الأحد، يوليو 14، 2013
يوميات “ناشط” لبناني مصدّق حاله!
يستيقظ في الصباح باكرا او متأخرا، ساعة النهوض ليست مهمة في نضاله، يتفقد صفحات مواقع التواصل الاجتماعية التي “ينشط” فيها… يتربع كسلطان زمانه خلف شاشة “حاسوب” نقال او هاتف جوّال “ذكي” ويراقب احداث النهار التي سبقت نهوضه… انفجار هنا او اشكال امني هناك… ربما تصريح لأحد المسؤولين اثار ضجة اعلامية او ربما احداث ثورية في بلد عربي مجاور حظيت باهتمام الرأي العام… يتحضر لكتابة تغريدة او “ستاتيوس” عن الحدث الابرز على الساحة “الفايسبوكية” او “التويترية”… يجلس منتظرا عدد “اللايكات” ونسبة التفاعل مع رأي سلطان زمانه “الناشط” الحاضر الكترونيا دائما والغائب ميدانيا دائما وابدا !!!!…
تلك عيّنة موجودة بقوّة في مجتمعنا اللبناني وتصنّف نفسها بالناشطة ! فانّ كان ذلك “الناشط” من الذين يتابعه جمهور “اللون” الواحد فهو وافر الحظ لأن رأيه سيأتي حتما مطابقا لما يريد “جمهور” المتابعين له سماعه… الرأي العام اللبناني لا يحب سماع تحليل او نقاش منطقي موضوعي حول قضية او حدث ما بقدر تشوّقه لسماع التحليل والرأي الذي يصبّ في خدمة افكاره المسبقة عن الحدث! فالقاتل في جريمة او المعتدي على منطقة ما او المنتهك لحق انساني معروف سلفا لديه على خلفية الانتماءات السياسية او الطائفية التي يحملها !!! مخطئ من يظّن منكم يا “محللي” الفايسبوك ان فئة كبيرة من متابعينكم يتكرمون عليكم “بلايك” او تعليق لاعجابهم… فهناك من يعرف اراءكم وتوجهاتكم مسبقا فيعتبر انكم تستحقون “لايكا” دائما!!!! وهناك من لا يهمه قراءة ما كتبتموه فالمهم عنده أنك “فلان الفلاني” الذي تتابعه الاف وملايين وبالتالي اصبح “اللايك” على كلامك ستايل او موضة دارجة تجعله “ذي شأن” فايسبوكي انطلاقا من متابعته لك…
قبل ايام تساءلت ناشطة لبنانية على موقع الفايسبوك كيف ان صور غير واضحة او ما اسمته صورة “مغبشة” تنال مئات اللايكات لمجرد انها تخص شخصية يتفق جمهورها مع ستاتيوساتها المثيرة سياسيا وطائفيا على الفايسبوك بينما لا يحصد ستاتيوس عن دعوة الى اعتصام وطني ضدّ التمديد لمجلس النواب مثلا او وقفة احتجاجية لاطلاق سراح معتقل سياسي لبناني او لانصاف قضية انسانية الا بضع لايكات علما ان صاحب الستاتيوس لديه الاف الاصدقاء “الفسابكة” والمغردين! الأمر مثير للتحليل في نظرها… قال لي يوما ناشط وصحافي لبناني خبر نضالات الشارع والنخبة معا ان الستاتيوس “الجدّي” الذي يناقش قضايا هامة باسلوب جدي لم يعد يستطقب “المليكين” والمعلقين على مواقع التواصل وان حس الفكاهة واحيانا اضافة مصطلحات جنسية ساخرة في التعليق السياسي بات يجذب المتابعين على هذه المواقع اكثر…
الأزمة “النضالية” الكبرى التي يعاني منها الناشط اللبناني ليست عدد اللايكات والتعليقات التي تتفاعل معه بل هي ازمة تدبيره للقضايا التي يدافع عنها رغم ان غرور البعض جعله يقيس نسبة تاثيره على الرأي العام بعدد اللايكات التي يتلقها وهو حتما امر غير دقيق دائما !!!… يشترك مجموعة من الناشطين والناشطات عادة في تنظيم نشاط عام حول قضية حقوقية او مطلب سياسي او اجتماعي ما فتراهم “يتوسلون” حضور زملائهم الناشطين والناشطات الاخرين في النشاط.. يلهثون على مدار النهار بارسال الدعوات لزملاء “النضال” وهنا تحصل المفارقة العجيبة!!!… فزملاء مهنة “النشاط الالكتروني” ليس في صالحهم المشاركة في نشاط لم يقوموا بتنظيمه او بالاحرى “بريستيجهم” النضالي لا يسمح لهم بذلك!!!! ومن ابرز الاسباب انه لن يكون لهم في ذلك “النشاط” ميكرفون ومنبر وتصريح اعلامي … فتصبح قضايا هذا المجتمع اللبناني العبثي استعراض “عضلات” نضالية لا فائدة منها الا “النكايات” وضرب القضية المناضل لأجلها!!!…
فهل اصبحت نضالاتنا منابر وميكروفانات وصور جماعية وتصريحات اعلامية!؟؟… الحق يقال من يتعب في تنظيم احتفالية او نشاط ما يحق له حصد “الهواء” الاعلامي ليملأه بالحديث عن قضيته !ولكن هناك حق آخر على هؤلاء هو ان يبادروا بالنزول والمشاركة في اي نشاط مشابه للقضايا التي ينشطوا فيها وان لم يكن لهم “عظمة” التنظيم وسرقة الاضواء الاعلامية في انشطة الأخرين!!!
يتساءل مواطن لبناني “عادي” “ألم تنجح ثورتي مصر وتونس بوجود المتظاهرين في الشوارع سلميين رافعين اوراق كتبوا عليها اراءهم دون الحاجة لكون هؤلاء من الاعلاميين او الناشطين في جمعيات او حتى من الوجوه الاجتماعية المعروفة؟!! أليس المجتمع المدني اساسه التطوع لاجل قضايا انسانية ؟ فمن الذي افهم جمعياتنا اللبنانية “المصونة” التي قيل في أخر احصائية في عهد وزير الداخلية الاسبق زياد بارود في العام 2007 ان عددها قارب السبعة الاف جمعية مقابل وجود احصائية اخيرة في العام 2013 تقول ان معدل ازدياد الجمعيات المسجلة حديثا كل عام في لبنان يقارب ال 500 جمعية سنويا !!!
أليس من العار ان كل هذه الجمعيات لم تساهم في تمرير تعديل قانوني “بيملي” العين لانصاف المرأة اللبنانيىة في منحها الجنسية لاولادها او اقرار قانون يحميها من العنف الأسري او مساواتها مع الرجل في قوانين العمل والضمان الاجتماعي على الأقل؟! اليس من العار اننا لم نفلح بالضغط شعبيا من خلال الحملة المدنية للاصلاح الانتخابي المؤلفة من عشرات الجمعيات لاقرار قانون انتخابات بل اننا ذهبنا لأسوأ من وضع قانون سيء لادارة الانتخابات اي الى التمديد لمجلس النواب!!!
هل كل فشلنا في النضال الاجتماعي يتحمله هؤلاء النشطاء “المصدقين” حالهم الجالسين خلف شاشات يستجدون “اللايك” واخواته من اشكال التفاعل الالكتروني الاخرى !؟ الم نرى الاف الناشطين والناشطات في تظاهرات سابقة خلال العامين الماضيين لاقرار قانون لحماية النساء من العنف الأسري والاف المعترضين في الشوارع الرافضين التمديد لمجلس النواب والاف الاشخاص في مسيرات العلمانيين السنوية؟ اليس هذا ضغط شعبي ايضا؟! حتما الاجابة لا… فبضعة الاف من “المتنورين” فايسبوكيا وتويتريا لا ولن يصنعوا ثورة في لبنان … هم يحركون الرأي العام ويثيرون الحديث عن انتهاكات حقوق الانسان لكنهم ليسوا كفيلين بانطلاقة ثورة !!!
مذكور في الدستور اللبناني ان الشعب هو مصدر السلطات لذلك يصّح القول ايضا ان الشعب هو مصدر الثورات على السلطات التي أتى بها للحكم حين تنتهك حقوقه! نعم فلنعترف بهزيمة المجتمع المدني “المخملي” بأغلبيته في ايجاد خطاب يدفع “اللبناني” للنزول الى الشارع ! غريب امر شعبنا! فتعنيف نساء لبنان مثلا وغياب قانون انتخابات يضمن وصول ممثلين عن الأمة بنزاهة واستقلالية امر لا يعنيهم!!! انقطاع المياه والكهرباء عنهم في ليالي الصيف الحارة امر لا يعنيهم!!! وجود جماعات ارهابية تحت تسميات دينية تقاتل ضد جيشهم الوطني بغطاءات سياسية امر لا يعنيهم!!! لا اعرف من الذي زرع في عقول شعبنا ان نضال المجتمع المدني مجرّد “ترف” وان قضايا حقوق الانسان والمواطن مسألة تعني النخبة وكأن النخبة وحدها حريصة على الماء والكهرباء والعمل وحقوق الانسان في لبنان !

الأحد, يوليو 14, 2013

Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق