السبت، يونيو 09، 2012

قطع علاقات إيران بالمتوسط جائزة استراتيجية تستحق العناء


حتمال أن يشن قائد إيراني مجنون من دون سابق إنذار هجوماً نووياً على إسرائيل يؤدي إلى دمار البلدين ليس الخطر الحقيقي الذي يهدد إسرائيل في نظر قادتها، فالخطر الفعلي يكمن في أن إيران لا تحتاج حتى إلى اختبار سلاح نووي لتقوض تفوق إسرائيل العسكري في لبنان وسورية.

لم ننتهِ بعد من احتمال توجيه إسرائيل ضربة عسكرية إلى إيران، فبما أن الجولة الحالية من المفاوضات مع قوى العالم الكبرى لن تفضي إلى أي تغييرات جذرية في برنامج إيران النووي، فمن المحتمل أن تعود مسألة شن إسرائيل هجوماً على منشآت إيران النووية إلى الواجهة في وقت لاحق من هذه السنة. ولكن بالإضافة إلى الخطوات الدبلوماسية والعقوبات الاقتصادية المتشددة، ثمة خطوة بالغة تستطيع الولايات المتحدة أخذها لتبديل الحسابات الإسرائيلية، ألا وهي مساعدة الشعب السوري في معركته ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد.

قد يبدو برنامج إيران النووي والحرب الأهلية في سورية مسألتين منفصلتين، إلا أنهما في الواقع مترابطتين أشد ترابط، فما تخشاه إسرائيل حقاً (خسارة هيمنتها النووية وبالتالي قدرتها على استخدام قواها التقليدية متى تشاء في أرجاء الشرق الأوسط المختلفة) يُعتبر العامل الخفي الذي يحكم قراراتها المتعلقة بالجمهورية الإسلامية. فاحتمال أن يشن قائد إيراني مجنون من دون سابق إنذار هجوماً نووياً على إسرائيل يؤدي إلى دمار البلدين ليس الخطر الحقيقي الذي يهدد إسرائيل في نظر قادتها، فالخطر الفعلي يكمن في أن إيران لا تحتاج حتى إلى اختبار سلاح نووي لتقوض تفوق إسرائيل العسكري في لبنان وسورية. يكفي أن تبلغ إيران العتبة النووية ليتجرأ قادتها على دعوة حلفائهم في لبنان، حزب الله، لمهاجمة إسرائيل، لأنهم يعون تماماً أن خصمهم سيفكر ملياً قبل أن يرد.


وهنا يأتي دور سورية، فقد تحظى إيران بفرصة زعزعة أمن إسرائيل بسبب العلاقة الاستراتيجية بين الجمهورية الإسلامية ونظام الأسد، فطوال عقود ثلاثة من العداء بين إيران وإسرائيل، لم نشهد أي مواجهة عسكرية مباشرة بينهما، إنما استطاعت الجمهورية الإسلامية أن تبرهن أنها قادرة على تهديد مصالح إسرائيل الأمنية عبر “حزب الله” الذي تدعمه إيران وتدربه بمساعدة سورية.

لكن انهيار نظام الأسد قد ينهي هذا التحالف الخطير، إذ أخبر وزير الدفاع إيهود باراك، الذي يعتبره البعض أحد أبرز صناع القرار في هذه المسألة في إسرائيل، كريستيان أمانبور من شبكة CNN أن سقوط نظام الأسد “يشكل ضربة قوية للمحور الأصولي، ضربة قوية لإيران… تُعتبر سورية المركز المتقدم الوحيد للنفوذ الإيراني في العالم العربي، إذا جاز التعبير… وسقوطه سيضعف إلى حد كبير حزب الله في لبنان والجهاد الإسلامي في غزة”.
اندلعت الثورة في سورية منذ أكثر من سنة، ومن الواضح أن المعارضة لن تختفي، كما أن الضغط الدبلوماسي والعقوبات الاقتصادية لن ترغم الأسد على القبول بحل للأزمة تفضي إليه المفاوضات. فحياته وحياة عائلته وطائفته مهددة اليوم. لذلك، لن يبدل الأسد موقفه ما لم تهدد الدول الكبرى باللجوء إلى القوة أو تلجأ إليها حقاً. وبغياب التدخل الأجنبي في سورية، ستزداد الحرب الأهلية سوءاً بينما يسعى المتطرفون إلى استغلال هذه الفوضى، التي ستمتد بعنف إلى الأردن ولبنان وتركيا.

بدت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما مترددة على نحو مبرر في تنفيذ عملية جوية ضد سورية شبيهة بحملة ليبيا، ذلك لأسباب ثلاثة. بخلاف قوات المعارضة الليبية، الثوار السوريون ليسوا موحدين ولا يسيطرون على جزء من الأراضي السورية. كذلك، لم تدعُ جامعة الدول العربية إلى تدخل عسكري أجنبي، كما حدث في ليبيا. أما روسيا، حليفة نظام الأسد القديمة، فتعارض هذه الخطوة بشراسة.
كان الوضع الليبي أسهل، ولكن باستثناء التغني بأن التدخل الأجنبي أنقذ آلافاً كثيرة من المدنيين الليبيين من نظام معمر القذافي، لم يكن لهذا التدخل أي عواقب طويلة الأمد على المنطقة. لكن الوضع السوري أكثر صعوبة. فالنجاح في إسقاط نظام الأسد
سيؤدي إلى تغيير جذري في الشرق الأوسط، فلن يقتصر هذا التغيير على سقوط حاكم مستبد آخر أمام المعارضة الشعبية، بل سيتعداها إلى حرمان إيران من منفذ على البحر المتوسط تستطيع من خلاله تهديد إسرائيل وزعزعة استقرار المنطقة.

سيتطلب نجاح التدخل في سورية من الولايات المتحدة قيادة دبلوماسية وعسكرية فاعلة. يجب أن تبدأ واشنطن بإعلانها استعدادها للتعاون مع حلفائها الإقليميين، أمثال قطر والمملكة العربية السعودية وتركيا بهدف تنظيم القوات الثورية السورية وتدريبها وتسليحها. ولا شك أن هذا الإعلان بحد ذاته سيؤدي إلى انشقاق أعداد كبيرة من الجنود السوريين. يمكن بعدئذٍ أن يستخدم الدبلوماسيون الأميركيون ومسؤولو وزارة الدفاع الأميركية الأراضي التركية أو ربما الأردنية لدعم المعارضة وتوحيد صفوفها، وعندما تدرك المعارضة أنها ستحظى بمساعدة خارجية، يسهل عليها العمل تدريجياً على بناء قيادة سياسية متماسكة بالاستناد إلى المجلس الوطني السوري، فضلاً عن قيادة فاعلة وبنية واضحة للجيش السوري الحر، علماً أنهما يعانيان راهناً ضعفاً كبيراً وانقساماً واضحاً. صحيح أن هذه العملية صعبة وتستلزم الكثير من الوقت، لكن يجب ألا ننسى أن الحرب الأهلية السورية قد تستمر لسنوات، حسبما يبدو، سواء تدخل الغرب أو أبى ذلك.

أما الخطوة التالية التي ينبغي التفكير فيها، فهي حشد الدعم الدولي لعملية جوية ينفذها ائتلاف دولي، لكن روسيا لن تدعم مطلقاً مهمة مماثلة. لذلك، لا طائل في العمل من خلال مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. ونظراً إلى تردد بعض الدول الأوروبية، قد يكون العمل من خلال حلف شمال الأطلسي صعباً أيضاً. إذن، يجب أن ترتكز هذه العملية على تركيبة فريدة من الدول الغربية والشرق أوسطية، وبما أن سورية تعاني اليوم عزلة مطبقة في جامعة الدول العربية، فقد يكون ممكناً الفوز بدعم كبير من معظم الدول العربية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية وتركيا، ولا شك في ألا غنى عن القيادة الأميركية، بما أن معظم الدول لن تتحرك إلا لتسير وراء واشنطن. يعبر البعض عن قلقهم من أن يؤدي تدخل الولايات المتحدة إلى مواجهة مع روسيا، لكن مثال كوسوفو (عندما قاد حلف شمال الأطلسي حرباً ضد حليف آخر لروسيا، في حين اكتفت موسكو بالتشكي) يظهر العكس. ففي تلك الحالة، كانت روسيا تتمتع بروابط إثنية وسياسية قوية بالصرب، روابط تغيب عن علاقة روسيا بسورية. لا شك أن احتواء رد فعل روسيا تجاه التدخل الخارجي ليس بالمهمة السهلة، ولكن من الضروري تفادي المبالغة.

يُعتبر تسليح المعارضة السورية وتشكيل قوات جوية ائتلافية لدعمها مقاربة قليلة الكلفة تحقق إنجازات بالغة الأهمية، ومن الضروري وضع خطط عسكرية فورية لمعرفة ما إذا كان من الضروري فرض منطقة حظر جوي تشل حركة طائرات النظام ومروحياته أو يجب تنفيذ هجمات جو أرض تستهدف الدبابات والمدفعية السورية.

وكما أشار أيضاً وزير الدفاع الإسرائيلي باراك، قد تكون دفاعات سورية الجوية أفضل مما امتلكته ليبيا، إلا أنها لا تضاهي بفاعليتها القوات الجوية الحديثة.
تبقى النقطة الأهم أن واشنطن، إن ظلت متمسكة بقرارها عدم إنزال جنود أميركيين على الأرض، على غرار ما حدث في كوسوفو وليبيا، فلن تتكبد خسائر كبيرة. صحيح أن النصر لن يكون سريعاً وسهلاً، إلا أنه آتٍ لا محالة، وستكون الغنائم كبيرة. فستُعزل إيران استراتيجياً، ولن يعود بإمكانها بسط نفوذها في منطقة الشرق الأوسط، فضلاً عن ذلك، سيعتبر النظام السوري في حقبة ما بعد الأسد الولايات المتحدة على الأرجح صديقاً لا عدواً، كذلك، ستظهر واشنطن بمظهر المدافع عن الشعوب في العالم العربي، لا عن الأنظمة الفاسدة.
عندما تُحرم الجمهورية الإسلامية من بوابتها على العالم العربي، فلا يعود من مبرر قوي يدفع إسرائيل إلى التفكير في تسديد ضربة مفاجئة وخاطفة للمنشآت النووية الإيرانية. حتى إن النظام السوري الجديد قد يستأنف محادثات السلام المجمدة بشأن مرتفعات الجولان.

في لبنان، سيصبح “حزب الله” معزولاً عن راعيه الإيراني، بما أن سورية لن تعود حلقة الوصل التي تزود من خلالها إيران حليفها هذا بالتدريب والدعم والصواريخ، وإذا أضفنا إلى كل هذه الفوائد الاستراتيجية هدفاً سامياً، ألا وهو إنقاذ عشرات آلاف المدنيين من القتل على يد نظام الأسد (يؤكد الناشطون أن حصيلة القتلى وصلت إلى 12 ألفاً)، يصبح التدخل في سورية خطراً محسوباً، لكنه خطر يستحق العناء.
مع كسر حاجز الخوف، صار الشعب السوري مصمماً على القتال في سبيل حريته. تستطيع الولايات المتحدة مساعدته وعليها ذلك، لأنها بالمساهمة في إسقاط النظام السوري تساعد إسرائيل وتحد من خطر اندلاع حرب أشد خطورة بين إسرائيل وإيرا

ن.

0 comments:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية