وزاد الطين بلة المعالجة الخاطئة لمشكلات بعض الأقليات مما حولها من "نعمة " إلى "نقمة ". فما هي أبعاد تلك القضية؟ وكيف عالجها الإسلام؟
في البداية توضح الدكتورة فتحية النبراوي رئيس قسم التاريخ بكلية الدراسات الإنسانية جامعة الأزهر أن الأقليات العربية نوعان: أولهما أقليات دينية من أتباع الديانات السماوية، مثل النصارى بمختلف طوائفهم، وهم موزعون في غالبية الدول العربية، أما اليهود فهم أقلية متواجدة في بعض دول المغرب العربي وخاصة المغرب وتونس، وكذلك في بعض دول الشام مثل سوريا ولبنان، بل إن هناك بقايا اليهود في العراق واليمن وكذلك الأقلية الشيعية وخاصة الإباضية والجعفرية واليزيدية وغيرها، وهناك أتباع للوثنية ممن يتبعون ديانات غير سماوية. وهناك أقليات عرقية مثل الأكراد والأمازيغ والنوبيين والتركمان والشركس والطوارق والبربر وغيرها، ويعيش هؤلاء جميعًا وسط الأكثرية العرب المسلمين الذين يتبعون المذاهب السنية الأربعة وقد انعكس ذلك على اختلاف اللهجات، بل واللغات التي يتحدث بها بعض أبناء تلك الأقليات.
وعرضت الدكتورة فتحية النبراوي لمشكلة الأقليات في بعض الدول العربية فتقول: تعد العراق نموذجًا صارخًا لهذا التنوع والعرقي والديني واللغوي؛ حيث فيه الشيعة والسُّنّة العرب والأكراد يمثل أتباعهما الأغلبية في حين يمثل النصارى العرب والصابئة واليهود –الذين بدأ بعضهم يعود بعد الاحتلال الأمريكي بعد هجرتهم لإسرائيل– الأقلية الدينية، بالإضافة إلى أقليات عرقية من ذوي الأصول الإيرانية والكردية والتركمانية وغيرها.
بل هناك تنوع ديني داخل الأقليات العرقية نفسها فمثلاً نجد الأكراد غالبيتهم من أهل السنة، أما التركمان فغالبيتهم من أتباع المذهب الحنفي، أما المسيحيون العرب فغالبيتهم من الروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك، وهناك مسيحيون غير عرب يدينون الكاثوليكية والأرثوذكسية من النساطرة الآشوريــين والكلدان واليعاقبة والسريان والشركس والأرمن.
سلاح ذو حدين:
وأشار الدكتور عبد المعطي البيومي أستاذ التاريخ بكلية اللغة العربية – جامعة الأزهر إلى أن وجود الأقليات العرقية والدينية واللغوية في أي دولة سلاح ذو حدين؛ حيث يكونون مصدر إثراء للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ إذا كان بينهم توافق وتفاهم ووعي بمصلحة الوطن فيما بينهم أو مع الأغلبية حيث يصبح الجميع على قلب رجل واحد، وهنا يكون التنوع العرقي نعمة، أما إذا كانت العلاقة بين الأقليات أو بينهم وبين الأغلبية كلها توتر وقلاقل وغياب للرؤية المشتركة، فإن وجود الأقلية هنا يمثل نقمة، ولا يمكن فصل هذا عن مختلف التطورات والمؤامرات الداخلية والخارجية، ومدى انتماء وارتباط الأقلية بوطنها وليس بالخارج والاستقواء به.
ومن المؤسف أن هناك نماذج كثيرة عبر التاريخ تسبب فيها التنوع العرقي والديني واللغوي في توترات سياسية سرعان ما تحولت لنزاعات مسلحة راح ضحيتها الكثير من أبناء الوطن بأيدي أشقائهم في الوطن، وقد حدث هذا لسنوات طويلة أثناء الحرب الأهلية اللبنانية التي اشتبك فيها المسيحيون العرب ممثلين في الموارنة والروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك والبروتستانت ويشكلون حوالي ثلث السكان، كما أن هناك المسيحيين غير العرب مثل الأرمن ومنهم أرثوذكس وكاثوليك وبروتستانت بالإضافة إلى السريان واللاتين والأقباط.
أما غير المسيحيين فنجد الدروز والعلويين من أتباع المذهب الشيعي وهناك المسلمون العرب الأكراد والترك وقد أسهمت هذه التركيبة الطائفية والعرقية المعقدة في بلد صغير المساحة وقليل السكان في الصراع لتحقيق مصالح سياسية واقتصادية واجتماعية منذ قرون عديدة وبالتحديد – حسب بعض المراجع التاريخية - منذ القرن الثامن عشر.
ويشير الدكتور البيومي إلى أن الأقليات في منطقة المغرب العربي تسببت في إثارة العديد من المشكلات حتى إن بعضها من البربر والأمازيغ والطوارق من الناحية العرقية طالبوا بدولة مستقلة؛ في محاولة لاحتواء الأقلية التي لها ثقافة ولغة متميزة ومختلفة عن العربية، وكذلك هناك اليهود والمسيحيون.
ففي الجزائر مثلاً نجد البربر مسلمين من أتباع المذاهب السنية وكذلك هناك بربر مسيحيون وإباضيون بالإضافة لذوي الأصول العربية والأوروبية.
أما في دولة المغرب ففيها العرب والبربر والأمازيغ والطوارق واليهود وذوو الأصول الأوروبية والزنوج الأفارقة، ويمتد هذا التنوع العرقي إلى موريتانيا التي تضم عربًا وبربر وأفارقة وطوارق.
وفي تونس نجد أتباع الأديان السماوية الثلاثة بالإضافة إلى تنوع عرقي بين العرب والبربر والأفارقة وغيرهم ويتحدث سكان المغرب العربي –الجزائر والمغرب وتونس وموريتانيا- اللغة العربية بصعوبة رغم أنها اللغة الرسمية في حين يتحدث الغالبية اللغة الفرنسية لاستمرار الاستعمار الثقافي الفرنسي الذي انسحب بجنوده إلا أن تأثيره الثقافي ما يزال مستمرًّا.
وأوضح الدكتور البيومي أن الوضع في مصر –أكبر دولة عربية– فيختلف تمامًا؛ حيث يشكل العرب أو الناطقون بالعربية غالبية السكان في حين يمثل النوبيون أقلية يحاول البعض المطالبة بدولة لهم جنوب مصر؛ باعتبارهم ذوي حضارة وثقافة قديمة تختلف عن العربية حتى وإن كانوا يتفقون مع الغالبية في أن دينهم الإسلام الذي يوجد بكل مذاهبه في مصر، إلا أن الغالبية من أتباع المذهب الشافعي، في حين يشكل المسيحيون أقلية ويعتبر الأرثوذكس أكبر طوائفهم بالإضافة إلى أقلية من الكاثوليك والبروتستانت والأرمن وقلة من ذوي الأصول الإفريقية.
أما السودان فإن غالبيتها من ذوي الأصول الإفريقية والعربية، ويدين أهلها بالإسلام والمسيحية والعديد من الأديان الوثنية والوضعية، ويتحدث أهلها أكثر من أربعين لغة ولهجة غير العربية مثل اللغة الإنجليزية، بالإضافة إلى اللهجات المحلية ولعل هذا ما أدى إلى اكتمال المؤامرة عبر إنشاء دولة جنوب السودان التي كانت نتيجة طبيعية للصراع العرقي والديني الذي أشعله الاستعمار الغربي، وخاصة الأمريكي بمباركة إسرائيلية لخدمة أغراض الصهاينة في المنطقة.
أما ليبيا فإن غالبيتها من المسلمين وقلة مسيحية وسكانها غالبيتها من العرب والطوارق وأفارقة.
أما اليمن فيتميز بوجود تجانس عرقي وديني كبير بين سكانه منذ القدم رغم محاولات التقسيم السياسي إلى دولتين، إلا أن الغالبية العظمى من أتباع المذاهب السنية، أما الشيعة فهم قلة وبها يهود وهنود.
وفى سلطنة عُمان يشكل الإباضيون الشيعة غالبية السكان بالإضافة إلى عدد غير قليل من الآسيويين والأفارقة.
وفى البحرين العديد من الأقليات العرقية والدينية مثل الإيرانيين والآسيويون والأوروبيون، ويتقاسم الشيعة والسنة الغالبية بالإضافة إلى بعض الديانات الوضعية للآسيويين.
أما الكويت ففيها مسلمون –سنة وشيعة– وكذلك توجد بها أقلية مسيحية. أما التنوع العرقي للأقليات فإن فيها عددًا كبيرًا من الآسيويين والأفارقة والوضع فيها لا يختلف كثيرًا عن دولة قطر.
أما في الأردن فغالبيتها عرب مسلمون ثم مسيحيون عرب من الروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك والأرمن، كما أن بها ذوي الأصول الشركسية والشيشانية والكردية والتركمانية.
وفى سوريا تنوع ديني وعرقي كبير؛ حيث تضم عربًا وأكرادًا وتركمان وأتراكًا شراكسة، وبالنسبة للأديان ففيها مسلمون سنة بالإضافة إلى العلويين الشيعة والدروز والإسماعيليين، أما المسيحيون فمعظمهم من الروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك والموارنة واليعاقبة واللاتين والأرمن وهناك أقلية يهودية.
مؤامرات مستمرة:
يسرد الدكتور سعد الحلواني أستاذ التاريخ بجامعة الأزهر بعض مؤامرات الأقليات على دول الأغلبية من خلال الاستقواء بالخارج، مثلما فعل بعض مسيحيي مصر الذين لم يكتفوا بذلك، وإنما قامت مجموعة من مسيحيي الوطن العربي بتشكيل جبهة متحدة مع العلمانيين العرب منذ فترة طويلة للتخطيط لإلغاء الهوية الإسلامية للشعوب العربية، والضغط على أنظمة الحكم لإلغاء النصوص المتعلقة بالشريعة باعتبارها المصدر الرئيس للتشريعات، ومن المؤسف أن بعض أنظمة الحكم اضطرت لتقديم تنازلات داخلية وخارجية مهينة خلال العقود الأخيرة، بعد أن تم خنق بعض الدول بسلاح المعونات، في حين تم ابتزاز دول أخرى بافتعال حروب إقليمية وقلاقل داخلية؛ عن طريق إشعال الفتنة بين الأغلبية والأقلية العرقية والدينية، باستخدام سلاح الزعم بأن هناك اضطهادًا دينيًّا وكبتًا لحريات الأقليات، وإرسال لجنة الحريات الدينية بالكونجرس للتفتيش والضغط حتى وصل الأمر إلى أن أعياد الأقليات المسيحية أصبحت أعيادًا وطنية وإجازات رسمية للدولة، والإقرار بحق الأقليات في التحدث بلغتها باعتبار تمهيد لإقرار التعامل بها في الإعلام والتعليم.
وكشف الدكتور سعد الحلواني أن بعض الأقليات العربية تم اتخاذها سلاحًا لاحتلال الدول كاملة فمثلاً جاء الصليبون بحملاتهم المتعددة على العالم الإسلامي، واحتلوا أجزاء كبيرة من مصر وفلسطين وبلاد الشام بحجة نصرة مسيحيي الشرق من اضطهاد المسلمين، ونفس السلاح استخدمه الإنجليز لاحتلال مصر بزعم حماية المسيحيين فيها، بعد أن تم الترويج لتلك الشائعات وبعد الاحتلال تم تعيين كثير من المسيحيين في وظائف قيادية وصلت لدرجة رئيس الوزراء، رغم أن المسيحيين في مصر أقلية لا تتجاوز 7% على أقصى تقدير، وجعلوا من بعضهم طابورًا خامسًا يعمل ضد مصالح الأغلبية المسلمة.
ظاهرة نادرة:
ورصد الدكتور مجاهد الجندي أستاذ التاريخ الإسلامي وعضو المجلس الأعلى للثقافة ظاهرة غريبة في بعض الدول العربية التي يشكل العرب فيها أقلية، ولا يتحدث أهلها العربية إلا نادرًا، رغم عضويتها في جامعة الدول العربية، مثل الصومال التي تقدر بعض الإحصائيات نسبة العرب فيها بما لا يزيد عن 1% فقط، أما الغالبية العظمي فهم من ذوي الأصول الصومالية والإفريقية وبعض الآسيويين، ويتحدث السكان العديد من اللغات أهمها السواحلية بالإضافة إلى العديد من اللغات المحلية.
والوضع في دولة جزر القمر أحدث الدول انضمامًا إلى جامعة الدول العربية؛ حيث نجد العرب أقلية، ولا يتحدثون العربية إلا نادرًا في حين يتشكل السكان من الأفارقة والآسيويين والأوربيين ويتحدث الجميع الفرنسية أو اللهجات المحلية.
وعرض الدكتور مجاهد الجندي لنماذج عملية من تقسيم الاستعمار للأقليات نفسها داخل أكثر من دولة لتصل نقاط اشتعال للحروب الحدودية فمثلاً الأقلية الكردية موزعة بين تركيا والعراق وإيران وسوريا، رغم أن عددها ما بين 25-30 مليون كردي ولهم لغتهم وعاداتهم وثقافتهم.
وكذلك الأمازيغ في دول المغرب العربي وعددهم ما بين 20-25 مليونًا، هم يطالبون بجعل اللغة الأمازيغية لغتهم الرسمية ولديهم ثقافة وعادات مختلفة، وهناك تشجيع استعماري لانفصال تلك الأقليات إذا كان ذلك يحقق مصالحه، أو أن تظل تلك الأقليات في صراع مع الأغلبية.
ومن يتأمل خريطة الأقليات يجد أن مسألة الأقليات القومية والإثنية واللغوية عديدة ومشتعلة أو قابلة للاشتعال في ظل مؤامرات خارجية وطموحات داخلية وسياسات خاطئة أدت لحرمان الأقليات في الوطن العربي من كثير من حقوقها المشروعة، وخاصة فيما يتعلق بالتراث الثقافي الذي تعمد البعض طمسه مما أدى إلى اشتعال معارك ثقافية، وليس سياسية فقط بين اللغة العربية واللغات الأجنبية والنموذج الصارخ هو صراع العربية والفرنسية في دول المغرب العربي مع أنه كان الممكن تحويل التعدد اللغوي إلى ميزة عن طريق الدولة القائمة على احترام حقوق المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات، مما يمنع من تفجر الأزمات طالما تتم المعالجة العقلانية لموضوع الأقليات بشكل حكيم وعادل.
تسامح إسلامي:
عرض المؤرخ الدكتور رأفت غنيمي الشيخ أستاذ التاريخ بجامعة الزقازيق لنماذج من تسامح المسلمين مع الأقليات عبر التاريخ الإسلامي كله، ابتداء من دستور المدينة مرورًا بكل الدول الإسلامية من الأموية إلى العباسية إلى الأيوبية والمماليك والعثمانيين؛ حيث كان بعض أبناء تلك الأقليات يحتلون مراكز لا يحلمون بها، بل بعض المسلمين كان يحسدهم على ما وصلوا إليه، ولم يقتصر الأمر على ذلك، وإنما امتد إلى خارج البلاد العربية، فعندما فتح المسلمون الأندلس عاملوا أهلها من المسيحيين واليهود معاملة مثالية، ولم يعاملوهم مثلما يعامل الغزاة البلاد التي يستولون عليها من استباحة الديار والأعراض، أو إكراههم على ترك دياناتهم، وإنما جعلوهم يعيشون في حرية دينية وكانوا يعيشون آمنين على ديارهم وأعراضهم وأموالهم في ظل الدولة الإسلامية القوية، ولنا أن نقارن ذلك بما فعله نفس المسيحيون الأندلسيون مع المسلمين حين ضعفت دولتهم؛ حيث أقاموا لهم محاكم التفتيش والإبادة الجماعية، وأجبروهم على الهجرة أو اعتناق المسيحية بعد أن ظل الإسلام في الأندلس قرابة الخمسة قرون، وما يزال هذا العداء مستمرًّا من خلال تمجيد ذكرى القائد الإسباني "الكمبيادور" المتعصب ضد كل إسلامي الذي يعد من وجهة نظرهم من الأبطال القوميين حتى الآن.
ويربط الدكتور رأفت الشيخ بين هذا التسامح الإسلامي مع الأقليات ونكران الجميل في الأندلس بعد أن تم طرد وإبادة وتنصير المسلمين، وكذلك طرد اليهود، فإذا بالعثمانيين في عهد سليمان القانوني يسمحـون لهم بالدخول والعيش في الدولة بعد أن تشردوا ورفضت أي استقبالهم لفسادهم وشرهم المتوارث عبر التاريخ وعاشوا في حرية دينية واقتصادية أصبح لهم شأن كبير حتى إنهم تآمروا على الدولة العثمانية، وأسهموا في إسقاط الخلافة العثمانية، وتولّي ربيب اليهودية مصطفى كمال أتاتورك. وليهود الدونمة تاريخ مليء بالشرور وشدة التآمر على الخلافة العثمانية وتاريخهم معروف للعامة قبل الخاصة، ولم يهدأ لهم بال حتى أقاموا الدولة الصهيونية في فلسطين، بعد أن مارسوا أبشع أنواع الابتزاز على سلاطين الدولة العثمانية، ونفس الوضع من تسامح العثمانيين مع أهل البلقان، فإذا بهم ينكرون الجميل ويرتكبون أبشع المجازر على يد الصرب في البوسنة والهرسك وكوسوفا وغيرها.
ويواصل الدكتور رأفت الشيخ الربط بين مشكلات الأقليات ومحاولاتها الاستقواء بقوى الهيمنة العالمية بزعم المحافظة على حقوق الأقلية حتى وإن كانت تتمتع بحقوق المواطنة الكاملة وحجج الاستعمار في هذا الميدان كثيرة، ولا نهاية لها، مما يجعل وطننا العربي يخشى على مستقبله من تفاقم المشكلات المتعلقة بظاهرة الأقليات مما يهدد أمنه واستقراره في ظل النفخ في نيران تعدد الهويات والانتماءات وضرورة الاستقلال لكل أقلية بنفسها عن الأغلبية، سواء بالترغيب أو بالترهيب.
ومع هذا ما زلنا نراهن على أن ما يجمع الأقليات العربية مع الأغلبية أكثر مما يفرّقها إذا علا صوت العقل ومعيار الدين؛ حيث إن الغالبية العظمى من المسلمين والمسيحيين بالإضافة إلى وحدة اللغة والتاريخ واللغة رغم النجاح السابق للتقسيم عن طريق اتفاقية سايكس- بيكو التي قسمت الدولة العثمانية الكبرى إلى دويلات صغيرة غالبيتها توجد بينها مشكلات حدودية بسبب تقسيم الأقليات نفسها بين أكثر من دولة؛ مما جعلها أشبه بقنابل موقوتة وهي نتيجة طبيعية لمؤامرة التقسيم التي حاول الاستعمار الغربي استغلال تعدد الأقليات الطائفية والعرقية ليتم منحه امتيازات خاصة لبعضها حتى يمزق الصفوف ويزرع الفتن والتمرد على وضعها.
ولعل هذا أحد أسباب فشل الدول العربية في إقامة دولة قومية كبرى أو اتحاد حقيقي مثل الاتحاد الأوربي، بل إن المحاولات الثنائية للاتحاد فيما بينها فشلت، ولم تستمر سوى سنوات قليلة رغم أن الإحصائيات تؤكد أن قرابة خمسة وثمانون وثمانين بالمائة من السكان متجانسـون لغويًّا ودينيًّا وثقافيًّا في حين لا تزيد الاختلافات في الدين واللغة والسلالة العرقية والانتماء الثقافي عن خمسة عشر بالمائة على عكس الوضع في الاتحاد الأوروبي الذي تربطه عوامل أقل مما يربطنا، ولديهم تاريخ كله حروب وصراعات إلا أن لديهم الإرادة في تغليب المصالح العامة على القطرية على عكس الوضع في الوطن العربي؛ حيث تغلب كل دولة مصالحها الذاتية على المصلحة القومية، بل المجموعات الدينية والعرقية تغلب مصلحتها على مصلحة الدولة التي تعيش فيه.
وأنهى الدكتور رأفت الشيخ كلامه بضرورة الحذر من التساهل والاستضعاف مع أبناء الأقليات ليصبح هناك ما يسمى "جبروت الأقلية"، وخاصة أن هناك مخططًا عالميًّا لجعل الأقليات معول هدم في كل الدول العربية والإسلامية بحيث يتم "تقسيم المقسم" وكذلك "تفتيت المفتت" ضمن مشروع تآمري للتفكيك إعمالاً للمبدأ الاستعماري الراسخ "فرق تسد".
الإسلام وحماية الأقليات:
أما عن نظرة الإسلام إلى الأقليات وإمكانية التعايش معها، فقال الدكتور محمد رأفت عثمان عضو مجمع البحوث الإسلامية والعميد السابق لكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر: أمر الإسلام بمعاملة الأقليات – أيًّا كان ونوعها - معاملة حسنة كلها تسامح طالما كانوا من المسالمين معنا، للتأكيد دائمًا على أنهم جزء من المجتمع الإسلامي حتى ولو كان دينهم مختلفًا عن دين غالبية السكان حتى يشعر الجميع بأنهم نسيج واحد لم يظهروا العداء لنا أو يظاهروا الأعداء ضدنا {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8].
وأضاف الدكتور رأفت عثمان: يؤمن الإسلام أنه من المستحيل أن يعيش أتباعه في العالم وحدهم، بل إنهم لا بد أن يتعاونوا ويتعايشوا مع كل البشر؛ لأنه يجمع البشر جميعًا في وحدة الأصل فقال تعالى: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}.
وأوضح الدكتور رأفت عثمان أن الإسلام يتعامل بواقعية مع التركيبة السكانية في المجتمعات الإنسانية؛ حيث إنه لا توجد دولة في العالم تخلو من وجود أقليات بها باستثناء الدول المنغلقة أو العنصرية، ولهذا يطلب الإسلام من أتباعه – حكامًا ومحكومين – أن ينصفوا أبناء الأقليات ويجيبوا مطالبهم إذا كانت عادلة وأن يجتنبوا إكراههم على الإسلام فقال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [سورة البقرة: 256].
وطبق المسلمون الحرية الدينية للأقليات في أنقى معانيها؛ لأن هذا أمر إلهي فقال تعالى: {وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا} [سورة الكهف: 29].
وأنهى الدكتور رأفت عثمان كلامه بالتأكيد على أن الإسلام يحرم على الأغلبية المسلمة نقض العقود والعهود والاغترار بالقوة والكثرة العددية؛ لأنه يؤمن بالتنوع الديني بين البشر وضرورة احترام حق الآخر، فقال تعالى {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}. وقد أكد رسول صلى الله عليه وسلم نفس المعنى وبيّن عقوبة من يخالف فقال: "أَلَا مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهِدًا لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ فَقَدْ أَخْفَرَ بِذِمَّةِ اللَّهِ فَلَا يُرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ خَرِيفًا".
نسأل الله أن يحفظ بلاد المسلمين من كل مكروه وسوء.
محمد فتح الله الأبنودي
:: موقع مجلة البيان الالكتروني

الأحد, يونيو 10, 2012

Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق