بأكثر مما دفع فيها عند إنشائها).
ووجدت الولايات المتحدة أن ما قاله عبد الناصر ليس مدعاةً للطمأنينة، وإنما هو مدعاةً لمزيد من القلق... فأخطر من بناء الطائرات والصواريخ، أن تكون لدى مصر معرفة واستيعاب لتكنولوجيا عصر جديد.
وكانت إسرائيل لا تكف عن الشكوى لأن جمال عبد الناصر أغلق أمامها سوق السلاح فى بريطانيا التى اكتوت أصابعها بالنار فى السويس، ثم أغلق أمامها سوق السلاح فى فرنسا حين أنشأ خط علاقات مباشر بينه وبين الجنرال ديجول.
وقرر جون كيندى أن تدخل الولايات المتحدة لأول مرة فى دور بائع السلاح لإسرائيل، وهكذا عقد معها صفقة لعدد من بطاريات صواريخ "هوك".
وكتب إلى جمال عبد الناصر أسوأ رسالة فى سلسلة مراسلاتهما.
قال جون كيندى فى رسالته ما مؤداه أن الولايات المتحدة قررت تقديم شحنات أسلحة محدودة إلى إسرائيل، "وأنه إذا انتهزت مصر هذه الفرصة للقيام بحملة دعائية واسعة ضد الولايات المتحدة فى العالم العربى، فإن واشنطن سوف ترد على ذلك بإرسال المزيد من الأسلحة إلى إسرائيل!".
ولم يسكت جمال عبد الناصر - بالطبع - وبدأت حدة التوتر فى العلاقات تزداد.
* والموقعة السابعة فى عصر جون كيندى هى الأخرى.
كانت الولايات المتحدة مشغولة بأزمة الصواريخ فى كوبا، وقد وصلت هذه الأزمة إلى حدود خطرة تهدد بمواجهة نووية بين القوتين العظميين.
وفى تلك الساعات اتخذ القرار المصرى بالتدخل لنجدة ثورة اليمن.
وحين رفع كيندى عينيه عن أزمة الصواريخ، فوجئ بالوجود المصرى العسكرى فى جنوب شبه الجزيرة العربية.
وبذل جون كيندى فى البداية محاولات لكى تسحب مصر قواتها من اليمن، ثم تغيرت الإستراتيجية.
بدلاً من حث مصر أو تطمينها لسحب قواتها من اليمن، بدأت إستراتيجية أخرى تفرض على مصر أن ترسل جزءً كبيراً من قوتها إلى اليمن.
وهنا يظهر الدور الكبير الذى قامت به وكالة المخابرات المركزية الأمريكية فى تجنيد قوة مرتزقة من الأجانب يحاربون ضد مصر فى اليمن.
فى وقت من الأوقات بلغ عددهم اثنى عشر ألفاً.
واستطاعت المخابرات المركزية الأمريكية أن تحصل على مساعدة إسرائيل لهم، فقد تكفل الطيران الإسرائيلى بعمليات إسقاط المؤن والذخائر لهم فى مواقع محددة بالقرب من مكامنهم فى الكهوف وعلى الجبال وفى الوديان.
وأدى ذلك بالطبع إلى تعقيدات كثيرة، فلم تكن هذه المشكلة مشكلة دعاية أو سياسة.. أو اختلاف وجهات نظر، وإنما اصطبغ الخلاف بلون الدم.
وسقط كيندى فى مدينة "دالاس" - "تكساس" - برصاصات شاب مجهول هو "لى أوزوالد"..
* وخلفه "ليندون جونسون" ومعه الموقعة الثامنة.
وبعث جونسون إلى جمال عبد الناصر يطلب للولايات المتحدة حق الهيمنة على موازين السلاح فى المنطقة، بدعوى ضرورة تحديده، حتى لا يكون من تكديسه حافز لاستعماله حتى ضد نوايا الأطراف ورغباتهم.
وهكذا تقدم جونسون يطلب حق التفتيش على المفاعل النووى المصرى، وحق التفتيش على مصانع الطائرات والصواريخ المصرية.
وكان الطلب غريباً...
وكان الجو الذى صاحبه أشد غرابة.
وحين رفض جمال عبد الناصر كان الشد والجذب فى العلاقات المصرية - الأمريكية قد وصل إلى قرب درجة القطيعة.
* ثم كان جونسون أيضاً بطل الموقعة التاسعة.
فقد أحسّ أن جمال عبد الناصر يتحدى النفوذ الأمريكى فى المنطقة، ويرفض كل الطلبات الأمريكية، ويعبئ الجماهير العربية ضد السياسات الأمريكية.
ولم يكن جمال عبد الناصر يفعل ذلك نكايةً فى أمريكا، ولكنه كان يريد تثبيت وتدعيم قاعدة المقاومة العربية، بأن تكون الشعوب العربية كلها واعية بما يجرى، موجودة عن طريق هذا الوعى كطرف فى الصراع.
وقرر جونسون وقف مبيعات القمح لمصر، وفقاً لقانون ب. ل 480.
وجاء هذا القرار فى الوقت الذى يستطيع ضرره فيه أن يكون محسوساً.
جاء فى وقت بدأت تظهر فيه الآثار التضخمية لتنفيذ خطة السنوات الخمسة الأولى للتنمية الشاملة.
وجاء فى وقت تصاعدت فيه نفقات العمليات العسكرية فى اليمن.
وضرب جونسون ضربته، وكان ذلك فى نهاية سنة 1966.
* وفى منتصف سنة 1967 - يونيو بالتحديد - جاءت الموقعة العاشرة.
وكانت أكثر المحاولات شراسةً وأشدها عنفاً.
ولسوف تمر سنوات طويلة قبل أن يظهر الدور الذى قامت به الولايات المتحدة فى معركة يونيو 1967، ولكن الثابت من الآن أن مساعدة الولايات المتحدة لإسرائيل سارت فى طريقين متوازيين فى تلك الظروف:
... طريق رسمى علنى - سياسى بالدرجة الأولى - وقد تمثل فى الوعد الأمريكى الذى اتخذ فى مجلس الأمن القومى الأمريكى بأن تضمن الولايات المتحدة لإسرائيل أمرين:
* الأول، تفوق فى السلاح على كل الجيوش العربية.
* والثانى، ضمان أنه فى حالة قيام عمليات فإن الولايات المتحدة سوف تتدخل عسكرياً إذا كان هناك ما يوحى بوجود انتصار مصرى.
فإذا كان هناك انتصار إسرائيلى فإن الولايات المتحدة تضمن لإسرائيل أن لا يصدر قرار من الأمم المتحدة يفرض عليها الانسحاب من أراضٍ تكون قد احتلتها..
ثم أن الولايات المتحدة تضمن أيضاً أن لا يكون هناك ضغط يمارس دولياً على إسرائيل ما لم يقبل العرب بعقد الصلح معها أو إقامة السلام.
... وأما الطريق الثانى الذى مشت عليه المساعدة الأمريكية لإسرائيل، فقد كان طريقاً سرياً - وعسكرياً بالدرجة الأولى..
قامت به وتولت مسئوليته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، التى تكفلت بتقديم المعلومات عن أوضاع القوات المصرية، والتى اشترك أسطول طائراتها فى نقل الأسلحة والذخائر، والتى تولت تجنيد متطوعين للحرب مع إسرائيل، خصوصاً من جنوب أفريقيا وروديسيا.
وبعد هذه الموقعة، كان الغضب جامحاً فى العالم العربى، وقطع جمال عبد الناصر علاقات مصر مع الولايات المتحدة، وتبعته فى ذلك دول عربية عديدة، وبدأ نزوح الرعايا الأمريكيين من الشرق الأوسط، بينما جونسون فى ثورة عارمة على مشهد هذا "الخروج" الذى اعتبره مهيناً لأمريكا، وكان ذلك أبسط نوع من أنواع الاحتجاج على الاشتراك فى المؤامرة الكبرى.
برغم ذلك كله، لم يدع جمال عبد الناصر للغضب الشخصى سبيلاً إلى قراراته.
كان يدرك أن بين الأمة العربية وبين الولايات المتحدة تناقضاً أساسياً، ولكن الحذر فى إدارة هذا التناقض واجب.
وقدر جمال عبد الناصر أنه لا أمل فى فتح باب بينما جونسون فى البيت الأبيض، وهكذا لم تكد مدة رئاسته تنتهى ويفوز "ريتشارد نيكسون" بالرئاسة بعده، حتى انتهز جمال عبد الناصر الفرصة فبعث إلى نيكسون برسالة تهنئة.
ورد نيكسون بإرسال بعثة تقصى حقائق فى أزمة الشرق الأوسط، يرأسها "وليم سكرانتون" الذى عين أخيراً مندوباً دائماً للولايات المتحدة الأمريكية فى الأمم المتحدة..
وتعثرت بعثة سكرانتون وسقطت على الأرض لمجرد أنه أدلى بتصريح بعد عودته من مهمته فى الشرق الأوسط إلى واشنطن، قال فيه:
"أن الولايات المتحدة لابد لها أن تتبع سياسة متوازنة فى الصراع العربى - الإسرائيلى".
ولم ييأس جمال عبد الناصر، وإنما انتهز فرصة أخرى... هى فرصة وفاة "الجنرال آيزنهاور"، فبعث بالدكتور محمود فوزى على رأس وفد للعزاء فى "واشنطن"، وكلفه باستكشاف آفاق التفكير الأمريكى فى الأزمة.
وحتى بعد أن قامت طائرات الفانتوم بغاراتها على عمق مصر، وضربت مصنع أبو زعبل ومدرسة بحر البقر، قبل جمال عبد الناصر باستقبال "جوزيف سيسكو" مساعد وزير الخارجية الأمريكية لشئون الشرق الأوسط وقضى ساعتين يتحدث معه.
ثم وقف فى عيد أول مايو سنة 1970 يوجه نداءً إلى الرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون، يخيّره بين أحد أمرين:
أن يطلب إلى إسرائيل الانسحاب فوراً من الأراضى المحتلة..
أو أن يوقف عنها شحنات السلاح، لأن استمرار احتلالها للأراضى العربية مع استمرار تزويدها بالسلاح الأمريكى معناه أن الولايات المتحدة شريكة فى تثبيت هذا الاحتلال الإسرائيلى للأرض العربية".
وجاء الرد على شكل "مبادرة روجرز"، وقبلها جمال عبد الناصر ليعطى للرئيس الأمريكى فرصة، ولكى يعطى نفسه فى ذات الوقت فرصة لاستكمال بناء حائط الصواريخ على جبهة قناة السويس.
فى هذا كله كان جمال عبد الناصر يدرك مشكلتين:
* مشكلة التناقض بين العرب والولايات المتحدة، وهو تناقض له أسبابه العديدة والمتنوعة.
* وفى نفس الوقت، مشكلة اختيار الأسلوب الملائم لإدارة هذا التناقض فى ظل أوضاع القوة الدولية الراهنة.
* ومع ذلك جاءت الموقعة الحادية عشرة - والأخيرة حتى الآن - بين العرب وبين الولايات المتحدة، ولعلها كانت بعد سنة 1967 أعنف المواقع.
فى الوقت الذى استطاعت فيه الجيوش العربية على الجبهات العربية، وفى مقدمتها الجيشان المصرى والسورى، توجيه ضربة مفاجئة لإسرائيل فى أكتوبر 1973، سارعت الولايات المتحدة إلى نجدة إسرائيل، حتى وجد الرئيس أنور السادات نفسه، وعلى حد قوله، "يحارب الولايات المتحدة".
كانت الولايات المتحدة هى التى أعطت لإسرائيل - وسط المعركة - سلاحاً عبرت به قناة السويس من الشرق إلى الغرب، رداً على عبور الجيش المصرى من الغرب إلى الشرق!
ثم أتبعت الولايات المتحدة هذا العمل المكشوف بأعمال أخرى مستترة، استهدفت جميعاً إجهاض الموقف السياسى العربى، وتفريغه من كل قواه الضاغطة، إلى جانب تمزيق تماسك الجبهات العربية المحيطة بإسرائيل.
ألم يحدث هذا؟
حدث...
وكان جمال عبد الناصر فى مثواه الأخير منذ أكثر من ثلاث سنوات.
ولم يكن هناك يستفز الولايات المتحدة، أو يبادرها بعداء، أو يطالعها بوجهٍ عابس أو مبتسم!

الجمعة, يونيو 08, 2012
Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق