الجمعة، أبريل 19، 2013

استقالة فياض: فتح التي لم نعد نعرفها!

هناك من تعرّف على حركة فتح حديثا، منذ أن أصبحت حزب السلطة التي أفرزتها اتفاقات اوسلو الشهيرة عام 1993. وهناك من تعرّف على حركة فتح منذ أن غدت نقيضا لحركة حماس، فتصادما حتى باتت فلسطين مقسّمة بحكم الأمر الواقع (الحسم/الإنقلاب) إلى كينونتين، واحدة تحكمها حماس من غزة وأخرى تحكمها السلطة في رام الله. وسواء كانت فتح حزب السلطة أو نقيضا لحماس، فقد تقزّمت الحركة وراحت تبرع في انتاج التصريحات والمواقف لرفد الرئيس ومزاجه، واستقالت من أي دور لها يتجاوز حدود سلطة أوسلو وانشقاقاتها.

لمن لا يعرف حركة فتح قبل ذلك، فقد يهوله الحجم الأسطوري للهوّة التي تفصلُ فتح الأمس عن فتح اليوم. في التحوّل منطق. ذلك أن حركة التحرر أفاقت في غفلة على اختراق مفاجئ تحقق في أوسلو. بات على المناضلين أن يتحولوا بين ليلة وضحاها إلى موظفين يسهرون على رعاية دولتهم الفتيّة. على هذا تنقلب لغة النضال وأبجديتها ورموزها وتقاليدها، إلى شيء آخر لا يشبه فتح ولا طقوسها.

لمن لا يعرف حركة فتح في سنوات ما قبل أوسلو، وحتى ما قبل الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982، فإن جيلا عربيا كاملا رقص على ايقاعات تنظيم أبو عمار وأبو جهاد وأبو اياد... ورفاقهم. تجاوزت الحركة فلسطينيتها، وأضحت فلسطين مناسبة تحجّ إليها تياراتٌ ومشارب وشخصيات، تحملُ زادها المتعدد المراجع، وتترجلُ داخل فتح كموقع طبيعي وحيد وميدان جدل وعمل رائد.

توافدَ الاسلاميون واليساريون والقوميون والليبراليون...إلخ. حلّت على الحركة أطياف ترجع إلى القاهرة، وجماعات تتنفس دمشق، وفرق تلوذ ببغداد، ورؤوس تقلّد موسكو وبعد ذلك طهران...إلخ.

في معسكرات ومواقع ومؤسسات فتح احتشد العربُ من كل حدبٍ وصوب، تعايشوا مع الأكراد المقاتلين ضد انقرة ومع القبارصة اليونانيين المقاتلين ضد الاحتلال التركي ومع ثوار إيرلندا الساعين إلى استقلال عن بريطانيا... إلخ، دون الكلام عن يسار أوروبا واليابان وجنوب أميركا.

لم تكن فتح فصيلاً من الفصائل الفلسطينية على ما يروق للبلادة الحالية أن تتخيّل. فهي "أم الصبي" كما يقال، أم الجميع. تخال يساريي الجبهة الشعبية أو الديمقراطية فتحاويين يمارسون طقوسا أخرى تحت يافطة اخرى في مكان آخر. وكثيراً ما سقطت تلك اليافطات فعاد "الفتحاويون" هناك الى فتحهم هنا. ولأنها "أم الصبي" لم تكن تلك الحركة تتعامل مع الآخر بأدوات عصبوية كالتي تجري داخل الأحزاب، بل بأريحية الكبير في التعامل مع أبناء القضية، وأبناء االقضايا. لوهلة كدت تخال كل فلسطيني هو فتح، ولوهلة أخرى كدت تخال كل وطني عروبي أممي اسلامي مناضل هو فتح.

لمن لا يعرف فتح الأمس، هي تلك الصبية الفخورة بذاتها ورشاقتها وحركيتها وسعّة صدرها. هي تلك العصيّة التي لا تقبل وصاية أو تبعية، أو تحاول أن تكون كذلك. هي تلك الصاعدة التي تخطب ودّها العواصم، فتتمرد صونا لاستقلال وحماية لقرار، فتسعى قصور الحكم للفتك بفتنتها.

لفتح ما لها ولفتح ما عليها. سعت وحاولت، أصابت وأخطأت، انتصرت وهُزمت، وكان أن انخرطت في ورشة سلطة مُرتجلة وقماشة دولة قيّد التأسيس. ومن حقّ فتح أن تتبوأ مركز الصدارة في موقع الحكم، كما ما كان من أمر حركات التحرر في الجزائر وفيتنام وكمبوديا والصين.. الخ. لكن الدور الوليد سحب من فتح حقيقة مشروعية وجودها. 

لم تعدْ فتح تدلو بدلو عام يتجاوز حدود رام الله. أمست غير عابئة بفضائها العربي والعالمي ومزاجه. تنازلت عن عرشها وعن صباها وعن فرادتها، لتقبل استراحتها الكسولة من دور سرعان ما اختطفته حركة حماس وأطاحت بها.

للسلطة الفلسطينية اختصاصاتها في تدبير أمور فلسطينيي السلطة. في ذلك تقنية واحتراف يتعلق بإدارة الراهن وتفاصيله. لكن لفتح وظيفة أخرى. كان على فتح أن تنهلَ من بطون التاريخ وميادين المستقبل. كان يجب أن لا تُربكّها جغرافيات أوسلو وحدودها. كان يجب أن لا تكون وقوداً لانتاج النواب والوزراء، أي انتاج سلطة، وسلطة فقط.

في السجال الدائر حاليا حول استقالة رئيس الوزراء الفلسطيني تبدو علامات الترهل الذي أصاب الجسم الفتحاوي في فلسطين واضحة. فيّاض ليس فتحاويا، بالمعنى التنظيمي البسيط. لكن استقلالية الرجل وفلسطينيته تحيله فتحاويا بالفطرة. والنقاش ليس هنا، بل في ذلك الرجل التكنوقراط الوافد (ليعيّن وزيرا للمالية عام 2002) من تجربة دولية داخل أروقة البنك الدولي. لم يزعم الرجل يوما دورا سياسيا تاريخيا يتجاوز فتح والفصائل الرديفة. بقيّ أمر المرجعية السياسية في مكان آخر يقوده الرئيس (من أبوعمار إلى أبو مازن) .

لم تعد فتح حزب السلطة، صارت حزب الرئيس على منوال ما هو، وما كان، سائدا لدى أنظمة عربية انقرضت او قيّد الانقراض. وحين استبشر الفتحاويون خيرا من انعقاد مؤتمر حركتهم الأخير (من حيث استعادة الصبيّة لفتننها)، خرج المؤتمرون بقيادة "مهنّدسة" وفق منطق الصفقات والتسويات، التي لا شأن لها بصناديق الاقتراع. باختصار استنسخت فتح وليدا جديدا يأتي على مقاس ومزاج الرئيس في "المقاطعة".

في لا دور فتح الجديد كارثةٌ على مستقبل العمل الفلسطيني االوطني والسياسي لعام. فتوازن كافة التيارات والفصائل الفلسطينية (بما فيها حركة حماس للمفارقة) معقودٌ على دينامية وحيوية حركة فتح. تستقيلُ فتح من دورها القائد لمنظمة التحرير، وتنسحبُ من وظيفة الرعاية الحقيقية لفلسطين الفكرة كيانا وشعبا وشتاتا ولاجئين. ترتبكُ فتح في مقاربة الربيع العربي. تُطل على الحدث من موقعٍ حذر خجول واحيانا متخاذل. تغيبُ عن الفتحاوية رؤوسها المفكّرة وقاماتها المنظّرة، فينشطُ الرداحون المطبلون للرئيس في رام الله يصلّون خلفة نحو أية قُبلة يختارها.

تنقضُّ فتح على سلام فياض كما انقضّت قبل ذلك على محمد دحلان (وعلى غيرهما لاحقا إذا لزم الأمر). وفي تباين الحالتين مشترك واحد: مزاج الرئيس. في طموحات فيّاض وسلوكه ما يربك رأس السلطة من بديل جاهز. وفي عملية الانقضاض الأخيرة، تشحذُ الفتحاوية مواهبها في النيّل من انجازات الرجل، فيما تنشط "مصادر فلسطينية" في الترويج لهرع عواصم غربية للتدخل لدى الرئيس وانقاذ رأس رئيس وزرائه (دان عزام الأحمد التدخل الأميركي في الشؤون الفلسطينية، وربما هذا التدخل هو الذي دفع فيّاض للاصرار على استقالته). وفي اهتمام الغرب بفيّاص اهتمامٌ بكفاءة تقنية لا بخيار سياسيي لم يدّعيه ولا يملك إمكانات الاضطلاع به. والهدف العبقري من تسريبات "المصادر" تقديم فيّاض بصفته "مفروضا" من قِبَل واشنطن والغرب ضد "القيادة الوطنية الصامدة" في رام الله، فيأتي التخلص منه انجازاً وطنيا لا يدعو إلا إلى التثاؤب.

عجيب هذا التقاطع الفتحاوي الحمساوي في اطلاق قصائد الهجاء ضد فياض. الرجلُ (منذ أن كان وزيراً للمالية انتهاء بتعيينه رئيساً للوزراء عام 2007) أوقف بمهنية عالية حالة التسيّب المالي وفق سلوك "يُصرف له" القديم. تقيّد بشروط العالم المانح في تقديم شفافية مالية تَظهرُ من خلالها سيرورة تلك الاموال ومصائرها. حدد الرجل هوامش الفلتان، وبقيت هوامش أخرى عصيّة في فضاءات لا سيطرة له عليها. في سلوكه هذا توقف هدرٌ كان يتدحرج نحو مراكز قوى ووجهاء، كانوا أول من انبرى متصدياً لسلوكيات فيّاض "اللاوطنية" المستهترة، على ما يبدو، بتاريخ فتح وبعض فتحاوييها.

حماس تنتشي برحيل رجل "أغرقت ادارته السلطة بالديون" (حسب تصريحات الناطق باسمها سامي أبو زهري الذي صدق حين قال أيضا أن لا شأن للاستقالة بملف المصالحة). تلتقي حماس مع فتح في الفتك بسمعة الرجل وأدائه (حنان عشراوي تحدثت عن "حملة عامة لتشويه سمعة فياض.. أصبح كبش الفداء.... الهجوم عليه طال شخصيته وإلتزامه الوطني"). فالمشكلة لم تعد احتلالا خبيثا، وامتناعا عن تحويل مستحقات لدى اسرائيل، وتردداً غربياً في التمويل وعدم وفاء العرب بالالتزاماتهم.. واللائحة تطول. مشكلة فلسطين الأن اسمها سلام فياض!

فازت فتح في معركة كانت تخوضها منذ زمن. حتى حمل "رأس المعاصي" أوراقه ورحل (قيل أنه بذلك ينفي أن يكون تابعا لواشنطن ويرفض أن يكون ألعوبة بيّد فتح).

انتشت بعض الوجوه التي تمنّ النفس ببحبوحة أيام زمان. وُلدت فتح من جديد، أضحى بإمكانها حكم الضفة الغربية رداً على حكم حماس لغزة! تمخّض العملاق العتيق الذي كان يحضن العباد من مشرق الارض إلى مغربها، فولّد مخلوقا يتحدث بعصب بيولوجي عن دمٍ قبليّ طاهر اسمه فتح.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

0 comments:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية