الأحد، يوليو 15، 2018

معك سيجارة ؟

رغم أني لست مدخنا ، وبغضي للتدخين كبير ، وأمنيتي في محو شجرة التبغ من جذورها هي أمنية كل متألم على حال الشباب المدخن ، لكنني اليوم طلبت سيجارة من غلام جاورني في سيارة الأجرة بدا لي انه قد راهق الخامسة عشرة من عمره ، لا لتدخينها ، فلست مدخنا ، ثم لو كنت مدخنا سيمنعني الصيام من ذلك . كان الغلام قد طرّ شاربه ونبت شيئا قليلا . لم ترق لي سحنته ، فقد قرأت في صفحة وجهه التي يُفترض أن تموج فيها عيون البراءة ، سطور الشراسة ، ومعاني الإجرام المناسب لسنه . لم يكن ظني عبثيا ، أدركت صوابيته عندما رأيته يخرج من جيبه قداحة ثم جوالا حديث الطراز ، ثم عطرا طيبا منتشرا ، ثم خنجرا متوسط الحجم حتى وصل إلى الشواكل وسلمها للسائق . لا يجدر بي ، وأنا ممن لا يحكم على الجوهر من خلال الشكل إلا في حالات نادرة ومحدودة ، الاستدلال على إجرامية هذا الغلام اليافع ، من خلال تلك الأدوات التي بعضها حسن كالعطر والجوال ، وبعضها الآخر موضع ريبة وتهمة ، كالخنجر والولاعة ، سيما لمن هو في سنه . 
قطعت الظن باليقين ، وأخرجت أخر احتمالات برائته من ذهني عندما سألته بأريحية تامة: معك سيجارة ؟ قبل معرفة الجواب ، ومعرفة ردة فعله ، كنت قد أحصيت الغلام بنظراتي من أعلاه إلى أدناه ، فوقع نظري وأنا أتمعن فيه ، على (سنسال) عقد رجالي ، قد تدلى من عنقه ، مبرزا منه حلقات معدودة فقط . طعنني ، لا بخنجره ، بل بالسيجارة التي مدها علي ، كأنه ظن انه يمد علي كأسا من خروب أو قصب شهي ، عنذئذ ، ادركت وهو يمسك بالسيجارة في يديه ، بعدما أخرجها من علبة كانت مكتنزة ببقية السجائر ، أدركت صدق ما قادني إليه حدسي في هذا الغلام . المهم ليس معرفة بقية الحوارية التي درات بيننا ، بل المهم معرفة المسئول عن وصول هذا الغلام ، في هذه السن المبكرة ، إلى حالة مؤسفة من شرب للدخان ، وربما يفعلها في رمضان رغم انه أنكر لي ذلك ، وحيازة لسلاح ابيض لكنه قاتل أو مؤذي في كثير من الأحيان ، من برأيكم المسئول عن هذه الظاهرة ، التي ، لها أصول متأصلة ، وفروع متفرعة ، عند العديد من اليافعين ، والغلمان ، والمراهقين ، وطلاب المرحلة الإعدادية والثانوية ؟ من هو يا ترى ؟ . 
من واجبنا في رمضان ، أن نجوب الحقول التي بُذرَ أبناؤنا فيها فنسقي البذار المتعطشة منها لمزن الأخلاق ، والشواطئ التي يصطاف من نحب من ذريتنا عليها فنطهرها من خيم السلوكيات الغريبة على ثقافتنا. من أولوياتنا ، بل من أهم العبادات الرمضانية التي لا تقل أهمية عن القيام وتلاوة القران ، مراقبة الأبناء، والصبية والغلمان ، والفتية والفتيان ، والمراهقون والمراهقات ، مراقبتهم بأسلوب ودي ، وطريقة ايجابية ، فهم ناضجون ، ومميزون ، ولكن هذا النضج ، وذلك التمييز ، لا يعني ، على الاطلاق ، ان نمنحهم كامل الحرية في التصرفات ، واقتناء الاشياء ، ومزاملة الاخرين ، والترفيه عن انفسهم على طريقتهم الخاصة ، كل ذلك لا بد أن يتم في إطار ضوابط معلومة ، ووفق خطة مرسومة ، كي لا نلطم الخدود ، ونشق الجيوب ، ونندب على الزمان ، ونبكي حظوظنا ، يوم ان نرى من تأملنا ان يقفوا معنا فاذا هم واقفون ضدنا ، وبدل ان يكونوا عونا لنا يصبحوا ثقلا علينا ، لا لشئ الا لأنا منحناهم ، منذ طفولتهم ، مساحات من الحرية غير مقيدة ولا مضبوطة ، فتنبهوا ايها السامعون قبل ان يفوت الاوان .
بقلم:اسامة جمال الدحدوح

0 comments:

إرسال تعليق

 
تصميم وتنفيذ الادارة التنفيذية