الخميس، ديسمبر 13، 2012

روسيا والغنيمة السورية

يتمنى الكثيرون لو أن روسيا تقرر أن تتخلى عن نظام بشار الأسد في سوريا، انطلاقا من الاعتقاد القائل أن ذلك النظام ما كان له أن يصمد أمام الضربات التي يتلقاها من القوات المعارضة وأمام التحشيد الاعلامي المضاد غير المسبوق لولا الدعم الروسي. قد يكون في ذلك الاعتقاد شيء من الصحة، ولكن هل تحمي روسيا نظام الأسد فعلا أم أن لها أهدافا أخرى تدفعها (معها الصين) إلى الحيلولة دون أن يتخذ مجلس الامن قرارا بالتدخل العسكري لاسقاط النظام السياسي في سوريا، كما حدث من قبل مع نظام معمر القذافي في ليبيا؟ 

هل تفكر روسيا بنظام الأسد، أم بسوريا مشتبكة بالنظام السياسي الذي ظل حريصا على المصالح الروسية طوال عقود، لم تتعرض فيها العلاقات الروسية ــ السورية لاي نوع من الاهتزاز أو يخالطها أي قدر مهما صغيرا من سوء الفهم. وهنا علينا أن نتذكر تجارب الاتحاد السوفيتي (روسيا وريثته) مع ثلاثة بلدان عربية أخرى وكيف كان سلوك حكام تلك البلدان قد دفع الروس إلى الشعور بالخيبة والاحباط غير مرة. مصر، العراق، ليبيا. ثلاث دول ربطت كل واحدة منهما علاقات وثيقة بالروس. ولم يكن الروس بخلاء مع تلك الدول. لقد زودوها بالاسلحة والخبراء. ولم تكن تلك الدول بانظمتها السياسية المعروفة تطلب من الروس أكثر من ذلك. وكان موقف الروس الايجابي من القضايا العربية معروفا. في مقابل ذلك فإن الانظمة السياسية في تلك الدول لم تكن وفية مع الروس. لقد تم الاستغناء عن الخدمات الروسية بطريقة مهينة، لا علاقة لها بأي شعور بالامتنان أو الصداقة. 

ردت روسيا بطريقة لئيمة على السلوك العربي. صمتت حين تم غزو العراق واسقاط نظام صدام حسين ومررت قرار ضرب ليبيا الذي ادى الى اسقاط نظام القذافي. غير أن سلوكها تبدل حين تعلق الامر بسوريا. 

صحيح أن النظام السوري وحده من بين كل الانظمة العربية كان الاستثناء من جهة وفائه للروس. غير أن الصحيح ايضا أن روسيا لا تملك في المنطقة سوى سوريا. إن ذهب النظام السياسي الذي خبرته ذهبت معه سوريا التي تعرفها. ومثلما كان الغرب كاذبا يتخوف من استيلاء الاسلامويين على مقدرات الامور في سوريا بعد سقوط النظام الحالي فان روسيا هي الأخرى متخوفة للسبب نفسه. لكن الفرق بينها وبين الغرب ان مواقفها المعلنة تتطابق مع ما تخفيه من مواقف. فهي لا تعلن شجبها لعلو صوت المعارضين السوريين ذوي الاتجاهات الاسلاموية وفي الوقت نفسه تتفاوض معهم في السر. موقفها كان ولا يزال واضحا: منع سوريا من الانزلاق إلى حظيرة المحميات الاميركية التي صارت بمثابة ملكية مستباحة من قبل أتباع ما يسمى بالإسلام السياسي. 

ولأن روسيا تعرف من الاسرار والخفايا ما لا نعرفه نحن العرب، فهي تدرك حجم الكارثة التي ينطوي انضمام سوريا إلى المحور الاميركي من خلال أخونتها، حيث يشكل تنظيم الاخوان المسلمين/ الجناح السوري نقطة الجذب التي يسعى الغرب (الادارة الاميركية بشكل خاص) إلى اعتبارها الجوهرة التي تفقد المعارضة السورية من دونها اللمعان الذي يوحي بالثقة. 

من وجهة نظر الغرب، اعلاميا على الاقل فان انتصار الثورة السورية من غير قيادة اخوانية أمر مشكوك فيه. هذه المزايدة المجانية التي تخون الوقائع والتاريخ وتلبس الباطل لباس الحق وتظهر الزيف باعتباره حقيقة تعرفها روسيا جيدا، بل أنها تعرف أكثر من ذلك بكثير. 

تعرف أن اعلام الغرب (الاعلام العربي التابع له) هو اليد التي صارت تمحو الحقائق وتدمر الادمغة. تعرف أن الناس في العالم العربي قد ضللوا وهم في حيرة من أمرهم، يقفون في حالة هلع لا تسمح لهم بالتمييز بين اميركا راعية الديمقراطية والحريات والعدالة وبين أميركا الداعمة لحكم الاحزاب الدينية في تونس والعراق ومصر. وهي تعرف أن العرب مستاءون من موقفها الداعم لحكم الأسد. هناك من يتساءل "هل قررت أن تخسر عاطفة الشعوب العربية من أجل أن ترعى نظاما وحشيا، كان ولا يزال يفتش في معجم القتل عن اللغة التي تناسب خطابه الجماهيري؟"

ما من مكان للعاطفة في العلاقات الدولية. 

لقد صرح لافروف، وهو وزير خارجية روسيا، غير مرة، أن بلاده غير مهتمة بمصير الاسد شخصيا. ولكنها بالتأكيد مهتمة بسوريا التي جعلها النظام السياسي الحاكم منذ كثر من أربعين سنة وفية لروسيا.

1 comments:

غير معرف يقول...

ردت روسيا بطريقة لئيمة على السلوك العربي الذي طالما تعمد عن الخدمات الروسية بطريقة مهينة، لا علاقة لها بأي شعور بالامتنان أو الصداقة. صمتت حين تم غزو العراق واسقاط نظام صدام حسين ومررت قرار ضرب ليبيا الذي ادى الى اسقاط نظام القذافي. غير أن سلوكها تبدل حين تعلق الامر بسوريا.

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية