نبيل المقدم بدأ التيار الناصري في لبنان يتكون اثر ثورة يوليو 1952، وتصاعدت شعبيته بعد العدوان الثلاثي في العام 1956. ونشأت تنظيمات ناصرية محلية وتبنت أحزاب عروبية لبنانية الشعارات الناصرية مثل « حزب النجادة ». واكبت الجماهير الناصرية في لبنان الزعيم عبد الناصر، فنزلت الى الشارع بأعداد غفيرة تؤيد تصديه للعدوان الثلاثي. وحمل الناصريون السلاح في العام 1958 ضد حلف بغداد الى جانب احزاب قومية ويسارية مؤيدة للخط الناصري ولمشروع الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا ويشهد على ذلك الجموع الشعبية التي زحفت الى دمشق لملاقاة عبد النا
صر اثناء زيارته الى دمشق في العام 1959.
يمكن القول أن الناصرية في لبنان وخاصة في زمن الوحدة بين مصر وسوريا (1958 ـ 1961) عاشت مرحلتها الذهبية. لكن هذه الحركة التغييرية تلقت ضربات مؤلمة ولا سيما في ضوء فشل تجربة الوحدة من جهة وانتكاسة حرب حزيران عام 1967 من جهة ثانية.
كان الامن القومي للعالم العربي عنوانا كبير لسياسة عبد الناصر « وعلى اساس هذا الامن القومي كان يعادي وكان يهادن » كما يقول المفكر اللبناني منح الصلح، لكن بعد وفاة عبد الناصر، فقد الناصريون شخصية كاريزمية تمتلك القدرة على مخاطبة الشارع العربي من المحيط الى الخليج، واتجهوا من بعده يبحثون عن أنفسهم برايات وعناوين عربية مختلفة. ها هم الناصريون بعد أربعة عقود على رحيل زعيمهم، ما زالوا يبحثون عن بدل من ضائع لا يجدونه وها هم ناصريو مصر يتشظون ويصبحون بقايا تنظيمات متنافرة، وها هم ناصريو لبنان وكل البلاد العربية، يبحثون عن قواسم مشتركة، اذا وجدوها تعذر عليهم تسويقها واذا تعذر ايجادها انساقوا الى واقع الانقسام الذي افرز انشقاقات تلو انشقاقات في تنظيماتهم حتى تحولت جزرا تنظيمية متبعثرة، لا بل وجدوا الحزب الواحد يصبح حزبين وأكثر وكل واحد منهما في الموقع النقيض للآخر، اما جمهورهم المتواضع فقد سار في مسارب سياسية مختلفة أوصلته الى ساحات متحاربة حتى بدا أن البعض تخلى عن ناصريته لصالح الانتماء الى العشيرة والعائلة والمنطقة والطائفة والمذهب.
اليوم وبعد كل هذه التحولات التي يشهدها العالم العربي، وخاصة ثورة الميدان في مصر غير المسبوقة منذ ثورة يوليو 1952، عادت صورة عبد الناصر إلى ميدان التحرير وعاد الناصريون إلى الساحات، فهل يمكن أن يشكل حراك القاهرة حافزا لحراك باقي الساحات الناصرية ومنها بيروت؟ أين هم الناصريون في لبنان؟ ولماذا أصبحوا الأقل قدرة على التـأثير في واقع بلدهم السياسي والاجتماعي؟
يقول البعض ان طريق الناصريين الى استعادة دورهم المفقود يبدأ من التقائهم على نسق فكري واحد في ظل وجود مصدر واحد لهذا الفكر. فيما يرى البعض الاخر استحالة تطبيق هذا الامر لان الناصرية ليست حزبا بالمعنى التنظيمي للكلمة، بل هي تيار شعبي وسياسي جارف، وهل صحيح ما يقوله الكاتب العربي الكبير محمد حسنين هيكل انه لا يوجد ناصرية بل ناصريون؟
يقول معن بشور الامين العام لتجمع اللجان والروابط الشعبية من موقعه العروبي ان الناصرية هي نهج سياسي يعبر عن حاجات الامة العربية للتحرر والتقدم، وهذا النهج تطور على مدى ثمانية عشر عاما من ممارسة جمال عبد الناصر الحكم. مثلا، بيان الثورة الاول في العام 1952 لم يركز على دور مصر العربي بل اكتفى بالاشارة الى العناوين الداخلية في ظل العهد الملكي، ولكن مع تزايد الضغوط الغربية على نظام عبد الناصر، بدأ يكتشف ان امن مصر القومي مرتبط بالامن القومي العربي، فراح يتجه نحو مشروع الوحدة العربية. يرى بشور ان الناصرية تقوم على تلازم الديموقراطية السياسية مع الديموقراطية الاجتماعية وعلى تلازم البعد الوطني المصري مع البعد القومي العربي وهذان البعدان لهما ارتباط عميق مع البعد الروحي للامة المتمثل في الاسلام.
يستعيد رئيس حزب الاتحاد عبد الرحيم مراد العبارة الشهيرة لعبد الناصر « إنني أؤمن إيمانا قاطعا انه سيخرج من صفوف هذا الشعب أبطال مجهولون يشعرون بالحرية ويقدسون العزة ويؤمنون بالكرامة »، ويشدد على أنه لم يعد مطلوبا منا اليوم أن نبكي على أطلال الماضي بل أن نستفيد من زخم الثورات العربية المتجددة من أجل اعادة احياء القيم التي جسدها عبد الناصر وهي قيم العدالة والحرية والنهوض العربي المستقل وما ترمز إليه فلسطين، ويشدد على أن المطلوب اليوم مبادرات لترجمة الحراك الناصري المتجدد في مصر ولبنان ومعظم الساحات العربية.
يقول الدكتور زياد الحافظ القيادي السابق في حركة الناصريين المستقلين (المرابطون) ان الناصرية هي فكر وممارسة وهي ولدت من رحم النهضة العربية في منتصف القرن التاسع عشر ومن تجربة قائدها التاريخي جمال عبد الناصر في معركة الفالوجا في العام 1948 اثناء حرب فلسطين. وان هذا الفكر عبر عن نفسه اولا بالثورة في العام 1952 وثانيا في انجازات هذه الثورة كالاصلاع الزراعي وتأميم قناة السويس واقامة القاعدة الصناعية.
يزيد الحافظ أن جمال عبد الناصر اكتسب توجهاته من الفكر القومي العربي كاطار ثقافي وجداني يضم ابناء الامة العربية الذين تجمعهم وحدة الماضي والمستقبل واللغة والقيم والتقاليد. وان عبد الناصر استفاد ايضا في تجربته الناصرية من الثورات التحررية العالمية واخذ منها ما يتلاءم مع الواقع العربي ومتطلباته. كما ان الناصرية ركزت على الاسلام باعتباره ركيزة اساسية يستند اليها العرب في قوميتهم وتطلعاتهم الوحدوية. والناصرية ايضا، يقول الحافظ هي مشروع تحرر حقيقي من التبعية للدول الصناعية المتقدمة التي تعمل على الهيمنة على المنطقة، وان عبد الناصر كان في صلب اهدافه تحقيق مشروع نهضة اجتماعية من خلال تطوير الامكانات البشرية لتشكل العنصر الاساسي في زيادة الانتاج وتحقيق النمو وقد ادرك عبد الناصر ان نجاحه لن يتم بمعزل عن دائرته القومية اولا ومن ثم الاسلامية والعالمية ثانيا.
والناصرية يراها رئيس حركة الشعب نجاح واكيم بانها تيار محرك للشعوب لكي تبقى قوة التطوير حية فيها جيلا بعد جيل. وان كانت تستمد منطلقاتها من القومية العربية فانها جزء من حركة التحرر العالمية وتعتبر نفسها جزءا منها وامتدادا لها، وان عبد الناصر كان يعتبر شخصية عالمية قيادية بدليل ان عددا من قادة ثورات عالمية مثل الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز كان يقول عن نفسه انه ناصري. يضيف واكيم انه من اهم سمات الناصرية انها جهد لتطوير مفهوم الوحدة العربية على مستوى المؤسسات الرسمية والشعبية وذلك من اجل تحقيق المنعة الذاتية للامة العربية. كان جمال عبد الناصر يرفض استعمال عبارة الناصرية ويعتبر ذلك تعلقا بشخص وليس بفكر او مبادئ يقول الدكتور سمير صباغ، الامين العام لرابطة العروبة والقيادي السابق في حركة الناصريين المستقلين (المرابطون) : « عبد الناصر كان يردد دائما « نحن قوميون عرب نسعى لتحقيق اهداف الامة العربية ». لذلك لا يمكن فصل التجربة الناصرية عن جذور الوعي الفكري عند الرئيس جمال عبد الناصر وهو الفكر القومي العربي. وان عبد الناصر كان يقول « ان مشاكل العرب هي مشاكل المصريين ». من هذا المنطلق يرى صباغ ان الناصرية أرادها جمال عبد الناصر وعيا ثوريا وقوميا يقوم على الواقع وليس على الخيال. وان قمة الوعي عند جمال عبد الناصر تمثلت في قوله ابان تجربة الجمهورية العربية المتحدة : « ليس من المحتم ان تبقى سوريا قطعة من الجمهورية العربية المتحدة وانما المحتم ان تبقى سوريا ».
ينفي منير الصياد الامين العام للاتحاد الاشتراكي العربي ـ التنظيم الناصري وجود اي خلاف بين الناصريين حول المصدر الفكري وان عبد الناصر واضح في قوله « ليست مشكلتنا امتلاكنا نظرية او عدم امتلاكنا لها »، لا بل هو ذهب اكثر في هذا المجال عندما قال « انني لا املك نظرية. انني املك بعض التجربة والخطأ ومجموعة أفكار وآراء تحل مشكلة المجتمع العربي ». الصياد يرى ان فكر عبد الناصر هو فكر تراكمي متفاعل بين الشعب والارض وان التراث الاسلامي افرز فكر عبد الناصر وهو الاشتراكية والحرية والوحدة وان اهمية الفكر الناصري تكمن في جدليته بين الانسان وتراثه وطبيعته.
يقول المفكر منح الصلح ان ما اخذه لبنان من عبد الناصر قبل هزيمة العام 1967، بالاضافة الى ثمار الامن القومي فكرة بناء دولة وكان ناصحا ان لا ديموقراطية قابلة للدوام من دون دولة. وارتأى عبد الناصر في نهاية ثورة العام 1958 أن قوة لبنان بقبول تنوعه الديموقراطي.
يقول معن بشور ان المفارقة كانت في ان الناصرية كانت مشعة ولكن الناصريين مشتتون وان العروبة قوية ولكن العروبيين ضعفاء. بشور يرى ان الحركات الناصرية عانت من ازمة قيادات على مستوى المرحلة، ما ادى الى تراجعها وذلك يعود الى استسهال المخابرات المصرية تجنيد لبنانيين غير مؤهلين فكريا ونضاليا لحمل الرسالة التاريخية التي كان يحملها عبد الناصر فحصل تجويف لبناني للانجازات القومية لعبد الناصر.
أما نجاح واكيم، فيرى ان التجربة الناصرية في لبنان في مرحلة عبد الناصر حققت الكثير من الانجازات على مستوى الوعي الشعبي، فهي استطاعت ان تحد من سيطرة البنى التقليدية على الحياة السياسية في لبنان كما حققت اختراقا في المشاريع الطائفية والمذهبية التي كانت مطروحة. واكيم يقول ان التنظيم السياسي بمفهوم جمال عبد الناصر كان من اجل خدمة الاهداف المرحلية للثورة، وهذا المبدأ لم يكن موجودا عند معظم التشكيلات الناصرية في تلك الحقبة والتي كان قسم كبير منها صناعة اجهزة مخابراتية وهي لم تضف شيئا على العمل الناصري بل على العكس من ذلك اتعبته.
« لم يكن يوما في لبنان تنظيمات حزبية بالمعنى المؤسساتي للكلمة باستثناء الحزبين السوري القومي والشيوعي اللبناني » يقول الدكتور زياد الحافظ. هذا الواقع انسحب ايضا على التنظيمات الناصرية. ذلك ان المفهوم الحزبي التنظيمي كان وما يزال غير مترسخ في الثقافة السياسية اللبنانية. وهو لم يستهو يوما ابناء المدن بالقدر الذي استهوى ابناء الريف. والناصريون التفوا حول عبد الناصر لتنفيذ مشروع القائد وشكلوا قياداتهم من شارعهم الشعبي ولم يلتفتوا كثيرا الى صيغ التنظيم الحزبي. الحافظ يوضح ايضا ان الحركة الناصرية التنظيمية في لبنان في زمن عبد الناصر كانت شبه معدومة. وان الطرح الناصري كانت تتصدره بعض الزعامات التقليدية. لذلك لم يكن هناك حاجة لانشاء تنظيم ناصري اثناء حياة عبد الناصر.
يرى منير الصياد ان المشكلة هي ان الجماهير الناصرية في لبنان كان لها قبل وفاة الزعيم عبد الناصر ملامح تنظيمات كانت تحميها لكنها انسحبت من الساحة، فكان عليها أن تتحمل مسؤوليتها، وتقوم بدورها، فأنشأت لنفسها تنظيمات، مما يعني أن الجماهير خلقت تنظيماتها لا كما هو معروف عادة عند الأحزاب حينما تبحث القمة عن القاعدة. فالتيار الناصري الشعبي هو الذي أنشأ تنظيماته في لبنان. ولقد كان عددها في البداية ما يقارب الثلاثة وثلاثين تنظيماً في لبنان، والسبب هو أنه لم يكن هناك تنظيم ناصري جدي قادر على استيعاب هذه الحركة الشعبية العربية القومية التقدمية.. والنتيجة أن بعض هذه التنظيمات تلاشت وبعضها الآخر بقي واقفاً على قدميه.
يشير سمير صباغ الى ان عبد الناصر حقق الكثير من المنجزات للعالم العربي مثل بناء السد العالي والانتصار السياسي على العدوان الثلاثي، ولا ننسى الموقف المصري الحاسم من الهجوم التركي على الحدود السورية في العام 1957 والذي كان ممهدا لمشروع الوحدة بين سوريا ومصر. كل هذه المواقف وغيرها ولدت في الشارع العربي تيارا مؤيدا لعبد الناصر وهذا التيار يصعب حصره في تنظيم واحد لذلك نشأت تشكيلات ناصرية عدة في لبنان.
مع بدء بروز المقاومة الفلسطينية وتمركزها العسكري والسياسي في لبنان وبعض البلدان العربية المعنية مباشرة بالصراع العربي الاسرائيلي، تراجع وهج الناصرية وتأثيرها بالرغم من بقاء عبد الناصر في السلطة واحتفاظه بموقع الصدارة في السياسة العربية حتى وفاته في العام 1970.
شكلت نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات محطة بارزة في حياة الأحزاب العقائدية في لبنان وبرز، كما يقول بعض الباحثين، الفصل الواضح بين أحزاب اليمين واليسار. وفي خضم ذلك النهوض الوطني والقومي، نجح الناصريون في انتخابات العام 1972 في إيصال الشاب الناصري المغمور نجاح واكيم إلى مجلس النواب في مواجهة السياسي الأرثوذكسي البيروتي المخضرم نسيم مجدلاني. ولكن وبالرغم من تمسك الناصريين بهويتهم السياسية بعد وفاة زعيمهم جمال عبد الناصر، إلا أن غيابه كدينامو تاريخي لهذه الحركة، أفقدها حيويتها وبريقها.
يقول معن بشور انه بعد غياب عبد الناصر هبت رياح مضادة في المنطقة هدفت لاقتلاع المشروع القومي وفي مقدمته الناصرية، مدخلا لتفكيك المنطقة العربية الى شيع ومذاهب متناحرة. ومن اهم مؤشرات هذا المشروع اقدام الرئيس انور السادات بعد استلامه الحكم على زج رفاق عبد الناصر في السجون.
وفيما يعيد د. سمير صباغ تراجع العمل الناصري الى عدم تجاوز الجماهير الناصرية مرحلة الاحباط التي تلت هزيمة العام 1967، يقول نجاح واكيم ان معظم التشكيلات الناصرية في لبنان لم تعبر عن طموحات الجمهور الناصري وتحديدا التزامه بالقضية الفلسطينية وقضايا العرب القومية ولا سيما قضية الوحدة العربية.
يسجل زياد الحافظ في تجربة التنظيمات الناصرية في مرحلة ما بعد عبد الناصر بروز حراك اجتماعي جديد تمثل في بروز قيادات ناصرية شابة اعلنت تفلتها من البيوتات السياسية التقليدية وتمثل ذلك في ظاهرة نجاح واكيم. وهذه الظاهرة يرجعها زياد الحافظ لأسباب ديموغرافية، فاكثرية سكان لبنان، في مطلع السبعينيات، كانت دون سن الخامسة والعشرين وهذه الفئة العمرية، كانت لا تشعر برابط بينها وبين قيادات هرمة لذلك اختارت قيادات تقاربها في السن وفي النهج الفكري.
مع بروز جمال عبد الناصر كقائد عربي، احتل التيار الناصري، مكانة طليعية مرموقة على صعيد تجسيد الفكر القومي العربي الذي كان معقودا لواؤه للبعثيين. لم تبرز في الفترة الاولى من صعود عبد الناصر تشكيلات حزبية منظمة تواكب افكاره وتطلعاته. كانت شخصية عبد الناصر وحضوره الآسر كافيين للقيام بهذه المهام دون اي جهد من احد. لكن مع فشل مشروع الوحدة بين مصر وسوريا، برزت الحاجة لانشاء صيغ تنظيمية للحد من موجة الاحباط. بدأت هذه التجربة في التيار الناصري في الاردن وفي الشارع المصري. وسرعان ما لقيت صدى لها في بيروت، فأسس كمال شاتيلا « اتحاد قوى الشعب العامل »، ومن ثم أسس ابراهيم قليلات « تجمع وحدة القوى الناصرية » الذي تحول فيما بعد تنظيم « المرابطون ».
يقول رئيس « حزب الاتحاد » عبد الرحيم مراد ان التنظيمات المذكورة كانت تجمعات جماهيرية اكثر منها تنظيمات بالمعنى المألوف للتنظيم السياسي في لبنان، ولذلك يمكن القول أن اول تجربة جدية لانشاء تنظيم حزبي ناصري تتوفر فيه شروط العمل الحزبي المنظم كان مع حزب الطليعة العربي المتأتي من رحم « تنظيم بعث الثورة » الذي كان بدوره انشق عن حزب البعث العربي واعلن التزامه الافكار الناصرية واسس له فروعا في كل الدول العربية عملت لفترة من الزمن بشكل سري. وعين مراد اول مسؤول له في لبنان في العام 1966. وقد اتخذ هذا التنظيم من « تجمع شباب البقاع الناصري » « ورابطة الطلبة العرب الوحدويين الناصريين » تسميات له لاقامة نشاطات علنية.
صدم ناصريو لبنان بوفاة عبد الناصر، وفجأة دخل معمر القذافي على الخط، ودعا الناصريين في العالم العربي لحضور اجتماع في ليبيا في العام 1972 لبحث مستقبل العمل الناصري بعد غياب عبد الناصر.
يقول عبد الرحيم مراد « هناك فوجئنا أن القذافي كان يريد ان يستظل الناصرية للوصول إلى خلافة عبد الناصر في زعامة العالم العربي، علما أن عبد الناصر، كان استبشر به خيرا وشجعه على المضي في أدائه الوطني والقومي. رفض الناصريون اللبنانيون طروحات القذافي وعادوا إلى بيروت واجتمعت سبعة تنظيمات وأعلنت الوحدة فيما بينها، تحت اسم « الاتحاد الاشتراكي العربي- التنظيم الناصري »، ورفض « اتحاد قوى الشعب العامل » وحركة « المرابطون » الانضمام إليه.
شارك « الاتحاد الاشتراكي العربي – التنظيم الناصري » بفعالية في « حرب السنتين »، لكن ما لبثت أن ظهرت الخلافات في صفوفه، وأدى ذلك إلى تفريخ تنظيمات ناصرية بالجملة بدعم من منظمات فلسطينية وجهات عربية.
أعلن عبد الرحيم مراد في العام 1977 تنظيما جديدا تحت اسم « الاتحاد الاشتراكي العربي ». يعترف « ابو حسين » ان معظم العوامل التي أدت إلى غالبية الانشقاقات كانت ذاتية وشخصانية. غلبت وجدانية الوحدة مرة أخرى على « الاتحاد الاشتراكي » فأعلن وحدة اندماجية مع « التنظيم الشعبي الناصري » برئاسة مصطفى سعد في العام 1987 لكن ما لبثت ان تصدعت بفعل تغلب العامل الشخصي يقول مراد.
في ظل تعدد التنظيمات التي تحمل اسم « الاتحاد الاشتراكي العربي » قرر التنظيم الذي يقوده عبد الرحيم مراد اعتماد تسمية جديدة لتنظيمه، فاعتمد اسم « حزب الاتحاد » في العام 1992، علما أن هذا التنظيم شهد انشقاقا مؤخرا على يد مجموعة أسمت نفسها « الحركة التصحيحية ».
خاض حزب الاتحاد برئاسة مراد تجربة العمل المؤسساتي الانمائي والاجتماعي والتربوي فأسس عددا كبيرا من المدارس والجامعات في البقاع وبيروت وكل مناطق لبنان (صارت هناك فروع لجامعاته في العالم العربي). لم يلبث هذا الحزب الفتي ان احتدمت الصراعات في داخلة فانشق عنه عمر حرب معلنا العودة الى تسمية الاتحاد الاشتراكي العربي.
يقول عبد الرحيم مراد ان الناصرية في لبنان مهما قيل فيها فهي كانت وما زالت ظاهرة وطنية وقومية كبرى دفعت بقطاعات واسعة من الشعب اللبناني الى قلب المعركة الوطنية. وهو يرى ان احتدام الصراعات الطائفية ادى الى تحجيم التيار الشعبي اللاطائفي ولا خلاص للبنان الا بالفكر الناصري حسب مراد.
يوافق رئيس التنظيم الشعبي الناصري اسامة سعد على استنتاج مراد، قائلا ان المشاريع الطائفية والمذهبية هي مشاريع حروب أهلية والمخرج يكون بالخيار الوطني الديموقراطي العلماني. بالنسبة الى سعد، فان مفهوم « الناصرية » هو قفز فوق الانماط المتخلفة في مجتمعنا العربي والتي جعلتها اسيرة التخلف الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. يضيف ان الناصرية مرتبطة ارتباطا جذريا بالحرية والديموقراطية وبالعروبة المنفتحة وهي تجربة وحدوية بامتياز.
يربط اسامة سعد بين تأسيس التنظيم الشعبي الناصري ودور معروف سعد الوطني منذ ما قبل ثورة يوليو 1952. حمل معروف سعد السلاح في حيفا في العام 1936 بمواجهة الانتداب البريطاني والعصابات الصهيونية. اصوات العروبيين والتيار القومي الناصري في صيدا حملت معروف سعد الى الندوة النيابية في العام 1957، بعد زيارته القاهرة ومقابلته عبد الناصر.
أسس معروف سعد « تنظيم القوى الشعبية الناصرية » في صيدا، وارسل هذا التنظيم عددا من المتطوعين للقتال الى جانب المقاومة الفلسطينية في جنوب لبنان. في العام 1973 اتخذ التنظيم تسمية جديدة هي « التنظيم الشعبي الناصري » بقيادة معروف سعد. جوبه النهوض الوطني والقومي في لبنان باغتيال معروف سعد في 11 شباط 1975. اختارت كوادر التنظيم الشعبي الناصري نجله مصطفى خلفا له، فوجد الأخير نفسه بعد اندلاع الحرب الاهلية امام مسؤولية ملء فراغ امني وخدماتي رسمي في صيدا. يقول اسامة سعد ان التنظيم الشعبي الناصري وجد نفسه في موقع لا يحسد عليه حيال التجاوزات الفلسطينية في صيدا فاهالي المدينة كان يعولون عليه بحكم الموقع التاريخي للشهيد معروف سعد في صيدا كنصير لهم ضد هذه الممارسات. كان التنظيم الى جانب نقده لهذه الممارسات الخاطئة حريصا على عدم الانجرار الى صدام مع المنظمات الفلسطينية يستفيد منه العدو في ظل تخطيط الشعبة الثانية لخلق فوضى تسمح بتهجير المسيحيين في المنطقة.
واجه التنظيم الشعبي الناصري الاحتلال الإسرائيلي للجنوب وبقي قائدة مصطفى سعد في صيدا. يتحدث أسامة سعد عن مخطط كان يعده الإسرائيليون بالتعاون مع قوى لبنانية لإحداث فرز سكاني في منطقة صيدا، تنبه له مصطفى سعد وبدأ ينبه منه جميع قرى وبلدات المنطقة. كان رد الإسرائيليين محاوله اغتياله بهدف إكمال مشروعهم دون عقبات. استغل الإسرائيليون غياب مصطفى سعد عن صيدا للعلاج وشرعوا في تنفيذ مخططهم في المنطقة لأحداث فرز طائفي، خاصة بعد ان تولت قوات سمير جعجع في المنطقة ما بدأته بالجبل.
الهوية الناصرية ليست حصرا بمجموعة من الناس دون غيرهم يقول سمير طرابلسي نائب رئيس « اتحاد قوى الشعب عامل ». ويرد على القائلين أنه من الصعب تأريخ بداية أول تجربة تنظيمية ناصرية بالقول إن لبنان شهد تأسيس نواة أول عمل ناصري منظم في العام 1965 مع إعلان كمال شاتيلا تأسيس « اتحاد قوى الشعب العامل ».
خاض « الاتحاد » أول مواجهاته مع السلطة الحاكمة في لبنان من الساحة التربوية، عندما قاد مظاهرات طلابية مطالبا بمعادلة الشهادة التوجيهية المصرية بالشهادة اللبنانية الرسمية مما سمح لسبعة آلاف طالب لبناني بالعودة إلى لبنان من مصر وإكمال دراستهم في جامعاته. هذا الانجاز يقول عنه طرابلسي ظهرت نتائجه في سلسلة مهرجانات شعبية كبيرة أقامها « الاتحاد » في عدد من المناطق اللبنانية. في هذه الأجواء أيضا يقول طرابلسي تمكن « تحالف الوعي الناصري » في الجامعة اللبنانية من الفوز بمعظم مقاعد الاتحاد الوطني لطلاب الجامعة اللبنانية ولسنوات عديدة. حقق خلالها انجازات عديدة أبرزها الدفع باتجاه إصدار مراسيم لفتح عدد كبير من كليات الجامعة اللبنانية. الانتشار الواسع أيضا للاتحاد في بيروت حين سجل فوزا كبيرا في انتخابات 1972 تمثل بإيصال الشاب الناصري نجاح واكيم الى الندوة النيابية.
لم تتفق طروحات « اتحاد قوى الشعب العامل » مع « الحركة الوطنية » في بدايات الحرب الأهلية بالرغم من الالتقاء على الثوابت في رفض التقسيم والتمسك بعروبة لبنان والدفاع عن القضية الفلسطينية. هذا الخلاف أدى إلى التوافق مع حزب البعث (السوري) وحركة « أمل » والجناح المنشق عن الحزب السوري القومي الاجتماعي، على تشكيل « الجبهة القومية » بدعم سوري.
لم يغير زوال الخلاف بين « الحركة الوطنية » ودمشق وانتهاء دور « الجبهة القومية » من موقف « اتحاد قوى الشعب العامل » من « الحركة الوطنية » الذي وجد في مشروع المجالس المحلية نقطة تباين جديدة.
قاوم « اتحاد قوى الشعب العامل » بإمكاناته المحدودة الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982 وشارك مقاتلوه في معركة وقف الدبابات الغازية في منطقة برج أبي حيدر، يقول سمير طرابلسي. كما وقف ضد مشروع السابع عشر من أيار. طرابلسي يقول أيضا إن « اتحاد قوى الشعب العامل » وقف أيضا ضد تجاوزات الأحزاب في بيروت بعد انتفاضة السادس من شباط ودعا إلى إضراب عام في العاصمة تجاوبت معه قطاعات مختلفة. شهد « اتحاد قوى الشعب » في خضم هذه الأوضاع خروجا لرئيسه كمال شاتيلا. ويقول طرابلسي ان شاتيلا ذهب الى دمشق لمقابلة عبد الحليم خدام وهناك فوجئ به يقول له ان « عودتك الى بيروت ممنوعة وعليك ان تغادر من هنا الى اي مكان تريد ». خروج شاتيلا من لبنان استمر 16 عاما حيث عاد في العام 2000 بمسعى من الرئيس سليم الحص مع الرئيس إميل لحود والرئيس بشار الأسد. طرابلسي يربط اخراج شاتيلا بخطة كانت تهدف إلى تفريغ بيروت من القوى الناصرية تمهيدا لدخول مشروع بديل كان يعد له منذ ذلك الحين.
يرى طرابلسي ان التنظيمات الناصرية اليوم مدعوة لاستكمال شروط بنائها الايديولوجي والتنظيمي وإلا ستظل أسيرة الواقع وسجينة معطياته. ويشدد على ان القوى الناصرية مدعوة للتركيز على مسألتين كشرط لاستمرار وجودها هما الوعي والنضال.

الجمعة, مايو 04, 2018
Posted in:
0 comments:
إرسال تعليق