الجمعة، يوليو 12، 2013

البعث يجدد شبابه على اطلال سوريا

حين بدأت الاحتجاجات السلمية في درعا قبل أكثر من سنتين كان المطلب الشعبي الاساس يتركز في نقطتين: الحد من هيمنة الاجهزة الامنية والغاء المادة الثامنة من الدستور التي تعطي حزب البعث حق احتكار السلطة، بل والحياة السياسية كلها إلى الأبد.
يومها وببلاغته الانشائية المعهودة سخر الرئيس السوري من الجميع.
سخر الاسد من الشعب الذي لم يدرك حتى تلك اللحظة عمق الاصلاحات التي تقف وراء التحولات التي شهدتها الحياة في سوريا في عهده، كما سخر من أجهزة الدولة لانها لم تتعامل ايجابيا مع تلك الاصلاحات وكانت عاجزة عن تنفيذها.
الحزب وحده بقي في منأى ولم ينله شيء من تلك السخرية.
قيل يومها في تفسير نجاة الحزب من سخرية زعيمه إن الحزب لم يعد سوى هيكل فارغ. فبدلا من الحزب حسب النص الدستوري كانت هناك عصابة هي التي تحكم البلد. عصابة تجمع بين أفرادها مصالح اقتصادية متشابكة.
كان الحزب واجهة، لا يتذكره أحد من القيادة إلا حين يُراد تمرير قرارات سيئة من خلاله. حتى مهمته في التعبئة والتحشيد باتت من تراث الماضي المستبعَد، وحلت محله في ذلك القنوات التلفزيونية التي لا عمل لها سوى أن تكيل المدائح للقائد.
كان الحزب منسيا فتم اعفاؤه من السخرية.
غير أن زعيم الحزب الذي لم يكن مهتما بالسياسة قبل أن يرث زعامة الحزب والدولة من أبيه تذكر الحزب فجأة في خضم الحرب التي تشهدها بلاده فقرر أن يجدده.
كان ذلك التجديد مناسبة لازاحة كل القيادة التي كان أعضاؤها جالسين في بيوتهم منذ زمن بعيد.
وهكذا تكون الاصلاحات التي تحدث عنها الرئيس السوري في خطابه الأول بعد نشوب الازمة في درعا قد امتدت لترسم خرائط وهمية جديدة للتغيير الذي تشهده سوريا.
ولتفسير تلك الاقالة الجماعية ألقى الرئيس الاسد بمسؤولية عدم الاعتراف بالأخطاء التي شابت مسيرة الدولة والحزب على جميع من أقيلوا، مستثنيا نفسه طبعا، وإلا لكان استقال منضما إليهم. فيكون التغيير حينها حقيقيا.
ولكن أكان ضروريا أن تتم عملية تسفيه قيادة الحزب وتقريعها في هذه اللحظة الحرجة من التاريخ السوري؟ ألم يكن الأجدى أن يتحقق الرئيس السوري من وجود الحزب وقيادته قبل أن يزج بنفسه في مسرحية لا يتقبل فصولها سوى البلهاء، ممن لم يعد في إمكانهم أن يتحكموا بحواسهم؟
أي حزب هذا وأية قيادة تلك بعد أن سقطت سوريا كلها في هاوية خراب اسطوري؟
الارقام القادمة من سوريا تقول أشياء مذهلة ومخيفة. هناك اليوم أكثر من مئة الف قتيل. يلتحق بهم الجرحى والمعاقون والارامل واليتامى. المشردون السوريون في كل مكان من العالم. هناك ملايين شردت في الداخل والخارج. هناك مدن محاصرة وشعب يتضور جوعا ومرضى يموتون لأختفاء أرخص أنواع الأدوية.
أيملك رئيس دولة، سقط شعبها في نكبة من هذا النوع، الوقت للتفكير في ورقة ألقى بها والده في مكب للنفايات؟
في تفسيره لاجرائه المتعلق بالحزب حاول الرئيس السوري كعادته أن يستعرض عقلانيته، منقبا في العلل والأسباب والدوافع، غير أنه في قمة عقلانيته نسي أنه يتحدث في فضاء وهمي، فضاء لا تشغله إلا كائنات تاريخية، لم يعد لها وجود على سطح الواقع، ولم يعد ذكرها يثير شهية الكلام لدى أحد.
وهكذا يكون الأسد قد أثبت للعالم مرة أخرى صحة ما يقوله خصومه عنه من إنه منقطع عما يجري من حوله.
فالسوريون وقد انتهكت حياتهم وصار مستقبلهم حاضنة للوحوش وباتت خارطة بلادهم نهبا لأفكار التقسيم الشريرة وشردت الملايين منهم بين أصقاع الأرض لم يعد في إمكانهم أن يتذكروا أنهم يوما ما كانوا قد طالبوا بأن تُلغى المادة الثامنة من الدستور. بل يحق لهم أن لا يتذكروا الدستور كله.
"الملايين التي يحرقها دولاب نار" يطعنها الأسد بالخرافة مرة أخرى.

فاروق يوسف

0 comments:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية