الخميس، يناير 31، 2013

الشِّيعة في تونس ... لا حرص على العمل السِّياسي

إذا رجّحنا ارتباط ظهور التَّشيع الإثني عشري بالثورة الإيرانيّة، فيكون عمره إلى حدود السابع عشر من ديسمبر 2010 في حدود الثلاثين سنة، وهذه المدّة الزمنيّة ليست كافية لنشأة مذهب فكري على أرضيّة سنيّة سادت أكثر من ألف سنة. مع عدم اغفال أنّ الشيعة في تونس واجهوا صعوبات متعدّدة سواء من قبل الأنظمة السياسيّة، أو من قبل رجال الدّين السنّة وشريحة واسعة من المجتمع. 

وكما هو معلوم، يَشيع أنّ النظام السياسي التونسي منذ الاستقلال علماني، متأثّر بالتجربة الأتاتوركيّة تحديداً، وخاصة مع المرحلة البورقيبية. وهذه الخاصيّة تعني أنّه يرفض التديّن السياسي الطامح بدوره إلى سدّة الحكم، وانطلاقاً من سياسة النظامين بعد الاستقلال يمكن التأكيد على أنّهما لا يفرّقان مبدئيّاً بين المجموعات الدينيّة مهما كانت طبيعتها، والدّليل أنّ نظام بورقيبة، وابن علي، كان أحد أقوى أركانه في الثمانينيات، ركب موجة العداء الواسعة للثورة الإيرانيّة، وصار يوجّه تهمة "خميني" لكلّ من يعارضه بخلفيّة دينيّة، ولا شكّ عندنا أنّ السياسيين التونسيين يتخوّفون من تعدّد مذهبي قد يجرّ البلاد إلى صراعات مريرة عرفتها بعض دول العالم، إن عرقيّاً أو دينياً. وبالتوازي مع ذلك ارتبط الموقف التونسي من الشيعة وإيران بمواقف دول تربطه بها مصالح مالية واقتصاديّة مثل المملكة السعوديّة.

أما رجال الدّين السُّنّة فكانوا أكثر تشدّداً ضدّ الشيعة وأكثر معارضة لوجودهم، وقد كان سلاحهم في ذلك التكفير وتأليب المجتمع ضدّهم رغم أنّ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة السنيّة بارك الثورة الإيرانيّة في البداية، لكن يبدو أنّها مباركة سياسية ترتبط بصراع تيّاره مع السلطة وتهدف إلى تعبئة الأنصار والرفع من سقف توقّعاتهم.

يمكن القول: إن أغلب الشيعة شأنهم شأن كلّ التونسيين، يشعرون أنّ وضعهم بعد الثورة أصبح أفضل. وقد تجلّى ذلك في تحرّكاتهم وتصريحاتهم ومطالبهم، فقد خرج العديد منهم إلى العلن ليدافع عن خصوصياته الثقافيّة والفكريّة، وفي المقابل تؤكّد أمينة عجرود (مربيّة) أنّ عدداً هاماً منهم بقي يتوجّس خيفة من مصير هذه الهبّة الشعبيّة التي لم تكن تتحوّل بعد إلى ثورة بمعناها الحقيقي، وتمثّل هذه الوضعيّة خطراً على المتشيّعين إن هم كشفوا أنفسهم. وقد ركّز الذين أعلنوا هويتهم المذهبيّة على الجانب الثقافي، وتجسّم ذلك في تقديم أربع مطالب للحصول على جمعيات ثقافيّة، تحصّل ثلاثة منها على ترخيص وهي جمعية أهل البيت الثقافية، ويرأسها عماد الدّين الحمروني وجمعيّة مودّة ويرأسها عبد الحفيظ البناني وجمعيّة الرابطة التونسيّة للتسامح ويرأسها صلاح الدين المصري.

وما تزال جمعيّة الكلمة الطيبة تنتظر الموافقة، وصرّح لنا البناّني أنّ الهدف من إنشاء جمعيته هو تحقيق تراث أهل البيت في تونس وإحيائه، وأكّد عزم جمعيته على تحديث الخطاب الشيعي التقليدي المتشنّج والتكفيري. وقد اعتبر هذا العمل محاولة منه لمراجعة مفهوم التشيّع وفتحه على الإيمان بالحداثة والمحافظة على الهويّة.

أصدرت جمعيّة أهل البيت الثقافيّة (الشيعية) مجموعة من البيانات بخصوص ما يحدث في تونس، وأورد الموقع الرسمي للجمعيّة بيانين بتاريخ 12 و13 جانفي 2011. وورد البيان الأوّل بعنوان"لا لقتل أبناء شعبنا ولا للتدخل الأجنبي"، وأهمّ ما جاء فيه: "إنّ ما يحصل اليوم من قتل وترهيب واعتداء على أمن الناس العزل في وسط البلاد وجنوبها و في ضواحي العاصمة الفقيرة هو إعلان لفشل سياسة اجتماعية واقتصادية غير عادلة ومنافية لهويتنا الدينية والقومية".

يبدو هذا الخطاب منسجماً مع الإطار العام للأحداث في تلك الفترة، متوازناً في تشخيصه لما يحدث، ويعبّر عن هواجس شرائح واسعة من المجتمع. وتميّز بقدر من الجرأة في توصيف الواقع. ويمكن أن نعتبر هذه النبرة في الخطاب نقلة هامة في تعامل الجمعيّة مع شؤون البلاد، ولا شكّ أنّ تقدير الحالة التي يمرّ بها نظام ابن علي في تاريخ للبيان، كان دافعاً رئيساً لهذا التحوّل؛ فالتونسيون كانوا يحتاجون هذا الكلام قبل هذا التاريخ. ويمكن القول: إنّ خطاب هذه الجمعية الثقافيّة وتحوّلات مواقفها هو نموذج لمواقف الأغلبيّة الساحقة للنخبة التونسيّة بمختلف خلفياتها الفكريّة.

أمّا على المستوى السياسي فلم نجد حرصاً من الفعاليات الشيعيّة على ممارسة هذا العمل على الرغم من أهميته في ضمان حقوق الشيعة بوصفهم أقليّة مذهبيّة؛ فحينما ننظر في البيان الصادر عن جمعيّة أهل البيت الثقافيّة بتاريخ 13 جانفي نجده أقرب إلى بيان منظمة حقوقيّة، ولا يلامس الجانب السياسي بعمق، بل يكتفي بطرح حلول في إطار الموجود. ويبدو أن تجنّب الشيعة في تونس للعمل السياسي هو خيار مبدئي قد يصبح في الوضعية الجديدة ظرفيّاً. 

لم ينف عدد من محاورينا سعي بعض النخب الشيعيّة التونسيّة في الدّاخل والخارج لتكوين حزب سياسي يجعلهم عنصراً فاعلاً وايجابياً في مستقبل البلاد؛ وإذا لم يتحقق ذلك فيرى البناني أنه ينادي بدعم الأحزاب اليساريّة غير المؤدلجة على غرار الديمقراطي التقدّمي والمؤتمر من أجل الجمهوريّة وحزب الخضر وحزب المجد. وذكر أحد محاورينا أنّ عدداً هاماً من الشيعة يدعمون حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة.

إنّ التشيّع في تونس بعد أحداث السابع عشر من ديسمبر أصبح ظاهرة حقيقية تحوّلت من حالة التخفّي إلى حالة الوجود العلني؛ على الرغم من التحفّظ والحذر الشديدين لدى جزء هام من مكوّنات "المجموعة الشيعيّة". في تقديرنا يصعب الحديث عن مجموعة شيعيّة في تونس، بالنظر إلى غياب هياكل حقيقية تنظّم وجود الأفراد الذين يعيشون تحت ذاكرة الخوف غير المبرّر، رغم ما شهدته البلاد من تحوّلات هامّة. 

ونعتقد أن هذه الحالة ليست في صالح الشيعة أولاً ولا الجهات الرافضة لوجودهم ثانياً. وعلى الرغم من استفادة ظاهرة التشيّع من النهضة الشيعيّة في المشرق، فإنّ التشيّع في تونس وشمال إفريقيا ما يزال حالة عاطفيّة تغذّيها ذاكرة طويلة المدى، خزّنت صورة العلويّ المظلوم والمفضول. وقد انعكس الحذر الشديد في عزوف غالبيّة الشيعة عن ممارسة العمل السياسي وخاصة بشكل مستقلّ يعبّر عن أحوال "الطائفة". 

في المقابل وجدنا حرصاً على ممارسة العمل الثقافي القانوني، ووعياً بأهميّة التأقلم الإيجابي مع طبيعة المجتمع التونسي السنّي في غالبيته والطامح للحداثة والاستقرار والتجانس تحت راية الوطن والتشارك على أساس المواطنة، ولا شكّ أنّ هذا المشروع الشيعي، إنْ صحّ وصفه، لا يمكن أن نسحبه على جميع المتشيّعين في غياب هيكل تنظيمي واضح يؤكّد ما فهمناه من الطبقة المثقّفة منهم.

1 comments:

Old Mourabit يقول...

أغلب الشيعة شأنهم شأن كلّ التونسيين، يشعرون أنّ وضعهم أصبح أفضل، تجلّى ذلك في خروجهم إلى العلن ليدافع عن خصوصياته الثقافيّة والفكريّة.

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية