الأربعاء، سبتمبر 04، 2013
تقييم لحديث بشار الأسد لـ"لوفيغارو " الفرنسية: لا ضير أن يكون القاتل كذّابا و...شبيحا!
فارس خشّان
عندما أُعلن أن بشار الأسد أعطى مقابلة لصحيفة " لوفيغارو " الفرنسية، توقع كثيرون أن يكون فد خصّ بها الصحافي جورج مالبرونو، على اعتبار أن هذا الصحافي الذي يُعيد تحريره في العراق الى جهود المخابرات السورية، لطالما مرّر للأسديين، على طريقته، ما يشتهون!
ولكن، لم يكن أحد يتوقع أن تأتي مقابلة هذا الصحافي الذي يتمتع بحرفية، خالية من الحرفية كليا، بحيث بدا ناقل رسائل بشار الأسد وليس محاورا له، ورافعا له " الطابة" ليمررها كيفما يشاء، وليس لاعبا في وجهه.
ثمة تبرير لذلك، فجورج مالبرونو يدرك أكثر من غيره أنه في حضرة ديكتاتور لم يتوان عن التمسك بالحكم على حساب أكثر من 100 ألف قتيل و400 ألف جريح و7 ملايين مهجر ونازح، ودمار شبه كامل لأجزاء واسعة من سوريا!
وكان الصحافي " مبهورا". بعث بأسئلته قبل المقابلة التي أجراها في العاشرة من صباح يوم الإثنين( 2 أيلول)، وأُخذ يوم المقابلة الى مكان خارج قصر الرئاسة،وتحديدا في حرش على تلة مشرفة على دمشق، ولدى وصوله سحبت منه مسجلته.
لربما، لذلك، كان دوره ثانويا في المقابلة الصحافية!
ولكن، ما لم يتمكن مالبرونو من القيام به، سنتولاه نحن، فبشار الأسد في هذه المقابلة، بدا كأنه يقول من يقتل لا يهاب أن يكذّب وأن يُهدّدّ!
ولكن قبل الغوص في إلقاء الضوء على هذه الصفات في حديثه، فلا بد من إشارة عامة، فبشار الكيميائي، في كلامه الجديد لـ"لوفيغارو" الفرنسية، بدا نسخة طبق الأصل عن بشار الأسد الذي كان يدافع عن نفسه من تهمة إعطاء الأمر لاغتيال الرئيس رفيق الحريري.
السلوكية الدفاعية التي سبق واعتمدها للتملص من المساءلة في قضية الحريري، يعتمدها حاليا، تماما: سؤال عن الأدلة، حديث عن مؤامرة، تهديد بتفجير واسع، تخويف من المتطرفين!
في ما سبق هبت فرنسا الساركوزية لنجدته. بشار الأسد، في حديثه لـ"لوفيغارو" لم " يربح جميلة" نيكولا ساركوزي، إعتبر أنه كان ينفذ أمرا أميركيا ويسير بهدي التمني القطري- التركي.
ولعل من هنا، يصلح المدخل لتقييم ما قاله بشار الأسد، فهو يعترف، إذن، أن ما أنقذه من تهمة توجيه الأمرة لاغتيال رفيق الحريري، هي إرادة دولية كانت تحاول ان تغيّر سياسته، وليس براءته،بعدما قدم مسبقا اغتيالي كل من عماد مغنية رئيس المجموعة الإرهابية في حزب الله المتهمة باغتيال الحريري، والعميد محمد سليمان المسؤول العسكري والأمني لديه ومنسق النشاطات المشتركة مع مغنية!
وهو بذلك، يكون قد اعترف أن من أنقذه سابقا، ليس براعته في الكلام وفي التملص مما يقترفه، بل إرادة دولية كونتها قطر وتركيا والولايات المتحدة الأميركية، ونفذتها فرنسا!
وهذا يعني باختصار، أن من سارع الى انقاذه سابقا، يطالب حاليا برأسه، ولن يتراجع!
إذن، لم يبق أمام بشار الأسد أي منفذ سوى التهديد بإيران وبحزب الله وبالتنظيمات الفلسطينية الموالية له وبـ...روسيا!
باسم هؤلاء يقول إن المنطقة سوف تنفجر، إن جرى توجيه ضربة الى سوريا!
باسم إيران التي بدأ الصراع داخلها، بين الرئيس حسن روحاني الآتي لإشباع البطون الجائعة وبين الحرس الثوري الإيراني الذي ينادي بالويل والثبور وعظائم الأمور، ولكن بشكل خاو، لأنه يربط كل تهديداته باجتياح بري، لا تفكر به لا واشنطن ولا باريس ولا أي دولة أخرى.
تباين كان واضحا في الإنتقادات العلنية التي وجهها، الى الحرس الثوري الإيراني وسياسييه، بسبب تهديداتهم بالملف السوري، الرئيس السابق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، بعد خروجه من اجتماع مع الرئيس روحاني!
ويهدد باسم "حزب الله" الذي يذبح شبابه في سوريا، والذي لم يعد لبيئته الحاضنة من ملجأ لا في لبنان، بعدما تسبب "حزب الله" بمعاداتها مع المكونات الأخرى، ولا في سوريا التي يهرب منها شعبها الى لبنان.
ويهدد باسم المنظمات الفلسطينية الموالية له، وكل منتم إليها، مصنّف، في كل مكان في العالم، وبالكاد يمكنهم أن يتحركوا في لبنان، بحماية "حزب الله".
ويهدد باسم روسيا، التي تبحث عن الغُنم وليس الغُرم!
ويُهدد فرنسا بمصالحها، وبإعلان عدائه لها، ولكن كيف سيضربها، وكيف سيعلنها دولة عدوة، طالما أنه، فاقد للشرعية في نظرها، وفاقد لإمكانية العيش حاكما، قبل أي شيء آخر!
إذن، حتى هذا " التشبيح" لا ينفع، لأن هذا التشبيح أساسه فرضيات، يمكن أن يمررها على بعض المصفقين له أو المستفيدين في صراعاتهم السياسية منها، ولكنها، بالمعنى الإستراتيجي، تثير السخرية!
الأدهى من ذلك، أنه في تهديداته، يُظهر نفسه إرهابيا أكثر من تنظيم القاعدة الذي يرفعه فزاعة أمام المجتمع الدولي، فتهديداته هي أكبرمن تلك التي كان يطلقها أسامة بن لادن، حين كان في عزّ جبروته!
وحتى بن لادن، بالقياس مع بشار الأسد، يعتبر ملاكا، فهو لم يقتل شعبه كما قتل بشار الأسد ولم يهجره ويدمره ويسحله، لا بل أن بن لادن، في أكبر جريمة إرهابية إرتكبها، لم يصل عدد من تسبب بقتلهم الى العدد الذي تسبب بشار الأسد في قتلهم، في ساعات، في غوطتي دمشق!
ولنترك هذا النوع من التقييم جانبا، لأن ما يمكن أن يكتب فيه يملأ مجلدات كاملة!
لنعود الى ما قاله عن ضربة الغوطتين، ولنكتشف الكذب الفاضح فيه!
تذكرون أن التلفزيون السوري والأجهزة الامنية والسياسية السورية اتهمت المعارضة باستخدام الكيميائي في الغوطتين، وهي عرضت ما سمته أدلة على حيازة المعارضة لهذا النوع من المواد السامة، عندما ركزت على أدوية وصلت من قطر والسعودية وعلى أوعية صالحة لتخزين الوقود.
وتذكرون أيضا ما قاله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن أن المعارضة استعملت الكيميائي لتورط الأسد والغرب.
ولا حاجة للتذكير بجماعة الحرس الثوري الإيراني فما قالوه يتردد يوميا، ومن دون كلل!
ولكن بشار الأسد في سياق دفاعه عن نفسه، كاد يقول إن الكيميائي يستحيل أن يستعمل في الغوطتين، قبل أن يعود ويقول من دون أن يدري ما يناقض ذلك!
لنقرأ معا ما قاله بشار الأسد:
"هل من الممكن أن تستخدم أسلحة دمار شامل في ضواحي عاصمة دون أن تقتل عشرات الآلاف؟ هذه المواد تتحرك مع الهواء."
إذا صح هذا الكلام، فبشارالأسد ينفي قطعيا أن يكون قد استخدم الكيميائي في الغوطتين،سواء منه أم من المعارضة، لأن ذلك، لو حصل لقتل عشرات الآلاف، لأنه ينتقل في الهواء، كما قال!
ممتاز، لنعود ونقرأ ما تابع قوله بشار الأسد، ردا على سؤال عما إذا كان هناك جنود أصيبوا بالكيميائي:
"في منطقة البحارية نعم.. وهي منطقة في ضواحي دمشق.. ولجنة التحقيق قابلت الجنود في المشفى."
عظيم، طالما ان الكيميائي ينتقل في الهواء وطالما أن استعماله يودي بحياة عشرات الآلاف، فكيف، والحالة هذه، وصل الى جنود بشار الأسد؟
بطبيعة الحال، هذه الملاحظة لم يذكرها الصحافي امام بشار الأسد!
ومع ذلك، بقي بشار الأسد يتذاكى، فهو لا يريد أن يعترف بأن لديه مخزونا من الأسلحة الكيميائية، على اعتبار أن هذا موضوع لا يناقش مع أحد.
كان يقول ذلك، في وقت كان جهازان في المخابرات الفرنسية، واحد تابع للدفاع وثان تابع للداخلية، يؤكدان، بالأدلة والصور، أن بشار الأسد يملك أكبر ترسانة كيميائية في العالم مؤلفة من ألف طن من مواد بينها السيرين المستعمل في سوريا، سواء في الغوطتين، في آخر هجوم أم في غيرها، سابقا.
وقبل ذلك، يجود بشار الأسد في طلب الأدلة من الفرنسيين والأميركيين على استعماله للسلاح الكيميائي في الغوطتين. يقال له، مثلا، عن وجود تسجيل هاتفي حول الموضوع، فيقول إنها شائعة، مع أن هذه المخابرة رفعت المخابرات الأميركية السرية عنها جزئيا، في خلال تواصل البيت الأبيض مع شخصيات- مفاتيح في الكونغرس الأميركي.
ثم يقول إن الاتهامات كلها تبنى على ادعاءات الإرهابيين وصور وفيديوهات عشوائية وضعت على الإنترنت.
ولكن المخابرات الأميركية أكدت أنها تملك عينات ومشاهدات حيّة، أما المخابرات الفرنسية فتقول إن الفيديوهات الأصلية وصلت اليها وحللتها علميا وتبيّن أنها صحيحة، كما أنها تملك أدلة أخرى من الميدان.
تجاوز الأسد كل ما ذكر، مع أن لكل ما ذكر مستندات وتفاصيل مملة في بعض الأحيان، وراح يطلب الدليل!
معه حق. كل اتهام يفترض أن يرفق بدليل علمي وقاطع.
ولكن هل بشار الأسد مقتنع بذلك؟
لنقتطع من الحوار الصحافي هذه الجزئية:
لوفيغارو: هل لديكم أدلة على أن فرنسا سلمت الإرهابيين أسلحة.
الأسد: مواقف فرنسا السياسية والتحريض الذي تقوم به تنفيذا لسياسات دول أخرى كقطر وغيرها دليل كاف بالنسبة لنا.
ممتاز، أليس كذلك؟
الدليل الكافي بالنسبة لبشار الأسد، هو تحليله الشخصي للمسائل!
امام المفهوم الأسدي للدليل، ماذا يمكن أن نُطلق ، إذن، من تسميات على أدلة التقريرين الفرنسي والأميركي؟
بطبيعة الحال، ثمة كلام كثير يمكن أن يقال في ما قاله بشار الأسد، ولكن لنُنهي، بنقطتين:
الأولى، أخذه على فرنسا أن حليفها، كالمملكة العربية السعودية، هو من العصور الوسطى!
ولكن، هل تذكرون ما فعله بشار الأسد لترضى عنه هذه الدولة؟ وقبلها لترضى عنه قطر؟ وقبلها لترضى عنه تركيا؟
أما الثانية، وهنا الطامة الكبرى. قال بشار الأسد:" أقول لأعضاء البرلمان الفرنسي عودوا لمبادئ الثورة الفرنسية التي تباهى العالم بها.. حرية..عدالة..مساواة."
وهل تطالب المعارضة السورية فرنسا بغير ذلك، لنصرتها في مواجهة بشار الأسد الذي يبدو أمامه الملك لويس السادس عشر كالأب بيار، فيما تبدو ماري أنطونيت كالأم تيريزيا بالمقارنة مع أسماء الأسد، ناشطة التسوق الفاحش في زمن موت السوريين!

الأربعاء, سبتمبر 04, 2013
Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق