الاثنين، يوليو 29، 2013
علي... في استشهاده
«أستودعكم الله جميعاً سدّدكم الله جميعاً ، حفظكم الله جميعاً ، خليفتي عليكم الله وكفى بالله خليفة»، ثم قال: «وعليكم السلام يا رسل ربي»، وقال «لِمِثْلِ هذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ»، وقال «إِنّ اللّهَ مَعَ الّذِينَ اتّقَوْا وَالّذِينَ هُم مُحْسِنُونَ»وبدأ يغمى عليه بتأثير دخول السم في جسده، حتى أفاق، قال علي ما قاله، وعرق جبينه وهو يذكر الله ذكراً كثيراً، ويتشهد الشهادتين، ثم استقبل القبلة وأغمض عينيه ومدّ رجليه ويديه وقال «أشهد أن لا إله إلاّ الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله»، ثم فاضت روحه.
وكانت وفاة أمير المؤمنين علي ليلة الحادي والعشرين من شهر رمضان،بعد انقضاء ليلتين على إصابته بالضربة على يد الخارجي عبد الرحمن ابن ملجم المرادي، في السنة الأربعين للهجرة.وابن ملجم تربى في كنف علي، ثم هاجر إلى المدينة وقرأ على معاذ بن جبل. وفي مكة، إجتمع مع بعض من الخوارج على علي، وسمع منهم كلاماً، تعاهدوا فيه على قتل الذين اختلفوا، أي علي ومعاوية وعمرو ابن العاص.فقالوا: «لو أننا شرينا أنفسنا لله فأتينا أئمة الضلالة على غرة فقتلناهم فأرحنا العباد منهم, وثأرنا لإخواننا الشهداء.» وتعاهدوا أن يتم ذلك عند انقضاء الحج. فـ «تعهد عبد الرحمن بن ملجم بقتل علي بن أبي طالب، وتعهد الحجاج التميمي المعروف باسم (البرك) بقتل معاوية، وتعهد عمرو بن بكر التميمي بقتل عمرو بن العاص»، وفي حين أخفق الآخران في تحقيق أهدافهما، استطاع ابن ملجم تنفيذ جريمته، حينما كان علي في حال القيام من السجود.
ذهب علي، الذي كان في سكون الليل يناجي ربه ويقول: «إلهي إنك كما أحب فاجعلني كما تحب يا رب العالمين»، وفي تلك الليلة، تقول كتب السيرة أنه رأى في رؤيا حدّثت بها ابنته أم كلثوم فقال: «إني رأيت الساعة رسول الله في منامي وهو يقول لي: يا أبا الحسن إنك قادم إلينا عن قريب، يجيء إليك أشقاها فيخضب شيبتك من دم رأسك ، وأنا والله مشتاق إليك وانك عندنا في العشر الآخر من شهر رمضان»، ثم أتى وقت الآذان، فـ «توضأ ونزل فتعلق الباب بمئزره حتى سقط فأخذه وشده وهو يقول:اشدد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيك... ولا تجزع من الموت إذا حلّ بناديك...ولا تغتر بالدهر وان كان يواتيك...كما أضحكك الدهر كذاك الدهر يبكيك.
وذهب إلى المسجد فصلى، وكان فيه ثلاث رجال، أحدهم ابن ملجم، وشبيب بن بحيرة ووردان بن مجالد، فصلى الركعة الأولى وركع وسجد السجدة الأولى منها ورفع رأسه ، فعند ذلك أخذ ابن ملجم السيف، وضربه على رأسه، فوقع علي وهو يقول بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله، ثم صاح « قتلني ابن ملجم ، قتلني ابن اليهودية فزت ورب الكعبة ، فزت ورب الكعبة»، ثم تلا «مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى» فشد أصحابه على ابن ملجم وساقوه إلى موضع الإمام الحسن فقال: «هذا عدو الله وعدوك ابن ملجم قد أمكن الله منه وقد حضر بين يديك» ـ فـ«فتح علي عينيه ونظر إليه وهو مكتوف وسيفه معلق في عنقه ، فقال له بضعف وانكسار وصوت رأفة ورحمة: «يا هذا لقد جئت عظيماً وخطباً جسيماً أبئس الإمام كنت لك حتى جازيتني بهذا الجزاء»، ثم التفت إلى ولده الحسن وقال له: «إرفق يا ولدي بأسيرك وارحمه وأحسن إليه وأشفق عليه ، ألا ترى إلى عينيه قد طارتا في أمّ رأسه ، وقلبه يرجف خوفاً ورعباً وفزعاً» ، فقال له الحسن: «يا أباه قد قتلك هذا اللعين الفاجر وأفجعنا فيك وأنت تأمرنا بالرفق به؟، فأجابه «نعم يا بني نحن أهل بيت لا نزداد على الذنب إلينا إلاّ كرماً وعفواً، والرحمة والشفقة من شيمتنا لا من شيمته ، بحقي عليك فأطعمه يا بني مما تأكله، واسقه مما تشرب، ولا تقيد له قدماً، ولا تغل له يداً، فإن أنامتّ فاقتص منه بأن تقتله وتضربه ضربة واحدة، ولا تمثل بالرجل فإني سمعت جدك رسول الله يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور، وإن عشت فأنا أولى بالعفو عنه، وأنا أعلم بما أفعل به، فإن عفوت فنحن أهل بيت لا نزداد على المذنب إلينا إلاّ عفواً وكرماً».
وآخر الكلام العلوي وصية علي لأبناءه وأهل بيته، فقال: «أوصيكما بتقوى الله وان لا تبغيا الدنيا وان بغتكما، ولا تأسفا على شيء منها زوي عنكما، وقولا بالحق واعملا للآخرة وكونا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً، أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم وصلاح ذات بينكم ، فإني سمعت جدّكما يقول: صلاح ذات البين أفضل من عامّة الصلاة والصيام، الله الله في الأيتام فلا تغبّوا أفواههم ولا يضيعوا في حضرتكم ، والله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم ، ما زال يوصي بهم حتى ظننا انه سيورثهم والله الله في القرآن لا يسبقكم بالعمل به غيركم، والله الله في الصلاة فإنها عمود دينكم، والله الله في بيت ربكم لا تخلوه ما بقيتم، والله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله ، وعليكم بالتواصل والتبادل ، وإياكم والتدابر والتقاطع ، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى عليكم أشراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم...
علي، ماذا كنت لتقول اليوم لو كنت حاضراً بكثيفك بين ظهرانينا، وها هو دين ابن عمك يتعرض لأسوأ حملة تشويه لم يعرفها في تاريخه، مع الحكام الظلمة، الذين يكذبون على الله ورسوله وعليك، فأدركنا يا علي، بحق رسول الله، واسأل الله لحكامنا الهداية، بإذن واحد أحد.

الاثنين, يوليو 29, 2013

Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق