يبحث الحشد العاطفي الكبير الذي تمارسه وسائل الإعلام باتجاه ثورة الحسين، والمجزرة التي وقعت السنة 61 هجرية في العراق الحالي، عن متنفس، سواء واقعي أو مما يتم صناعته في المخيلة الشعبية المعاصرة. الهجوم الهمجي على شركة "بتروناس" في مدينة الرفاعي في الجنوب العراقي، أتت كنموذج لمثل هذا المتنفس.الاثنين، ديسمبر 10، 2012
العراق ... تحولات الشخصية الشِّيعية
يبحث الحشد العاطفي الكبير الذي تمارسه وسائل الإعلام باتجاه ثورة الحسين، والمجزرة التي وقعت السنة 61 هجرية في العراق الحالي، عن متنفس، سواء واقعي أو مما يتم صناعته في المخيلة الشعبية المعاصرة. الهجوم الهمجي على شركة "بتروناس" في مدينة الرفاعي في الجنوب العراقي، أتت كنموذج لمثل هذا المتنفس.
وسائل الاعلام التي تمارس هذا التحشيد العاطفي والطائفي، في آن واحد، تحولت إلى أكثر من وسائل إعلام ففي ظل نكوص المجتمع الى الثقافة الشفاهية بدل المكتوبة، أو تلك التي تستخدم الفن كأداة للتعبير ذي كثافة عالية من المعاني فأن وسائل الإعلام تتحول إلى مصدر وحيد ويتيم للثقافة المتداولة بدورها بشكل شفاهي في معظم الأحيان مع استخدام مشوه لتقنيات حديثة من الفضائيات أو من قبيل تبادل ملفات الصوت والصورة بطريقة البلوتوث أو الإنترنت أو الإذاعة.
لذلك تم استخدام التقنيات تلك لضخ كميات هائلة من التفاهات والتحريضات العنصرية، وأغرب الأفكار الطائفية أو المغرقة في التطرف والدوران حول الذات في عدد محدود من الأفكار لا تتعدى تقديس شخصيات تاريخية ،لا يعرف عنها أكثر من بضع صفحات فيما يتم انتاج المئات من الخطب والكلمات وقصائد الشعر وكتيبات وكراريس تطبع بغزارة وبأنواع وأحجام مختلفة بالإضافة الى الآلاف من المنتجات الصوتية والصورية والأهازيج "الردحية" التي يصعب اكتشاف ملامحها هل هي أغان هابطة وفاشلة أم هي أهازيج شعبية بدائية تسمى تارة بالابتهالات أو المواليد أو الصدريات نسبة إلى التيار الصدري الذي أخذ على عاتقه انتاج الآلاف من هذه المقطوعات عديمة الطعم واللون والرائحة، إلا من التحشيد العاطفي باتجاه تحول الكون كله الى صنفين: محب للحسين وأهل بيت محمد أو مبغضين لهم يجب الانتقام منهم.
ولأنني لا أود الخوض في تفاصيل مصادر تمويل هذا الكم الهائل من المنتجات الثقافية المشوهة؛ لأنني اعتقد أن معظم المتعاطين مع هذه الثقافة هم مجرد أدوات إنتاجية فيها يتم استخدامهم فيها، ومن ثم إلى منتجين لها وصولا الى تحويلهم احيانا الى ممولين لها ضمن معادلة على مستوى قليل من التعقيد، فأنني سأكتفي بمحاولة تصوير ما اصبح اشبه بالحصار المحكم من الداخل لمعرفة مدى قباحة المخلوقات التي يتم انتجاها داخل الاسوار القروسطية تلك.
فمنذ سقوط النظام السابق أصيب الوضع الاجتماعي في مدن الجنوب العراقي، التي عمل النظام الديكتاتوري السابق على تصحيرها ثقافياً، بنوبة هستيرية مازالت تتصاعد وتتعاظم بفعل مرور المنطقة برمتها في تحشيد طائفي، وأن كان بنسبة اقل لإثبات الذات طائفيا بالإضافة الى دور ايران في اعادة ترسيخ الطائفية وضمان بقاء زمام الامور في العراق بيد الاحزاب الشيعية.
كل ما كان ممنوعا أيام البعث أصبح مرغوباً بل وضرورة، وأخذت قضية التشيع ومحورها القضية الحسينية تأخذ مساحة في حياة المواطن العراقي خاصة في محافظات وسط الجنوب العراق الشيعية اكثر من اي مكون اخر يشارك في تكوين الشخصية الشيعية العراقية.
في مدينة الرفاعي التابعة لمحافظة ذي قار جنوب العراق وقع الهجوم، بحجة الإساءة لعاشوراء، على شركة ماليزية يٌدعى أنها نظمت حفلا بمناسبة مقتل الحسين، مع أن عمال الشركة النفطية كانوا يقومون بإجراء روتيني لترتيب وتزين المطعم الخاص بالشركة، ولا يشكل أي إساءة للمشاعر الدينية للأهالي. فهناك في الناصرية حوالى خمس اذاعات محلية تبث وعلى مدار الساعة تقريباً برامج شبيهة ببعض إلى حد الاستنساخ، كلها تتحدث ولفترات طويلة من العام عن الإمام الحسين وعلي وأولادهما ويعاد اجترار الأحاديث بطرق مختلفة ومكررة بطريقة فجة تفتقد إلى أي مذاق إبداعي، شعر ديني ومحاضرات دينية وابتهالات دينية لاحظ ان كل ما يتم بثه تحت عنوان ثقافي هو في الحقيقة "ديني" وتقريبا كل ديني هو في الحقيقة "طائفي" وإن لم يٌقصد ذلك بالضرورة.
كل الأحزاب العاملة في المحافظة دينية شيعية، وكل الفعاليات الثقافية هي دينية المدارس والمستشفيات والكازينوهات والمقاهي والنوادي الرياضية كلها بصورة وأخرى تشارك في هذا التحشيد الديني التلفزيون المحلي الوحيد في المدينة تابع لحزب المجلس الأعلى الإسلامي، العدد القليل من الصحف التي تطبع بشكل متقطع وغير منتظم كلها تابعة لجهات أما دينية أو إنها تجامل تلك الأحزاب والدوائر الدينية.
تُنظم العشرات من الفعاليات الثقافية والفنية كلها تقريبا دينية، وتتكاثر بشكل ملفت للانتباه في شهري محرم وصفر، أسماء الشوارع والمدارس كلها تتحول وبشكل تدريجي الى أم البنين او عابس أو عباس أو الغدير أو الكوثر وفدك وأبو طالب والعشرات من الأسماء الأخرى التي تشير بشكل مباشر او غير مباشر الى قضية الشيعة وأهل البيت لا أكثر.
إن اختصار الحياة في قضية حب أو عداء أهل البيت، وحصر الإنسان في زاوية التحفز لقضية مظلومية الحسين تتطلب إيجاد اعداء أو توهمهم أن تطلب الأمر.
ضمن السياق أعلاه يصبح مشهد الهجوم الذي تعرض له مقر شركة بتروناس في الناصرية منطقيا جداً. نظراً لبشاعة البيئة الثقافية التي ساهم في بنائها أنصاف المتعلمين من الساسة العراقيين والمؤسسة الدينية المتقوقعة على علوم عفا عليها الزمن تقتات على جهل الجماهير، والحفاظ على وجودهم ضمن حضيرة الدين والمذهب، وتقديس الغيبيات التي يحتفظ علماء الدين بالارتباط بها ما تمنحهم قدسية تتصاعد خصوصاً بعد وفاة أحد هؤلاء العلماء. فشهيد المحراب كما يسميه أتباعه لم يحظَ بكل هذا التقدير إلا بعد وفاته فتم بناء شخصيته من جديد بالتعاون بين الساسة الذين تخلوا عن معاداته والتقليل من شأنه من الأحزاب الباقية، ومن الساسة الذين ارتدوا جلباب الدين وهم بحاجة بين الفينة والأخرى لإنتاج شخصيات مقدسة تعطي الزخم المطلوب للحشود المنومة.
الشهيد الصدر الأول والثاني وشهيد المحراب ثم عزيز العراق كلهم لم يحظوا بكل هذا التقديس الذي يزداد بمرور الزمن ويكبر ككرة ثلج تتدحرج من أعلى قمة التناقضات والعقد النفسية؛ التي تعصف بشخصية العراقي الشيعي. لم تلبث أن تحولت إلى أعمدة تحمل سقف الشخصية العراقية التي لا تعدو كونها كوما من الايمان بغيبيات لا يحفل بها العالم وتثير شفقته اكثر من قلقه.
لابد من وجود ثمة متنفس لكل هذا التحفيز الطائفي الحزن على مقتل الحسين لابد أن يتحول إلى غضب يبحث عن موضوع، حتى لو كان شركة ماليزية تحتفل بمناسبة تصادف وأنها في محرم!
حشود غاضبة يشكل المراهقين السواد الأكثر منها يغطي معظمهم التراب والطين من شوارع الرفاعي الآسنة؛ يحمل البعض منهم هراوات والآخر عصي في ما تسلح بعضهم الآخر لا يكاد أكثرهم يفقه من الدين أكثر من أن يزيد قتل الحسين حفيد محمد؛ وأن العباس نصر أخاه الحسين، وتخلى عن الماء إكراما لعطش أخيه يتقدمهم شيخ بثياب مهلهلة يعيش هواجس القتال إلى جانب الحسين في معركة الطف تجمع المراهقين خلفه يغذي تلك الحالة الهستيرية التي أنتجته ليعيد انتاجها بدوره؛ ويتحول الى مسخ يبحث عن مسوغ لتفريغ حقده على قتلة الحسين الذين لا ينتمون بالضرورة إلى عالم اليوم؛ فقد رحلوا مع التاريخ وأكل الدهر عليهم وشرب الأمر الذي كان يعيه في بادئ الأمر.
ولكن تم قمعه من خلال الاصرار على ترديد شعارات من قبيل: خلود ثورة الحسين التي تم تحويلها إلى معيشة عصر الحسين ويزيد، وعيشها بكل ما تحمل الكلمة من معنى هو أقرب للكارثة منه للحياة، فهي تصنع جدارا وهمياً هائلاً بينه وبين الحياة، التي يعيشها باقي البشر أبناء القرن الواحد والعشرين في ما يعيش الإنسان العراقي الخرب من الداخل والأجوف ثقافياً، بفعل ما اسميناه تحويل وسائل الإعلام إلى أدوات تثقيف بديلة عن الكتاب والمدرسة، يعيش أو يتم حثه من خلال المؤسسة الدينية على أن يعيش على إنه إنسان من القرن الأول الهجري!
غزوة الرفاعي أو غزوة بتروناس لا تختلف بشكل جوهري عن أي غزوة يقوم بها إعرابي أيام الجاهلية، وما يثير استغرابنا حتى الآن إنه لم يتم إقامة "فرهود" جاهلي على شرف هذه الغزوة الغانمة.

الاثنين, ديسمبر 10, 2012
Posted in:
1 comments:
إن اختصار الحياة في قضية حب أو عداء أهل البيت، وحصر الإنسان في زاوية التحفز لقضية مظلومية الحسين تتطلب إيجاد اعداء أو توهمهم أن تطلب الأمر.
إرسال تعليق