أما ولاية الفقيه فتعني أن يكون للفقيه العادل الجامع للشرائط إمكانية التصدي لشؤون الاجتماع السياسي؛ بهدف تطبيق الأطروحة الإسلامية في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية، في ما يعرف بالولاية السياسية، حيث لا يكتفي العالم بالدين، العارف بأطروحته، وما تحتوي من رؤى ومفاهيم ونظريات بتبليغ هذه الأطروحة والتعريف بها، بل يبادر إلى تطبيقها في مختلف الميادين من سياسية وغيرها، لأجل إقامة الدين وتحقيق مقاصده.
إن السؤال المطروح حالياً هو عن العلاقة بين المرجعية، بمعناها التقليدي، وولاية الفقيه، أو بين المرجع والولي الفقيه، فقبل انتصار الثورة في إيران وقيام الجمهورية الإسلامية العام 1979، لم يكن التوجه الموجود لدى بعض المراجع في قم ميالاً إلى الاصطدام بنظام الشاه والسعي إلى إسقاطه، وإنما العمل على تطبيق بنود دستور 1906، والذي أيده يومها العديد من الفقهاء، حيث نصت المادة الثانية منه على تشكيل لجنة تضم مجموعة من الفقهاء يكون لها الحق في مناقشة أي مشروع قانون وردّه، إذا ما وجدت فيه مخالفة للشريعة الإسلامية، حيث صرح بعض مراجع الدين في بدايات الثورة بمطلوبية العمل على تطبيق بنود الدستور وتحديداً المادة الثانية منه. وكان هذا الأمر بالنسبة إليه كافياً للدخول في موادعة مع النظام الملكي، وعدم الاصطدام به.
يُظهر هذا الاختلاف حجم التباين في الرؤى بين من يرى الدفع المطلوب باتجاه تغيير الواقع السائد، من خلال فعل الثورة، ومواجهة النظام القائم، مهما كانت باهظة الكلفة التي تترتب على تلك المواجهة، وبين من يرى السعي إلى تغيير فصل النظام، أو بعض من سياساته أو قراراته، دون الوصول ما أمكن إلى الاصطدام به، أومحاولة تغييره.
إن ما تدل عليه تلك النظرية، أن ثقافة المرجعية وقوة حضورها في المركوز الثقافي، كانت بمستوى فرضت نفسها حتى في الدستور الإيراني المقرر سنة 1358هـ، من حيث شرط المرجعية في القيادة، أصبح حاضراً في بعض بنود الدستور الإيراني آنذاك، ولم تبقَ فكرة قيادة المرجعية مقتصرة على الشأن الثقافي، أو على بعض الطروحات الفكرية.
بل يوجد طرح آخر تذهب إليه شورى الفقهاء المراجع كخيار أولي، هو أن تتولى القيادة شورى مؤلفة من مراجع التقليد، تكون الولاية لها مجتمعة، حتى ولو أمكن الوصول إلى أحد الفقهاء واختياره كولي أمر، بشرط أن يتصف أفراد تلك الشورى بالمرجعية، بما تعنيه هذه المرجعية من حيازة شرطَي رضا الله تعالى والناس.
من الواضح أن المتغيرات والتطورات الاجتماعية تفرض نفسها على مجمل الشرائح والجهات الاجتماعية، والمرجعية الإسلامية الشيعية ليست أمراً خارجاً عن هذه القاعدة، بمعنى أنها تتفاعل مع ذلك التطور الاجتماعي، وتسعى إلى التكيف معه، والتعامل مع مختلف مستجداته، بما يسمح بتحقيق الأهداف المناطة بتلك المرجعية بشكل أفضل.
لقد أثبتت المرجعية في محطات تاريخية عديدة أنها قادرة ـ إذا ما أرادت ـ على إدراك اللحظة التاريخية، واستيعاب الظرف الاجتماعي، وتحديد كيفية التعامل معه. وقد ذكرنا سابقاً بعضاً من النماذج التي أظهرت ليس فقط قوة المرجعية في الاجتماع الديني، وإنما أيضاً قدرتها على الإحاطة بالظروف الاجتماعية والسياسية وتشخيص كيفية التعامل معها.
ما ذكر من قدرة على استيعاب الظروف الاجتماعية وكيفية التعامل معها مرتبط إلى حدٍّ بعيد بشخصية المرجع نفسها؛ بمعنى أنه عندما تكون شخصية المرجع العلمية وغير العلمية بتلك المواصفات والميزات، التي تساعده على حسن الإحاطة بالظروف الاجتماعية وتشخيص كيفية التعامل معها؛ فإن المرجعية ستكون عندها قادرة على خوض المعترك الاجتماعي، وإلا فإنها إذا لم تكن بتلك المواصفات والميزات فسوف تفقد تلك القدرة، أو شيئاً منها.
إن الحوزة العلمية والمرجعية تحديداً، وعلى مدى قرون طويلة من الزمن، مارست نوعاً من الابتعاد عن المجتمع، بمعنى أنها اعتكفت عن تولي كل ما يرتبط بالشأن الاجتماعي العام، وتحديداً السياسي منه، وصرفت اهتمامها بشكل أساس إلى قضايا التعليم والتربية والدعوة. مما أدى إلى إيجاد أعراف وتقاليد حوزوية ومرجعية تتماهى مع ذلك الانعزال عن الشأن الاجتماعي العام، وتعبر عنه، بل وتعمل على تكريسه وتأكيده، بحيث وصلت هذه الأعراف والتقاليد إلى مستوى من القوة بحيث يصعب الخروج عليها أو تجاوزها.
لا بدّ من القول هنا إن هذا التوجه الذي اعتمدته الحوزة الإسلامية الشيعية، وعلى رأسها المرجعية، كان وليد ظروف تاريخية سابقة، استدعت عزل الحوزة الإسلامية الشيعية نفسها إلى حدٍّ بعيد عن الشأن الاجتماعي العام، في محاولة منها لحماية نفسها من المتغيرات السياسية ومخاطرها، ومن مفاسد السلطة ومثالبها، وللنأي عن معترك السلاطين والدول، ولربما أيضاً نتيجة قناعة ترى في منظومة وظائف المرجعية، ما لا يصل إلى حدّ تولي الشأن الاجتماعي العام وتحديداً السياسي منه.
ولاية الفقيه معنية أساساً بالشأن الاجتماعي والسياسي، فإنها وجدت نفسها ملزمة بتطوير آلياتها وبناها المؤسسية، بما يسمح لها بمواكبة المتغيرات الاجتماعية، ويمنحها القدرة على التعامل معها، وعلى تحديد الموقف من مختلف قضايا الشأن الاجتماعي العام، بما فيه السياسي، وهو ما أدى إلى أن يصل النضج المؤسسي لولاية الفقيه مستويات أكثر عصرية وأكثر تطوراً، بما يجعلها بالتالي أكثر قدرة على التعامل مع التعقيدات الاجتماعية، ومعادلات الواقع الاجتماعي.
نستطيع إدراك لماذا عمل النظام الإسلامي في إيران على ألا تكون المرجعية بعيدة عن ولاية الفقيه! ولماذا سعى العديد من المفكّرين والمثقّفين الإسلاميين إلى التنظير للجمع بين الولاية والمرجعية! إذ إن المحاذير التي تعرضنا لها تعد بنظرهم كافية لتبرير الجمع الذي عمل على خطين لتحقيقه، الأول: ويتضمن العمل على تأكيد وتوسعة مرجعية ولي الأمر في الاجتماع الديني؛ والثاني: ويتضمن معالجات نظرية وفقهية، منها ما يذهب إلى إعادة تقديم مفهوم للأعلمية يختلف عما هو المعتمد في الأوساط الحوزوية عامة، ومنها ما يذهب إلى تأكيد كون المرجعية شأن اجتماعي يتضمن قيادة الأمة، ومنها ما يرتبط بتقديم مقاربة مختلفة للشروط التي يجب توفرها في المرجع.
المقال ملخص مِن بحث محمد شُقير 'إيران بين المرجعية وولاية الفقيه'، ضمن الكتاب الثاني والخمسين (أبريل 2011) 'إيران التيارات ولاية الفقيه الإصلاح النفوذ الإقليمي' الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

الثلاثاء, يونيو 12, 2012

Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق